![]()
|
| فالانحراف يظهر اولاً حين يغفل الناس عن المعرفة الصحيحة بالأسس والمبادئ التي قام عليها هذا النظام، وتنخفض درجة وعيهم، فتبدأ الأيدي الماكرة عملها بنشر أفكار خاطئة بدلاً من المعارف الإسلامية وتلبسها ثوب الإسلام. ولعل مبدأ “ولاية الفقيه” يعتبر من أهم القضايا التي ينبغي طرحها ومعالجتها في المجتمع وعلى نطاق واسع، وتوسيع معرفة الناس ووعيهم وتعميقهما تجاهه. فهذا المبدأ الذي يعتبر الأُس الأساس في النظام الإسلامي ومركز ثقل الحكومة الإسلامية، كان من المواضيع التي وضعت على مائدة النقاش والنقد والبحث، وطرحت بشأنه الاسئلة، وأثيرت حوله الكثير من الشبهات. وقد تصدى العلماء والمفكرون من تلامذة مدرسة الإمام الخميني (ره) للإجابة على الأسئلة المطروحة ودرء الشبهات عنه. ومن جملة من كانت لهم مساهمات كبيرة في توعية المجتمع الإسلامي بهذا المبدأ الأساس وتقديم صورة واضحة حوله، آية الله مصباح اليزدي. وقد أجاب في احدى الجلسات التي كانت مع جمع من طلبة الحوزة والجامعة على بعض الأسئلة المطروحة في هذا المجال. ونحن بدورنا نقوم بتقديم القسم الأول منها على أمل ان نقدم القسم الثاني لاحقاً. 1 ـ ماذا يُقصد بـ “الحكومة الدينية”؟ * هناك ثلاثة معانٍ على الاقل للحكومة الدينية: 1 ـ الحكومة التي تقوم جميع أركانها على أساس الدين. 2 ـ الحكومة التي تراعى فيها أحكام الدين. 3 ـ حكومة أصحاب الدين والمتدّينين. ويمكن توضيح هذه المعاني الثلاثة والفرق بين أحدها والآخر على النحو التالي: الحكومة الدينية، طبقاً للمعنى الأول، هي تلك التي لا تستقي كافة قوانينها وأحكامها التنفيذية من الدين فحسب، بل فضلاً عن ذلك، فان مسؤوليها منصوبون من قبل الله مباشرة، أو بإذن خاص أو عام. وهذه هي الحكومة الدينية في صيغتها النموذجية والكاملة والمطلوبة، حيث أنها وبهذه المميزات تحظى بالحكم الإلهي وتقوم على أساس إرادة الله التشريعية. وهكذا هي حكومة الرسول (ص) والإمام المعصوم وكذلك حاكمية أمثال مالك الأشتر في زمن وجود المعصوم أو حكومة الوليّ الفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة. وأما الحكومة الدينية، طبقاً للمعنى الثاني، فانه لا يلزم فيها أن يكون الحاكم منصوباً من عند الله بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وعندئذ فان مسؤول (قائد) هذه الحكومة لا يتمتع بالدعم الإلهي، وكل ما في الأمر أن كون هذه الحكومة حكومة دينية لا يعني سوى مراعاة القوانين الدينية فيها فقط لا غير. بل إنه لا يجب، طبقاً لهذا المعنى أيضاً، أن تكون كافة قوانين الحكومة مستنبطة من الاحكام والقوانين الشرعية، ويكفي أن تراعى الأحكام والقيم الدينية فيها إلى حدّ ما فحسب. ومثل هذه الحكومة، من حيث الدرجة، تأتي بعد الحكومة بمعناها الأول. وأما الحكومة الدينية، بمعناها الثالث، فانه لا ينبغي فيها اصلاً الأخذ بالقوانين الإسلامية، بل مجرد تعلقها بمجتمع متدين الأفراد يكفي لتسميتها حكومة دينية على سبيل التسامح. وهذا التعبير شبيه بتعبير “الفلسفة الإسلامية” والتي يسميها البعض بـ “فلسفة المسلمين”، أي الفلسفة المنتشرة بين المسلمين حتى ولو لم تكن مطابقة للفكر الإسلامي. ومن هنا فإن الحكومة الدينية، بمعناها الثالث، لا تقتضي أن يكون الحاكم مقيّداً بإجراء الأحكام الشرعية. وطبقاً لهذا المعنى فان كافة الحكومات التي سادت شتى بقاع العالم الإسلامي منذ صدر الإسلام وحتى الآن تُدعى “حكومة دينية”. ولا شك أن المعنى الثالث للحكومة الدينية لا يعتبر صحيحاً أو مقبولاً طبقاً لمعاييرنا وموازيننا العقائدية، لأن الحكومة الدينية في نظام العقيدة الإسلامية هي تلك التي تقوم كافة اركانها على أساس الدين، أي طبقاً للمعنى الأول للحكومة الدينية، أما المعنى الثاني، فيعد “بدلاً اضطرارياً” للحكومة الدينية، لا أنها فعلاً كذلك، أي أننا نضطر للجوء إلى المعنى الثاني في حالة عدم تحقق الحكومة الدينية بمعناها الأول. ولبيان معنى الاضطرار للجوء للحكومة الدينية بمعناها الثاني اذا لم تتحقق شرائط الحكومة بمعناها الأول، فإنه ينبغي ملاحظة المثال التالي: إن أكل الميتة محرم في الفقه الإسلامي. ولكن إذا أشرف الإنسان على الموت جوعاً، ولديه مقدار من لحم الميتة، فان الفقهاء، واستناداً إلى الأدلة الشرعية، يفتون بجواز أكل لحم الميتة بالمقدار الذي يخلصه من الموت. فيقال هنا بأن هذا الشخص مضطر لأكل لحم الميتة. وعلى هذا فان المسلمين مضطرون لاقامة حكومة دينية بمعناها الثاني اذا لم تساعد الظروف على إقرار حكومة دينية حقيقية. اذاً ـ فانه لا يمكن القول بجواز إقامة حكومة دينية بمعناها الثاني في أي ظرف كان، كما أنه لا يجوز القول بأكل لحم الميتة في كل الأحوال. فلو كان الناس مضطرين اكتفوا بالحكومة الدينية بمعناها الثاني، وذلك لأن الأحكام الإلهية تطبّق إلى حد ما في الحكومة الدينية بمعناها الثاني، وهذا أفضل من حكومة لا تعير اهتماماً للأحكام الإلهية على الاطلاق. 2 ـ ما هو المراد بالحكومة الولائية؟ * إن اصطلاحات من قبيل الحكومة الإسلامية والحكومة الولائية لها معنى واضح في أوساطنا، ولأننا مسلمون ونعتبر أن الحكومة من حيث المبدأ هي من عند الله، فانه يجدر بنا أن نرى من هو الحاكم الذي نصبّه الله علينا. من البديهي أن الله تعالى اصطفى أفضل الناس في كل زمان وجعلهم رسلاً منذ بداية الخليقة وطبقاً لحكمته وزوّدهم بالمشاريع والخطط الدينية ومنها الحكومة، وأنزل عليهم الوحي بما يتناسب وحاجات البشر. وقد بذل الأنبياء جهودهم الحثيثة في هذا المضمار كقادة إلهيين واتخذوا من التعليمات الإلهية وسيلة لهداية الناس وإرشادهم إلى واجباتهم الفردية والاجتماعية في المجالات العبادية والأخلاقية والسياسية حتى يصل البشر إلى أوج السعادة والكمال بفضل العبودية وأداء الواجبات، وهو أمر لا يتيسر إلا في المجتمع التوحيدي. ولا ريب أن فلسفة بعثة الأنبياء لا تتعدى إقرار إرادة الله التشريعية فيما يخص سلوك الإنسان في النظام الديني. ويشهد تاريخ صدر الإسلام ومسلك الرسول الأكرم (ص) على أن الحكومة ليست إلا من عند الله تعالى وأنه سبحانه هو الذي يقر حاكم ووليّ المسلمين. فالله سبحانه هو الذي نصب النبيّ والإمام والقادة الإلهيين، وعلى الناس قبولهم عن طريق معرفتهم وتشخيصهم. الحكومة حق إلهي إن الاعتقاد في مثل هذه الحكومة التي تكون فيها الولاية والحكم من عند الله نابع من النظرة الكونية التوحيدية التي ترى بأن كل العالم وجميع الكون ملك مطلق لله تعالى ولا يجوز التصرف فيه إلا بإذنه. حتى الإنسان لا يجوز له التصرف في نفسه إلا باذن الله، فما بالك بالتصرف في الآخرين! وعلى هذا فانه لا ينبغي للحاكم إلاّ أن يكون منصوباً من قبل الله تعالى. ان الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) هم الذين يملكون حق الولاية على الناس باذن الله بشكل مباشر، وأما في عصر الغيبة فان نواب امام الزمان (عج) لهم هذا الحق من عند الله ولكن بشروط خاصة وبشكل غير مباشر. وعلى الناس أن يكتشفوا هؤلاء ويتّبعونهم في إقرار شريعة الإسلام. وعلى هذا الأساس، فان الحكومة في النظام السياسي الإسلامي هي من عند الله سواء أكان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر، وهي ما يعبّر عنها بالحكومة الولائية. 