كلمة آية الله الشيخ مصباح اليزدي في

المدرسة الفيضية بتاريخ 22 محرم 1419هـ

حول ولاية الفقيه

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وحبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين.

اللهم كن لوليّك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً. تكريماً لروح الإمام الراحل المجيدة وأرواح شهداء الإسلام العظام، 

ولاسيّما شهداء المدرسة الفيضية، صلّوا على محمد وآل محمد.

 


 

أعتذر إلى السادة والأساتذة والآيات العظام وحجج الإسلام وسائر الأخوة الأعزاء المشاركين في هذا المجلس واستميحهم العفو على استلاب وقتهم الثمين.

إن انعقاد هذا المجلس المتألق، وكما تعلمون، يأتي أداءاً لأقل واجبات علماء الدين اليوم بحق سماحة القائد وفي مجابهة مؤامرات الأعداء ضد الحكومة الإسلامية المقدسة. وليت من هو أولى مني علماً كان قد تكفل بمهمة الحديث، إذاً لكانت الفائدة أعظم. ولكن، وامتثالاً للأمر، هاأنذا أقف بين أيديكم لأعرض عناوين عدد من القضايا التي ينبغي أن تحوز أهمية فائقة في هذا العصر، آملاً أن يقوم مجلس التخطيط في الحوزة العلمية في قم إن شاء الله برسم برامج تهدف إلى عقد جلسات متعددة لبحث ودراسة القضايا الراهنة للبلاد، ولاسيما تلك المتعلقة بعلماء الدين، وأن يكون ما أُورده كعناوين في هذه الجلسة محل بحث ودراسة تفصيلية، وان يحتل كل عنوان جلسة خاصة تتناوله بالبحث التفصيلي مع عرض شتى ما يمت إليه من أسئلة وأجوبة والعثور على حلول نهائية لكافة المعضلات.

 

أسباب العداء الاستكباري لإيران الإسلام

إننا نعلم جميعاً أن عالم الكفر والاستكبار يعادي الجمهورية الإسلامية في إيران. أما لماذا هذا العداء، فانكم جميعاً أهل فضل وعلم والحمد لله، ولا يحتاج الأمر إلى توضيح، ولكن ينبغي أن توضحوا ذلك لمن سوف تخاطبونهم في الأقضية والمراكز.

إن الكثير من الناس لا يدرون ما هو العداء الذي يكنّه عالم الاستكبار للإسلام، وهذه هي تجربتي الشخصية. فحينما كنت شاباً وأنا في مقتبل العمر، وعندما كنت أسمع أن الحكومات الاستعمارية على خلاف مع الإسلام، كنت أتساءل عن سبب هذا الخلاف مع الدين بينما لا يبحث هؤلاء إلا عن مصالحهم. وعلى كل حال فان الأمر أصبح جلياً لنا جميعاً اليوم مع ما لدينا من تجارب جمة، وان ما يقف عائقاً دون تحقيق المستكبرين لمصالحهم الدنيوية ليس سوى هذا الدين، وأن الدين الذي يمثل خطراً على هؤلاء من بين كل الأديان هو الدين الإسلامي، كما ان الذي يمثل خطراً عليهم من بين كل الفرق الإسلامية وكل الموالين للإسلام، ليس كل إسلام وليس كل شيء يحمل اسم الإسلام في أي مكان من العالم، ولكنه ذلك الإسلام الذي ينادى به في إيران، الإسلام الذي بات يعرف في ثقافتنا الحالية باسم الإسلام المحمدي الأصيل.

لقد كان الإسلام موجوداً كنظرية على مدى سنوات وقرون، ولكنه لم يعرف كواقع اجتماعي وسياسي في العالم إلا خلال السنوات العشرين الأخيرة، وهذه نعمة كبرى منّ بها الله تعالى علينا وعلى المسلمين، بل وعلى الناس جميعاً في هذا العصر، كما أنعم علينا سبحانه بنموذج ظاهر للإسلام الحقيقي القابل للتحقق في المجتمع.

ولا يعني هذا بالطبع ان الإسلام قد تحقق بكامل أبعاده ومميزاته وأن حكومتنا هي تماماً حكومة مثالية، كلا.. فاننا نعلم جميعاً انه ليس ثمة من يدعي ذلك، وان كلاًّ منا يقف على ما قد ينطوي عليه مجتمعنا من بعض النقائص والعيوب ويعترف بذلك.

وعلى العموم فان نموذج الإسلام المثالي هو ذلك الذي وعد الله البشرية بتحققه في يوم ما. ولكنّ الذي لدينا الآن، وهو نموذج صغير لذلك الدين الذي وعد الله به قائلاً {ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون}، يمثل شوكة كبيرة في أعين المستكبرين، وقد وقف حائلاً دون تحقيق الكثير من مصالحهم المادية والاستراتيجية.

ولهذا فقد قرروا القضاء عليه بكل ثمن. وليس هذا مجرد ادعاء، بل إن المسؤولين وفي مقدمتهم الإمام رضوان الله عليه قد اشاروا إلى ذلك منذ سنوات وقالوا ان أولئك لا يعادون شخصاً أو مجموعة معينة بل إنهم يعادون الإسلام، ولعل الكثيرين لم يكونوا يصدقون ذلك، إلا ان أعداء الإسلام باتوا اليوم يعترفون بذلك صراحة وبلا حياء أو خجل، حتى أن بعض الاذاعات الأجنبية صرحت قائلة في الأيام الأخيرة بأن هدفهم الأساسي هو محو اصل ولاية الفقيه! وبالطبع فان هذه المقولة جاءت عن شخص بعينه، ولكن مجرد إذاعة مثل هذه الأقوال يفصح عن رغبات هؤلاء ويوضح أهدافهم، وما أكثر الشواهد على ذلك، ولا حاجة لتكرارها.

