قيادة الامام الصادق عليه السلام

وتحمّل الامام الصادق عليه السلام مسؤولية مواصلة المسيرة فيظروف معقّدة وصعبة للغاية .

فالانتفاضات تنشب في طول البلاد وعرضها، والولاة منهمكون بجمع الأموال والثروات الطائلة(36) ، والطاعون والقحط يضرب مناطق واسعة منها خراسان والعراق ، والجهاز الحاكم يبطش دون رحمة ، ويخلق حالة من الذلّ والخنوع بين الناس . والمنشغلون بالعلوم الاسلامية من فقه وحديث وتفسير لم يكن خطرهم غالباً يقلّ عن خطر الساسة والحكّام ، وهم الذين يُفترض بهم أن يكونوا ملاذَالناس وملجاءَهم ، كثير من هؤلاء كانوا يدبّجون الفتاوى ليرضواالسلطان والولاة(37). وكثيرٌ منهم كانوا يشغلون أنفسَهم ويشغلون الناسَ بتوافهِ الأمور، ويُثيرون النزاعات الكلامية الفارغة التي لاتمتّ بصلة الى الاسلام والى معاناة الجماهير.

مهمة الامام الصادق عليه السلام في هذه الظروف المظلمة هي ماذكرناه بشاءن مهمة الامامة ، وتتلخص في طرح الفكر الاسلاميالصحيح ، أي تبيين الاسلام كما جاء في القرآن وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع مكافحة كل الانحرافات والتشويهات الجاهلة والمغرضة ، وكذلك التخطيط لإقامة نظام العدالة الاسلامية ، وصيانة هذا النظام في حالة إقامته .

كلا المهمتين : المهمة الفكرية والمهمة السياسية ، تشكّلان خطراًكبيراً على النظام الحاكم . ليست المهمة السياسية وحدها تثير سخط السلطة ، فالمهمة الفكرية أيضاً تلغي تلك الافكار والمفاهيم المنحرفة التي قدمها السلطان ووعّاظه باسم الدين الى المجتمع .(38) من هنا فإن العملية الفكرية لها الاولوية ، لأنها تقضي على الزيف الديني الذييستند اليه الجهاز الحاكم في مواصلة ظلمه . من جهة اخرى فإن الاوضاع السائدة مستعدة للفكر الشيعي الثوري، والحرب والفقروالاستبداد عوامل تغذّي روح الثورة ، أضف الى ذلك عامل الاجواءالتي وفّرها نشاط الامام الباقر عليه السلام في المناطق القريبة والنائية .

ان الاستراتيجية العامة للامامة هي النهوض بثورة توحيدية علوية . ومتطلّباتها هي:

أولاً: إيجاد مجموعة تحمل فكر الامامة وتهضمه ، وتتطلع بشوق الى تطبيقه .

وثانياً: إيجاد مجموعة منظّمة مجاهدة مضحّية .

وهذه المتطلّبات تستلزم بدورها نشر الدعوة في جميع أرجاءالعالم ، وإعداد الارضية النفسية لتقبّل الفكر الاسلامي الثائر في جميع الاقطار، وتستلزم أيضاً دعوة أخرى لإعداد افراد مضحّين متفانين يشكلون التنظيم السرّي للدعوة .

وهذا هو سرّ صعوبة الدعوة على طريق الامامة الحقّة . فالدعوة الرسالية التي تستهدف القضاء على الطاغوت ، وعلى التفرعن والتجبّروالعدوان والظلم في المجتمع ، وتلتزم بالمعايير الاسلامية ، لا بدّ أن تستند الى ارادة الجماهير وقوّتها وإيمانها ونضجها. خلافاً لتلكالدعوات التي ترفع شعار محاربة الطغاة ، وهي تمارس في الوقت نفسه أعمال الطغاة والظَلَمة في حركتها، دون أن تتقيّد بمبادئ أخلاقية واجتماعية . فمثل هذه الدعوات لا تواجه صعوبات الدعوات الرسالية الهادفة ، وهذا هو سرّ عدم تحقق أهداف حركة الامامة على المدى العاجل ، وهو أيضاً سرّ الانتصار السريع للحركات الموازية لحركة الامامة (مثل حركة العباسيين ).

الظروف المساعدة والارضية المناسبة التي وفّرها نشاط الامام السابق ـ الباقر عليه السلام ـ أدّت الى أن يظهر الامام الصادق عليه السلام ـ في جوّ العذاب الطويل الذي عانى منه الشيعة ـ بمظهر الفجرالصادق الذي ينتظره اتباع أهل البيت في سالف أيامهم . والامام الباقر عليه السلام ذكر بالاشارة والتصريح ما يركز هذا المفهوم .

عن جابر بن يزيد الجعفي: "سئل الامام الباقر عليه السلام عن القائم فضرب يده على ابي عبداللّه عليه السلام وقال : هذا واللّه ولدي قائم آل بيت محمد صلّى اللّه عليه وآله(39).

والقائم هنا طبعاً غير قائم آل محمد في آخر الزمان ، وهو المهديعليه السلام الذي تواترت الروايات لدى كل المسلمين أنه يظهر فيآخر الزمان ، وأنه الخليفة الثاني عشر من خلفاء رسول اللّه . القائم هنابمعناه اللغوي ينطبق على كل من ينهض بوجه الظلم والاستبداد، وهواصطلاح معروف في مدرسة أهل البيت ، ولا يعني ذلك أن يكون القائم بالسيف بالضرورة . بل إنه يقوم بهجوم ثقيل خطير، سواء فياسلوب النشاط الفكري او التنظيمي او باءية صورة اُخرى تستهدف مقارعة الظالمين ومهاجمتهم . فالامام الباقر عليه السلام يركّز هنا على مفهوم نهوض الامام الصادق عليه السلام بمسؤولية كبيرة تجاه السلطة القائمة ، ولا يركّز على النتيجة .. بل في رواية اخرى يتحدّث بلغة تكاد تكون يائسة من امكان انتصار حركة الامامة على الوضع السياسي القائم .

ومن الروايات التي يركّز فيها الامام الباقر عليه السلام على الدورالذي سينهض به الامام الصادق عليه السلام ما رواه ابو الصباح الكناني قال : "نظر أبو جعفر الى ابنه أبي عبداللّه فقال : ترى هذا؟ هذا ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في من الذين قال اللّه تعالى: (الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)(40)

ولعل تصريحات الامام هذه هي التي أشاعت فكرة قيام الامام الصادق وخلافته بين الشيعة ، وجعلت اصحاب الباقر والصادق عليهما السلام يترقبون ساعة الصفر بين آونة واُخرى .

في رجال الشيخ الكشي رواية يمكن أن نفهم منها هذه الحالة السائدة بين اتباع أهل البيت آنذاك:

روى ابن مسكان عن زرارة ، انهُ ساءل ابا عبداللّه عليه السلام عن رجل من اصحابنا مختفٍ من غرامة . فقال : اصلحك اللّه ، ان رجلاً من اصحابنا كان مختفياً من غرامة ، فان كان هذا الامر قريباً صبر حتى يخرج مع القائم ، وان كان فيه تاءخير صالح غرامةً؟ فقال لهُ ابو عبداللّه عليه السلام : يكون ، فقال زرارة : يكون الى سنة ؟ فقال ابو عبداللّه عليه السلام : يكون إن شاء اللّه ، فقال زرارة : يكون الى سنتين ؟ فقال ابو عبداللّه عليه السلام : يكون إن شاء اللّه ، فخرج زرارة فوطّن نفسه على ان يكون الى سنتين فلم يكن ، فقال : ما كنت ارى جعفراً الااعلم مما هو.(41)

وعبارة "هذا الامر" في عرف اتباع اهل البيت كناية عن المستقبل الموعود لهم ، أي استلام زمام الحكم أو القيام بما يقرّبهم من ذلك كالثورة المسلّحة مثلاً. والقائم هو الذي يقود تلك العملية .

وفي رواية اخرى يذكر هشام بن سالم ، وهو أيضاً من وجوه الشيعة المعروفة ، أن زرارة قال له : لا ترى على اعوادها غير جعفر،قال : فلما توفي ابو عبداللّه عليه السلام اتيته فقلت له : تذكر الحديث الذي حدثتني به ؟ وذكرته له، وكنت اخاف ان يجحدنيه ، فقال : اني واللّه ما كنت قلت ذلك الا برأيي.(42)

من مجموع ما تقدم نفهم أن الامام الصادق عليه السلام كان في نظرأبيه وفي نظر الشيعة مظهر آمال الامامة والتشيّع . وكاءن سلسلة الامامة قد ادّخرته ليجسّد مساعي الامام السجاد والامام الباقرعليهما السلام . كاءنه هو الذي يجب أن يعيد بناء الحكومة العلوية والنظام التوحيدي، يجب أن ينهض نهضة اسلامية أخرى . الامامان السابقان طويا المراحل الصعبة الشاقة لهذا الطريق اللاحب ، وعليه أن يقطع المرحلة الاخيرة ، والظروف ـ كما ذكرنا ـ قد تهيّاءت ، والامام استثمر هذه الظروف لينهض برسالته الجسيمة .

منذ بداية استلام المسؤولية حتى الوفاة ، قضى 33 عاماً في جهادمتواصل ، وخلال هذه الاعوام كانت الظروف في مدّ وجزر، مرّة تتجه لصالح مدرسة اهل البيت ، ومرة اخرى تعاكسها، مرّة تبعث على التفاؤل وعلى أن النصر قريب ، ومرة اخرى تشتدّ الضغوط وتختنق الانفاس ، فيخيّل الى أصحاب الامام أن كل الآمال قد تبدّدت .والامام الصادق عليه السلام في كل هذه الاحوال ماسك بدفّة القيادة بعزم وتصميم ، يجتاز بالسفينة عبر هذه الامواج المتلاطمة الممزوجة بالامل والياءس ، لا يفكر الا بما يجب قطعه في المستقبل من أشواط ،باعثاً الجد والنشاط والايمان في اتباعه للوصول الى ساحل النجاة .

ويلزمنا هنا أن نشير الى ظاهرة مؤسفة تواجه كل الباحثين فيحياة الامام الصادق عليه السلام ، وهي الغموض الذي يكتنف السنين الاولى لبدايات إمامة الصادق عليه السلام التي اقترنت باءواخر أيام بني اُمية . كانت حياة صاخبة متلاطمة مليئة بالحوادث الجسام ، يمكن أن نفهم بعض ملامحها من خلال مئات الروايات . غيرأن المؤرخين والمحدّثين لم يعرضوا لنا هذه الفترة بشكل مرتّب منسجم مترابط ، ولابدّ للباحث أن يعتمد على القرائن ، وأن يلاحظ التيارات العامة في ذلك الزمان ، ويقرن كل رواية بما حصل عليه من معلومات مسبقة ، ليفهم محتوى الرواية وتفاصيلها.