3 ـ لماذا تُعتبر نظرية ولاية الفقيه هي الشكل الأوحد للحكومة الدينية؟ * لابد لنا في البداية أن ننظر ماذا تحمل نظرية ولاية الفقيه من معان. إن الذي يمكن قوله إجمالاً حول ولاية الفقيه هو أنه في الوقت الذي لا تتوفر فيه حاكمية الإمام المعصوم، فان الفقهاء المنصوبين من قبل المعصومين (ع) طبقاً لشروط خاصة، تقع على عاتقهم مسؤولية إدارة المجتمع على أساس أحكام الإسلام. ميزتان للحكومة: اننا نعلم أن لكل حكومة أهدافها، من قبيل: توفير حاجات الموظفين وإقرار الأمن الداخلي، وإقامة علاقات مع الدول الأخرى بما يضمن المصالح الوطنية، وخلافه. وعلى هذا فان على كل حكومة أن تتحلى بصفتين: الأولى: معرفة السبيل لتحقيق هذه الأهداف وإدارة المجتمع بما يضمن تحقيقها. والأخرى: أن تكون محل ثقة الشعب، أي أن يطمئن المواطنون على حفظ كرامتهم وحياتهم وأموالهم في ظل هذه الحكومة. إن كل إنسان ـ مهما كانت عقيدته ـ يعتبر هذين الأمرين من ضروريات الحكومة، ويتوقع أن يدير المسؤولون المجتمع في ضوء هذين الشرطين. فلو كانت الحكومة دينية فهناك هدف آخر يضاف إلى الأهداف المذكورة وهو تمهيد السبيل للرشد والسمو المعنوي للمواطنين. وهذا الهدف لدى الحكومة الدينية يحظى بما لا تحظى به الأهداف الأخرى من أهمية بما يؤثر عليها. وبتعبير آخر فان هذا الهدف له الأولوية الأولى في النظام الإسلامي. والآن، وبالأخذ بنظر الاعتبار الفرق بين الحكومة الدينية والحكومات الأخرى، فمن هو الذي يتولى قيادة هذه الحكومة التي تأخذ على عاتقها مسؤولية تحقيق الأهداف السالفة الذكر؟ شروط الحاكم الديني ولأن إدارة المجتمع تكون على أساس القوانين الإسلامية في الحكومة الدينية، فإنه يجدر بالشخص الذي يكون على رأس السلطة أن يكون على علمٍ كافٍ بالقوانين الإسلامية حتى لا يتخلف عن هذه القوانين عند إدارة المجتمع. وهذه المعرفة يجب أن تبلغ حد الاجتهاد. ومن هنا فان الاجتهاد في الفقه هو الشرط الأول في الحاكم الديني، وضرورة هذا الشرط من الوضوح بمكان لأن من يطبق القانون يجب أن يكون على علم كامل به، والفقهاء هم أكثر الناس معرفة بالقوانين الشرعية والدينية من بين المسلمين. والشرط الثاني هو التقوى والصلاح الأخلاقي، لأن الحاكم تحرفه السلطة إذا لم يكن تقياً ومن الممكن أن يرجح المصلحة الشخصية أو الحزبية على المصلحة الاجتماعية والوطنية. فالصلاح والأمانة شرط أساسي للحاكم في أي نظام كان حتى يسلّمه الناس زمام أمورهم بثقة واطمئنان، غير أن التقوى والصلاح يجب أن تبلغ اقصاها في الحاكم الديني. وأما الشرط الثالث فهو المعرفة والاهتمام بالمصالح الاجتماعية، أي أن الذي يحكم الشعب ينبغي عليه أن يعرف في ظل أي ظروف يدير المجتمع. فيجب عليه أن يكون على علم بالعلاقات الدولية وأن يميز الأصدقاء عن الأعداء في الداخل والخارج، وهذه من المهارات التي لابد لأي حاكم أن يتّسم بها وإلاّ فانه سيواجه عقبات كثيرة في تدبير شؤون المجتمع. إنه من الممكن أن تتوفر سائر الشروط المذكورة في غير الفقيه، بيد أن شرط الفقاهة يلزمنا بأن يكون الحاكم الشرعي فقــيهاً جامعاً للشرائط. ويجدر القول بأن القادة الدينيين أكدّوا على ضرورة توفر الشروط المذكورة في الحاكم الديني، حيث يقول الإمام عليّ (ع): “أيهـا الناس إنّ أحق الناس بهذا الأمر أقــواهم عليه وأعلمـهم بأمر الله فيه”. وطبقاً للشرائط المذكورة فاننا ندّعي بأن الحكومة المشروعة من وجهة نظرنا ليست سوى ولاية وحكومة الفقيه. 4 ـ هل تعود سابقة نظرية ولاية الفقيه إلى زمن غيبة إمام الزمان (عج)، أم أن ثمة وجوداً لهذه النظرية في زمان وجود الأئمة المعصومين (ع)؟ * ربما يدور في ذهن أغلبية الناس أن ولاية الفقيه تعود إلى ما بعد زمن الغيبة الكبرى لإمام الزمان (عج)، أي إلى أقل من 1200 عام . ولكننا إذا أخذنا بالاعتبار مفاد نظرية ولاية الفقيه وألقينا نظرة إجمالية على تاريخ عصور الأئمة المعصومين (ع) لتوصلنا بيسر إلى أن ولاية الفقيه كانت موجودة حتى في زمن الأئمة المعصومين (ع). الحكومة الإلهية والحكام الإلهيون إن الشيعة يعتقدون بأن الحاكمية هي في الأصل من الله تعالى. وبعبارة أخرى فان الحاكمية من شؤون الربوبية الإلهية. وليس لأحد حق الحكومة على الناس إلاّ إذا كان ذلك باجازة من الله تعالى. فالأنبياء وخاتمهم محمد (ص) وأوصياؤه المعصومون كانت لديهم أجازة الحكومة على الناس من الله سبحانه. إننا لا نريد هنا أن نسوق الدليل على مشروعية حكومة الرسول الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع). وإنه لمن مسلّمات التاريخ أن أحداً من الأئمة المعصومين (ع) لم يصل إلى الحاكمية الظاهرية سوى الإمام عليّ (ع) والإمام الحسن المجتبى (ع) لمدة قصـيرة جداً، ولكن باقي الأئمة (ع) كانوا معزولين عن إدارة المجتمع ولم يجدوا مجـالاً للوصول إلى الحكم وذلك بسبب تسلط الحكام اللاشرعيين. وقد كان الإمام عليّ (ع) يرسل البعض ولاةً على مختلف البلدان الإسلامية باذن خاص منه، وكانت إطاعتهم واجبة كإطاعته هو (ع)، لأن هؤلاء الولاة كانـوا بمثابة المنصوبين من قبل الله تعالى ولـكن بطريق غير مباشر، أي أنه لا يجب أن يكون الشخص منصوباً بشكل مباشر من الله تعالى حتى تجب إطاعته. فولاية الفقيه في الواقع هي تنصيب غير مباشر والفقيه لديه إجازة الحكومة من قبل الله تعالى. إن المجتمع الإسلامي كان خاضعاً لسلطة وحاكمية حكام الجور عندما لم يصل الأئمة (ع) إلى الحاكمية الظاهرية. وهؤلاء الحكام يسمّون بـ “الطاغوت” في الفكر الشيعي، وكما جاء في القرآن الكريم {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}، فان الناس لم يكن لهم أن يتحاكموا إلى هؤلاء الحكام وولاتهم في تدبير شؤونهم، بينما هم في حاجة إلى حاكم أو قاضٍ ليحكّموه فيما بينهم. فماذا يفعل الناس حينئذ؟ ولاية الفقيه في روايات المعصومين (ع) إن ثمة أحكاماً وردت عن الأئمة المعصومين (ع) بأن على الناس أن يعودوا إلى من تتوفر فيه شروط خاصـة لتدبير أمور حياتهم عندما لا يكون بامكانهم العودة مباشرة إلى المعصوم. ومن ذلك ما جاء عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: “من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حَكَماً”. والمقصود بالعارف بالحلال والحرام والعالم بالأحكام هو الفقيه. وهناك روايات مشابهة تنص على أن الفقيه هو حاكم الناس عندما لا يكون بامكانهم أن يعودوا إلى المعصوم وأن هذه الحاكمية هي من قبل المعصوم “فإني قد جعلته عليكم حاكما”. فمن الواضح أن الإمام لم ينصّب شخصاً بعينه حاكماً، بل إن ذلك التنصيب جاء بشكل عام. كما جاء في نفس هذه الرواية “فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخفّ بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالـرادّ على الله وهو على حد الشـرك بالله”. فطاعة الحاكم المنصوب بشكل عام من جهة المعصوم واجبة، فمن لم يقبل حكمه كمن لم يقبل بحاكمية المعصوم. إن نظرية ولاية الفقيه، طبقاً للتنصيب العام للفقهاء، لا تختص بزمن الغيبة، بل إنه يجب العمل بها في زمن وجـود المعصوم عندما لا تمكن العـودة إليه، ذلك أن فحوى هذه النظرية ليست سوى العثور على حلٍّ لمشـاكل الناس عندما لا يكون بامكانهم أن يعودوا إلى المعصوم. إذاً.. فهذه النظرية لها جذور أيضاً حتى في زمن وجود المعصوم. 5 ـ هلاّ تفضّلتم باقامة الدليل على ولاية الفقيه بأسلوب بسيط لا يستعصى على العامّة فهمه؟ * إن إقامة الدليل على ولاية الفقيه بصورة واضحة يفهمها الجميع في حاجة إلى مقدمة. متطلبات القانون (التفسير ـ المطابقة ـ التنفيذ) إن الله تعالى أنزل أحكاماً لإدارة المجتمع، وهذه الأحكام في غالبية الأحوال تحتاج إلى من يوضحها ويبينها كما هي كافة القوانين في العالم، وإن كان قد سعى واضعو القوانين أن يجعلوها واضحة ومفهومة، إلاّ أنها عادة ما تحتاج إلى التوضيح بسبب ما قد يكون فيها من خصوصيات تستعصي على اللغة والبيان. وعلاوة على ذلك، فان تطبيق الأحكام على مصاديقها ومواردها غالباً لا يخلو من شيء من الإبهام. أي هل أن هذه الحالة تعتبر مصداقاً لهذا القانون أو أنها مصداق لقانون آخر، وهو ما يشكّل عقبة على طريق تنفيذ القوانين في كافة أرجاء العالم. وبعد تفسير القانون وتحديد مصداقه يأتي دور التنفيذ، إذ أن كل قانون يحتاج إلى منفّذ، ولابد من إدارة المجتمع على أساس أحكام وقوانين خاصة أن يكون هناك شخص أو أشخاص يقومون بعبء هذه المسؤوليات الثلاث. أكفأ الناس في تنفيذ أحكام الإسلام من الواضح أن أكفأ الناس في تنفيذ أحكام وقوانين الإسلام هو من يكون نموذجياً في الحالات الثلاث. أي أفضلهم معرفة بالقانون، وأقدرهم على تفسيره، وأقواهم على تنفيذه، وذلك بلا أدنى إهمال أو خطأ في فهمه وتفسيره وتنفيذه. وهذا ما يسمى عندنا باسم “العصمة”، حيث أن المعصوم ـ عقلاً ـ هو من له الأولوية على الناس جميعاً في تنفيذ القانون. غير أنه في المجتمعات الكبيرة التي لا يستطيع فيها شخص بمفرده أن ينهض بكافة الأمور، فانه ينبغي أن يكون هذا الشخص على رأس السلطة وأن يتولى المدراء تدبير شؤون المجتمع تحت إشرافه وولايته. إن المصداق الأسمى للمعصوم هو الرسول الأكرم (ص) الذي يتمتع بأرفع الدرجات الأخلاقية، وقد أجمعت كافة الفرق الإسلامية على عصمته. وفي مذهبنا نحن الشيعة فان الأئمة المعصومين (ع) هم الذين يلون رسول الله (ص) من حيث المنزلة ولهم صفة العصمة. إذاً.. فالنموذجية المطلوبة متوفرة حتى سلسلة الأئمة المعصومين (ع) دون سواهم. ولكن ماذا نفعل في زمن الغيبة حيث لا يوجد هذا النموذجي بيننا وليس بوسعنا الاتصال به حتى نتفيّأ ظلال حكومته؟ هناك من الآيات والروايات ما يبين لنا واجبنا في مثل هذه الحالة. ولكن، لأننا بصدد إقامة دليل مبسّط، فاننا نسعى فقط للاستفادة من وعي القرّاء المحترمين، فنسألهم: ماذا يتعين علينا فعله حيئنذ؟ إنه لا مندوحة من القول بأنه إذا كنا نعتقد بنموذجية المعصومين (ع)، فان العقل يقول بأنه ينبغي أن يكون على رأس السلطة من هو أشبه بالإمام المعصوم في كل شيء، أي الأفضل في معرفة الدين والتقوى والصلاح من أجل تطبيق الأحكام والقوانين الإسلامية. فعندما لا يقوم المجتمع إلاّ بالحكومة، وليس لدينا إمام معصوم ظاهر، فعلينا العثور على أقرب الناس منه درجة، أي على شخص يَفْضُل الآخرين علماً بالإسلام وعدالة وتقوى وتطبيقاً للأحكام والقوانين الإسلامية، وهو ما يتجلى في الولي الفقيه. وهذا ما يحدث عند عامة الناس في الأمور الأخرى، حيث يتجهون إلى الأفضل خبرة وتخصصاً، ثم الذي يليه من الأقرب إلى الشخص النموذجي من حيث التخصص والمميزات. وولاية الفقيه لا تعني سوى الرجوع إلى من هو أقرب من الإمام المعصوم علماً وعدالة. 6 ـ هل أن صلاحيات وواجبات الوليّ الفقيه تنحصر في ما حدّده الدستور، أو أن ما جاء في الدستور لا يعدو كونه نموذجاً من صلاحيات القائد؟ * فائدة التشريع تعود الأهمية القصوى لوضع القانون إلى أنه يمكن الاستناد والرجوع إليه في حل الخلافات. وعلى هذا الأساس فانه يتحتم الاهتمام بكل ما ورد في القانون حتى تكون لوضعه فائدة. ولكن ينبغي العلم أنه عند وضع القانون دائماً ما يؤخذ بنظر الاعتبار الحالات التي غالباً ما تحدث. وأما بالنسبة للحالات النادرة الحدوث فانه عادة لا يوضع لها قانون. وهكذا هو الأمر في صلاحيات وواجبات الوليّ الفقيه في القانون. أي أن هناك مادة تنص على صلاحيات وواجبات الولي الفقيه صودق عليها في الدستور، وهي عادة ما تحتوي على الأمور محلّ الاحتياج دون اقتصار صلاحياته على ما ذكر، حيث أن ثمة مادة أخرى في الدستور تنص على الولاية المطلقة للوليّ الفقيه. وليس هناك تعارض بين هاتين المادتين، بل إن إحداهما توضح الأخرى. أي أن الأولى تبين صلاحيات وواجبات الوليّ الفقيه في الحالات الغالبة، والثانية (ولاية الفقيه المطلقة) تبين صلاحيات الولي الفقيه فيما يمكن أن يستجدّ من أمور تستلزم منه أن يتخذ قراراً لم يُذكر في صلاحياته المنصوص عليها في المادة الأولى. إننا لو نظرنا إلى ما كان يقوم به الإمام الراحل (رض) لوجدنا أن صلاحيات الوليّ الفقيه أبعد مما ورد ذكره في الدستور. لقد كان الدستور ـ قبل التعديل ـ ينص على أن رئيس الجمهورية يُنتخب من قبل الشعب، ثم ينفذ القائد نتيجة الانتخابات، ولكن الإمام (قده) أعلن في مراسم تنفيذ رئاسة الجمهورية قائلاً: “إنني أنصبّك رئيساً للجمهــورية”. إنه لم يرد أي شيء حول “تنصيب” رئيس الجمهورية في الدستور، بيد أن الإمام (رض) كان يستخدم لفظ “تنصيب” عند تنفيذ حكم رئاسة الجمهورية لما كان يراه من حق أكبر لمقام ولاية الفقيه وأن الولي الفقيه لديه ولاية إلهية. وكمثال على ذلك فقد جاء عند تنفيذ حكم رئاسة جمهورية المرحوم الشهيد رجائي ما نصه: “ولأن مشروعيتها ـ رئاسة الجمهورية ـ لا تكون إلا بالتنصيب من لدن الفقيه وليّ الأمر، فانني أنفّذ صوت الأمة وأنصبّه رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران، وطالما سار على نهج الإسلام العزيز واتّبع أحكامه المقدسة واحترم الدستور وسعى في تدبير مصالح البلاد والشعب العظيم بما يتيـحه لـه القـانون ولـم يتعـدّ الأوامـر الإلهـية والدســتور، فـان هـذا التنصيب سيـظل سـاري المفعول. وأما إذا عمل بما هو خلاف ذلك، لا سمح الله، فإنني سأسلبه هذه المشروعية”. 