إذاً فليس ثمة شك في أنهم يستهدفون ولاية الفقيه. والسر في ذلك واضح، وهو ان الذي يميز الإسلام في إيران والإسلام المنتصر عن الإسلام الموجود في الدول الأُخرى ليس غير صبغة ولاية الفقيه، ولهذا السبب ذاته فان حكومتنا تُعرَف في العالم بحكومة ولاية الفقيه. وهذا الأمر يمثل لهم معضلة من الناحية النظرية، كما يشكل خطراً عليهم من الناحية العملية.

لقد قامت ثورات عديدة ولاسيّما في القرن الأخير، في شتى أنحاء العالم، ومنها ثورات دموية ضحّت أحياناً بملايين البشر. ففي ثورة الجزائر وثورات بعض البلدان راح مئات الآلاف من البشر ضحايا للاستقلال. ورغم هذه الضحايا، وبعد ما تكبدته هذه البلدان من خسائر وما واجهته من مشكلات فان أضاليل المستكبرين ما لبثت أن خيمت على خطى المسيرة من جديد.

فهاهي الجزائر التي ضحى المسلمون فيها بالكثير، والتي تتميز بتاريخ مزدهر، والتي كانت نموذجاً للنضال في أوائل النهضة الإيرانية، ها هي الجزائر بعظمة كفاحها وفدائها، تنوء بأعباء ما آلت إليه حكومتها اليوم. وهاهم أنفسهم يعلنون أن اربعين أو خمسين شخصاً يُذبحون كل يوم من بين المسلمين، بينما لو اُعدم شخص واحد في مكان آخر من العالم بلا محاكمة أو بدون حضور محامٍ له في المحكمة فان منظمات حقوق الإنسان وما شاكل وشابه تقوم قيامتها ولا تقعد. وما تلك الضجة التي يفتعلونها ضد الجمهورية الإسلامية في إيران زاعمين انتهاك حقوق الإنسان فيها إلا بسبب إعدام عدد من سماسرة المخدرات الذين يمثلون خطراً على حياة الآلاف من البشر. أما عندما يُذبح خمسون شخصاً ما بين رجل وامرأة وطفل وعجوز وشاب في بلد ما فان ذلك لا يتنافى مع حقوق الإنسان، بل إن جميع الدول الأوروبية تعترف رسمياً بحكومة ذلك البلد ولا تسمح لأيٍّ كان أن يحقق في هذا الأمر!

ان الجزائر هو ذلك البلد الذي نال استقلاله باسم الإسلام، وهو الذي أجرى انتخابات ديمقراطية على منوال الغرب ففازت فيها الجبهة الإسلامية. ولكن بمجرد تحقق هذا الفوز ألغيت الانتخابات وتفاقم خطر الانقلاب المزعوم!

ولقد آلت الأمور اليوم إلى أنه لا داعي للمحاكمة وما إليها، بل إنه ينبغي عليهم ان يذبحوا المسلمين ويقضوا عليهم وان يقطعوا نسلهم! وهذا هو مصير ثورة قامت باسم الإسلام ولكن بحكومة على الطريقة الديمقراطية.

وعلى هذا، فانهم يعرفون جيداً كيف يحرفون الثورات عن مسيرها وكيف يبعدونها عن أهدافها وكيف يغيرون مسيرة شعب إلى 180 درجة.

لقد كانوا يأملون أن يتوسلوا بمثل هذه الأساليب مع الثورة الإسلامية في إيران، ولكن آمالهم خابت. وبالطبع فانهم لم يقصّروا في الاستفادة من تجاربهم، بل بذلوا كل ما في وسعهم. وفي الواقع فانه لو شكلت محاكمة لاثبات تقصيرهم فانني سأشهد أنهم من ذلك براء، لأنه ليس ثمة تقصير، ولقد انفقوا كل ما لديهم من جهد بغية القضاء على هذه الثورة.

لقد توسلوا بكل أسلوب واستنفدوا شتى الطرق ولكنهم فشلوا. فما هو السبب؟

وما هو الفرق بين هذه الثورة وسائر الثورات؟ لو قلتم بأنها كانت باسم الإسلام. كلا.. لأن ثورات قامت باسم الإسلام أيضاً في أماكن وبلاد أُخرى. وهل ان كل الشعب هنا من جماعة واحدة وقومية واحدة وعرق واحد ويتحدث بلغة واحدة؟ كلا.. أبداً، لأن هناك اختلافات قومية وعرقية ولغوية ومذهبية في إيران. فما الذي حدث بحيث أن الخلاف الذي أوجدوه في أفغانستان لم يستطيعوا أن يوجدوه هنا في إيران؟ ألم يحارب الشعب الأفغاني قرابة عشرين عاماً مع ما تخللها من مشكلات عضال؟ فما الذي أوصل الثورة في افغانستان إلى هذا المصير حيث مازال اقتتال الاخوة قائماً على قدم وساق بلا ظهور بوادر للتصالح حتى الآن؟

إن في إيران أيضاً قوميات مختلفة من فرس وعرب وأتراك وأكراد وتركمانيين وسوى ذلك من القوميات والمذاهب المختلفة كالشيعة والسنة وما عداهما من المذاهب والأقليات الأُخرى، ولكنّ الذي حدث في افغانستان لم يحدث في إيران!