ولعلّ أحد أسباب هذا الابهام يكمن في سريّة حركة الامام وأتباعه .. فالتنظيم السرّي القائم على اُسس صحيحة يجب أن تبقى المعلومات عنه سرية مخفية ، وأن لا يطّلع عليها من هو خارج التنظيم .ولا تنتشر هذه المعلومات الا بعد أن تحقق الحركة انتصارها. ومن هناتتوفّر لدينا معلومات وافية عن تفاصيل الاتصالات السرية فيحركة العباسيين ، لأن حركتهم انتصرت . ولا شكّ أن حركة أهل البيت لو قُدّر لها أن تنتصر وتستلم زمام الامور لاطّلعنا اليوم على أسرار تنظيمها الواسع .

وثمّة سبب آخر يمكن أن يكون عاملاً في هذا الغموض ، هو أن المؤرّخين كانوا يدوّنون عادة ما يرضي السلطان ، ولذلك نرى فيكتبهم تفاصيل حياة الخلفاء ولهوهم ولعبهم وسهراتهم ومجالس طربهم ، بينما لا نرى شيئاً يؤبه له بشاءن الثائرين والمظلومين والمسحوقين ، لأن مثل هذه المعلومات تحتاج من الباحث أن يتحرّى ويبحث ويخاطر، بينما حياة الخلفاء مادة جاهزة ، وغنيمة باردة تكسب الرضا وتستدر العطاء.

والمؤرّخون الخاضعون للخلافة العباسية استمروا يكتبون على هذاالمنوال مدة خمسمائة سنة بعد حياة الامام الصادق عليه السلام ، ومن هنا لا يمكن أن نتوقع العثور على شيء معتدّ به من المعلومات عن حياة الامام الصادق عليه السلام أو أي إمام من أئمة الشيعة في مثل هذه المصادر.

الطريق الوحيد الذي يستطيع أن يهدينا الى الخط العام لحياة الامام الصادق عليه السلام هو اكتشاف المعالم الهامة لحياة الامام من خلال الاصول العامة لفكر الامام وأخلاقه . ثم نبحث في القرائن والأدلّة المتناثرة التاريخية والقرائن الاخرى غير التاريخية لنتوصل الى التفاصيل .

معالم حياة الامام الصادق عليه السلام

والمعالم الهامة البارزة في حياة الامام الصادق عليه السلام وجدتها من منظار بحثنا تتلخص بما يلي:

1 ـ تبيين مساءلة الامامة والدعوة إليها.

2 ـ بيان الاحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت عليهم السلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله .

3 ـ اقامة تنظيم سرّي ايديولوجي ـ سياسي.

وطريقة بحثنا أن ندرس كل واحد من هذه المعالم ، ونضع في النهاية فهرساً لنشاطات الامام عليه السلام ، وأن يكون ذلك قدر المستطاع باُسلوب المؤرّخين لا باُسلوب المحدّثين .

1 ـ تبيين مسأ لة الامامة والدعوة اليها

هذا الموضوع يشكل أبرز خصائص دعوة أئمة أهل البيت ، منذالسنوات الاولى التي اعقبت رحيل النبي الأكرم صلّى اللّه عليه وآله .كانت مساءلة إثبات إمامة أهل البيت عليهم السلام تشكّل طليعة الدعوة في كل أعصار الامامة .. هذه المساءلة نشاهدها أيضاً في ثورة الحسين بن علي عليهما السلام ، ونشاهدها بعد ذلك أيضاً في ثورات أبناء أئمة أهل البيت ، مثل زيد بن علي. ودعوة الامام الصادق عليه السلام لم تخرج عن هذا النطاق أيضاً.

قبل أن نستعرض وثائق هذا الموضوع ، يجب علينا أن نعرف أولاًمفهوم "الامامة " في الفكر الاسلامي. وما معنى الدعوة الى الامامة ؟

كلمة "الامامة " تعني في الاصل القيادة بمعناها المطلق ، وفي الفكرالاسلامي تطلق غالباً على مصداقها الخاص ، وهو القيادة في الشؤون الاجتماعية ، الفكرية منها والسياسية .

وأينما وردت في القرآن مشتقات لكلمة الامامة (امام ، أئمة )، فيرادبها هذا المعنى الخاص لقيادة الامة . ففي بعض المواضع يقصد بهاالقيادة الفكرية وفي مواضع اُخرى يراد بها القيادة السياسية ، اوالاثنتين معا.

بعد رحيل النبي صلّى اللّه عليه وآله وظهور الانشقاق الفكريوالسياسي بين المسلمين اتخذت كلمة الامامة والامام مكانة خاصة ،لأن مساءلة القيادة السياسية شكّلت المحور الاساس للاختلاف .والكلمة كان لها في البداية مدلولها السياسي اكثر من أي مدلول آخر،ثم انضمّت اليها بالتدريج معانٍ أخرى ، حتى أصبحت مساءلة "الامامة " تشكّل في القرن الثاني أهم مسائل المدارس الكلامية ذات الاتجاهات الفكرية المختلفة ، وكانت هذه المدارس تطرح آراءهابشاءن شروط الامام وخصائصه ، أي شروط الحاكم في المجتمع الاسلامي، وهو معنى سياسي للامامة .

إن الامامة في مدرسة اهل البيت ـ التي يرى أتباعها أنهم يمثلون أنقى تيار فكري اسلامي ـ لها المعنى نفسه ، ونظرية هذه المدرسة بشاءن الامامة تتلخص فيما يلي:

الامام والزعيم السياسي في المجتمع الاسلامي يجب أن يكون منصوباً من اللّه ، بإعلان من النبي. ويجب أن يكون قائداً فكرياًومفسّرا للقرآن وعالماً بكل دقائق الدين ورموزه ، ويجب أن يكون معصوماً مبرّاءً من كل عيب خلقي واءخلاقي وسببي. ويجب اءن يكون من سلالة طاهرة نقية و...

وبذلك فإن الامامة كانت في العرف الاسلامي خلال القرنين الاول والثاني تعني القيادة السياسية ، وفي العرف الخاص باءتباع أهل البيت تعني، اضافة الى القيادة السياسية ، القيادة الفكرية والاخلاقية ايضاً.

فالشيعة تعترف بإمامة الفرد حين يكون ذلك الفرد متمتعاًبخصائص هي ـ اضافة الى قدرته على ادارة الامور الاجتماعية ـمقدرته على التوجيه والارشاد والتعليم في الحقل الفكري والديني،والتزكية الخلقية . وإن لم تتوفر فيه هذه المقدرة لا يمكن أن يرقى الى مستوى "الامامة الحقة ". وليس بكاف ـ في نظرهم ـ حسن الادارة السياسية والاقتدار العسكري والفتوحات وأمثالها من الخصائص التي كانت معياراً كافياً لدى غيرهم .

فمفهوم الامامة لدى اتباع أهل البيت ـ اذن ـ يتجه الى اعطاء إمامة المجتمع صفة قيادة ذلك المجتمع في مسيرته الجماعية والفردية . فالامام رائد مسيرة التعليم والتربية وقائد المسيرة الحياتية . ومن هنا كان "النبي" صلّى اللّه عليه وآله إماماً أيضاً، لأنه القائد الفكري والسياسيللمجتمع الذي أقام دعائمه . وبعد النبي تحتاج الامة الى امام يخلفه ويتحمل عب ء مسؤولياته ، (بما في ذلك المسؤولية السياسية ). ويعتقدالشيعة أن النبي نصّ على خلافة علي بن ابي طالب عليه السلام ، ثم تنتقل الامامة بعده الى الائمة المعصومين من ولده.(43)

ولا بدّ من الاشارة الى أن تداخل المهام الثلاث للامامة : القيادة السياسية ، والتعليم الديني، والتهذيب الاخلاقي والروحي في الامامة الاسلامية ناشيء من عدم وجود تفكيك بين هذه الجوانب الثلاثة فيالمشروع الاسلامي للحياة البشرية . فقيادة الامة يجب أن تشمل قيادتها في هذه الحقول الثلاثة أيضاً. وبسبب هذه السعة وهذه الشمولية في مفهوم الامامة لدى الشيعة كان لا بد أن يعيّن الامام من قبل اللّه سبحانه .

نستنتج مما سبق أن الامامة ليست ، كما يراها اصحاب النظرة السطحية ، مفهوماً يقابل "الخلافة " و"الحكومة " أو منصباً منحصراًبالامور المعنوية والروحية والفكرية ، بل إنها في الفكر الشيعي "قيادة الامة " في شؤون دنياها، وما يرتبط بذلك من تنظيم للحياة الاجتماعية والسياسية (رئيس الدولة ). وأيضاً في شؤون التعليم والارشادوالتوجيه المعنوي والروحي، وحلّ المشاكل الفكرية وتبيين الايديولوجية الاسلامية . "قيادة فكرية ".

وهذه المساءلة الواضحة أضحت ـ مع الاسف ـ غريبة على أذهان اكثر المعتقدين بالامامة ، ولذلك نرى من الضروري عرض بعض النماذج من مئات الوثائق القرآنية والحديثية في هذا المجال :

في كتاب "الحجة " من "الكافي" حديث عن الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام يذكر فيه بالتفصيل ما يرتبط بمعرفة الامام ووصف الامام ، ويتضمّن معاني عميقة ورائعة .