7 ـ هل للفقيه الولاية المطلقة التي للأنبياء والأئمة (ع)؟ * معاني الولاية (التكوينية ـ التشريعية ـ المطلقة) تنقسم الولاية إلى تكوينية وتشريعية. فأمّا التكوينية فانها تعني التصرف في الموجودات والشؤون التكوينية. وواضح أن هذه هي ولاية الله. فهو سبحانه الذي يهيمن بارادته وقدرته على كل الموجودات. وإن أمر التكوين وتغيّر وبقاء كافة المخلوقات بيد الله سبحانه، وهذه هي ولاية الله التكوينية. وقد أعطى الله تعالى درجة من هذه الولاية لبعض عباده. ومعجزات وكرامات الأنبياء (ع) هي من آثار هذه الولاية التكوينية. وهذا غير ما يقال عن ولاية الفقيه، فهي ليست تكوينية. وأما الولاية التشريعية فتعني أن يكون التشريع والأمر والنهي وإصدار الأوامر بيد أحدٍ ما. فلو قلنا إن لله ربوبية تشريعية فمعنى هذا أنه تعالى هو الذي يصدر الأمر بفعل هذا واجتناب ذلك، وهكذا. وكذا الرسول والإمام لهما الحق بأن يأمرا أو ينهيا الناس باذن الله. وهذا هو الحال في الفقيه. فلو قلنا بأن للفقيه ولاية، فإننا نقصد ولايته التشريعية، أي أن له الحق شرعاً بأمر ونهي الناس. إنه لا يوجد في تاريخ التشيع فقيه يقول بأن الفقيه ليست له أية ولاية. والذي اختلف فيه الفقهاء هو مراتب ودرجات هذه الولاية. فالإمام الخميني (رض) كان يرى بأن الوليّ الفقيه له ما للوليّ المعصوم، اللهم إلا ما يستثني من ذلك. وقد قال الإمام (رض): “إن الأصل هو أن الفقيه الجامع لشرائط الحاكمية ـ في عصر الغيبة ـ له ما للمعصوم من إمكانات واسعة، إلا أن يكون ثمة دليل خاص على اختصاص الوليّ المعصوم بأمرٍ ما” ومن ذلك الجهاد الابتدائي الذي هو من اختصاصات الوليّ المعصوم كما هو المشهور بين الفقهاء. ومثل هذه الولاية يُعبّر عنها بـ “الولاية المطلقة” في باب إمكانات الوليّ الفقيه. فليست الولاية المطلقة هي أن الفقيه يجوز له أن يفعل ما يشاء، حتى يتسنى للبعض ـ بغية المساس بهذه النظرية ـ أن يقولوا: إن بامكان الفقيه أن يُنكر التوحيد أو يُنكر أو يوقف أي اصل من أصول وضروريات الدين طبقاً لـ “الولاية المطلقة”! ان تشريع ولاية الفقيه جاء من أجل الحفاظ على الإسلام. فماذا يبقى من الدين لو جاز للفقيه إنكار أصول الدين حتى يكون عليه واجب الحفاظ عليه؟! إن قيد “مطلقة” في مقابل من يعتقدون بأن الفقيه ليس له حق التصرف والتدخل إلا في الحالات الضرورية. إذاً.. فلو لزم هدم بيت من أجل الحفاظ على جمال المدينة، فان الفقيه لا يستطيع أصدار أمر بذلك، لأن ذلك لا يعدّ أمراً ضرورياً. وإن هؤلاء الفقهاء يعتقدون بالولاية المقيدة ـ لا المطلقة ـ على خلاف المعتقدين بولاية الفقيه المطلقة الذين يعتبرون أن كافة متطلبات المجتمع الإسلامي ـ اضطرارية كانت أو غير اضطرارية ـ لا تخرج عن نطاق تصرفات الفقيه الشرعية. دليل على ولاية الفقيه كيف يمكن إثبات حق الولاية والحاكمية للفقيه في عصر الغيبة؟ إننا نعرف أن الأئمة المعصومين (ع) ـ باستثناء الإمام علي (ع) ـ لم تكن لهم حكومة ظاهرية، أي أن حكومتهم الإلهية والمشروعة لم تجد طريقها إلى التحقيق العيني. فمن جهة، نجد أن الشيعة في العصور التي لم يكن للأئمة فيها حكومة ظاهرية كانوا يضطرون لمراجعة مسؤولي الحكومة فيما كانوا يحتاجون إليه، كما لو اختلف مؤمنان على ملكية شيء ما ولم يكن أمامهما سوى الذهاب إلى القاضي. ومن جهة أخرى، فإننا نعلم أن كل حاكم لا يتمثل في حاكمية التنصيب الإلهي بنحو ما هو حاكم غير شرعي وطاغوت، وذلك طبقاً للفكر الشيعي. فالخلفاء الذين أزاحوا الإمام المعصوم عن سدة الحكم وتربّعوا هم على أريكة السلطة يُعتبرون في عداد “الطاغوت”. وتحكيم حكام الطاغوت لا يجوز، كما صرح بذلك القرآن الكريم: {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به}. إذاً.. فماذا كان على المؤمنين أن يفعلوا في تلك الحالة؟ لقد أعطى المعصومون (ع) حلاًّ مناسباً للشيعة، وهو أن يعودوا في أمورهم لمن يعرف الحلال والحرام إذا كان الحاكم الرسمي غير شرعي. ولا يجوز عندئذ التخلف عن حكمه، لأنّ ذلك ردّاً على الإمام المعصوم، والرادّ على المعصوم على حد الشرك بالله تعالى. فقد ورد في مقبولة “عمر بن حنظلة” نقلاً عن الإمام جعفر الصادق (ع): “من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حَكَماً، فاني قد جعلته عليكم حاكماً، فاذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا ردّ، والرادّ علينا كالرادّ على الله وهو على حد الشرك بالله”. والفقيه في اصطلاح اليوم هو ما يُعبرَّ عنه بـ “العارف بالحلال والحرام” و ما إلى ذلك. وبملاحظة ما سبق، يمكننا أن نسوق الدليل التالي على ولاية الفقيه في زمن الغيبة: إن على الناس أن يعودوا في أمورهم إلى الفقهاء الجامعين للشرائط في زمن وجود المعصوم إذا لم يكن حاكماً وإذا تعذرت العودة إليه، أما عندما لا يكون المعصوم حاضراً أساساً فمن الأولى أن يعود الناس إلى الفقهاء الجامعين للشرائط. وبالأخذ بعين الاعتبار الروايات المتعلقة بعصر الغيبة، كالتوقيع المشهور لصاحب الزمان (عج) الذي جاء فيه: “أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم”، فان حق حاكمية وولاية الفقيه في عصر الغيبة تصبح ثابتة، أي ان الفقيه هو الذي يصدر القرارات وله حق الأمر والنهي والرتق والفتق في شؤون المجتمع، ويجب على الناس أن يطيعوه في ذلك. وهذا ما نجده أيضاً في زمن حضور المعصوم، فعندما كان الإمام علي (ع) يولّي أحداً، كانت إطاعة الناس له تصبح واجبة. فعندما ولّى الإمام عليّ (ع) مالك الأشتر على “مصر”، فان الناس كان عليهم أن يطيعوا مالكاً، حيث أن مخالفة مالك تعدّ مخالفة للإمام عليّ (ع). فعندما ينيب شخص أحداً عنه، فان مخالفة النائب تعتبر مخالفة للمُنيب. وفي زمن الغيبة عندما يكون الفقيه منصوباً حاكماً على الناس من جانب المعصوم، فان إطاعة الفقيه أو مخالفته هي بمنزلة القبول أو الردّ على نفس المعصوم (ع) . واختصاراً لما مضى فانه يمكن القول: أولاً: الفقيه ليست له ولاية تكوينية. ثانياً: ولاية الفقيه المطلقة هي بمنزلة ولاية المعصوم ولا تستلزم تغيير الدين. ثالثاً: لم يُنكر أصل ولاية الفقيه أحد من فقهاء الشيعة. رابعاً: اختلاف الفقهاء حول ولاية الفقيه لا يدور حول أصل الولاية بل حول صلاحيات الولي الفقيه . 