لقد أيد الشعب بأسره حكومة واحدة منذ البداية، وشارك في الاستفتاء وصوّت لصالح الجمهورية الإسلامية بأغلبية الآراء في بادرة قلّ نظيرها في العالم، أو ربما كانت بلا نظير، ثم انخرط في الجهاد ضد العالم بأجمعه تحت قيادة عالم دين كهل، فأحرز النصر، ومازال يشهد انتصارات جديدة كل يوم، وها أنتم اليوم أيضاً تشهدون نصراً جديداً آخر حيث تراجعت الحكومة الأمريكية عن قوانين الداماتو وقد كانت نفسها التي قامت بامضائها.

 

ولاية الفقيه سر فشل المؤامرات

فما هو السر في كل ذلك، وما هو هذا اللغز الذي حال بينهم وبين أن يحدثوا في إيران مثل الذي اقترفوه في الجزائر أو في البوسنة والهرسك أو في آذربيجان التي تعرف باذربيجان السوفيتية أو في أفغانستان أو حتى في الباكستان ذلك البلد الذي يحكم أيضاً باسم الإسلام، ولكنكم تقفون على وضعه الداخلي والاقتصادي والأمني وكذلك وضعه الاجتماعي والسياسي والدولي الذي لا يمكن مقارنته بأي حال من الأحوال مع الوضع في إيران بحكومته الناشئة التي لم تبلغ العشرين عاماً؟!

 

ما هو السر إذاً في كل ذلك؟ ألا ينحصر السر في ولاية الفقيه؟

لو كنت أنا وأنتم في شك من ذلك، فانهم ليسوا أبداً في شك، ولم يكونوا في شك حتى منذ البداية، وهاهم اليوم يقولون بصريح العبارة: إن محورنا الأصلي هو محاربة ولاية الفقيه! حسناً، فماذا في مقدورهم أن يفعلوا وقد خَبَروا هذه المجابهة عشرين عاماً وباتوا على يقين من موقف الشعب تجاه قائده الحالي أدام الله ظله الشريف وأن هذا الشعب يحب قائده العظيم هذا من أعماقه؟!

ولكن هذا لا يعني أنهم قد يئسوا من تحقيق أطماعهم المشؤومة. إذ أن من خصائص عُبّاد الدنيا أنهم لا ينثنون عن الوصول إلى أهدافهم حتى آخر لحظة، مَثلهم في ذلك كحشرة لا تزال تخبط بيديها ورجليها حتى آخر لحظة عساها تخلص إلى النجاة..!

وللأسف، فاننا نفتقر إلى هذه الميزة، وإن أهل الحق وجبهة الحق لا يمتلكون غالباً هذه المقاومة وهذه اليقظة وهذه الجدية. لقد كان الأمر كذلك على مر التاريخ، ومازال كذلك تقريباً حتى اليوم.

وعلى أية حال، فإن هؤلاء لن يكفّوا، وإن لهم في كل يوم خطة، حتى لقد وصلوا أخيراً إلى هذه النتيجة، وأملت عليهم حساباتهم ضرورة رسم خطة طويلة الأمد علّهم يستطيعون أن يبعدوا الشعب تدريجياً عن نظامه ويحفروا هوة بينه وبين حكومته. إنهم لا يأملون أن يحققوا ذلك في يوم أو يومين ولا في عام أو عامين، ولكن رغبتهم حتى ولو تحققت بعد خمسين عاماً ـ لا سمح الله ـ فان هذا سيكون شيئاً نموذجياً بالنسبة لهم. إنهم يخططون من اليوم ليصلوا إلى هدفهم بعد خمسين سنة. لقد فعلوا ذلك وشرعوا فيه، وللأسف فقد نجحوا نسبياً في ناحية أو أُخرى.

حسناً، لقد مر زمان لم يكن أحد ليجرأ فيه على المساس بولاية الفقيه. أو حتى يتفوه بما يوهم الخلاف مع ولاية الفقيه، ولكنهم كسروا هذا الحاجز أخيراً بما توفروا عليه من إعداد وبرمجة. أما ما هو الذي شرعوا فيه، وما هو الذي خططو له، فان تحليل ذلك يتطلب وقتاً طويلاً، وهو الذي لا تتيحه هذه الفرصة الضئيلة التي لا تتسع إلا للعناوين فحسب كما أسلفت؛ حفاظاً على وقتكم.

 

فئتان محور تركيز نشاط الأعداء

وعلى العموم، فان هؤلاء يركزون نشاطهم على فئتين: الأولى طلبة الجامعات التي تمثل رقعة واسعة، وذلك أنهم يعلمون ان طلبة الجامعات هم الذين سيحملون على كاهلهم مسؤولية مستقبل المجتمع وانهم هم الذين سيديرون أمور البلاد، فلو استطاعوا أن يخترقوا هذه الشريحة لتغيّر مستقبل البلاد. لقد شرعوا في ذلك منذ بداية الثورة، وخطوطه واضحة، وعناصره آخذة في الوضوح يوماً بعد آخر.

وأما الثانية فهي فئة الجماهير الشعبية، لأنهم لو انتظروا حتى يمتلك طلبة الجامعات ناصية الأمور سيستغرق ذلك وقتاً طويلاً، ولذلك فانهم لا يكتفون بهؤلاء. إنهم لا يعلقون أملاً كبيراً على طائفة حزب الله الشعبية التي تعتقد بولاية الفقيه وينبض قلبها بحب القائد، بَيد أن الناس ليسوا متساوين، ودرجات الإيمان متفاوتة، ولهذا فقد توسلوا بشتى الوسائل الاعلامية باشكالها المختلفة علّهم يبلغون أهدافهم. وهاكم قائمة بهذه العناوين:

 

وسائل الأعداء الاعلامية للقضاء على ولاية الفقيه

أولاً: فصل الدين تماماً عن السياسة. وهذه هي خطتهم التي دأبوا على تنفيذها منذ مئات السنين في الدول الإسلامية. وقد لبست اليوم قناعاً جديداً. فلعلكم تلاحظون ان بعض الصحف والمجلات لا تتناول هذا الموضوع الآن بشكل واضح، وذلك خوفاً من الاصطدام، فيطلقون عليه استقلال المؤسسة الدينية. وهذا هو بعينه فصل الدين عن السياسية، وهو بعينه العلمانية، وهو إبعاد الدين عن قضايا المجتمع العصرية. وحتى تتسربل القضية بلباس خداع فانهم يقولون: استقلال المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية..!