من ذلك ما ورد بشاءن الامامة باءنها: "هي منزلة الانبياء، وإرث الاوصياء، ان الامامة خلافة اللّه ، وخلافة الرسول ، ومقام أميرالمؤمنين عليه السلام وميراث الحسن والحسين عليهما السلام ، ان الامامة زمام الدين ، ونظام المسلمين ، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين ،ان الامامة أسّ الاسلام النامي، وفرعه السامي، بالامام تمام الصلاة والزّكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات ، وإمضاءالحدود والاحكام ، ومنع الثغور والاطراف .(44)

وحول الامام انه :

"النجم الهادي، والماء العذب ، والمنجي من الردى ، والسحاب الماطر، ومفزع العباد في الداهية ، وأمين اللّه في خلقه ، وحجّته على عباده ، وخليفته في بلاده ، والداعي الى اللّه ، والذاب عن حرم اللّه ،ونظام الدين ، وعزّ المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين .(45)

كل ما كان يمارسه النبي صلّى اللّه عليه وآله من مسؤوليات ومهام يتحملها علي عليه السلام والأئمة من ولده .(46)

وفي رواية أخرى عن الامام الصادق عليه السلام نرى تاءكيداً على إطاعة "الاوصياء" وتوضّح الرواية أن الاوصياء هم نفسهم الذين عبّر عنهم القرآن باءولي الامر.(47)

مئات الروايات المتفرّقة في الابواب المختلفة تصرّح أن مفهوم الامام والامامة في الفكر الشيعي ما هو الا القيادة وإدارة شؤون الاُمة المسلمة ، وأن أئمة أهل البيت عليهم السلام هم الاصحاب الحقيقيون للحكومة . وتدل جميعاً بما لا يقبل الشك على أن أئمة أهل البيت عليهم السلام في ادّعائهم الامامة كانوا لا يقتصرون بالمطالبة على المستوى الفكري والمعنوي، بل كانوا يطالبون بالحكومة أيضاً. ودعوتهم على هذا النطاق الواسع الشامل انما هي دعوة لحركة سياسية عسكرية لاستلام السلطة .

هذه الحقيقة ظلت خافية على الباحثين في العصور التالية(48) ، بينماكانت في فهم اصحاب الائمة والمعاصرين لهم من أوضح الحقائق ،حتى أن "الكميت " في احدى قصائده الهاشميات يصف أئمة أهل البيت عليهم السلام باءنهم ساسة يقودون الناس بطريقة تختلف تماماً عن الطريقة التي يمارسها الحكام الظلمة الذين يعاملون الناس كالبهائم .(49)

نعود الى الموضوع الأصلي وهو أن بيت القصيد في دعوة الامام الصادق عليه السلام وسائر أئمة اهل البيت عليهم السلام كان يدورحول "الامامة ". ولإثبات هذه الحقيقة التاريخية ، أمامنا روايات متضافرة تنقل بوضوح وصراحة عن الامام الصادق عليه السلام ادّعاءه الامامة . وكما سنوضح فيما بعد، أن الامام حين يعلن دعوته هذه كان يرى نفسه في مرحلة من الجهاد تستدعي أن يرفض بشكل مباشر صريح حكّام زمانه ، وأن يعلن نفسه باءنه صاحب الحق الواقعي، وصاحب الولاية والامامة . ومثل هذا التصدّي يعني عادة اجتياز سائر المراحل الجهادية السابقة بنجاح . ولابدّ أن يكون الوعيالسياسي والاجتماعي قد انتشر في قاعدة واسعة ، وأن الاستعدادمحسوس بالقوة في كل مكان ، وأن الارضية الإيديولوجية قد توفرت في عدد ملحوظ من الافراد، وان جمعاً غفيراً آمن بضرورة إقامة حكومة الحق والعدل ، وأن يكون القائد ـ أخيراً ـ قد اتخذ قراره الحاسم بشاءن هذه المواجهة الساخنة . وبدون هذه المقدمات فإن اعلان إمامة شخص معين وقيادته الحقة للمجتمع أمر فيه تعجّل ولاجدوى منه .

المساءلة الاخرى ، التي لا بدّ من التركيز عليها في هذا المجال ، أن الامام ما كان يكتفي في بعض الموارد باثبات إمامته وحسب ، بل يذكرالى جانب اسمه أسماء أئمة الحق من أسلافه أيضاً، أي إنه يطرح فيالحقيقة سلسلة ائمة أهل البيت بشكل متصل غير قابل للتجزئة والانفصال .

هذا الموقف يشير الى ارتباط جهاد أئمة أهل البيت عليهم السلام وتواصله من الأزمنة السابقة الى عصر الامام الصادق عليه السلام .ان الامام الصادق عليه السلام يقرر امامته باعتبارها النتيجة الحتمية المترتبة على إمامة اسلافه ، وبذلك يبين جذور هذه الدعوة وعمقها فيتاريخ الرسالة الاسلامية ، وارتباطها بصاحب الدعوة الرسول الاكرم عليه أفضل الصلاة والسلام . ولنعرض بعض نماذج دعوة الامام :

أروع رواية في هذا الباب عن "عمرو بن أبي المقدام "، وفيهاتصوير لواقعة عجيبة .

في يوم التاسع من ذي الحجة اذ اجتمع الحجاج في عرفة لأداءمنسك الوقوف ، وقد توافدوا على هذا الصعيد من كل فج عميق .. من أقصى خراسان حتى سواحل الاطلنطي.. والموقف حساس وخطير،والدعوة فيه تستطيع أن تجد لها صدى في أقاصي العالم الاسلامي.انضمّ الإمام عليه السلام الى هذه الجموع الغفيرة المحتشدة ، ليوصل اليها كلمته ، يقول الراوي: رأيت الامام قد وقف بين الجموع ورفع صوته عالياً ليبلُغ أسماع الحاضرين ولينتقل الى آذان العالمين وهوينادي:

"أيها الناس ، إن رسول اللّه كان الامام ثم كان علي بن ابي طالب ،ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم ..." فيناديثلاث مرات لمن بين يديه ، وعن يمينه وعن يساره ومن خلفه ، اثنيعشر صوتاً.(50)

ورواية أخرى عن "ابي الصباح الكناني" أن الامام الامام الصادق عليه السلام يصف نفسه وأئمة الشيعة باءن لهم "الانفال "و"صفو المال "..

عن ابي الصباح قال : قال لي ابو عبداللّه عليه السلام : "يا أباالصباح ، نحن قوم فرض اللّه طاعتنا، لنا الانفال ولنا صفو المال ، ونحن الراسخون في العلم ، ونحن المحسودون الذين قال اللّه في كتابه(51).

و"صفو المال " هو من الاموال ذات القيمة الرفيعة في غنائم الحرب ، وكان لا يقسم كما تقسم الغنائم بين المجاهدين ، كي لا يستاءثربه أحد دون آخر، ويكون كرامة كاذبة لأحد من الناس ، بل إنه يبقى لدى الحاكم الاسلامي يتصرّف به لما يحقق مصلحة عامة المسلمين .وكان الحكام الظلمة يستاءثرون بهذا المال ويجعلونه مختصاً بهم غصباً.والامام يصرّح باءن "صفو المال " يجب أن يكون لهم ، وهكذا الانفال .وهذا يعني أنه يعلن نفسه بصراحة حاكماً شرعياً للمسلمين مسؤولاًعن استثمار هذه الاموال وفق ما يراه تحقيقاً لمصلحة الامة .

وفي حديث آخر يذكر الامام الصادق عليه السلام اسماء اسلافه من الأئمة عليهم السلام واحداً واحداً، ويشهد بإمامتهم وبوجوب طاعتهم ، وحين يصل الى نفسه يسكت ، والمخاطبون يعلمون جيداً أن ميراث العلم والحكم بعد الامام الباقر عليه السلام وصل الى الامام الصادق . وبذلك يعلن الامام عليه السلام حقه في قيادة الامة باُسلوب يجعله مرتبطاً بجدّه علي بن ابي طالب عليه السلام.(52) وفيابواب كتاب الحجة من "الكافي" وكذلك في الجزء 47 من "بحارالانوار" أحاديث كثيرة من هذا القبيل ، تتحدث بصراحة أو بكناية عن ادّعاء الامامة والدعوة اليها.

ولإثبات هذه الحقيقة التاريخية أمامنا شواهد عن شبكة منظمة لدعوة الامام عليه السلام في جميع أرجاء العالم الاسلامي، والوثائق الكثيرة المتوفرة في هذا المجال تجعل وجود هذه الشبكة أمراً حتمياً لامراء فيه . وهذه الشواهد تبلغ من الكثرة والوثوق بحيث يمكن أن نستدل بها على موضوعنا استدلالاً قاطعاً، ولو لم يتوفر حديث صريح واحد في هذا المجال .

نحن في هذا المجال أمام ظواهر تاريخية ثابتة :

1 ـ ثمة ارتباط منظم فكري ومالي بين الائمة عليهم السلام وأتباعهم ، وكانت الأموال تُحمل من اطراف العالم الى المدينة كذلكوالاسئلة الدينية تتقاطر عليها.

2 ـ اتساع الرقعة الموالية لآل البيت عليهم السلام خاصة في البقاع الحساسة من العالم الاسلامي.

3 ـ تجمّع عدد غفير من المحدثين والرواة الخراسانيين والسيستانيين والكوفيين والبصريين واليمانيين والمصريين حول الامام عليه السلام .

فهل إن هذه الظواهر المنسجمة المتناسبة مع بعضها قد حدثت بالصدفة ؟

ولا بد أن نضيف أن هذه الظواهر حدثت في ظل سيطرةٍ سياسية كانت جادّةً كل الجدّ في الغاء حتى اسم علي وآل علي عليه السلام ، بل وسبّ علي على المنابر، وتسليط انواع البطش والارهاب على أتباعهم . فكيف أمكن في مثل هذا الجوّ خلق قاعدة شعبية عريضة موالية لآل البيت تطوي آلاف الاميال للوصول الى الحجاز والمدينة لتتلمذ على أئمة أهل البيت عليهم السلام وتاءخذ عنهم فكر الاسلام فيالحياة الفردية والاجتماعية ، وتتحدث معهم في موارد كثيرة وعن مسائل الثورة على الوضع الفاسد، أو بعبارة الروايات ، تتحدث معهم عن مسائل القيام والخروج ؟!!

فلو كان دعاة أهل البيت يقتصرون في حديثهم على علم الأئمة عليهم السلام وزهدهم ، فلماذا يدور الحديث في وسط هؤلاء الاتباع دائماً عن الثورة المسلحة ؟

ألا يدلّ كل هذا على وجود شبكة منظمة للدعوة الى إمامة أهل البيت عليهم السلام بالمعنى الكامل للامامة ، أي الفكرية والسياسية ؟

وهنا يطرح سؤال عن سبب سكوت التاريخ عن وجود مثل هذه الشبكة المنظمة في دعوة أهل البيت عليهم السلام ، لماذا لم يذكر التاريخ صراحة شيئاً عنها؟

والجواب ما أشرنا اليه سابقاً، يكمن في التزام أصحاب الأئمة بالمبدأالحركي الحكيم المسمّى بالتقية ، الذي يحول دون نفوذ أي عنصر أجنبيفي تنظيم الامام . كما يكمن أيضاً في عدم استطاعة الحركة الجهادية الشيعية من تحقيق أهدافها ومن استلام زمام الحكم .