8 ـ مع القول بأن ولاية الفقيه مطلقة، فهل له حق التغيير في أصول الدين وأحكامه؟ * إن الولاية المعطاة للفقيه هي من أجل الحفاظ على الإسلام. وهو الواجب الأول على الوليّّ الفقيه. فلو غيّر الفقيه في أصول وأحكام الدين لضاع الإسلام. إذ لو كان له الحق في تبديل أو إنكار الأصول، فماذا يتبقى حينئذ للحفاظ عليه؟! بيد أنه إذا دار الأمر بين الأهم والمهم، فبإمكان الفقيه أن يضحّى بالمهم من أجل الأهم حفاظاً على الأهم. ومثالاً على ذلك فإنه إذا كان الذهاب إلى الحج موجباً لإلحاق الضرر بالمجتمع الإسلامي فإن من حق الفقيه أن يمنع الحج مؤقتاً إذا كان ضرر الذهاب أشد من ضرر المنع، حفاظاً على المجتمع الإسلامي وحفظاً للدين ومراعاة للفائدة الأهم التي تعود على الإسلام. تزاحم الأحكام الشرعية لقد ورد في الكتب الفقهية أنه إذا تزاحم حُكمان شرعيان، أي إذا كان العمل بأحدهما يستلزم ضياع الآخر، فانه يجب العمل بما له أهمية أكبر. فمثلاً، إذا كانت نجاة الغريق تستدعي أن يمر الشخص بملك الآخرين بلا إجازة، فان هناك تزاحماً بين حكمين: وجوب نجاة الغريق، وحرمة غصب ملك الآخر. وحينئذ فاننا لو أردنا الإتيان بالواجب لارتكبنا حراماً، ولو أردنا عدم ارتكاب حرمة الغصب لفقد شخص حياته. وهنا علينا المقارنة بين هذين الواجبين فنقوم بأكثرهما أهمية، ولأن الحفاظ على حياة الغريق أهم من غصب أموال الأخرين، فان حرمة الغصب تنتفي وترجح عليها نجاة الغريق. وهكذا هو الحال في الأمور الاجتماعية، حيث يصبح للوليّ الفقيه، بصفته مطلعاً تماماً على مصالح المجتمع أكثر من الآخرين، الحق في تعطيل بعض الأحكام حفاظاً على مصلحة أهمّ. ففي مثل هذه الحالة يطبّق الفقيه حكماً إسلامياً آخر، وبهذا لا تكون الأحكام الإسلامية قد تغيرت، بل يكون قد رجح حكم أهم على حكم مهم، وهو في حد ذاته من أحكام الإسلام القطعية. على أنه لا يجوز بتاتاً التغيير في أصول الدين التي بُني عليها الإسلام من أجل الحفاظ على مصلحة أخرى، لأنه في حالة التزاحم بين أصول الدين وبين الأمور الأخرى تُقدّم أصول الدين. ومن هنا إذا كان الولي الفقيه بصدد إنكار أو تغيير أصول الدين فانه يكون قد خالف الإسلام، وهو ما يُسقط عدالته، مما يترتب عليه سلب ولايته، وبالتالي لا تكون هناك قيمة لحكمه. فلو قيل إن للولي الفقيه ولاية مطلقة وبوسعه الاستعانة في هذا المجال من سلطته المطلقة، لأجبنا بأن الولي الفقيه له من الولاية المطلقة ما كان للرسول الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع) ـ ما عدا بعض الاستثناءات ـ وإنكار أو تغيير أصول الدين لا يجوز على الرسول الأكرم والأئمة الأطهار، فما بالنا بالوليّ الفقيه!! 9 ـ إن الصلاحيات التي نص عليها الدستور للولي الفقيه تتطلب تخصصات مختلفة، مما يتعذّر توفره بالطبع في شخص واحد. فكيف يمكن للوليّ الفقيه أن يكون حاكماً على كل شؤون البلاد؟ * إذا كان الدستور قد نص على عدد من الأمور كصلاحياتٍ للوليّ الفقيه، فان المقنّنين لم يكونوا يعنون بأنه يجب على الوليّ الفقيه أن يكون متخصصاً في كل هذه الاشياء ويعطي هو شخصياً رأياً فيها، حيث لا شك أنه لا يمكن لأحد، إلاّ أن يكون على ارتباط بعلم الغيب، أن يدّعي أنه يمتلك رأياً في شتى العلوم. مشاورة الخبراء والمتخصصين إن ثمة العديد من المتخصصين في كل مجتمع، ولكل منهم رأي في نطاق تخصصه العلمي. وعلى الولي الفقيه أيضاً أن يتخذ له مستشارين من مختلف الخبراء حتى يعبروا عن وجهة نظرهم في القضايا المختلفة ثم يتخذ الوليّ الفقيه قراره النهائي بناءاً على ذلك، ويعلن كلمته الأخيرة. لقد جاء في القرآن:{وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله}. وقد كان هذا الخطاب لرسول الله (ص). فمع العلم من الناحية الدينية بأن الرسول (ص) كان معصوماً وعنده العلم الإلهي (اللدني)، إلا انه أُمر بمشاورة الناس وأولي الرأي في قضايا الأمة. وربما كانت الحكمة في ذلك هي أن يشارك الناس في أمور المجتمع حتى يتعاونوا عليها مع الرسول (ص) بحرارة وثقة أكبر، مع أن القرآن صرح في نفس الآية بأن العزم والقرار النهائي هو بيد الرسول (ص). فعندما يكون على الرسول الأكرم (ص) أن يستشير، فمن الأولى أن يقتفي الحاكم غير المعصوم نفس النهج وهو الذي لا صلة له بعلم الغيب، غير أن القرار الأخير بيده. ومن الممكن أن يكون مستشارو القائد في حكومة رسمية متمثلين في مجمع تشخيص مصلحة النظام مثلاً، ومن الممكن أيضاً أن يكونوا غير رسميين. ان كل القادة والرؤساء في مختلف بلدان العالم ـ مع التباين في شكل الحكومات ـ لهم مستشارون في المجالات العسكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وسواها، حتى يستفيدوا من وجهات نظرهم في الحقول المختلفة. وهكذا هو الحاكم الإسلامي الذي لا يختلف عن سواه من القادة والحكام في هذه الناحية. 10 ـ ما هو العمل إذا كان هناك اختلاف (تعارض) بين فتوى الوليّ الفقيه والفقهاء الآخرين؟ * إن العقل الإنساني يحكم بأن على المرء أن يعود إلى أولي الرأي والمتخصصين في الحالات التي ينقصه فيها العلم والدراية. فمثلاً الشخص الذي لا يعرف علاجاً لمرضه يراجع الطبيب، والذي ليست لديه المهارة في البناء عليه ان يستعين بمتخصص في العمارة. ولأنه لا تتوفر لكل الناس فرصة البحث أو الإمكانية اللازمة لاستنباط الأحكام من مصادرها الشرعية الاصيلة، فان عليهم الرجوع إلى المتخصصين وأصحاب النظر الذين يملكون القدر الكافي من هذه الامكانية. وقد اشارت الآية الشريفة إلى هذا الموضوع في قوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}. ومن الطبيعي أنه لا يوجد اتفاق كامل بين المتخصصين في شتى العلوم حول جزئيات المسائل. وإننا لنجد مثلاً أن عدداً من الأطباء الأخصائيين ذوي المهارة لا يتوصلون إلى نتيجة واحدة في علاج مرض خاص فيكتبون نسخاً طبية متفاوتة. وفي مثل هذه الحالة فان العقل يقول بأنه من الضروري مراجعة “الأعلم”، أي أنه ينبغي أن يُقدّم من لديه التخصص الأفضل على الآخرين. وفي الأحكام الشرعية الفردية يستطيع كل شخص في تحديد مسيره أن يعود إلى المجتهد