لقد كان بعض الثوريين والمناضلين يقولون بذلك أيضاً قبل انتصار الثورة، حتى لقد ألّفوا كتباً ودبلجوا مقالات تحت عنوان الحد بين الدين والسياسية وأشياء من هذا القبيل. وعلى أية حال فان فصل الدين عن السياسة هو أحد أطماعهم. وعندما يريدون أن يخدعوا الآخرين فانهم يقولون إن منزلة الدين أسمى من أن تتنزل إلى تلك الأمور الدنيوية التافهة، وإنما الدين لا ينبغي له سوى النظر في القضايا المعنوية وعلاقة الإنسان بربه، وإلا يلوث نفسه بالقضايا الدنيوية. فيالها من شعارات خادعة!!

وعلى أية حال فان فصل الدين عن السياسية هو استراتيجيتهم وأحد أهدافهم الرئيسية.

ثانياً: طالما لم يتقبل المجتمع عملياً فصل الدين عن السياسة، فانهم يقولون: إننا نقبل السياسة الدينية وكذلك الحاكمية الدينية ونقبل أيضاً الحكومة الدينية، ولكن ذلك لا يقتضي بالضرورة أن يكون افرادها من العلماء والفقهاء، لأن حكومة الدين تعنى تطبيق أحكام الشريعة بغض النظر عمن يتولى مسؤولية التطبيق، ولا داعي لهذا الاصرار على أن يكون على رأس السلطة فقيه أو عالم دين، فما دمتم تريدون تطبيق أحكام الشريعة، فان التطبيق هو الملاك، كائناً من كان ذلك الذي يتولى التطبيق.

ثالثاً: ويقولون لنا إن ثمة تناقضاً في شكل هذه الحكومة التي تقرونها الآن وتعملون على استمرارها، لأن لديكم سلطات ثلاثة كما هو الحال في الدول الديمقراطية، وهي: السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، وكل منها منفصلة ومستقلة عن الأُخرى كما يصرح بذلك الدستور، ولكنكم تقولون بأن هناك من يتربع على رأسها جميعاً، فهذان مبدآن متناقضان، لأنه ما دامت السلطات الثلاث كل منها منفصلة عن الأُخرى، فلا معنى لأن يكون هناك من يتسلط على السلطة التنفيذية وكذلك على السلطة القضائية وايضاً على السلطة التشريعية وان يكونوا جميعاً طائعين لحكمه وأمره على وجه الوجوب. ولهذا فيجب أن يُحذف منصب القائد من الحكومة. فما دام هناك حكومة ديمقراطية وحرية وانتخابات واستقلالية لكل سلطة من الثلاث عن الاُخرى فلا داعي لأن يكون هناك قائد، وينبغي حذفه من الحكومة.

وإنهم يعلمون جيداً أن ذلك لن يتحقق بهذه السرعة.

رابعاً: إنهم يقولون: حسن جداً، ها نحن قبلنا بالقائد، ولكن هذا القائد ينبغي أن تكون سلطته محدودة، لأنه لا يمكن أن تكون هناك سلطة تشريعية مع قائد مستقل. إذاً فيجب أن تكون سلطة القائد محدودة. وعلاوة على ذلك فان القائد هو ذلك الذي ينتخبه الشعب بنفسه، وإننا نقترح ان يكون القائد منتخباً من قبل الشعب بصورة مباشرة، وكما يصوّت الشعب لرئيس الجمهورية، يصوّت أيضاً للقائد.

إن لديهم تجربة في هذا المجال، وهم يعلمون أنه طالما أثير الحديث عن الانتخابات، وذلك على نطاق واسع، فان الاعلام سيقوم حينها بدوره الأساسي مع ما يمتلكونه من أموال طائلة وطاقات خبيرة وفاعلة ستوظف كلها لصالح انتخاباتهم، وهو ما يفتقر إليه جهاز حزب الله الذي لا تتوفر لديه تلك الأموال التي ينفقها على الانتخابات ولا تلك الطاقات الخبرية المتأهبة التي درست الإعلام وأتقنت علم النفس الاجتماعي وهي تدري كيف تخدع الجماهير..!

إنهم يقولون بأنه لو اُجريت انتخابات حرة وتقرر أن يجيء القائد عن طريق الانتخابات العامة، فستكون هناك فرصة لأن تفوز ونضع على مقعد القيادة من نريد، وذلك بواسطة الإعلام وإنفاق الأموال وشتى السبل المختلفة. ولكنه ما دام هناك رجال دين وسبعون أو ثمانون من الخبراء المنتخبين من أفضل وأتقى وأعلم أفراد المجتمع فانه سيصعب اختراقهم، لأنهم واثقون أنه ليس من السهل اختراق من خَبَر الشعب تقواهم وصدقهم وإخلاصهم ونقاءهم طويلاً فدعمهم وساندهم.