لو أن بني العباس لم يستولوا على السلطة لبقيت دون شك كل نشاطاتهم السرية وذكريات دعوتهم ، مرّها وحلوها، حبيسة فيالصدور، دون أن يعلم بها أحد ودون أن يسجلها التاريخ .

ومع ذلك، ليست قليلة هي الروايات التي تصرّح الى حدّ مابوجود دعوة واسعة لإمامة أهل البيت عليهم السلام . ونكتفي برواية تقول :

قدم رجل من أهل الكوفة الى خراسان ، فدعا الناس الى ولاية جعفر بن محمد عليهما السلام ، ففرقة أطاعت وأجابت ، وفرقة جحدت وأنكرت ، وفرقة ورعت ووقفت ... ثم تقول الرواية : فخرج من كل فرقة رجل فدخلوا على أبي عبداللّه عليه السلام فكان المتكلم منهم ،الذي ورع ووقف . فقال : أصلحك اللّه ، قدم علينا رجل من أهل الكوفة فدعا الناس الى طاعتك وولايتك، فاءجاب قوم وأنكر قوم وورع قوم ووقفوا. قال الامام عليه السلام : فمن أي الثلاث أنت ؟قال : من الفرقة التي ورعت ووقفت . قال : فاءين كان ورعك ليلة كذاوكذا (وذكّره بسقوطه في موقف شهواني)، فارتاب الرجل (53).

الداعية كما ترى من أهل الكوفة ، ومنطقة الدعوة خراسان ، واسم الرجل مكتوم ، ودعوته الى إمامة جعفر بن محمد الصادق عليهماالسلام وولايته وطاعته.

ثمة وثائق أخرى تبين محتوى دعوة ائمة اهل البيت عليهم السلام وشيعتهم الى الامامة ، تعرضها المناقشات والمجادلات بينهم وبين خصومهم السياسيين (الامويين والعباسيين ). هذه المنازعات كانت تدور احياناً بلغة الاستدلال الكلامي والديني، وأحياناً بلغة الادب الرفيع المتمثل بالشعر. وكان كل الحِجاج يقوم على أساس إثبات حق الامامة السياسية والحكم لأئمة اهل البيت عليهم السلام ، ومقارعة المتربّعين ظلماً وغصباً على كرسي حكومة المسلمين . ان عصر الامام الصادق عليه السلام ـ لمعاصرته حركة بني العباس وانتصار هذه الحركة ـ كان مفعما بهذا اللون من الحِجاج .

كان شعراء بني العباس يحاولون اثبات حق الحكم لبني العباس استناداً الى الادلة نفسها التي يقدمها عادة الطامعون الى السلطة والمتشبثون بكرسي الحكم . ويقف شعراء الشيعة مقارعين لحججهم مستدلّين على زيف الحكم العباسي من منطق اسلامي، يقوم على أساس رفض الظلم والاجرام والخيانة بحق الامة الاسلامية .

وللحِجاج الشعري بين العباسيين والعلويين أهمية في هذا المجال ، لماكان ينهض به الشعر آنئذ من دور كبير في التعبير عن العواطف والافكار، ولما كان يؤديه في القاعدة الشعبية من تاءثير. يذكر صاحب كتاب "العباسيون الاوائل " دور الادب في القرنين الاول والثانيفيقول :

".. كان الادب يؤثر في النفوس ويكسب عواطف الناس وميولهم الى هذه الفئة أو تلك، وكان الشعراء والخطباء بمثابة جريدة العصر،يعبّر كل منهم عن رأي سياسي ويدافع عن حزب معين ، مبرزاً الدليل تلو الدليل على صحة دعواه، مفنّداً آراء الخصوم بكلام مؤثروأسلوب بليغ(54).

شعراء البلاط العباسي كانوا يجتهدون في اثبات حق العباسيين فيالخلافة ، باعتبار ارتباطهم بالنبي عن طريق العمومة ، مستدلين على ذلك باءن الارث لا ينتقل الى أبناء البنت مع وجود الاعمام . فالخلافة بعد النبي من حقّ العباس عم النبي ومن بعده أبناؤه من بني العباس :

قال مروان بن أبي حفصة :

أنّى يكون وليس ذاك بكائن لبني البنات وراثة الأعمام وقال ابان بن عبدالحميد اللاحقي:

فاءبناء عباس همُ يرثونه كماالعمُلابنِالعم فيالارث قدحجب منطلقين من عاطفة الشعور بالظلم للرد على هذه الأدلّة ، بالمنطق نفسه ، وأحياناً بمنطق آخر للاستدلال على حق أئمة أهل البيت فيالامامة . من ذلك استدلالهم بحديث غدير خم كقول السيد الحميري:

من كنت مولاه فهذا له مولى فلم يرضوا ولم يقنعوا ويردّ محمد بن يحيى بن أبي مرّة التغلبي على استدلال الشاعرالعباسي بشاءن وراثة الاعمام فيقول:

لِمَ لا يكون وإن ذاك لكائن لبني البنات وراثة الاعمام للبنت نصف كامل من ماله والعم متروك بغير سهامِما للطليق وللتراث وإنماصلّى الطليق مخافة الصمصامِويرى دعبل أن كل ما حلّ باءهل البيت عليهم السلام من مصائب إنما هو لأنهم ورثوا النبي، فتكالب على هذا الارث الطامعون ،وأضرّوا بمن له الحق في الامامة :

أضرّ بهم إرث النبي فاءصبحواتساهم فيهم خِيفة ومنون دعتهم ذئاب من أمية وانتحت عليهم دراكاً أزمة وسنون وعاثت بنو العباس فيالدين عيثة تحكّم فيها ظالم وخؤون وسَمّوارشيداً ليس فيهم لرشده وها ذاك ماءمون وذاك أمين فما قبلت بالرشد منهم رعاية ولاللولي بالأمانة دين وليس من العسير على الباحث في العصر العباسي الاول أن يجدمئات النماذج من المحاورات والمناظرات السياسية بلغة الشعر في هذاالمجال . وكان شعراء الشيعة وخصومهم يقيمون الحجج على دعواهم .وليس من المهم أن نعرف في هذه المواجهة مقدار صحة هذه الحجج واستقامتها، ولكن من المهم أن نعرف المحورَ الذي يدور حوله النزاع ،والحقَ الذي يدعيه الجانبان .

هناك حق يدعيه كل جانب ، وهذا الحق هو وراثة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في الحكم وفي قيادة المسلمين .

ليس النزاع بين الجانبين العلوي والعباسي في وراثة الخصال الاخلاقية والمعنوية والفكرية للنبي صلّى اللّه عليه وآله . ليس الخلاف في أحقية هذا أو ذاك في وراثة هذه الخصال . لأن هذه الخصال لاتشكّل حقاً يتنازع عليه فريقان . النزاع حول "حق " يدّعيه الجانبان .وقد رأينا أن الشعراء في زمن الامام الصادق عليه السلام يدافعون عن حق الامام في قيادة الامة المسلمة وفي حكم المجتمع الاسلامي،ويخوضون حرباً ضدّ من ليست لهم صلاحية حكومة المسلمين ،ولذلك شواهد كثيرة في شعر القرن الثاني الهجري.

وقبل أن نختتم هذا القسم من المناسب أن نشير الى لغة حِجاج أخرى ، هي لغة الرسائل . هذه الرسائل الاحتجاجية كانت تتضمن من جهة أهداف الفرقاء بشكل واضح دون لبس ، وكانت تجد لها من جهة أخرى صدىً شعبياً بعد انتشار مضمونها، وتاءثيراً قوياً على الأنصار والخصوم . نذكر من ذلك رسالة محمد بن عبداللّه بن الحسن ذي النفس الزكية الى المنصور العباسي. هذا العلويّ الثائر يذكربصراحة ووضوح أنه يطلب نزع الخلافة من خصومه لتكون في ابناءعلي عليهم السلام ، يقول :

"وإن أبانا علياً كان الوصيَ وكان الامامَ، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟(55).

ويبدو أن هذا الاستدلال أورده العلوي ردّاً على استدلال العباسيين في وراثتهم الخلافة ، لأن بني العباس لم تكن لهم حجة سوى هذا الارث المزعوم ، فاءراد أن يسدّ عليهم الطريق ويردّ عليهم بنفس منطقهم . ويلاحظ في العبارة أن ذا النفس الزكية يركّز على إمامة عليعليه السلام انطلاقاً من فهمه لمعنى الامامة ، ثم يركّز على طبيعة دعوة البيت العلوي التي يمثلها هذا الثائر.

2 ـ بيان الأحكام وتفسير القرآن وفق ما ورثته مدرسة أهل البيت عليهم السلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله

هذا النشاط يمكن ملاحظته أيضاً في حياة الامام الصادق عليه السلام بشكل متميّز عما نراه في حياة بقية أئمة آل البيت عليهم السلام ،حتى سمّي فقه الشيعة باسم "الفقه الجعفري". حتى الذين يغضّون الطرف عن النشاط السياسي للامام الصادق عليه السلام يجمعون على أن الامام كان يدير أوسع ، أو واحدة من أوسع الحوزات الفقهية في زمانه . والذي بقي مستوراً عن أعين أغلب الباحثين في حياة الامام ، هو المفهوم السياسي ومفهوم المواجهة لهذا اللون من نشاطات الامام ، وهذا ما سنتعرض له الآن .

لا بدّ أن نذكر أولاً، أن منصب الخلافة في الاسلام له خصائص متميزة تجعل الحاكم متميّزاً عن الحكام في أنظمة الحكم الاخرى .فالخلافة ليست جهازاً سياسياً فحسب ، بل هي جهاز سياسي ـ ديني.وإطلاق لقب الخليفة على الحاكم الاسلامي يؤيد هذه الحقيقة ، فهوخليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في كل ما كان يمارسه الرسول من مهام دينية ومهام قيادية سياسية في المجتمع .

والخليفة في الاسلام يتحمل المسؤوليات السياسية والمسؤوليات الدينية معاً. هذه الحقيقة الثابتة دفعت الخلفاء الذين جاءوا بعد الخلفاءالأولين والذين كانوا ذوي حظ قليل في علوم الدين ، أو لم يكن لهم منه حظ أصلاً، دفعتهم الى سدّ هذا النقص عن طريق رجال دين مسخّرين لهم . فاستخدموا فقهاء ومفسّرين ومحدّثين في بلاطهم ،ليكون جهازهم الحاكم جامعاً أيضاً للجانبين الديني والسياسي.

والفائدة الاخرى من وجود وعّاظ السلاطين في الجهاز الحاكم ،هي إن الحاكم الظالم المستبد كان قادراً متى ما أراد أن يغيّر ويبدّل أحكام الدين وفقاً للمصالح . وكان هؤلاء الماءجورون يقومون بهذه العملية ارضاء لأولياء نعمتهم ، تحت غطاء من الاستنباط والاجتهادينطلي على عامة الناس .

الكتّاب والمؤرخون المتقدمون ذكروا لنا نماذج فظيعة من اختلاق الحديث ومن التفسير بالرأي كانت يد القوة السياسية فيها واضحة ،وسنشير الى جانب منها في اقسام حديثنا التالية . هذا العمل الذياتخذ غالباً في البداية (حتى أواخر القرن الهجري الاول ) شكل وضع رواية أو حديث ، راح تدريجياً ياءخذ طابع الفتوى . ولذلك نرى فيأواخر عصر بني أمية وأوائل عصر بني العباس ظهور فقهاء كثيرين استفادوا من أساليب رجراجة في أصول الاستنباط ، ليصدرواالاحكام وفق أذواقهم التي كانت في الواقع أذواق الجهاز الحاكم .

هذه العملية نفسها اءُنجزت اءيضاً في حقل تفسير القرآن . فالتفسيربالرأي اتجه غالباً الى إعطاء مفاهيم عن الاسلام لا تقوم على أساس سوى ذوق المفسّر ورأيه المستمدّ من ذوق الجهاز الحاكم وإرادته .

من هنا انقسمت العلوم الاسلامية : الفقه والحديث والتفسير منذأقدم العصور الاسلامية الى تيارين عامين :

التيار الاول : تيار مرتبط بجهاز الحكومة الظالمة الغاصبة ، ويتميزبتقديم الحقيقة في موارد متعددة قرباناً على مذبح "المصالح " التي هيفي الواقع مصالح الجهاز الحاكم ، ويتميز أيضاً بتحريف أحكام اللّه لقاءدراهم معدودات .

والتيار الثاني: التيار الاصيل الامين الذي لا يرى مصلحةً أرفع وأسمى من تبيين الاحكام الإلهية الصحيحة ، وكان يصطدم ـ شاء أم أبى ـ في كل خطوة من خطواته بالجهاز الحاكم ووعاظ السلاطين ،ولذلك اتجه منذ البدء اتجاهاً شعبياً في إطار من الحيطة والحذر.

انطلاقاً من هذا الفهم نعرف بوضوح أن اختلاف "الفقه الجعفري"مع الفقهاء الرسميين في زمن الامام الصادق لم يكن اختلافاً فكرياًعقائديا فحسب ، بل كان اختلافاً يستمد وجوده من محتواه الهجوميالمعارض أيضاً.

أهم أبعاد هذا المحتوى إثبات خواء الجهاز الحاكم ، وفراغه من كل مضمون ديني، وعجزه عن ادارة الشؤون الفكرية للاُمة ، وبعبارة أخرى ، عدم صلاحيته للتصدّي لمنصب "الخلافة ". والبعد الآخرتشخيص موارد التحريف في الفقه الرسمي.. هذه التحريفات القائمة على أساس فكر "مصلحي" في بيان الاحكام الفقهية ومداهنة الفقهاءللجهاز الحاكم . والامام الصادق عليه السلام بنشاطه العلمي وتصدّيه لبيان أحكام الفقه والمعارف الاسلامية ، وتفسير القرآن بطريقة تختلف عن طريقة وعّاظ السلاطين قد اتخذ عملياً موقف المعارضة تجاه الجهاز الحاكم . الامام عليه السلام بنشاطه هذا قد يلغي كل الجهاز الديني والفقهي الرسمي الذي يشكّل أحد أضلاع حكومة الخلفاء، ويفرّغ الجهاز الحاكم من محتواه الديني.

ليس باءيدينا سند ثابت يبين التفات الجهاز الاُموي الى هذاالمحتوى المعارض لما قام به الامام الصادق عليه السلام من نشاط علمي فقهي. ولكن أغلب الظن أن الجهاز الحاكم العباسي ـ وخاصة في زمن ا لمنصور الذي كان يتمتع بحنكة وذكاء وتجربة اكتسبها من صراعه السياسي الطويل مع الحكم الاموي قبل وصوله الى السلطة ـكان يعي المسائل الدقيقة في نشاطات البيت العلوي. وكان الجهازالحاكم العباسي يفهم الدور الفاعل الذي يستطيع أن يؤديه هذاالنشاط العلمي بشكل غير مباشر.

والتهديدات والضغوط والمضايقات التي كانت تحيط بنشاطات الامام الصادق عليه السلام التعليمية والفقهية من قبل المنصورالمنقولة إلينا في روايات تاريخية كثيرة ناتجة من هذا الالتفات الى حساسية المساءلة . وهكذا اهتمام المنصور بجمع الفقهاء المشهورين فيالحجاز والعراق في مقرّ حكومته ـ كما تدل على ذلك النصوص التاريخية العديدة ـ فإنهُ ناشئ عن هذا الالتفات أيضاً.

في حديث الامام عليه السلام وتعاليمه لأصحابه ومقرّبيه كان يستند الى "خواء الخلفاء وجهلهم " ليستدلّ على أنهم في نظر الاسلام لا يحق لهم أن يحكموا. ونحن نشهد هذه الصيغة من الهجوم على الجهازالحاكم بوضوح وصراحة في دروسه الفقهية .

يروى عنه قوله عليه السلام : "نحن قوم فرض اللّه طاعتنا وأنتم تاءتمّون بمن لا يُعذر الناس بجهالته.(56)

أي إن الناس انحرفوا بسبب جهل حكّامهم وولاة امورهم ،وسلكوا سبيلاً غير سبيل اللّه . وهؤلاء غير معذورين لدى اللّه . لأن اطاعة هؤلاء الحكام كانت عملاً انحرافياً، فلا يبرّر ما يستتبعها من وقوع في الانحرافات .(57)

في تعليمات الأئمة عليهم السلام قبل الامام الصادق عليه السلام وبعده نرى أيضاً تركيزاً على ضرورة اقتران القيادة السياسية بالقيادة الفكرية والايديولوجية . ففي رواية عن الامام علي بن موسى الرضاعليه السلام عن جدّه الامام محمد الباقر عليه السلام قال : "إنما مثل السلاح فينا مثل التابوت في بني اسرائيل ، أينما دار التابوت دار الملك(تاءمل بدقة المعنى الرمزي في التعبير) وأينما دار السلاح فينا دارالعلم .. وفي رواية أخرى : حيثما دار السلاح فينا فثم الامرُ (الحكم .(58)

ويساءل الراوي الامام : فيكون السلاح مزايلا (مفارقا) للعلم ؟

قال الامام : لا. أي إن قيادة المجتمع المسلم يجب أن تكون في من بيده السلاح والعلم معا.

الامام عليه السلام إذن يرى أن علم الدين وفهم القرآن بشكل صحيح شرط من شروط الامامة ، ومن جهة أخرى فهو بنشاطه العلمي، وجمع عدد غفير من مشتاقي علوم الدين حوله ، وتعليمه الدين بشكل يختلف تماماً عن الطريقة المعتادة لدى العلماء والمحدثين والمفسرين المرتبطين بجهاز الخلافة ، يثبت عملياً أصالة المحتوى الدينيلمدرسته ، وزيف الظاهر الديني الذي يتقمّصه جهاز الخلافة ومن لفّلفّه من علماء بلاطه . وعن هذا الطريق المهاجم المتواصل العميق الهادئ يضفي على جهادهِ بعداً جديداً.

وكما ذكرنا من قبل ، فإن الحكّام العباسيين الاوائل الذين قضواسنين طوالاً قبل تسلّمهم السلطة في نفس أجواء الجهاد العلوي وإلى جانب انصار العلويين ، كانوا على علم بكثير من الخطط والمنعطفات ،وكانوا متفهّمين لدور الهجوم والمواجهة الذي يؤدّيه هذا النشاط فيالفقه والحديث والتفسير أكثر من أسلافهم الأمويين . وقد يكون هذاالسبب هو الذي دفع المنصور العباسي في مواجهاته مع الامام الصادق عليه السلام أن يمنع الامام زمناً من الجلوس في حلقات التدريس وعن تردّد الناس عليه . حتى أن المفضل بن عمر يقول : "ان المنصورقد كان همّ بقتل ابي عبداللّه عليه السلام غير مرّة ، فكان اذا بعث اليه ودعاه ليقتله فإذا نظر اليه هابه ولم يقتله ، غير انه منع الناس عنه ومنعهُ من القعود للناس ، واستقصى عليه اشد الاستقصاء، حتى انه كان يقع لأحدهم مساءلة في دينه في نكاح أو طلاق أو غير ذلك فلايكون علم ذلك عندهم ، ولا يصلون اليه فيعتزل الرجل وأهله ، فشق ذلك على شيعته وصعب عليهم .(59)

3 ـ إقامة تنظيم سري إيديولوجي ـ سياسي

مرّ بنا أن الامام الصادق عليه السلام قاد في أواخر العصر الاُمويشبكة إعلامية واسعة استهدفت الدعوة الى إمامة آل علي عليه السلام وتبيين مساءلة الامامة بشكلها الصحيح . وهذه الشبكة نهضت بدورمثمر وملحوظ في أقاصي بقاع العالم الاسلامي، وخاصة فيالعراق وخراسان لنشر مفاهيم الامامة .

ونشير هنا الى جانبٍ صغير من هذهِ المساءلة . مساءلة التنظيمات السرية في الحياة السياسية للامام الصادق عليه السلام وباقي الأئمة من أهم المسائل وأكثرها حساسية ، وهي في الوقت نفسه من أغمض فصول حياتهم وأشدّها إبهاما. وكما ذكرنا، لا يمكن أن نتوقع وجودوثائق صريحة في هذا المجال ، حيث لا يمكن أن نتوقع من الامام أوأحد أصحابه أن يعترف صراحة بوجود هذه التنظيمات ـ السياسية ـالفكرية .

فهذا مما لا يمكن الكشف عنه . الشيء المعقول هو أن الامام ينفيبشدّة وجود مثل هذا التنظيم السري، وهكذا أصحابه ، ويعتبرون ذلك تهمة وسوء ظن فيما لو تعرّضوا لاستجواب جهاز السلطة . هذه هي خاصية العمل السري، والباحث في حياة الأئمة عليهم السلام أيضاً من حقّه أن لا يقتنع بوجود مثل هذا التنظيم دون دليل مقنع . اذن فلا بدّ أن نبحث عن القرائن والشواهد والحوادث التي تبدو بسيطة لاتلفت نظر المطالع العادي، لنبحث عن دلالالتها في هذا المجال . بهذااللون من التدقيق في حياة الأئمة عليهم السلام خلال قرنين ونصف القرن من حياتهم يستطيع الباحث أن يطمئن الى وجود مثل هذه التنظيمات التي تعمل تحت قيادة الأئمة عليهم السلام .

ما المقصود بالتنظيم ؟ ليس المقصود به طبعاً حزباً منظماً بالمفهوم المعروف اليوم ، ولا يعني وجود كوادر منظمة ذات قيادات اقليمية مرتبطة ارتباطاً هرمياً، فلم يكن شيء من هذا موجوداً ولا يمكن أن يوجد. المقصود بالتنظيم وجود جماعة بشرية ذات هدف مشتركتقوم بنشاطات متنوعة تتجه نحو ذلك الهدف ، وترتبط بمركز واحدوقلب نابض واحد ودماغ مفكر واحد، وتسود بين أفرادها روابط عاطفية مشتركة .

هذه الجماعة كانت في زمن الإمام علي عليه السلام (أي خلال السنوات الخمس والعشرين بين وفاة الرسول الاكرم وبيعته للخلافة )كان يجمعها الايمان باءحقية الامام علي عليه السلام في الخلافة ، وكانت تعلن وفاءها الفكري والسياسي للامام ، غير أنها كانت تحذو حذوالإمام علي عليه السلام في عدم إثارة ما يزلزل المجتمع الاسلاميالوليد، كما كانت تنهض بما كان ينهض به الامام علي عليه السلام فيتلك السنوات من مهام رسالية تستهدف صيانة الاسلام ونشره ،ومحاولة الحدّ من الانحرافات . واتخذت لولائها هذا اسم "شيعة علي"،ومن وجوههم المشهورة : سلمان وعمار وأبو ذر واُبي بن كعب والمقدادوحذيفة وغيرهم من الصحابة الأجلاّء.

ولدينا شواهد تاريخية تثبت أن هؤلاء كانوا يشيعون بين الناس فكرهم بشاءن إمامة علي عليه السلام بشكل حكيم . وعملهم هذا كان مقدمة لالتفاف الناس حول الامام وإقامة الحكم العلوي.

بعد أن استلم الامام علي عليه السلام مقاليد الاُمور سنة 35هجرية ، كان حول الامام علي صنفان من الناس : صنف عرف الامام ومكانته وفهم معنى الامامة وآمن بها، وهم شيعته الذين تربّوا على يد الامام بشكل مباشر أو غير مباشر. وعامة الناس الذين عاشواأجواء تربية الامام ونهجه ولكنهم لم يكونوا مرتبطين فكرياً وروحياًبالجماعة التي ربّاها الامام تربية خاصة .

ولذلك نجد بين اتباع الامام صنفين من الافراد بينهما تفاوت كبير:صنف يضم عماراً ومالكاً الاشتر وحجرَ بن عدي وسهلَ بن حنيف وقيسَ بن سعد وامثالهم ، وصنف من مثل ابي موسى الاشعري وزيادبن أبيه ونظرائهم .

بعد حادثة صلح الامام الحسن عليه السلام كانت الخطوة الهامة التي اتخذها الامام نشر فكر مدرسة اهل البيت ، ولمّ شتات الموالين لهذا الفكر، إذ اتيحت الفرصة لحركة أوسع بسبب اضطهاد السلطة الاُموية . وهكذا كان دائماً، فالاضطهاد يؤدي الى انسجام القوى المضطهدة وتلاحمها وتجذّرها بدل تبعثرها وتشتتها. واتجهت استراتيجية الامام الحسن عليه السلام الى تجميع القوى الاصيلة الموالية ، وحفظها من بطش الجهاز الاُموي، ونشر الفكر الاسلاميالاصيل في دائرة محدودة ، ولكن بشكل عميق ، وكسب الافراد الى صفوف الموالين ، وانتظار الفرصة المؤاتية للثورة على النظام وتفجيرأركانه ، وإحلال الحكم العلوي مكانه .. وهذه الاستراتيجية في العمل هي التي جعلت الامام الحسن عليه السلام أمام خيار واحد وهوالصلح .

ومن هنا نرى أن جمعاً من الشيعة برئاسة المسيب بن نجية وسليمان بن صرد الخزاعي يقدمون على الامام الحسن عليه السلام بعد حادثة الصلح في المدينة ، حيث اتخذها الامام قاعدة لعمله الفكريوالسياسي بعد عودته من الكوفة ، ويقترحون عليه إعادة قواهم وتنظيماتهم العسكرية والاستيلاء على الكوفة والاشتباك مع جيش الشام ، والامام يستدعي هذين الاثنين من بين الجمع ، ويختلي بهماويحدثهما بحديث لا نعرف فحواه ، يخرجان بعده بقناعة تامة بعدم جدوى هذه الخطة . وحين يعود الاثنان الى من جاء معهما يفهمانهم باقتضاب أن الثورة المسلحة مرفوضة ، ولا بدّ من العودة الى الكوفة لاستئناف نشاط جديد فيها.(60)

هذه حادثة مهمة لها دلالات كبيرة حدت ببعض المؤرخين المعاصرين الى اعتبار ذلك المجلس الحجر الاساس في إقامة التنظيم الشيعي.

والواقع أن الخطوة الاُولى لإقامة التنظيم الشيعي لو كانت حقاً قداتخذت في ذلك اللقاء بين الامام الحسن عليه السلام والرجلين القادمين من العراق ، فإن مثل هذه الخطوة قد أوصى بها الامام عليعليه السلام من قبل حين أوصى المقرّبين من اصحابه بقوله : "لو قدفقدتموني لرأيتم بعدي أشياء يتمنّى أحدكم الموت مما يرى من الجوروالعدوان والأثَرَة والاستخفاف بحق اللّه والخوف على نفسه ، فاذاكان ذلك:

ـ فاعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرّقوا..

ـ وعليكم بالصبر والصلاة .

ـ والتقية .

واعلموا أن اللّه عزّوجل يبغض من عباده (التلوّن ) لا تزولوا عن (الحق وأهله) فإن من استبدل بنا هلك، وفاتته الدنيا وخرج منها آثما.(61)

هذا النص الذي يرسم بوضوح الوضع الماءساوي في العصرالاموي، ويوجه المؤمنين الى التلاحم والتعاضد والتنسيق والانسجام يعتبر أروع وثيقة من وثائق الجهاز التنظيمي في حركة آل البيت عليهم السلام . وهذا المشروع التنظيمي يتبلور في شكله العملي فياللقاء بين الامام الحسن عليه السلام واثنين من الشيعة الخلّص . وممالا شك فيه أن أتباع أهل البيت لم يكونوا جميعاً مطّلعين على هذاالمشروع الدقيق . ولعل هذا يبرّر ما كان يصدر من بعض صحابة الامام الحسن عليه السلام من اعتراض وانتقاد. وكان المعترضون يواجهون قول الامام الذي مضمونه : "...من يدري، لعله اختبار لكم ونفعٌ زائلٌ لأعدائكم ...".

وفي هذه الاجابة إشارة خفية الى سياسة الامام وتدبيره .(62)

خلال الاعوام العشرين من حكومة معاوية بكل ما احاط فيهاالبيت العلوي من إعلام مكثّف مضاد، بلغ درجة لعن الامام أميرالمؤمنين عليه السلام على منابر المسلمين ، وبكل ما شهدتها من انسحاب الامامين الحسن والحسين عليهما السلام من ساحة النشاط العلني المشهود، لا نرى سبباً في انتشار فكر أهل البيت واتساع القاعدة الشيعية في الحجاز والعراق سوى وجود هذا التنظيم .

ولنلقِ نظرة على الساحة الفكرية في هذه المناطق بعد عشرين عاماًمن صلح الامام الحسن عليه السلام .

في الكوفة نرى رجال الشيعة من ابرز الوجوه وأشهرها. وفي مكة والمدينة بل وفي المناطق النائية نرى أتباع أهل البيت مثل حلقات مترابطة يعرف بعضها ما يلمّ بالبعض الآخر.

حين يستشهد بعد اعوام أحد رجال الشيعة وهو "حجر بن عدي" ترتفع أصوات الاعتراض في مناطق عديدة من البلادالاسلامية ، على رغم الارهاب المفروض على كل مكان ، ويبلغ الحزن والاسى بشخصية معروفة في خراسان أن يموت كمداً بعد إعلان الاعتراض الغاضب .(63)

وبعد موت معاوية ترد على الامام الحسين عليه السلام آلاف الرسائل تدعوه أن ياءتي الى الكوفة لقيادة الثورة . وبعد استشهادالامام يلتحق عشرات الآلاف بمجموعة "التوّابين "، أو ينخرطون فيجيش المختار وإبراهيم بن مالك ضد الحكم الاموي.

ومن حق الباحث في التاريخ الاسلامي أن يساءل عن العوامل الكامنة وراء شيوع هذا الفكر والتحرّك الموالي لآل البيت عليهم السلام . هل يمكن أن يتم دون وجود نشاط مكثّف محسوب منظّم متحد في الخطة والهدف ؟!

الجواب : لا طبعاً. فالإعلام الهائل ، الذي وجهته السلطة الاُموية عن طريق مئات القضاة والولاة والخطباء، لا يمكن إحباطه وإفشاله دون إعلام مضاد مخطط مرسوم ، ينهض به تنظيم منسجم موحَّد غيرمكشوف . وقبيل وفاة معاوية تزايد نشاط هذا الجهاز العلوي المنظّم وتصاعدت سرعة عمله . حتى أن والي المدينة يكتب الى معاوية مامضمونه : "أما بعد، فإن عمر بن عثمان (عيْن والي المدينة على الحسين عليه السلام اخبرنا باءن رجالاً من العراق وبعض شخصيات الحجازيترددون على الحسين بن علي، وتدور بينهم احاديث حول رفع راية التمرّد والعصيان ... فاكتبوا لنا ماذا ترون .(64)

بعد واقعة كربلاء وشهادة الامام الحسين عليه السلام تضاعف النشاط التنظيمي لشيعة العراق على أثر الصدمة النفسية التي اءُصيبوابها في مقتل الامام الحسين عليه السلام ، حيث بوغتوا بهذه الجريمة التي سلبتهم قدرة الالتحاق بركب الحسين وأهل بيته في كربلاء. وكان هذا التحرّك مؤطّراً بالألم والحسرة والأسف .

يقول الطبري: فلم يزل القوم في جمع آلة الحرب والاستعداد للقتال ودعاء الناس في السرّ من الشيعة وغيرها الى الطلب بدم الحسين ،فكان يجيبهم القوم بعد القوم والثغر بعد الثغر، فلم يزالوا كذلك حتى مات يزيد بن معاوية .(65)

وحقاً ما تقوله مؤلّفة جهاد الشيعة إذ تعلّق على قول الطبريبالقول :

وظهرت جماعة الشيعة بعد مقتل الامام الحسين عليه السلام كجماعة منظمة ، تربطها روابط سياسية وآراء دينية ، لها اجتماعاتهاوزعماؤها، ثم لها قواتها العسكرية ، وكانت جماعة "التوّابين " اول مظهر لذلك كله .(66)

ويبدو، من دراسة أحداث التاريخ ورأي المؤرخين في تلك البرهة الزمنية ، أن الشيعة كانوا يتولّون مسؤولية القيادة والتخطيط ، أماالقاعدة العريضة الساخطة على بني امية ، فكانت أوسع من المجموعة الشيعية المنظمة ، وكانت هذه القاعدة تنضمّ الى كل حركة ذات صبغة شيعية .

من هنا فإن المتحركين ضدّ بني اُمية ، وإن رفعوا شعارات شيعية ، لاينبغي أن نتصورهم جميعا باءنهم في عداد الشيعة ، أي في عداد الجهازالتنظيمي لأئمة أهل البيت عليهم السلام .

انطلاقاً مما سبق ، أودّ التاءكيد على أن اسم الشيعة بعد شهادة الامام الحسين عليه السلام اُطلق فقط على المجموعة التي كانت لها علاقة وثيقة بالامام الحق ، تماماً كما كان الحال في زمن امير المؤمنين عليه السلام .

هذه المجموعة هي التي عمدت بعد صلح الامام الحسن عليه السلام الى تاءسيس التنظيم الشيعي باءمر الامام ، وهي التي نشطت في كسب الافراد الى التنظيم ودفع أفراد اكثر، لم يرتفعوا في الفكر والنضج العملي الى مستوى الانخراط في التنظيم ، نحو ا لتيار العام للحركة الشيعية .

والرواية التي اوردناها عن الامام الصادق عليه السلام في بداية هذا الحديث ، والتي تذكر أن عدد المؤمنين بعد حادثة عاشوراء لم يتجاوز الثلاثة أو الخمسة ، إنما تقصد أفراد هذه المجموعة الخاصة .. أيهؤلاء الذين كان لهم الدور الرائد الواعي في مسيرة حركة التكامل الثورية العلوية .

وعلى اثر النشاط المتستر الهادئالذي قام به الامام السجاد عليه السلام توسعت قاعدة هذه المجموعة ، والى هذا يشير الامام الصادق عليه السلام في الرواية المذكورة : "ثم لحق الناس وكثروا". وسنرى أن عصر الامام السجاد والامام الباقر والامام الصادق عليهم السلام شهد تحرّك هذا الجمع تحرّكاً اثار الرعب والفزع في قلوب الحكام الظالمين ، ودفع هؤلاء الحكام الى ردود فعل قاسية .

وبعبارة موجزة ، فإن اسم الشيعة في القرنين الاول والثانيالهجريين وفي زمن الأئمة عليهم السلام ما كان يُطلق على الذين يحبّون آل بيت النبي عليهم السلام أو المؤمنين بحقهم وبصدق دعوتهم فقط ،من دون اشتراك في مسيرتهم الحركية . بل إن الشيعة كانوا يتميزون بشرط أساسي وحتمي، وهو عبارة عن الارتباط الفكري والعمليبالامام ، والاشتراك في النشاط الفكري والسياسي، بل والعسكريالذي يقوده لإعادة الحق الى نصابه ، وإقامة النظام العلوي الاسلامي.هذا الارتباط هو نفسه الذي يطلق عليه في قاموس التشيع اسم "الولاية ".

جماعة الشيعة كانت تطلق في الواقع على أعضاء حزب الامامة ..هذا الحزب الذي كان يتحرّك بقيادة الامام عليه السلام ، وكان يتخذمن الاستتار والتقية خندقاً له مثل كل الاحزاب والتنظيمات المضطهدة التي تعيش في جو الارهاب . هذه خلاصة النظرة الواقعية لحياة الأئمة عليهم السلام ، وخاصةً الامام الصادق عليه السلام . وكما ذكرنا من قبل لا يمكن أن يكون لمثل هذه المساءلة دلائل صريحة ، إذ لا يمكن أن نتوقع من بيت سرّي أن يحمل لافتة تقول : "هذا بيت سرّي"! وكذلكلا يمكن أن نطمئن الى النتيجة دون قرائن حاسمة .

من هنا ينبغي أن نتَتبّع القرائن والشواهد والاشارات .

من العبارات العميقة التي تلفت نظر الباحث المدقق في الروايات المرتبطة بحياة الأئمة عليهم السلام ، أو في كلام مؤلّفي القرون الاسلامية الاولى ، عبارة "باب " و"وكيل " و"صاحب السر" وهي عبارات تطلق على بعض اصحاب الائمة . فمثلاً، يقول ابن شهرآشوب المحدث الشيعي الشهير في سيرة الامام السجاد عليه السلام : "وكان بابه يحيى بن ام الطويل " وفي سيرة الامام الباقر عليه السلام يقول : "وكان بابه جابر بن يزيد الجعفي"، وفي ترجمة الامام الصادق عليه السلام يقول :"وكان بابه محمد بن سنان ". وفي "رجال الكشي" ترد حول زرارة وبريد و محمد بن مسلم وأبي بصير عبارة : "مستودع سرّي". وفيكتب الحديث تروى عن الامام الصادق عليه السلام عبارة "وكيل "بشاءن المعلّى بن خنيس . وكل واحد من هذه التعبيرات ، إن لم تكن صادرة عن الامام ، فإنها دون شك حصيلة دراسة موسعة في حياة الائمة ، نهض بها المؤلفون الشيعة القدامى . واختيار هذه التعبيرات العميقة على أي حال ينطلق من معالم بارزة في حياة أئمة اهل البيت عليهم السلام . ولو تاءملنا في هذه التعبيرات لألفينا أن كل واحد منهايدل على وجود جهاز فعّال مستتر وراء النشاط الظاهري للائمة عليهم السلام .

مستودع السر

إذا لم يكن لأحدٍ "سرُّ" فليس له مستودع سر. فما هو هذا السر فيحياة الائمة ؟ ما هذا الذي لا يتحمله أصحاب الأئمة عامة ، بل ثمة نفرمعدود له لياقة وصلاحية تحمّله ، وبذلك نال شَرفَ اسم "مستودع السر"؟!

ولقد راحت الذهنية المتاءخرة البعيدة عن واقع الاحداث وتمحيصها تفسّر هذا السر باءنه "سر الإمامة ". كما راحت تفسّر سرّالامامة باءنه الاسرار الغيبية والقدرة على الخوارق والمعاجز.

أنا أؤمن بقدرة هذه الصفوة المقدسة من أهل البيت ، الذين اختارهم اللّه لمواصلة مهمة حمل الرسالة وتبليغها بعد رسول اللّه ، أن يحملوا مثل هذه القدرة ومثل هذه العلوم ، كما أؤمن باءن تحلّيهم بهذه القوى والعلوم لا يتنافى أصلاً مع نظرة الاسلام الى الانسان والنواميس الطبيعية وسنن الكون . ولكن هذه القوى والعلوم ليست هي "سر الامام ". فمثل هذه القوى والعلوم أوضح دليل على الامامة وعلى صدق دعوى الامام . لماذا يكتم الامام هذه الامور ويوصياصحابه بكتمانها في روايات كثيرة ، تضافرت حتى أصبحت الكتب الحديثية الشيعية تتضمن باباً يحمل عنوان : "باب الكتمان ؟(67) لا بدّ أن يكون هذا السرّ مما لو شاع لشكل خطراً كبيراً على الامام وأصحابه ،وهذا شيء غير الغيبيات والخوارق .

هل السرّ هو معارف أهل البيت ؟ هل هو رؤية مدرسة أهل البيت للاسلام وفقهها وأحكامها؟ لا ننكر أن معارف مدرسة أهل البيت كانت تنشر في عصر الاضطهاد الاُموي والعباسي وفق منهج الحكمة والتدبير، لكي لا يخوض فيها كلّ من هبّ ودبّ، ولكن هذه المعارف لا يمكن أن تكون هي سرّ الامام . فمع كل ما أحاط بهذه المعارف من اختصاص ، كانت تدرس في مئات الحوزات الفقهية والحديثية في عددمن كبريات مدن الصقع الاسلامي آنذاك، كان الشيعة يتناقلون هذه المعارف ويشرحونها ويتداولونها. بعبارة أخرى كانت هذه المعارف خاصة لا سريّة.

واختصاصها يعني أن رواجها كان محدوداً بالدائرة الشيعية ، لكنهاكانت تصل الى غير الشيعة أيضاً في ظروف خاصة . لم تكن أبداًمحدودة باءفراد معدودين من أصحاب الأئمة وخافية على غيرهم .

الحق أن الاسرار هي ما يتعلّق بالمعلومات المرتبطة بالجهازالتنظيمي للامام .. بالجهاز الذي يخوض معتركاً سياسياً باتجاه هدف ثوري.. بالتكتيك الذي ينتجهه الجهاز... بالعمليات التي ينفذها..باءسماء ومهام اعضاء الجهاز.. بمصادر التمويل .. بالاخبار والتقاريرالمتعلّقة بالاحداث الهامة .. هذه وأمثالها من الاسرار التي لا يجوز أن يطّلع عليها سوى القائد والكوادر المسؤولة . ربما تحين الظروف المناسبة عاجلاً أم آجلاً لإعلان هذه الاسرار وكشفها، ولكن قبل أن تحين تلك الظروف لا يمكن أن يطلع على هذه الاسرار سوى من يرتبط عمله مباشرة بها، وهم "مستودع السر". وكل تسريب لهذه المعلومات الى أوساط الشيعة فإنه يفتح ثغرة تسرّبها الى الاعداء،وهو خطاء كبير لا يغتفر، خطاء قد يؤدّي الى انهدام الجهود والاعمال والمجموعة المنتظمة . ومن هنا نفهم ما يعنيه الامام عليه السلام إذيقول : "ليس الناصب لنا حرباً باءعظم مؤنة علينا من المذيع عليناسرّنا. فمن اذاع سرّنا الى غير اهله لم يفارق الدنيا حتى يعضهُالسلاح.(68)

الباب والوكيل

في الارتباطات السرية بين الامام عليه السلام والشيعة قد يتطلب الامر ايصال بعض المعلومات الى الشيعة عن طريق "واسطة "، وهذاتدبير معقول وطبيعي. العيون المتلصصة على كشف ارتباطات الامام عليه السلام تترصّد التقاءاته باءتباعه في موسم الحج في مكة والمدينة حين تؤمها القوافل من أقاصي العالم ، وقد يؤدي رصد هذه اللقاءات الى اكتشاف خيوط الجهاز المركزي لتنظيم الامام ، لذلك نرى أن الامام عليه السلام كان يُبعد عنه بعض الافراد بلهجة لينة أحياناً،ومعاتبة تارة أخرى . يقول لسفيان الثوري مثلاً: "أنت رجلٌ مطلوب وللسطان علينا عيون فاخرج عنا غير مطرود.(69)

ويترحّم الامام عليه السلام على شخص صادفه في الطريق وأعرض بوجهه عنه ، ويذم شخصاً آخر رآه في ظروف مشابهة فسلّم عليه باحترام واجلال(70) مثل هذه الظروف تستلزم وجود فرد يكون واسطة بين الامام عليه السلام وبين من يحتاج الى معلومات تصل اليه من الامام ، وهذاالواسطة هو "الباب "، ويجب أن يكون من أخلص أتباع الامام ،وأقربهم اليه ، وأغناهم بالمعلومات والخطط . يجب أن يكون مثل "نحلة " إذا عرفت الحشرات المضرّة ما تحملهُ من عسل قَطّعتهاوأغارت على شهدها.(71) وليس صدفة أن نرى تعرّض هؤلاء"الابواب " غالباً للمطاردة وأقسى ألوان البطش والتنكيل .

إن يحيى بن ام الطويل "باب " الامام السجاد عليه السلام يُقتل بشكل شنيع(72). وجابر بن يزيد الجعفي باب الامام الباقر عليه السلام يتظاهر بالجنون ويشيع عنه ذلك فينجّيه من القتل الذي صدر الأمر به من الخليفة قبل أيام من اشتهار جنونه . ومحمد بن سنان ، باب الامام الصادق عليه السلام ، يتعرّض لطرد ظاهري من الامام رغم أن الامام أبدى رضاه عنه في مواضع أخرى وأثنى عليه ، وما ذلك إلاّلتعرّض محمّد بن سنان لمثل هذه الأخطار. كما أن إعلان الامام براءته من راوٍ معروف مشهور حظي بإعلان رضا الامام عليه السلام مراراًيعود على الاقوى الى تكتيك تنظيمي.

مثل هذا المصير يواجهه "الوكيل " أيضاً. مسؤول جمع الأموال المرتبطة بالامام وتوزيعها، يملك أيضاً كثيراً من الاسرار وأقلّها اسماءالدافعين والقابضين ، وليست هذه المعلومات بالتي يستهين بها أعداءالامام ، وأفضل دليل على ذلك مصير المعلّى بن خنيس وكيل الامام الصادق عليه السلام في المدينة ، وتعبيرات الامام القائمة على أساس التقية بشاءن المفضّل بن عمر وكيل الامام في الكوفة .

هذه العناوين الثلاثة (الباب ، الوكيل ، صاحب السر) التي نجدمصاديقها في وجوه بارزة من رجال الشيعة تلقي ظلالاً على واقع الشيعة وارتباطهم بالامام والحركة التنظيمية الشيعية .

يمكننا بهذه النظرة أن نفهم الشيعة باءنهم مجموعة من العناصرالمنسجمة الهادفة النشطة المتمركزة حول محور مقدس يشعّ بتعاليمه وأوامره على القاعدة ، والقاعدة ترتبط به وتنقل اليه المعلومات وتضبط مشاعرها وتسيطر على عواطفها بتوصياته الحكيمة ، وتلتزم التزاما دينياً باءساليب العمل السرّي، مثل حفظ الاسرار، وقلّة الكلام ، والابتعاد عن الاضواء والتعاون الجماعي والزهد الثوري.

 


(36) خالد بن عبداللّه القسري والي العراق كان عائده السنوي ثلاثة عشر مليوناً. وكتب اليه الخليفة أن لا يبيع غلّته قبل بيع غلّة الخليفة . فصعد خالد المنبر، وذكر أن قوماً يتهمونه بالتلاعب بالاسعار،ولعن من يتلاعب بالاسعار (ويقصد بذلك الخليفة وكان عليه واجداً). وامرأة هشام كان لها ثوب خيوطه من الذهب ، ومرصع بالمجوهرات القيّمة ، وقد ثقل وزنه حتى ما كانت تقدر على أن تمشي به .ولم يستطع أحد أن يضع له قيمة . وهشام نفسه كان له بساط من الحرير والذهب طوله 100 ذراع وعرضه 50 ذراعا. (ابن ايرج 5 / 220، وبين الخفاء والخلفاء ص 28 و56.
(37) من ذلك فتوى الحسن البصري في عدم جواز الخروج على الحجاج بن يوسف ، ذلك الطاغية الذيسفك الدم الحرام ، وأخذ المال الحرام ، وترك الصلاة قائلاً: أرى أن لا تقاتلوه ، فانها إن تكن عقوبة من اللّه فما أنتم برادّي عقوبة اللّه باءسيافكم ، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم اللّه وهو خير الحاكمين (نظرية الامامة لدى الشيعة الاثني عشرية ، د. احمد محمود صبحي، ص 23.
(38) مع كل الانحرافات التي عصفت بالمجتمع كان الايمان بالدين يسيطر على الافكار والقلوب ، والظلمة الطغاة استغلوا هذا الايمان ، فقدموا للمجتمع مفاهيم منحرفة باسم الدين تضمن بقاءهم واستمرارظلمهم وتحكمهم . من ذلك اضفاء صفة القدسية على "البيعة ". فكلما تمادى الخليفة في غيّه وظلمه لاتجوز معصيته ولا الثورة عليه لان له في الاعناق بيعة ! وكان لهذا المفهوم دوره الكبير في خلق حالة من الخضوع والخنوع أمام الجهاز الحاكم .
(39) بحار الانوار 47: 13، باب 3 الرواية 6، ط بيروت .
(40) بحار الانوار 47: 13، باب 3 الرواية 4 عن الارشاد: 289.
(41) رجال الكشي: 158 ط : مصطفوي.
(42) رجال الكشي :156 ـ 157 ط : مصطفوي.
(43) راجع تفاصيل ادلة هذه المساءلة في مظانها.
(44) اصول الكافي.
(45) المصدر نفسه "عبارات متفرقة مختارة من النص.
(46) جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد صلّى اللّه عليه وآله (... ولقد حملت على مثل حمولته ...) وكذلك يجري لأئمة الهدى واحدا بعد واحد.. الكافي، ج 1: 196.
(47) الكافي، 1: 187 ، 7 و1: 189، ح 16.
(48) في العقود الاخيرة صدرت عن المستشرقين والعلماء المسلمين الشيعة والسنّة كتابات تصوّر الدورالسلبي للأئمة تجاه مساءلة الحكم ، او الدور المحايد، او المداهن ، بل الدور البعيد كل البعد عن السياسة .راجع مثلا: نظرية الامامة لدى الشيعة ، والتشيع والتصوف ، والامام الصادق والمذاهب الاربعة ،والعباسيون الاوائل .
(49) الغدير 2: 187 ـ 212.
(50) البحار، 47: 58، ح 107.
(51)البحار، 23: 199، ح 32. كذلك راجع الرواية 20 من نفس الباب .
(52) الكافي 1: 186.
(53) البحار، 47: 72 عن بصائر الدرجات 5: 66.
(54) د. فاروق عمر، العباسيون الاوائل : 104.
(55) تاريخ الطبري 6: 195.
(56) الكافي 1: 186، ح 3.
(57) القرآن الكريم يدين أيضاً باءساليب متعددة هذا اللون من الاتّباع المؤدي الى الضلال ، ويردّ كل عذريتوسل به التابعون في انحرافهم . راجع سورة البقرة : 167، الشعراء: 91 ـ 102، سباء: 31 ـ 33،النساء: 97 .
(58) الكافي، 1: 238.
(59) المناقب ، ابن شهرآشوب : 238 ط : بيروت .
(60) المعنى نفسه جاء في كتاب الشيخ راضي آل ياسين ، صلح الامام الحسن عليه السلام :31 ـ 32ط : بيروت .
(61) تحف العقول : 115. ط 2.
(62) هذا الوضع يمكن مقارنته وتشبيهه الى حد ما بوضع المجتمعات المعاصرة التي تحكمها الانظمة الحزبية .
(63) مات الربيع بن زياد الحارثي غماً لمقتل حجر، وذكر ذلك ابن الاثير في الكامل 3: 195، وكان سبب موته أنه سخط قتل حجر بن عدي... وذكر ذلك في الاستيعاب ، واُسد الغابة ، والدرجات الرفيعة ،وغيرها. صلح الحسن عليه السلام : 338.
(64) ثورة الحسين : 118، نقلاً عن اعيان الشيعة والاخبار الطوال .
(65) الطبرى 7: 46، نقلا عن د. سميرة مختار الليثي، جهاد الشيعة : 28.
(66) د. سميرة الليثي، جهاد الشيعة : 27.
(67) رجال الكشي: 380 ط مصطفوي.
(68) رجال الكشي: 380، ط مصطفوي.
(69) مناقب ابن شهرآشوب 4: 248.
(70) الكافي 2: 219.
(71) هذا التعبير مقتبس من أحد نصوص الامام عليه السلام .
(72) قطعت رجله وهو حي ثم قتل . للتعرف على هذه الشخصية الكبيرة راجع : رجال الكشي وسائركتب الرجال .