الأعلم الذي يفوق الآخرين في كشف واستنباط الأحكام. وأما في المسائل الاجتماعية والسياسية فان عليه أن يعود إلى المجتهد الأعلم في هذه الأمور والذي يتم تحديده طبق نظام خاص من قبل الخبراء. ومن جهة أخرى فان العودة إلى مراجع مختلفين ومتعددين يستتبع الهرج والمرج والإخلال بالنظام، ولذا ينبغي أن يصدر الحكم النهائي عن طريق مجتهد محدّد ويُعمل به في المجتمع. وبناءاً على هذا فان إبداء الرأي حول قضايا المجتمع الإسلامي لا يكون إلا عن طريق مجتهد يحتل المكانة العليا على رأس المجتمع ولديه الاطلاع الكافي على شتى مصالح ومفاسد المجتمع. تقدم فتوى الولي الفقيه في القضايا الاجتماعية وعلى هذا الأساس، فانه لو حدث تعارض “اختلاف” بين فتوى الولي الفقيه والفقهاء الآخرين، فانه يمكن العودة في الأمور الفردية إلى مرجع التقليد الذي يعتبره الشخص أعلم في الفقاهة، وأما رأي الولي الفقيه فهو مقدم دائماً في القضايا الاجتماعية. وكما صرح الفقهاء في باب القضاء وطبق ما ورد أيضاً في الرسائل العملية فانه إذا حكم القاضي الشرعي في أحدى القضايا فان قضاءه حجة على الآخرين ويحرم نقض حكمه، حتى من قبل قاض آخر أعلم منه. 11 ـ هل يمكن نقد الولي الفقيه؟ * طبقاً لعقيدتنا الدينية، فانه لا يوجد معصوم سوى الأنبياء والسيدة الزهراء والأئمة الأطهار (ع). ومن هنا فانه لا يمكن لأحد الادعاء بأن احتمال الخطأ في سلوك وآراء الولي الفقيه أمر غير ممكن. إن احتمال خطأ الولي الفقيه ليس مستحيلاً وبامكان الآخرين التوصل إلى خطأه. وبهذا يمكن نقد الولي الفقيه. إننا لا نجوّز فقط نقد الوليّ الفقيه، بل إننا نعتقد طبقاً للتعاليم الدينية أن من حق القائد على الناس التعاطف معه وإرادة الخير له. وقد ورد هذا الحق تحت عنوان “النصيحة لأئمة المسلمين”. ولا تعني النصيحة هنا الموعظة، بل إنها تعني التعاطف وإرادة الخير لقادة المسلمين. فنقد الولي الفقيه ليس جائزاً فحسب، بل إنه واجب شرعي على المسلمين، ولا يجوز أن تحول المصالح الشخصية أو الحزبية دون ذلك. ملاحظات في اسلوب النقد غير أنه ينبغي ملاحظة ما يلي عند نقد الولي الفقيه: 1 ـ لابد من مراعاة الأخلاق الإسلامية عند النقد. ولا فرق بين القائد وسواه من المؤمنين في ذلك. وتشتمل شروط النقد على العناصر الآتية: أ ـ يجب أن يكون أصل الموضوع وإحراز العيب والخطأ قطعياً قبل الخوض في النقد، دون الاعتماد على الشائعات والأخبار المغرضة والحدس والتخمين. ب ـ أن يكون النقد بهدف الإصلاح والتقويم، لا من أجل فضح الأشخاص والتشهير بمعايبهم. ج ـ أن ينطلق النقد من موقع الحب وإرادة الخير والإخلاص لا طمعاً في التفوق. د ـ أن يكون النقد بعيداً عن الإهانة والتجاسر، بل لابد من مراعاة الأدب والمكانة. ويجب أن يكون النقد هدية في الحقيقة، حيث يقول الإمام الصادق (ع): “أحبّ أخواني إليّ من أهدى إليّ عيوبي”. 2 ـ وعلاوة على ما سبق، فان هناك أموراً أخرى ينبغي مراعاتها بالنسبة لما يتمتع به القائد من احترام وتقديس خاص في النظام الإسلامي. لاشك أن هناك فرقاً واضحاً في النقد بين الصديق وصديقه، والزوج وزوجه، والولد ووالده، والتلميذ وأستاذه، حيث يكنّ الولد والتلميذ احتراماً خاصاً للوالد والاستاذ. وفضلاً عن ذلك، هناك قداسة خاصة للإمام ونائبه. والقداسة ـ كما بينّاها في الأبحاث السابقة ـ هي الحب الممزوج بالاحترام والتواضع. ولان الولي الفقيه هو بمنزلة نائب المعصوم فانه يتمتع بقداسة خاصة من هذه الناحية، ومن الضروري مراعاة الاحترام والأدب التام تجاهه، كما أنه من اللازم على الجميع حفظ حرمته وتبجيل شأنه. ولهذا فيجب أن يكون النقد باسلوب لا يمس بتاتاً بقداسة وجلال مكانة الوليّ الفقيه. 3 ـ وأما النقطة الثالثة التي لابد من مراعاتها في نقد القائد، فهي أخذ الأعداء بنظر الاعتبار. فينبغي أن يكون النقد ذكياً مرتّباً حتى لا يستغله الأعداء. وإضافة إلى وجوب مراعاة هذه الملاحظات في نقد الولي الفقيه، فان لدى مجلس الخبراء لجنة للاشراف على نشاطات القائد، وهي تدرس قراراته وتطلعه على النتائج عند الضرورة. وهذه اللجنة قد شكلت في مجلس الخبراء بناءاً على اقتراح من نفس السيد القائد. الاسلوب المثالي للنقد ومن أجل مراعاة كافة الأصول المذكورة، يبدو أن أفضل طريقة للنقد هي إرسال رسالة إلى أمانة مجلس الخبراء تحتوي على الأمور اللازمة. وأما نقد المسؤولين الآخرين في الحكومة (المجلس، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية) فقد جاء في المادة (90) من الدستور. “أي أنه إذا رغب شخص في تقديم شكوى ضد المجلس أو السلطة التنفيذية أو السلطة القضائية، فيمكنه الإرسال بشكواه مكتوبة إلى مجلس الشورى الإسلامي. وعلى المجلس أن يتابع هذه الشكاوى ويجيب عنها”. ويلاحظ أن مراجعة المجلس قد صودق عليها كحل مناسب للشكوى ـ التي تعتبر نوعاً من النقد الموجه للمؤسسات السالفة الذكر ـ . إن العمل بهذا القانون ـ الذي يتمتع بالضمانة التنفيذية ـ يوجب الحفاظ على حرمة المؤسسات المذكورة. وطبقاً للمادة (113) من الدستور، فان القائد يُعتبر أعلى رتبة رسمية في البلاد. فمن الأولى مراعاة هذه الملاحظات تجاهه. ومما يجدر ذكره هو أننا لا يجب أن نتوقع الرد الاجماليّ أو التفصيلي عن كل ما نقدمه من مواضيع ونقد، حيث أن الافصاح عن الأهداف المختلفة والمشاريع والتدابير السياسية ليس ميسّراً دائماً للعموم، وذلك بسبب ما تتسم به القضايا السياسية والقرارات الاجتماعية الجمة من تعقيد وكذلك بسبب إمكان استقلال العدو لما يُكشف عنه من أمور. غير أنه من المؤكد أن النقد والاقتراحات المفيدة ستؤخذ بنظر الاعتبار، وسيتم إطْلاع الولي الفقيه على ما يلزم من قضايا. 12 ـ لماذا لا تكون ولاية الفقيه مرحلية ـ كرئاسة الجمهورية ـ حتى تتسنى الحيلولة دون مضار تمركز السلطة في يد شخص واحد؟ * قبل الاجابة عن هذا السؤال هناك عدة نقاط يجب بحثها: نقطة الثبات في النظام السياسي 1 ـ من الضروري وجود نقطة ثبات في النظام السياسي: اتفق كل فلاسفة السياسة على أنه إذا أمكن الحيلولة دون آفات نقطة الثبات، فان هذا الأمر راجح بنفسه. وعلى هذا الأساس فإن في الكثير من بلدان العالم اليوم يوجد اسلوب للملكية أو رئاسة الجمهورية الدائمة أو الامبراطورية إضافة إلى السلطات الثلاث. ومن المثير للإهتمام أن بعض هذه الدول، مثل انجلترا، تعد مهداً للديمقراطية الجديدة والتقدم الصناعي. ودليل القائلين بهذه النظرية هو أن بريطانيا العظمى ـ التي كانت تحت نفوذها الكثير من البلدان وما زالت أيضاً مع الدول المستقلة حديثاً ـ تحتاج إلى نقطة ثبات تعدّ في الواقع مظهراً للاقتدار والأمن القومي. الحيلولة دون آفات نقطة الثبات 2 ـ هل يمكن الحيلولة دون آفات نقطة الثبات؟ إن أهم فوائد السلطة المرحلية في الواقع هي الحيلولة دون الفساد الناشئ عن عدم الاتزان بسبب انحصار السلطة في شخص واحد على المدى البعيد.. ويمكن الحصول على جواب لهذا الاشكال بعد قليل من البحث في أصل النظرية. وتوضيحاً لذلك فان العدالة والتقوى هي من شروط القائد، وقد أوجب القانون على مجلس الخبراء أن يتمتع القائد بهذه الصفات، سواء أكان ذلك في مقام الكشف والتشخيص (بداية القيادة) أو في مقام البقاء (استمرار القيادة). فلو لم تتوفر العدالة والتقوى لما تم انتخاب شخص بصفته الولي الفقيه، حتى لو توفر على العدالة والتقوى في البداية، ثم فقد أحداهما فيما بعد، فانه ينعزل تلقائياً عن منصبه، ويجب على الخبراء أن يعلنوا عن عزله لأنه فقد الولاية الإلهية. يقول الإمام الراحل (قده): “إن الوليّ الفقيه إذا تفوه كاذباً بكلمة واحدة، أو خطا خطوة مخالفة، فانه يكون قد فقد تلك الولاية”. 3 ـ وأما النقطة الأخيرة التي يجب أن تبحث، فهي دور مجلس الخبراء في تشخيص من له صلاحية إدارة المجتمع. فأحياناً يتم الانتخاب مباشرة من قبل الشعب، وأحياناً أخرى من قبل مجلس الخبراء، ولأن الانتخاب المباشر من قبل الشعب يمثل موضوعاً مستقلاً في حد ذاته وله أهمية قصوى، فانه قد بحث على حده. ولكن بعد أن أشرنا إلى موضوع نقطة الثبات وفوائدها من وجهة نظر فلاسفة السياسة، ولاحظنا التمهيدات الضرورية في واجبات الخبراء وإشرافهم على القائد، فينبغي القول بأنه ليس من الضروري إجراء انتخابات دورية للقائد، لأن من واجب الخبراء تشخيص مصداق القائد. الخبراء ومعرفة القائد ولا يعني ذلك أن يرشح عدد من الاشخاص أنفسهم لمنصب القيادة ثم ينتخب أعضاء مجلس الخبراء أفضلهم، ولكنّ المرشحين للقيادة في المرحلة الأولى هم كافة علماء الإسلام الذين لديهم الصلاحية، وعلى الخبراء أن ينتقوا النخبة ـ وذلك على النطاق الشامل للمجتمع الإسلامي بدون اقتصار على عدد محدود ـ ولهذا فان تشخيص الخبراء يحظى بهذه الأهمية. وعندما يجد الخبراء في أي وقت ولأي سبب بأن القائد فقد شروط القيادة أو أن هناك من هو أفضل منه وأقوى، فان القائد ينعزل تلقائياً عن منصبه، وعلى الخبراء أن يعلنوا عن عزله وينصبون مكانه فقيهاً آخر. ولهذا فانه ليس من الضروري إجراء انتخابات بين حين وآخر. وكلنا على علم تام بأن الانتخابات مع ما لها من لوازم وفوائد اجتماعية، إلى أنها لا تتناسب مع اقتدار القائد وكونه نقطة ثبات في المجتمع. وتتضح أهمية هذه النقطة عندما يعتلي مقعد القيادة فقيه ضالع ولائق كسماحة آية الله الخامنئي ويأخذ بزمام الأمور في يده فيدبرها بكفاءة ومهارة يعترف بها الصديق والعدو معبرّين عن ذلك بألسنتهم في بعض الأحيان. وفي مثل هذه الحالة التي تتمحور فيها نقطة قوة النظام في هكذا فقيه، فعلى الجميع أن يقدروه ويتبعوه إلى أقصى حد. ولعله من الأفضل في الختام أن نشير إلى هذه النقطة، وهي أن نظرية مرحلية القيادة والرئاسة قد طُرحت في مجتمعات يتصف فيها الكثير من المرشحين بنقاط ضعف أخلاقية وحتى قانونية، وها نحن نشهد كل يوم في العالم محاكمة رؤساء جمهوريات ورؤساء وزراء وغيرهم من المسؤولين رفيعي المستوى. وبالطبع فانه كلما قصرت فترة حكم هؤلاء كلما زاد احتمال استغلالهم لمناصبهم. ولكنّ مثل هذا الشيء لا يمكن توهمه في نظام يصدره قائد على أعلى مستوى من التقوى والعدالة وهو يلي المعصوم في المرتبة. والآن، وبعد مرور عقدين من الزمان على حكومة مثل هؤلاء القادة في إيران الإسلامية، فانه لم تسجل حتى ولو نقطة ضعف ضئيلة واحدة في حياة الإمام الراحل أو في حياة سماحة القائد، فلو كان هناك شيء من هذا القبيل لضخّمه أعداء الإسلام آلاف الأضعاف، ولما كفّوا عن ترويجه آلاف المرات في وسائلهم الإعلامية. 13 ـ لو كان نظام ولاية الفقيه أفضل نظام، فلماذا لم يُحلّ الكثير من مشكلات المجتمع، ولماذا لا نمتلك مجتمعاً متقدماً؟ * إن مثل هذا السؤال يُطرح أيضاً حول حكومة أمير المؤمنين عليّ (ع). فالإمام عليّ (ع)، وطبقاً للمعتقدات الدينية، يتمتع بالعصمة، وقد جعله الله ولياً على المجتمع الإسلامي، ونفساً للرسول الأكرم (ص). وبناءاً على ذلك فلا يوجد بين شتى الفرق الإسلامية أدنى شك أو شبهة حول حقانية ومشروعية حكومة الإمام عليّ (ع). وكما ورد في القرآن الكريم، فان إبلاغه الولاية بواسطة الرسول الأكرم (ص) كان موجباً لإكمال الدين وإتمام النعمة والرضى بالإسلام ديناً. ومع كل ذلك فان نظرة على تاريخ حكومة مولى المتقين التي دامت خمسة أعوام وعلى الأوضاع الاجتماعية التي سادت تلك الفترة، فاننا نجد أن نجاحه في إيجاد مجتمع نموذجي، يبدو أمراً غير ملحوظ تماماً. فحروب صفين والجمل والنهروان، ومخاطر أعداء الخارج، وقلة الكوادر الإنسانية ذات الكفاءة والتربية، وتفاقم المشاكل، وانتشار البدع والتقاليد الفاسدة والآفات الاجتماعية المزمنة، وتبدل القيم، كانت كلها عوامل مساعدة على تمهيد السبل والمجالات لهذا الوضع. وذلك في الوقت الذي كان يُعتبر فيه الإمام عليّ (ع) أكفأ الناس طرّاًً للحكومة والأخذ بزمام أمور المجتمع الإسلامي في ظروف ذلك الزمان، ولكن هذه السلبيات لا توحي بأي قدر من الشك في أصل مشروعية ولاية الإمام علي(ع). إشارة إلى بعض مشكلات النظام والآن نلاحظ أن كمّاً وافراً من المشاكل يعصف بنظام الجمهورية الإسلامية. فهناك في البلاد مثلاً مشكلات اقتصادية ناشئة عن أسباب مختلفة لا يمكن جعلها بمعزل عن تقويم نسبة نجاح النظام الإسلامي. ولتوضيح ذلك، فان عدد السكان قد تضاعف في إيران بعد انتصار الثورة وحتى الآن، وقد ارتفعت الأسعار في العالم بما يتناسب مع ميزان التضخم العالمي، غير أن سعر النفط الذي يعتبّر أهم مصدر في دخل النظام قد انخفض إلى أقل من الثلث منذ عام 1357 [هـ ش] وحتى الآن وذلك مع تحول ثقافة الاستهلاك في المجتمع بشكل ملحوظ وزيادة حجم التوقعات بصورة كبيرة. إن المقاطعات الاقتصادية والحرب المفروضة وما ألحقته من تخريب ببلادنا بجرم التمسك بالقيم الإسلامية، إضافة إلى السوانح الطبيعية، وما إلى ذلك، تلعب كلها دوراً في نشوء هذه المشاكل. ثم إن هناك عدم التناسب الفكري والثقافي، حيث كان الكثيرون من العلماء والمفكرين الإسلاميين يرزحون في سجون نظام الطاغوت أو يخوضون الكفاح قبل الثورة، ثم اضطروا للإنشغال بالعمل في الوظائف الحكومية بعد الثورة تلبية لحاجة الحكومة والنظام الملحة. كما أن عدداً من أبرز العلماء والمفكرين الإسلاميين قد استشهدوا على أيدي الخونة وأعداء الإسلام في الأحداث الأولى للثورة، ومن هؤلاء الكبار الشهيد بهشتي والشهيد مطهري والشهيد باهنر والشهيد رجائي وشهداء المحراب، وسواهم، الذين كانوا يمثلون ثروة لا نظير لها للنظام والإسلام. وعلاوة على ذلك، فان تدخل الأعداء في إيجاد محيط ثقافي ملوث في وسط الشباب كان له تأثير عميق على السلبيات والنواقص الثقافية. ومع كل ذلك، فان النظام الإسلامي كان سبباً في رفعة إيران وعزتها في شتى أصقاع العالم، وجعل الأمة الإسلامية مرفوعة الرأس في مواجهة طواغيت ومستكبري العالم، وحدا بالمسلمين نحو التحرك والوحدة. إن الحركات الإسلامية في البوسنة والشيشان والجزائر ولبنان ومصر وتونس والسودان وحتى في دول أوروبا الغربية وأمريكا قد استلهمت من النهضة الدينية والإلهية للشعب الإيراني التي تعد من بركات العودة إلى الدين والولاية الإلهية. إنه لا يوجد من يزعم بأن كافة القوانين الإسلامية قد تم العمل بها في البلاد بعد الثورة، بل إن أمامنا طريقاً طويلاً ـ كما صرح قائد الثورة ـ حتى نحقق ما رسمه الدين للمجتمع. وهذه المشاكل والنواقص ليس من شأنها أن تشكك في مشروعية النظام. 14 ـ لماذا تعتقدون بقداسة الولي الفقيه مع أنه غير معصوم؟ * إن القداسة تعني الحب الممزوج بالاحترام والتبجيل. فالإنسان يحب شخصيةً ما ويكنّ لها احتراماً خاصاً لما يراه فيها من كمال خاص. وإن مستويات الكمال تتفاوت من شخص إلى آخر، فمن يتمتع بكمال أكبر وأفضلية أكثر يحظى بحب وتقدير أشدّ. والقداسة كالحب، حيث أنها تنتقل من المحبوب ـ بصورة طبيعية ـ إلى ما ينتسب إليه من أشياء، فاذا أحببنا شخصاً فاننا نحب أيضاً أهله وأقرباءه، وذلك كما نحب أستاذنا مثلاً، فاننا نحب حتى أولاده ووسائله الشخصية. ولهذا فان الناس يحبون عائلة الإمام الراحل (قد) وبيته وحسينيته وحرمه حباً شديداً. القداسة روح الدين إن القداسة هي التي تشكّل روح الدين، بحيث نجد أن كافة الأديان الإلهية تؤكد على ضرورة التبجيل الخاص لله وما ينتمي إليه سبحانه، حتى أن المذاهب المنحرفة أيضاً تقدّس الأصنام والآلهة. وقد جاء في رواياتنا “هل الإيمان إلا الحبّ”؟ ولهذا فان الدرجة الأولى من القداسة في الإسلام هي لله تبارك وتعالى، ثم لمن يليه فيما بعد ذلك من درجات. ولأن الخالق المتعال هو الكون المطلق والكمال المطلق وذو الجلال والأكرام والأسماء الحسنى والصفات العليا، فانه من الطبيعي أن يحظى بالحب الشديد لدرجة السجود له وتعفير الجبين تذللاً. إن هذا السجود مردّه إلى القداسة. وبعد ذلك تأتي مرتبة الرسول الأكرم (ص) لشدة ارتباطه بالله، حيث يحظى بما لا يحظى به الآخرون من تقديس وتعظيم، لدرجة أن الله وملائكته يصلّون على النبيّ ويأمرون الذين آمنوا بأن يصلّوا عليه ويسلموا تسليما. كما يحرّم الشرع المقدس على الإنسان أن يمسّ اسمه على غير طهارة. إذاً .. فهذه القداسة تمتد من الله تعالى إلى الرسول وأوصيائه الأئمة المعصومين (ع) ـ الذين اختارهم الله أولياء ـ. فتقبيل أضرحة الأئمة (ع) وزيارة حرمهم تنبع كلها من هذه القداسة. ثم بعد ذلك، وفيما يلي من المراتب بعد الأئمة (ع)، تنتقل هذه القداسة لمن ينتسب إليهم بشكل أو بآخر، كالسادة والمراجع وعلماء الدين. ومع أن تقبيل الأيدي والتذلّل الزائد لغير الله منهي عنه في الإسلام، إلا أن هناك استثناءات، “إنه من أُريد به رسول الله”. أي أن هذا الشخص من العظمة بمكان لدرجة تقبيل يده بمنزلة رسول الله (ص). ومع أن الولي الفقيه ليس معصوماً، ولكنّ له نصيباً من هذه القداسة بسبب انتسابه للإمام المعصوم (ع) ولكونه نائباً له. فهل يمكن لأحد أن يحب الله دون أن يحب رسوله؟! وهل يمكن له أن يحب رسول الله ثم لا يحب أوصياءه الذين هم الأئمة (ع)؟! ثم هل يمكن له أن يحب الإمام المعصوم (ع) دون أن يحب نائبه؟! 15 ـ ما هو أثر قداسة الولي الفقيه والمرجع الديني في المجتمع؟ * إن كيان الشيعة وحياتهم لم يبقيا في زمن الغيبة إلا بهذه القداسة. لقد كان الناس يكنّون تقديراً خاصاً لمراجعهم طوال التاريخ. ولقد عاش الأعداء دائماً في رهبة من هذه القداسة لدرجة أنهم كانوا يخشون دائماً حكم الجهاد الذي يصدره المرجع الديني. فيجب أن نرى الأثر الذي يتركه في المجتمع حكم الجهاد الصادر عن مرجع كهل. ولأن الولي الفقيه يحظى بقدسية خاصة ويعتبره الناس نائباً لإمام الزمان (عج)، فانهم على استعداد للتضحية في سبيله بكل ما لديهم من النفس والمال والوجود. إنّ الفتوى التاريخية بتحريم التنباك التي أصدرها الميرزا الكبير هزمت انجلترا المستعمرة العجوز وأنقذت إيران من الأزمة. ولقد شاهدنا جميعاً في العصر الحاضر كيف أن الإمام الخميني (قده) قاد ثورة اقتلعت جذور الحكم الملكي الذي امتد طوال 2500 سنة، وأقامت مكانه الجمهورية الإسلامية. فمن الذي كان على استعداد لمواجهة رصاص جنود الشاه إذا لم تكن هناك قداسة للمرجعية؟! ومن الذي كان على استعداد لأن يضرب صفحاً عن ملذات الدنيا ويقضي ليله ونهاره في الجبهات ويضحي بأعز من لديه في سبيل الله إذا لم يكن الناس يعتبرون أن حكم الإمام هو حكم الله وإمام الزمان (عج)؟! فهلاّ فهمنا الآن لماذا يسعى أعداء الإسلام إلى تجريد الولي الفقيه والمرجعية من القداسة؟! القداسة ضمان لبقاء النظام إن التجربة تدل على أن المرجعية والولاية كانت دائماً روح الأمل للشيعة في زمن الغيبة. لقد انقذت المرجعية المجتمع من الأخطار الفادحة. وإن أعداء الإسلام قد عرفوا جيداً سر وحدة الأمة واستقرار النظام الإسلامي بعد سلسلة من الدراسات النفسية، فأدركوا أن ضمان النظام والثورة مردّه إلى ما يشعر به الشعب من قداسة تجاه القيادة وولاية الأمر، فعبّأوا كل طاقاتهم سعياً لضرب هذه القداسة حتى يوحوا بأن القائد والمرجع هو في مصافّ المسؤولين الآخرين أو حتى في مصافّ عامة الناس. وإنهم بذلك يوحون بالنتيجة إلى أنه طالما أمكن توجيه النقد للوزير أو لعضو المجلس أو أية شخصية قضائية، فانه يمكن توجيه النقد للولي الفقيه! إننا نعتقد أيضاً بجواز نقد الولي الفقيه، ولكن بالاسلوب الصحيح الذي ينطوي على الحب وإرادة الخير. وعلى أية حال فانه متى ما ضربت قداسة القيادة، فان أمر القائد لن يعود مطاعاً، ولن يعتبر الناس العمل بأوامره واجباً شرعياً، وكل من يُقتل في هذا السبيل لن يعتبروه شهيداً. وحينئذ يكون العدو قد حقق كل أهدافه، لأنه في وقت الأزمات لن يكون هناك مرة أخرى من يحبط المؤامرات وينقذ البلاد باصدار فتوى. فلنفكر قليلاً لنرى أن ضرب هذه القداسة سيكون لصالح من؟ وماذا يهدف الخراصون من وراء إثارة هذه الشبهات؟! |
|