إنهم يتطلعون إلى اختراق ولو واحد أو اثنين منهم على سبيل الافتراض، ناهيك عن الباقين، فانه لا يمكن شراؤهم. وبالتأكيد فانهم لن يستطيعوا شراء حتى واحد منهم فقط والحمد لله، ولكنهم مازالوا يعتقدون انهم لو استطاعوا أن يؤثّروا على واحد أو اثنين منهم بشكل أو بآخر، أو أن يستغلوا سذاجتهم، فان ذلك سيكون انجازاً لا بأس به. ولكنه لا يمكن شراء أو خداع مثل هذا العدد الكبير، ولذلك فانهم يقولون: إذاً ما الذي يمكن فعله؟ فلنقل: علينا بالانتخابات، وكما ينتخب الشعب رئيس الجمهورية فلينتخب القائد أيضاً..!

خامساً: حسناً.. فلنفترض ان الانتخابات أجريت، ثم صوت الشعب لصالح شخص غير الذي كانوا يريدون، وذهب إعلامهم ومالُهم أدراج الرياح، فما العمل حينئذ؟!

إنهم يعملون بحذر، ويخططون، ويقلّبون الأمور على كافة الوجوه، ولا يتصرفون ببساطة كالبعض منا معتقدين أن كل المشاكل يمكن حلها بكلمتين.. كلا.. إنهم سيجلسون حينها ويقولون: فلتكن مدة قيادته إذاً مؤقتة طالما أنه جاء عن طريق الانتخاب، اي أربع أو خمس سنوات مثلاً لكل دورة، لعلهم يستطيعون أن يأتوا في الدورة القادمة بمن يريدون بعد أن يتدبروا أمورهم من جديد..!

إنه لا يمكن تغيير كل شيء هكذا وبهذه السهولة. انهم يقولون: ما دام هؤلاء الخبراء موجودين فلنفعل شيئاً يمس بتركيبة الخبراء، ولنقل إنه لا داعي لطل هذه الشروط التي تضعونها للخبراء فإن القانون يقول: إن الخبراء ينتخبون القائد، ولكنه لم يقل بأنه ينبغي أن يكون الخبراء مجتهدين بالضرورة، وإن الخبراء هم أنفسهم الذين وضعوا هذه الشرائط!!

وفي الحقيقة فان القانون ينص على أن الخبراء أنفسهم هم الذين يضعون النظام الأساسي، ولكن أولئك يثيرون الشبهات قائلين: إنه لم يرد في الدستور أن عضو مجلس الخبراء يجب أن يكون مجتهداً، فما هو المانع من أن يكون عدد من أعضاء مجلس الخبراء من غير المجتهدين؟!

وهذه وسيلة أُخرى، لأنه عندما لا يكون عضو مجلس الخبراء مجتهداً فسيصبح من اليسير عليهم أن يخدعوه.

سادساً: من جهة أُخرى فانهم يقولون: أنتم ماذا تفعلون بالمجتهد، وماذا تفعلون بمجلس الخبراء؟! ألا تريدون منهم أن يشخصوا صلاحية القائد؟ حسن جداً، إن الدستور ينص على أن القائد يجب أن يكون مديراً ومدبراً فضلاً عن أن يكون مجتهداً. فكما أنكم تريدون فقيهاً من أجل أن يشخص فقاهة القائد، فعليكم أيضاً بمن يشخص حسن إدارته وتدبيره، فليكن مجلس الخبراء مركباً على الأقل من عدد من الفئات، فمن فئة الفقهاء لكي يعتمدوا فقاهة القائد، ومن فئة السياسيين حتى يستطيعوا أن يشخصوا حسن إدارته..!

وهذا هو وجه آخر لمؤامرة الأعداء.

سابعاً: وأخيراً.. فقد فتحوا الباب لنقد القائد، قائلين: إنكم ابتدعتم قدسية خاصة للقائد بحيث لا يستطيع أحد أن ينبس ببنت شفة، وهذا نوع من الاستبداد، ولاسيّما ولاية الفقيه المطلقة هذه، فهي عين الاستبداد..!

إذاً فما معنى الحكومة الديمقراطية؟ وما معنى الحرية؟ وما معنى الانتخابات؟ وما معنى دور الشعب؟ وما معنى الجمهورية؟! فلتقولوا إذاً: حكومة الفقه المستبدة، أو حكومة الملالي المستبدة، أو كما تنفخه أبواق الاعلام: استبداد الملالي..!!

إن هذه هي خطط أعداء الإسلام من أجل القضاء على هذه الحكومة. فبعضها بعيد الأمد، وبعضها متوسط الأمد، والبعض الآخر قصير الأمد. لقد ابتكروا أساليب من أجل إضعاف عقيدة وإيمان فئات الشعب المختلفة.

لاحظوا البحوث والصحف والمجلات المختلفة، إنها صارت تنبت بحمد الله أخيراً كالفطريات، وإن اغلبها ذات ميول غير إسلامية، إن لم تكن ضد الإسلام!!

إذاً .. فأمامهم طريق مفتوح، فلماذا لا يأمل الاستكبار في الفوز؟ عندما توجد مثل هذه السبل، وعندما يكون من الممكن زعزعة ثقة الشعب بولاية الفقيه، فانهم سيفعلون غداً مع إيران ما فعلوه مع الجزائر.

 

ولاية الفقيه السدّ المنيع

ولكن السد المنيع الذي يحول دون تحقيق عالم الكفر والاستكبار لأطماعه،ليس إلا ولاية الفقيه.

وبالطبع فان الشيطان وإبليس والأبالسة لم يجلسوا مكتوفي الايدي في ميدان النزال، فما أكثر ما لديهم من تجارب استخدموها على مد التاريخ البشري، كما انهم ما انفكوا يتعلمون كل يوم اسلوباً جديداً لخداع وإغواء البشر. وعلاوة عى ذلك فان بيننا نحن أيضاً أشخاصاً بسطاء نضع بين أيديهم موضوعاً ما بهدف الدراسة أو التحقيق، فيثيرون تساءلات سرعان ما تأخذ صبغة علمية، ثم ما تلبث أن تتحول إلى شبهات وتجد طريقها تدريجياً إلى أذهان بعض الشباب غير الواعين وغير المتمرسين. وهؤلاء الاشخاص بعضهم منا نحن رجال الدين وحتى انهم يرتدون زيّ طلبة العلوم الدينية.

إن ولاية الفقيه من الأصول الإسلامية المسلّم بها، ولكن هناك اختلافاً في اجتهادات الفقهاء بشأن حدودها. فمن ناحية يتقول البعض بأن ولاية الفقيه هذه هي وليدة السنوات القليلة الماضية ولا أثر لها اصلاً في الفقه الشيعي. ومن ناحية أُخرى يقول البعض الآخر إن ولاية الفقيه تعتبر من ضروريات الإسلام. وبذلك تتحول هذه الاختلافات إلى موضوع يتلقفه المعاندون.

لابدّ من معرفة هل أن ولاية الفقيه مطلقة أو مقيدة؟ وهناك من يستغل كلمة (مطلقة) هذه، فيقول: ان كل شيء مقيد عدا الولاية الإلهية، إذاً .. فالولاية المطلقة للفقيه محض كذب! واللطيف أن البعض يستشهد أيضاً بالادلة العلمية والفلسفية على أن ولاية الفقيه كذب! كيف؟ إنهم يقولون إنه لا يوجد في العالم سوى مطلق واحد وهو الله، وإن الذي يطلق هذه الكلمة على موجود آخر فهو مشرك، إذ لا يمكن أن يكون هناك اثنان لا متناهيان أو اثنان مطلقان. فلو كان الله مطلقاً فلا مطلق سواه، فما معنى الولاية المطلقة إذاً؟!

 

انظروا إلى أيّ حد وصلت السفسطة!

لقد طرح بعض الفقهاء الولاية المطلقة في مقابل الولاية المقيدة في زمن الغيبة، فذهب البعض إلى أنه يجب على الفقهاء التدخل في الأمور الحسبية. وذهب البعض الآخر إلى أن الفقيه كالإمام المعصوم إلا في بعض الموارد التي تخص الإمام المعصوم، فهو مطلق اليد في ما عداها من الأمور وولايته مطلقة.

فما هي علاقة هذا (المطلق) بـ(مطلق) الوجود الإلهي؟! ولكنّ هناك في كل الأحوال من يلج السبل المختلفة للتآمر. ان من بيننا نحن المعمّمين من ليس لديهم معرفة عميقة بالقضايا الاجتماعية وألاعيب شياطين الانس والجن، فيستغل البعض صفاء قلوبهم وبساطتهم ونقائهم، لأنهم لا يدرون ما يوجد في العالم في مثل هذه الظروف من حيل شيطانية.

إنني أتذكر انه عندما طرح الإمام رضوان الله عليه في أوائل النهضة قضية اسرائيل، وقال إنها تشكل خطر على العالم الإسلامي، فان الكثير من العلماء لم يصدقوا ذلك، ولم يكن بوسعهم أن يدركوا كيف أن دويلة صغيرة قليلة السكان قد اغتصبت حديثاً ارضاً، يمكن أن تشكل خطراً على العالم الإسلامي وعلى مليار من المسلمين في العالم!

لقد كانوا يستهزئون بهذا الكلام. ولكنكم ترون اليوم كيف صدقت نبوءة الإمام وكيف أن هذا الصدق يفصح عن نفسه يوماً بعد آخر.

على اية حال فان بيننا بعض نقاط الضعف، حيث يأتي اشخاص لا يدرون شيئاً عن كنه القضايا السياسية والاجتماعية فيتفوهون بكلام أو يكتبون أشياء لا يقل ضررها عن تلك التي يطلقها أعداء الإسلام. ولهذا السبب فان إذاعة أمريكا وإذاعة اسرائيل تبث هذه الاقوال الساذجة وتستهلكها وتعكف إذاعة اسرائيل على نقل تصريحات آية الله الفلاني أو هذا الكاتب وذلك العالم أو تلك الشخصية التي هي مورد قبول المجتمع. وعلى هذا فينبغي أن نكون على حذر شديد.

لقد كانت هذه قائمة بالقضايا التي يجب أن نهتم بها، وكل منها تحتاج إلى ندوة خاصة تتناولها بالبحث المستفيض. فماذا يجب علينا ان نفعل إزاء ذلك إذاً..؟

 

واجبنا ازاء ولاية الفقيه

سأعرض عليكم بعض المواضيع ثم أترككم في أمان الله. أولاً: ينبغي أن نسعى إلى تبيان موقع ولي الفقيه كما هو عليه في النظام الإسلامي، بلا إفراط ولا تفريط. فهل أن كل ما يجري في مجتمعنا الآن يجب أن يكون صادر عن القائد؟ ان لدينا مؤسسات لوضع القوانين. أما ما هو معنى تلك المؤسسات وما موقعها طبقاً للنظرية الإسلامية، فهذا بحث آخر. ولكن أعضاء مجلس الشورى الإسلامي يجلسون ويتباحثون ويعتمدون المشاريع واللوائح، ثم يأتي مجلس الحفاظ على الدستور ليرى رأيه. فماذا يقلّ ذلك عن النظام الديمقراطي الذي يتحدث عنه أولئك السادة؟

وبالطبع فان صلاحية القانون، من وجهة نظرنا، منوطة بإذن الولي الفقيه، وكل القوانين معتمدة بطريق غير مباشر من لدن الولي الفقيه. فطالما تُقبّلت واعتمُدت هذه القوانين بناءً على أصل النظام، فانها تستلزم الاعتماد من جانب الولي الفقيه، وإلاّ فلا صلاحية لها.

فلو صوت جميع أعضاء مجلس الشورى الإسلامي بالاجماع لصالح قانون ما، وكذلك مجلس الدستور، ولكننا نعلم ان القائد لم يعتمده، فلا قيمة له بتاتاً.

وهذا عائد إلى اعتقادنا المبني على أساس التوحيد الربوبي، حيث نقول بأن كل الأمور التشريعية في الإسلام يجب أن تكون نابعة من الإذن الإلهي، ومن الإذن الإلهي إلى إذن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة المعصومين ومن ثم الفقهاء.

وإذا لم يكن الأمر كذلك فان توحيدنا يكون ناقصاً، ويكون لدينا خلل في البعد الربوبي للتشريع.

وبالطبع فان هذه المقولة تخصنا نحن، ولكن إزاء الآخرين فاننا نقول: ماذا ينقصنا عنكم؟ لقد انتخبتم نواب المجلس، وهكذا نحن. ولديكم لجان في المجلس، ونحن كذلك. ثم ان لديكم مجلساً آخر للدراسة والاعتماد طبقاً للدستور وأصل النظام، وهكذا نحن. وهذا هو مجلس الدستور الذي يسمى بأسماء مختلفة في الدول الأُخرى كمجلس الشيوخ أو غيره، والذي يتكون من عدد من رجال القانون الذين يوازنون قوانين المجلس مع الدستور حتى لا يكون هناك تناقض، وهكذا نحن. فماذا ينقصنا عنكم أيّها الديمقراطيون؟! وكيف تسمون ما يحدث هنا استبداداً..؟

فإذا قالوا: وهل تعتقدون بأن للولي الفقيه صلاحيات بعد كل ذلك؟ فاننا نقول: والأمر كذلك عندكم!

إن الادارة الأمريكية هي النموذج الذي تحتذيه كل تلك الأنظمة. والآن فاننا نتساءل: من الذي ألغى قانون الداماتو؟ ألم يكن هو رئيس الجمهورية الذي ألغى بالأمس هذا القانون، رغم اعتماده سلفاً من قِبَل المجلس الأمريكي بأغلبية الآراء؟ لقد ألغاه (كلينتون) رغم أنف أكثرية مجلس النواب الأمريكي..! فهل هذه حرية أو ديمقراطية أو استبداد؟! وكيف يسمى السادة الأمريكيون في بلادكم هذا الحق الذي يُعطي لرئيس الجمهورية حرية، أما إذا أُعطي هذا الحق في بلادنا للولي الفقيه فانه يسمى استبداداً؟!

إن كل نظام يريد الحفاظ على استقراره وأن يكون هناك تنسيق بين مؤسساته المختلفة، فانه يتعين حينئذ أن يكون لديه من يمتلك الكلمة الأخيرة. وصحيح ان جميع الأنظمة الديمقراطية تعتقد بالفصل بين السلطات، ولكن عندما يستجد خلاف بين المؤسسات المختلفة، فانه ينبغي العثور على حل لهذا الخلاف، وعادة يكون رئيس الجمهورية هو ذلك الشخص الذي يُنهي الخلاف بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. ونفس الشيء يحدث في الحكومات الملكية كما هو الحال في عدد من الدول التي تعرف بالمتقدمة مثل بلجيكا وهولندا والدانمارك والسويد، فعندما ينشأ خلاف بين السلطات الثلاث يكون هناك من يقضي على هذا الخلاف. وعندنا ذلك الشخص هو الولي الفقيه. فهل هذا استبداد؟

وبهذا فانه لا هدف من الشبهات التي تثيرها هذه المقالات وهذه النقاشات سوى اضعاف وزعزعة النظام. وربما يكون هناك من يقع فريسة للخداع وهو في غفلة من أمره، أو يؤثر فيه الترغيب والترهيب، وسوى ذلك من المؤثرات المختلفة. كما ان هناك من يعارض حباً في الشهرة، ربما لا يكسب المال الوفير (وإن كان لن يبقى بلا مكسب) ولكن المال وحده ليس هو مُنيته الحقيقية، ولكنه يطمح أيضاً إلى المنصب والشهرة، ويريد أن يصبح قائداً، وذلك عنده أهم من كل شيء، إنه الجاه والشهرة والمنصب الذي ينبض فؤاده بحبه.

فلنكن على حذر، وأن نوضح لأنفسنا أولاً، ثم للناس ثانياً، أهمية الولي الفقيه. إننا لم نقل بأن الولي الفقيه هو ذلك الذي يحكم بما تشتهيه نفسه! وهل ذلك ممكن؟ وهل ثمة من المسلمين من يقول بذلك؟ {ولو تقول علينا بعض الأقاويل، لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين} [الحاقة: 46]، فالرسول بما له من منزلة شامخة لم يكن لديه الحق في أن يبدّل كلمة من كلمات الله وأوامره. إذاً فالولي الفقيه الذي له الولاية والحكم يدرك من خلال الملاكات التي امتلكها من الأحكام الإلهية، أو عن طريق الدليل العقلي أو المطلقات والعموميات في الدليل النقلي، أن الارادة التشريعية الإلهية في هذه الظروف هي تلك. ولأن ذلك لا يتضح للآخرين، ولكي يتصف بالعمومية، ومن أجل تأمين مصالح المجتمع، فانه يستفيد من كل ما لديه من الأدلة دون الاكتفاء بالفتوى. وإلا فان ولاية الفقيه المطلقة لا تعني أن يقول إنني أتربع على عرش الله..! وهل يمكن أن يعتقد أحد من المسلمين أن ولاية الفقيه المطلقة هَوَس؟!

إذاً.. فلنفهم جيداً، ولنوضح جيداً للآخرين معنى ولاية الفقيه. فولاية الفقيه في نظام الجمهورية الإسلامية لا تعني أن نقول ما نهوى، أو أن نسرع رأساً إلى القائد لنأتمر بأمر! وعندما يقول المكابرون: وهل أن شخصاً واحداً يمتلك التخصص في كل شيء؟!

إن كل هذه المجالس كمجالس سنّ القوانين ومجالس الاقتصاد ومجالس الأمن القومي وسواها من المجالس في البلاد، وحتى مجمع تشخيص المصلحة، كلها تعتبر مراجع استشارية للقائد، ولا يصدر القائد حكماً إلاّ بعد مشورة هؤلاء. وبالطبع فانه لا يحتاج إلى المشورة في الأمور التي يمتلك فيها التخصص واليقين والتجربة، أما في القضايا الفنية التي ليس له فيها تخصص فانه ينتظر رأي المستشارين بعد البحث العميق لهذه القضايا، سواء كانت هذه الاستشارة رسمية عن طريق المجالس الرسمية أو خاصة عن طريق الخبراء الخصوصيين، ثم يصدر حكمه.

وهل تسمح له تقواه التي لا نجد مثيلاً لها بين أقرانه ونظرائه أن يصدر حكماً يرضي الله في شيء له فيه شك؟! فلو شك في أن مصالح المجتمع الإسلامي تقتضي ذلك أم لا، فهل تجيز له تقواه أن يصدر حكماً في ذلك؟!

وعلى فرض المحال، أخرس الله لساني، جاء يوم وارتكب القائد هذا الخطأ، أو زَلّ هذه الزّلّة، فأصدر حكماً يخالف أحكام الإسلام ويتنافى مع مصالح المسلمين جرياً وراء هواه النفسي، فان إصدار هذا الحكم لن يستتبع إلاّ عزله عن الولاية!! لأن مثل هذا العمل يُعد فسقاً، وبفسقه يفقد شرط الولاية وينعزل تلقائياً بلا حاجة إلى عزله. ولو كان هناك محل للشبهة، فان مجلس الخبراء يتحقق من ذلك ثم يعلن أن ذلك الشخص يفتقد هذه الشروط من الآن فصاعداً ولم تعد له صلاحية للولاية.

إن لدى نظامنا مثل هذه التوقعات. فهل تعرفون نظاماً ديمقراطياً في أي مكان من العالم ينعزل فيه شخص بنفسه تلقائياً بمجرد مخالفة القانون، أو أن تمتلك إحدى مؤسساته حق الاعلان عن عزله بمثل هذه البساطة؟!

انظروا.. إن بعض رؤساء الجمهوريات في العالم يأتون إلى سدة الحكم بمعية عدد من ملفات الاجرام والخيانة. حتى إن ادانتهم تثبت ولكنهم يظلون في مناصبهم! فهل أن هذه الأنظمة هي الاستبدادية أم نظامنا؟! فاعتبروا يا أولي الأبصار، ما لكم كيف تحكمون. فما هو العقلائي.. عملنا هذا أم عملكم..؟!

إذاً .. فينبغي علينا أولاً أن نفهم نظامنا جيداً، وان نستوعبه، وان نتحققه، وأن تكون لدينا إجابات جاهزة لشتى الأسئلة. فلو اتضحت لنا كل الأمور، ولم تعد لدينا شكوك، فان هذا لا يعني ان الآخرين مثلنا لا يشكون. كلا فان الشيطانين حرفتهم إثارة الشبهات. وعندما تثار الشبهة وتبقى بلا جواب، فان الشك يخامر النفوس، وإذا وجد الشك طريقه إلى نفوس الناس قل دعمهم، وإذا انخفض دعمهم تعرض النظام للخطر. وهذا يعني أن أعظم نعمة منّ الله بها على مجتمعنا الإنساني والإسلامي تذهب أدراج الرياح نتيجة جهلنا وتساهلنا. كما تذهب سُدى دماء مئات الآلاف من الشهداء بسبب تساهلنا هذا. فمن هو المسؤول؟ وعندما تقام محكمة العدل الإلهي فمن سيقف أمامها؟ إن كل أولئك الذين كان بإمكانهم الدفاع عن هكذا نظام وهكذا قائد ثم تخاذلوا في ذلك هم جميعاً شركاء في الجريمة. وهل تتوقف المعصية دائماً عند شرب الخمر (والعياذ بالله) وتنحصر فقط في ما شابه وشاكل من الذنوب؟!

إن التقاعس عن الدفاع عن مثل هذا القائد إذا أصبح في معرض الخطر، لا سمح الله، أو بات عرضة للتضعيف، لمن الذنوب الكبيرة!

إن علينا أن نعرف واجباتنا ونتفهم الأمور ونعقلها جيداً، وأن نُعدّ جواباً مقنعاً ومنطقياً لكل الشبهات، ونتيقن أن واجبنا يملئ علينا أن نوضح للناس شتى القضايا، والا نكتفي بأن نحمل أرواحنا على أكفنا في مختلف الساحات والميادين. إن ابناء شعبنا طيبون للغاية، ولكن الشياطين أيضاً لديهم التجربة الكافية.

اللهم بحق دم سيد الشهداء احفظ هذه الحكومة حتى ظهور ولي العصر وأدمها في كنف رعايته.

اللهم أدِم علينا ظل القائد المعظم، ووفقنا لأداء واجب شكر هذه النعمة التي أنعمت بها علينا. اللهم عجل بظهور وليّ العصر، وارض قلبه المقدّس عنا جميعاً يا رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته