![]()
شبهات وردود في باب ولاية الفقيه
القسم الثاني
1 ـ ما هو أبسط وأوضح دليل عقلي على ولاية الفقيه؟
* مبدأ التنزل التدريجي يمكن توضيح ولاية الفقيه انطلاقاً من مبدأ عقلائي وهو أنه لو كان هناك أمر مرغوب فيه عقلائياً، غير أن تحقيقه عسير أو مستحيل، فانهم لا يفرطون فيه كليّاً، بل إنهم يلجأون إلى تحقيق الدرجة الأقل منه، أي أنهم يتنزّلون من الأهم إلى المهم. وهلمّ |
| جرّا في الأمور المهمة. ويعود التنزّل التدريجي في أهمية الأمور إلى أنه إذا استحال أو تعذر تحقيق أمر في درجته الأولى لسبب أو لآخر، فانه يتم اللجوء إلى الدرجة الثانية لهذا الأمر، ويسمى هذا المبدأ العقلائي بـ “التنزّل التدريجي”، وهو ما يعتمده الإسلام أيضاً، حيث إننا نجد حالات كثيرة في الفقه تستخدم هذا المبدأ. ولتوضيح ذلك نكتفي بمثالين: 1 ـ لنفترض أن شخصاً يريد أن يصلي، فالمطلوب هو أن يصلي واقفاً، فاذا لم يستطيع أن يصلي واقفاً بسبب المرض، فهل يترك الصلاة؟ إن جميع الفقهاء يقولون بأن عليه أن يصلي واقفاً ما استطاع ثم يكمل صلاته جالساً حيثما عجز. ثم إذا كان هناك شخص لا يستطيع أن يؤدي الصلاة واقفاً، فإنّ له ـ فقهياً ـ أن يصلي جالساً، فإذا لم يستطع أن يصلي جالساً فيمكنه أن يصلي مضطجعاً. 2 ـ لو أوقف شخص مالاً على أمر ما، كأن يوقف مثلاً محصول بستان على شمع حرم الإمام المعصوم (ع). فماذا نفعل بهذا المحصول وقد أصبح الشمع لا يُستخدم كما في السابق؟ فهل يمكن أن نقول بالتخلّي عن هذا المال مادام قد انتفى الوجه الأول؟ ليس هكذا بالتأكيد. بل علينا استخدامه في أقرب حالة مشابهة للإضاءة، كأن نصرف هذا المال على الكهرباء مثلاً، لأن الكهرباء هي أقرب الأشياء إلى الشمع. وهذا ما نسميه بـ “التنزل التدريجي”، كما نصطلح عليه بـ “الأهم فالأهم”. الفقيه العادل هو أقرب الأشخاص من الإمام المعصوم إن الحاكمية في العقيدة الإسلامية هي من الله تعالى؛ فمن ناحية نجد أنّ الله تعالى لا يوكل إدارة أمور المجتمع إلى البشر مباشرة، بل إنه أعطى الحاكمية للأنبياء والأئمة المعصومين (ع)، فعندما لا يكون المعصوم الذي أعطاه الله الولاية حاكماً على أمور المجتمع، فماذا ينبغي فعله؟ هل يمكن أن نقول بالتخلّي عن الحكومة في مثل هذه الحالة؟ إن هذا أمر مرفوض، لأنه قد ثبت أن الحكومة لا مناص عنها في كل مجتمع. وهو ما يجعلنا نقول بضرورة ولاية الفقيه انطلاقاً من مبدأ “التنزل التدريجي”. فالفقيه الجامع للشرائط هو بديل الإمام المعصوم (ع) ويأتي في الدرجة التالية له. وبالطبع فان الفارق كبير بين المعصوم والفقيه العادل. ولكنه أقرب الناس اليه وأشبههم به في أمر الحكومة الظاهرية على المجتمع. والخلاصة هي أن الله تعالى هو الأصل في الحاكمية، ثم يليه الرسول (ص)، ثم الأئمة المعصومون (ع) في الحكومة الشرعية. فهل ثمة درجة رابعة في الحاكمية؟ يجدر القول بأن الولي الفقيه يمثل الدرجة الرابعة من الحاكمية في زمن غيبة الإمام المعصوم طبقاً لوجهة النظر الشيعية، لأن الفقيه الجامع للشرائط هو الأقرب للإمام المعصوم، ولأن الحاكم الإسلامي عليه أن يكون عالماً بالقوانين والشرائع الإسلامية، وعارفاً بمصالح المجتمع، ويتمتع بالصلاحية الاخلاقية التي هي مناط الأمة ورعاية الصالح العام، وهي صفات تتوفر جميعها في المعصوم الذي لا يرتكب أيّ خطأ في القوانين الشرعية لما يتمتع به من عصمة ومطلع تماماً على أحكام الشريعة ومصالح المجتمع لما يتمتع به من علم الغيب، فان الفقيه الجامع للشرائط يجب أن يتحلى هو الآخر بهذه الصفات ذاتها، ولكن في درجتها المتنزلة، حتى تكون حاكميته مشروعة. أي أن عليه أن يمتلك الملكة الفقهية والاجتهاد حتى يفوق الآخرين علماً في الأحكام الإسلامية، ولاسيما في المجالات السياسية والاجتماعية. كما أن عليه أن يتصف بملكة التقوى والعدالة حتى لا يضحي بالصالح العام من أجل الصالح الفردي أو الجزئي، كما وعليه أن يكون على علم بالمصالح السياسية والاجتماعية والدولية حتى لا تخدعه الشياطين وينحرفون به عن طريق العدل والقسط. 2 ـ كيف يمكن توضيح نظرية ولاية الفقيه لغير المسلمين؟ * إن توضيح ولاية الفقيه أمر يسير بالنسبة للمسلمين الذين يعتنقون العقائد والقيم الإسلامية كما يبدو من السؤال، ولكنّ الأمر سيختلف إذا اردنا توضيح هذه النظرية لغير المسلمين. ان قضايا الثورة الإسلامية انتشرت على نطاق واسع عن طريق وسائل الاعلام العالمية المختلفة بعد انتصار الثورة، وولاية الفقيه هي من أهم القضايا المتعلقة بالنظام الإسلامي، ولأن الأعداء أدركوا أهمية القضية، فانهم بدأوا في بذل المساعي الحثيثة بغية تشويش الأذهان حول هذا الموضوع. وإن الذي يعير أدنى قدر من الدقة لما يكتبون ولما يقولون فانه سيجد فيه أنواع التهم والافتراءات. ونظراً لجهود الأعداء الرامية إلى تشويه هذا الأمر من جهة، وإلى الرغبة الحقيقية في معرفة هذا الأمر والتي يعرب عنها الباحثون عن الحقيقة في البلدان غير الإسلامية من جهة أخرى، فان على المبلغين والاعلاميين المسلمين أن يعطوا توضيحاً جيداً ومقبولاً لنظرية ولاية الفقيه حتى يحبطوا دعايات الأعداء المسمومة ويرووا عطش الباحثين عن الحقيقة. وهدفنا هنا هو توضيح هذه النظرية بأسلوب بسيط. لازمة أن يكون الإنسان مسلماً يمكن أن نقول للناس، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، إننا قوم نعتنق ديناً بعينه، وهذا الدين يعرض علينا عدداً من العقائد والقيم. اننا نعتقد بأن الإسلام لا يشتمل على عدد من العبادات وحسب، بل إنه دين جامع يمتلك الأحكام والقوانين حول أمور القضاء ومواجهة المجرمين والأشرار وأداء المعاملات والتعامل مع غير المسلمين وآداب التعليم والتعلم وسواها. ولهذا فان علينا أن نتمسك به ونتّبع القوانين الدينية في كل المجالات. وهناك قانون خاص لكل شيء ينبغي العمل به واحترامه وهو ينبع من المصادر الإسلامية بشكل مباشر أو غير مباشر. فمثلاً إذا أراد الإنسان المسلم أن يضيف غذاءً جديداً لبرنامجه الغذائي، فان عليه أولاً أن يراعي جانب الحلال والحرام في هذا الغذاء. إن المسلم الحقيقي هو الذي يراعي الأحكام الشرعية في كل شيء، وبقدر ما تقل هذه المراعاة يكون ابتعاده عن دائرة الإسلام الحقيقي. شرائط الولي الفقيه 1 ـ نظراً لأن رئيس الحكومة هو ذلك الذي يجب عليه أن يحافظ على قوانين هذه الحكومة أفضل من الآخرين ويشرف على تطبيقها إشرافاً تاماً، فلا بد له من أن يتوفر لديه العلم الكامل بهذه القوانين. وفي النظام الإسلامي الذي يتّبع فيه أغلبية الناس القوانين الإسلامية، فان الذي يكون على رأس السلطة يجب أن يكون فقيهاً جامعاً للشرائط، أي أن تكون معرفته بمصادر القانون الإسلامي بالقدر الذي يمكّنه من أن يكون “مجتهداً” في الأحكام والقوانين، لا أن يكون عارفاً بها وحسب. وذلك لأن غير المجتهد يمكنه أيضاً أن يكون عارفاً بالأحكام، ولكن لأن هذه المعرفة توفرت لديه عن طريق التقليد فانه لا يستطيع أن يكون حاكماً شرعياً. 2 ـ ومن جهة أخرى فان الحاكم والقائد الإسلامي يجب أن يكون متمتعاً بالقدر الكافي من التقوى حتى يثق المواطنون بإجراءاته وقراراته ويعلمون بأنه لن تحدث خيانة بأي حال من الأحوال. 3 ـ يجب أن يحظى الحاكم الإسلامي بدرجة عليا من حسن الادارة ـ وهو ما يجب أن يتوفر في الحاكم مطلقاً سواء كان إسلامياً أو غير إسلامي ـ حتى يستطيع أن يقود المجتمع على طريق تحقيق الأهداف المرجوة والمقدسة. ويبدو أن نظرية ولاية الفقيه هي نظرية مقبولة وبسيطة إذا ما سلّمنا بالمقدمات السابقة، غير ان البعض يخوضون في الموضوع بدون توضيح هذه المقدمات، وهو ما يُبقي هذه النظرية مجهولة أو يجعلها تُصوَّر بشكل غير صحيح. 4 ـ لو كان الوليّ الفقيه غير معصوم، فكيف تفسرون وجوب إطاعته بلا قيد ولا شرط؟ من الواضح أنه لا يوجد بين المعتقدين بولاية الفقيه من يعتقد بعصمة الوليّ الفقيه أو حتى من يدّعي ذلك، حيث إننا نعتقد بعصمة الأنبياء والسيدة الزهراء والأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) دون سواهم. والسؤال الآن هو: مع العلم بعدم عصمة الولي الفقيه واحتمال تعرضه للخطأ، فهل يحُول هذا الاحتمال دون إطاعته؟ يبدو أن هذا التلازم غير وارد، يعني أنه إذا لم يكن المرء معصوماً فانه لا تجب إطاعته. إننا لو نظرنا إلى السيرة العملية للشيعة لوجدناهم يطيعون مراجع التقليد بلا قيد ولا شرط ويعملون بفتاواهم مع أنهم لا يعتقدون بعصمتهم، بل عندما كان يغير مرجع ما إحدى فتاواه كانوا يدركون بأنه على خطأ وليس فقط أنه غير معصوم، وذلك لأنه إما أن تكون فتواه الأولى خاطئة أو الثانية.. إضافة إلى ذلك فانه يظهر أن بعض المراجع على خطأ وذلك من التباين بين فتاواهم، ومع ذلك فانه لم يحدث لأحد أن خامره بعض الشك في وجوب تقليد المراجع. فلنعد إذاً إلى السؤال المذكور: هل احتمال الخطأ في الوليّ الفقيه يوجب عدم إطاعته؟ ضرورة إطاعة الحاكم أحد ركني الحكومة لاريب أن كل مجتمع يحتاج إلى الحكومة، وقوام الحكومة أمران: أحدهما حق الحاكمية، اي الفرد الذي يملك حق إصدار الأحكام والقرارات. والآخر ضرورة إطاعة هذه القرارات. فلو لم يتحقق أحدهما فلن تكون هناك حكومة. فلو كان احتمال الخطأ مبرراً لعدم إطاعة قرارات الحاكم، لأن هذا الاحتمال وارد دائماً، فإنّ إطاعة الحاكم لن تتحقق بحال، فينتفي أحد ركني الحكومة، ولا تكون ثمة حكومة. فلو لاحظنا اسلوب الحكماء في الحياة لوجدناهم يرون ضرورة الطاعة في بعض الأحوال حتى ولو لم يكن صاحب القرار معصوماً. لنفرض أن قائداً يوجه أمراً للجنود في المعركة، فلو أراد الجنود أن يعصوا أمره استناداً إلى احتمال خطئه، فهل ستستقيم أمور المعركة؟ وهل ستكون هنـاك حركة أو تقدم؟ وهل الهــزيمة لن تكون محـتملة؟ إذاً، فالضـرر الناشئ في مثل هذه الحالة لا يمكن مقارنته بالخسارة المترتبة على إطاعة أمر خاطئ. وبعبارة أخرى فان اطاعة القائد ستتبعها منافع لا تقارن بالضرر البسيط المترتب على طـاعة أمر خاطئ. وكذلك عنــدما يراجع المرء طـبيباً متخصصاً، أليـس هنـاك احتـمال الخطأ في تشخيصه للمرض؟ ولكنه يذهب إلى الطبيب مع وجود مثل هذا الاحتمال. إن عدم إطاعة الحاكم تعم المجتمع بموجة من الهرج والمرج واختلال النظام، والضرر الناشئ عن هذا الهرج والمرج اشد كثيراً من الضرر الناشئ أحياناً عن إطاعة أمر خاطئ. وفي كل ما تقدم من أمور فان العقلاء لا يعيرون اهتماماً في تفكيرهم للاحتمالات الضعيفة. والآن فاننا لو نظرنا إلى خصوصيات الولي الفقيه، وأخذنا بنظر الاعتبار أنه لا يتخذ قراراً إلاّ بعد استشارة المتخصصين وأصحاب النظر، وأن على الناس ألاّ يضعوا العوائق على طريق الحاكم الشرعي الذي لا يبغي لهم سوى الخير والمنفعة، هل يعقل حينئذٍ عصيان أوامره؟. الهدف من طرح قضية عدم عصمة الولي الفقيه إن من الجدير قوله في الختام هو ان إشكال عدم عصمة أي حاكم أو أي رئيس في أية حكومة هو أمر وارد، ولكن إذا أثير هذا الإشكال حول نظام ولاية الفقيه دون الأنظمة الأخرى، فسيتضح لنا أن هدف هؤلاء ليس سوى توجيه ضربة إلى قداسة قائد النظام الإسلامي، وهي التي تشكل سداً منيعاً أمام الأعداء في الكثير من الأحوال، كما أنها كانت وراء إحباط مؤامراتهم. فإذا كان قرار واحد للإمام الراحل (قدس سره) أدى إلى فك الحصار عن آبادان، فان ذلك كان مردّه إلى أن أي واحد من المقاتلين لم يخطر بذهنه أبداً جواز مخالفة قراره أم لا. ولأن هذه القداسة ووجوب الطاعة هي التي هزمت الأعداء، فان مثل هذه الاشكالات لم تطرح بهدف البحث عن جواب، بل إنها تستهدف أموراً أخرى. 4 ـ هل الفقيه هو وكيل الشعب في النظام الإسلامي؟ فلو كان الرد بالإيجاب فلماذا تسمى الحكومة الإسلامية بولاية الفقيه لا بوكالة الفقيه؟ * إن كلمة “وكيل” تطلق على الشخص الذي ينوب عن آخر في القيام بعمل ما. فعندما يكون الشخص مسؤولاً عن عمل ما ثم يسنده إلى آخر لعدم التفرغ أو للانشغال فان ذلك الشخص الآخر يسمى وكيلاً. وكذلك الذي يتمتع بصلاحية معينة كحق التوقيع أو السحب من المصرف أو حق الملكية، فانه يستطيع توكيل شخص آخر في القيام بهذا العمل. تعريف “الوكالة” وتوضيح “وكالة الفقيه” الوكالة عقد جائز وقابل للفسخ، أي أن الموكِّل يستطيع عزل الوكيل متى ما أراد. إذاً.. فالوكالة تُفترض عندما يكون شخص له حق أداء عمل ما بالأصالة حتى يستطيع إيكاله إلى شخص آخر على أساس عقد بينهما. وبالطبع فان صلاحيات الوكيل لن تكون إلاّ في حدود صلاحيات الموكل ّ لا أكثر أولاً. وثانياً فان الموكِّل يستطيع عزل وكيله في أي وقت شاء. فالذين يطرحون نظرية “وكالة الفقيه” أخذوا الوكالة بمعناها الحقوقي، معتبرين أن للشعب حقوقاً اجتماعية خاصة أوكل أمرها إلى القائد. وهذه النظرية التي طرحت أخيراً من قبل البعض على أنها نظرية فقهية لا سابق لها في تاريخ الفقه الشيعي ولا أثر لها في الكتب الفقهية المعتبرة. فالوكيل، من الناحية الحقوقية أو القانونية، هو نائب الموكّل والمودي عنه وإرادتهما متساوية. وعلى الوكيل أن ينفذ رغبة الموكل ولا يتصرف خارج حدود الصلاحيات التي منحها له. عدم التطابق بين “وكالة الفقيه” والنظام السياسي في الإسلام ان الذي يراه النظام السياسي في الإسلام لا يتطابق مع هذه النظرية؛ فبعض صلاحيات الحاكم في الحكومة الإسلامية نجدها خارجة حتى عن حدود صلاحيات الرعيّة أحياناً، فمثلاً نجد أن الحاكم له حق تنفيذ الحدود، كالقصاص أو التعزير، طبقاً لأحكام الشريعة، فيمكنه أن يقتل شخصاً أو يقطع أحد أعضاء بدنه، وهذا في الشريعة الإسلامية من حق الحاكم لا من حق الناس العاديين، أي أنه لا يحق لأحد أن ينتحر أو يقطع يده أو رجله، ولأنه لا يحق له هذا مع نفسه، فانه لا يستطيع إسناده إلى آخر وتوكيله في القيام به. وبهذا نفهم أن الحكومة حق منحه الله للحاكم ولم يمنحه الناس له؛ فالله سبحانه وتعالى له المالكية الحقيقية على الكون والولاية على المخلوقات بالأصالة، وهو وحده الذي يستطيع إسناد هذا الحق إلى مخلوق من مخلوقاته. وإن ولاية وحكومة الحاكم الإسلامي هي باذن الله، وهو سبحانه الذي يأذن لشخص ما في تطبيق أحكامه حتى يتصرف في أموال وحياة الآخرين. وعلى هذا الأساس فان صلاحيات الحاكم لا تقتصر على إرادة الشعب والناس، كما يفترضه القائلون بنظرية وكالة الفقيه. من جهة أخرى فانه يجب على الحاكم الشرعي أن يتحرى الدقة في تطبيق الأحكام الإلهية ولا يمكنه التخلف عن القانون الشرعي ولا يحق له إغفال الشريعة تلبيةً لرغبة الناس. ولذلك فان أسلوب عمل الحاكم يعيّنه القانون الشرعي لا رغبة الناس وإرادتهم. فلو افترضنا أن الحاكم وكيل عن الناس لوجب عليه تحقيق رغبتهم ولاقتصرت صلاحياته على إرادة الموكلين، ولكان لهم أن يعزلوه متى شاؤوا، في حين أن عزل ونصب الحاكم الشرعي بيد الله تعالى لا للناس. 5 ـ إذا كان الولي الفقيه هو نائب إمام الزمان (عج) في الأرض وهو ولي أمر كل المسلمين في العالم، فلماذا يشترط الدستور أن يكون الولي الفقيه وأعضاء مجلس خبراء القائد وسواهم من الإيرانيين؟ * علينا في البداية أن نعطي توضيحاً حول نفس السؤال. إن قصد السائل هو: هل أن منصب ولاية الفقيه يشبه سائر المناصب الحكومية التي لا تتعدى فيها الصلاحيات والواجبات حدود البلد الذي يحكم فيه أصحاب هذه المناصب، أم أن ولاية الفقيه نظام ومنصب إلهي يتجاوز الحدود الجغرافية؟ فلو قبلتم الفرض الأول، فلماذا تعتبرون الولي الفقيه وليّ أمر كافة المسلمين؟ ولو قبلتم الفرض الثاني، فلماذا وُضع الدستور بحيث تكون هناك أهمية للحدود الجغرافية في البنود المختصة بالقائد وأعضاء مجلس الخبراء وأمثالهم، وكأن كل ما يتعلق بالقائد لا يتعدى إيران. حيث لم يُشر الدستور إلى إمكانية أن يكون قائد الجمهورية الإسلامية غير إيراني، أو أن يكون عدد من الخبراء من الدول الأخرى؟ وللجواب عن ذلك، لابد من بعض المقدمات: مناط الأمر هو كل شيء.. وإلاّ فلا..! 1 ـ ترى بعض المدارس السياسية أو الحقوقية أو الأخلاقية وغيرها أنه لابد من كل شيء وإلاّ فلا. أي أنه لا حاصل إلاّ إذا اجتمع كل ما يرونه من شروط في الموضوع محل البحث. وإما إذا لم تجتمع كافة الشروط فانهم لا يعيرون أدنى أهمية للموضوع. وبعبارة أخرى فانه لا نتيجة إلاّ مع توفر كافة الشروط دون أقل نقص. ولتوضيح هذا الادعاء، إليكم مثالاً من الفلسفة الأخلاقية عند “كانْت”: إنه يعتقد بأن أي شخص يقوم بعمل بلا هدف ولا قصد سوى إطاعة أمر العقل والضمير، فان عمله هذا ستكون له قيمة أخلاقية، وأما إذا اقترن هدف إطاعة أمر العقل بحب نتيجة هذا العمل مثلاً، فانه لن تترتب على عمله أية قيمة أخلاقية. ولا تخلو المدارس السياسية والحقوقية أيضاً من مثل هذه الآراء التي تعتبر أمر الإنسان دائراً بين كل شيء أو لا شيء. ولكن يجدر القول بأن مثل هذه الآراء ليست واقعية. ونظراً لأن الإسلام قدّم قوانين وقيماً واقعية في مختلف المجالات فانّ لما قدمه مراتب ودرجات. فالإسلام لا يقول بأنه لا فائدة إذا لم تتيسر في أية قضية النتائج المثالية والنهائية، بل إنه يقول عليكم بالدرجة التالية. ولإدراك صحة هذا الرأي ينبغي الملاحظة قليلاً للمباحث الفقهية، حيث نجد فيها بدائل متعددة أمام المكلف في الأمر الواحد. وأداء الصلاة بصورة مختلفة في حالات مختلفة يعدّ مثالاً على ذلك. أي أن للإيمان مراتب حتى في أهم الفرائض الدينية. نموذجية الإسلام في موضوع القيادة إن نموذجية الإسلام في نظرية الإمامة والقيادة هي أن الحاكم المعصوم هو الذي يدير أمور المجتمع كما كان في عصر الرسول الأكرم (ص). ونحن نؤمن بأن هذا الأمر ميسر الحصول كما سيحدث في زمن ظهور الإمام الحجة (عج) إن شاء الله، بيد أن هذا الأمر النموذجي لا يمكن تحققه عملاً في الزمن الراهن، لأننا الآن في زمن الغيبة والقائد المعصوم ليس ظاهراً. فلو لم يكن الإسلام واقعياً فيما يخص الإمامة، لما كانت هناك حكومة مشروعة في زمن الغيبة، حيث لا يوجد قائد معصوم في سدة الحكومة الدينية. ولكن الإسلام اختار درجة أقل في المرتبة التالية في مثل هذه الفترة، فأعطى حق الحاكمية للفقهاء الذين تتوفر فيهم شروط خاصة. وقد أجمع الفقهاء على أن للفقيه ولاية في الأمور الحسبية حتى عند تسلط الحكومات اللامشروعة، أي أنه حتى إذا لم يتوصل للأخذ بزمام الحكومة فانه ينبغي له أن يكون مسؤولاً عن هذه الأمور أيضاً. ففي زمن حكومة الطاغوت (الشاه) التي كانت تعتبر حكومة ظالمة ومتجبرة وغير مشروعة من وجهة النظر الدينية، فان الفقهاء كانوا يقولون بوجوب عودة الناس إلى المجتهد الجامع للشرائط (حاكم الشرع) في القضايا المنوطة بحكم الحاكم الشرعي. فمثلاً لو اختلف الزوجان وقررا الطلاق فقد كان عليهما طبقاً لقوانين ذلك الزمان أن يذهبا إلى أحد مكاتب الطلاق الرسمية ويوقّعا في دفتر خاص، وبهذا يكون قد تم الطلاق رسمياً، بينما لابد من حضور شاهدي عدل عند إجراء صيغة الطلاق كما ينص عليه الفقه الشيعي. ولهذا فان العوائل المتدينة كانت تذهب من أجل الطلاق إلى إمام الجماعة أو أحد المجتهدين ثم تجري صيغة الطلاق في حضور شاهدين عادلين، ثم يتم الذهاب بعد ذلك إلى أحد المكاتب الرسمية من أجل توثيق الطلاق رسمياً. وبالطبع فان هذا الدور للفقيه لا يحقق الصيغة النموذجية للإسلام، ولكنه أفضل من لا شيء. إذاً.. فالإسلام لا يريد من الناس أن يختاروا النموذجيّ وإلاّ فلا، بل وضع أمام المسلمين أيضاً البدائل في درجات ترتيبية. الجواب النهائي إن النموذجي في نظر الإسلام هو أن تكون هناك حكومة واحدة لكل العالم دون مراعاة للحدود الجغرافية. ولكن، هل نكون قد وصلنا إلى طريق مغلق في العالم المعاصر الفاقد لشروط تحقق هذه النظرة النموذجية؟ بالطبع لا. إن علينا أن نقيم حكومة دينية هنا في (إيران) عندما لا يمكن أن تكون هناك حكومة دينية لكل العالم في الظرف الراهن، وإذا كان الأمر كذلك فلا داعي لوضع الدستور وسائر القوانين بالشكل الذي يأخذ بالاعتبار التطبيق خارج إيران. فاذا أردنا أن تكون لنا حكومة دينية في وضع كهذا، فلابد من احترام الحدود الجغرافية وأن تكون علاقاتنا بالدول الأخرى مطابقة للأعراف الدولية، أي أن نتبادل السفراء مع البلدان الأخرى وأن نحترم المعاهدات الدولية وما إلى ذلك. إذاً.. فلا يمكن أن يُقال في عالم اليوم إن على البلدان الأخرى الإسلامية أن تخضع لحكم قائدنا لأنه قائد كل مسلم، فهذا ما لا يقبله العرف الدولي. وهذا هو السبب في أن الدستور وضع على أن تكون الحكومة الإسلامية في إيران وقائدها ومؤسساتها منحصرة على بلد واحد، وإلا فان الإسلام لا يعتبر أن الحدود الجغرافية تفصل بين الدول والشعوب، بل إن الفرق والحد الحقيقي بين الناس هو العقيدة. 6 ـ لماذا نسمي قائد الجمهورية الإسلامية في إيران بولي أمر المسلمين؟ * إن النموذج الأمثل الذي يعتمده الإسلام للحكومة هو حكومة واحـدة للعالم بقيادة إمام معصوم. وفي هذا النموذج تكون الحدود العقائدية هي الملاك دون الحدود الجــغرافية، وسيصـبح الوطن الإسلامي شامـلاً لكل المناطق التي يعيش بها المسلمون. دور الولي الفقيه في الحكومة الإسلامية من ناحية أخرى فان الحكومة الإسلامية تعني تدبير أمور المسلمين ورعاية مصالح المواطنين على أساس القوانين الدينية، والحاكم الذي يطبق أحكام الإسلام لابد وأن يكون حائزاً على شروط وصفات خاصة بدونها تُسلب حكومته. وهذه الشروط هي: المعرفة التامة والعميقة بالأحكام الإسلامية، والمتمتع بالتقوى التي هي ضمان تطبيق أحكام الدين ورعاية مصالح المسلمين، والعلم الكافي بالمصالح الاجتماعية والسياسية، وهي أمور يكون اجتماعها باعثاً على انطلاق المجتمع الإسلامي نحو آفاق السعادة المادية والمعنوية. إن نظرة عابرة على تاريخ المسلمين بما فيه من سلبيات وتحزّبات واقتتال الأشقاء وتخلف مادي ومعنوي من شأنها أن توقفنا على حقيقة واضحة، وهي أن السبب الأساس في مثل هذا الوضع هو غياب الأساس المتين الذي يمثل محورية المجتمع الإسلامي في هداية الناس والقضاء على الخلافات والحيلولة دون الفتن وإحباط مؤامرات الأعداء. ولهذا فقد شرّع الإسلام حكومة الولي العادل كعامل على السعادة والوحدة، وأرادها حكومة “لكافة المسلمين”. وإننا لا نرى أمامنا في شتى بقاع العالم حكومة إسلامية قائمة على أساس الدين إلاّ حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران والتي تتطابق مع نظرية الحكومة الدينية. وهذه الحكومة تحظى بدعم شعبي قوي ودعامة عظيمة تتمثل في بيعه الأمة للقائد. اسلوب العقلاء في التبعية للحكومة: والنقطة الأخرى التي ينبغي التذكير بها هي أنه طبقاً لمسلك العقلاء والعرف العام في العالم، فانه إذا قامت حكومة في أحد البلدان وحظيت بدعم أهل الخبرة وسكان العاصمة فان سكان باقي المدن والمناطق التي تنزع إلى الحفاظ على هذه الحكومة سيعبرون عن دعمهم وولائهم لها. وعلى هذا الاساس فاننا نجد سؤالاً من معاوية في كتبه التي تبادلها مع أمير المؤمنين يقول: لماذا تجب عليّ طاعتك وأنا الذي لم أبايعك؟ فيجيبه أمير المؤمنين (ع) قائلاً: إنك كنت تعتبر الخلفاء السابقين خلفاء لرسول الله (ص)، وأن طاعتهم واجبة على كل المسلمين بينما لم يبايعهم سوى أهل المدينة والذين كانت بيعتهم أساساً لوجوب الطاعة على الباقين، إذاً فطاعتي واجبة عليك. وبالطبع فان كلام أمير المؤمنين (ع) لم يكن بمثابة اعتراف بمشروعية حكومة الخلفاء الثلاثة السابقين، بل كان فقط بمثابة بحث جدلي على اساس قناعات الطرف المقابل. ولهذا، وبالأخذ بنظر الاعتبار أن الإسلام يريد حكومة لكل المسلمين وأن الركن الأصلي لهذه الحكومة هو وجود شخص عادل يعرف أحكام الإسلام وقضايا الزمان بغية تطبيق الأحكام الدينية، وأنه من جهة أخرى لا توجد في العالم في الوقت الراهن حكومة تتطابق مع الرؤية الإسلامية سوى حكومة الجمهورية الإسلامية، وأنه من جهة ثالثة هذه هي الحكومة الحقة الوحيدة التي تحظى بتأييد علماء الإسلام الصالحين والأهالي في العاصمة، فانه يجب على كافة المسلمين أن يلتفّوا حول محور ولاية الفقيه وأن يعملوا على إحياء الحضارة الإسلامية وبعث عزة المسلمين بمساندة هذه الحكومة. وكما نشاهد الآن فان الكثير من المجتمعات والشخصيات الإسلامية في كل العالم قد أعلنت عن دعمها وولائها لولي أمر إيران بصفته وليّاً لأمر المسلمين في العالم، وهو ما يجعلنا نعتبر وليّ أمرنا “وليّاً لأمر المسلمين”. ولا غضاضة في القول إن هذه التسمية نابعة من نظريتنا المذهبية ومتطابقة تماماً مع المشروع الأصلي للحكومة الإسلامية ولا تتنافى مع المشروع الثانوي للحكومة الذي يتطلب وجود دستور في إطار بلد كإيران، وكذلك مراعاة القوانين الدولية في إقامة العلاقات مع البلدان الأخرى، وذلك لأن هذين المشروعين متوازيان وليسا متعارضين أو متقاطعين.
7 ـ لو كانت، أو ستكون هناك حكومة أو حكومات حق في نفس الوقت الذي توجد فيه حكومة حق في إيران، فما هو المشروع الذي ستقترحونه عندئذ؟ * ينبغي أن يقال في الجواب عن ذلك: مع أن هذا الافتراض لا يمثل حقيقة خارجية في الظروف الراهنة، وهو ليس سوى فرض ذهني وعقلي، ولكن عموماً يمكن الأخذ بنظر الاعتبار أشكالاً من الحكومة في هذه الحالة أيضاً. إننا نعتقد بأن أفضل طريقة لتحقيق حاكمية الإسلام في الفرض المذكور ـ حيث لا يمكن تحقيق المشروع الأصلي للحكومة الإسلامية العالمية ـ هي “الفيدرالية الإسلامية”. معنى الفيدرالية ولتوضيح المشروع المذكور ينبغي أولاً تبيين معنى “فيدرالية” و”حكومة فيدرالية”. تأتي كلمة فيدرالية من الكلمة اللاتينية Foedus بمعنى “معاهدة” أو “اتفاق”. وتأتي الفيدرالية عندما تتوافق دولتان مستقلتان أو أكثر على تشكيل حكومة جديدة واحدة تحكم هاتين الدولتين أو هذه الدول، فتحقق الصيغة الفيدرالية بفضل هذا الاتحاد والتي تنقسم بدورها إلى حكومتين: حكومة مركزية، وحكومة محلية. إن الحكومة المركزية، في الحكومة الفيدرالية هي التي تتخذ القرارات وتقوم بتنفيذها فيما يخص القضايا الأساسية المتعلقة بالمصالح العامة أو المشتركة كالأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية وغيرها من القضايا الكبرى. وأما الأقسام المحلية التي تتكون منها الفيدرالية فتهتم بالقضايا ذات الأهمية من الناحية المحلية. الفيدرالية الإسلامية ونفهم من هذه المقدمة أن الفيدرالية الإسلامية هي شكل من الحكومة الناتجة عن اتحاد عدد من الدول ذات الحكومات المشروعة الحقة، ولهذه الحكومة حكومة مركزية قوية وحكومات محلية مستقلة. فالحكومة المركزية تقوم بإصدار القرارات وتدبير أمور المسلمين بناءً على الأحكام الدينية بالمقياس العام للمجتمع الإسلامي، وتقود الاتحاد العام نحو الأهداف المادية والمعنوية عن طريق سنّ القوانين العامة. ومن ناحية أخرى فان كل دولة من دول الاتحاد تقوم بسنّ القوانين الخاصة وتدبير شؤونها مع مراعاة مصلحة مجتمعها المحلي وانطلاقاً من ظروفها الزمانية والمكانية. وفضلاً عن ذلك فانها تشارك في تقدم المجتمع الإسلامي الكبير وتحقيق أهدافه مع مراعاة وتطبيق القوانين العامة للاتحاد. وبهذا تتحقق الحاكمية الإسلامية والأهداف الفردية والاجتماعية سواء كان ذلك على المستوى العام ـ أي كافة المجتمع والاتحاد الإسلامي ـ أو على مستوى كل دولة من الدول الأعضاء في هذا الاتحاد. وإن استمرار هذا الشكل (الحكومة الفيدرالية)، سيؤدي إلى إقامة الحكومة العالمية الواحدة، بناءً على النموذج الأصلي للإسلام، وسيقوم تدريجاًً بتحقيق السعادة. 8 ـ هل فصل القيادة عن المرجعية ـ كما لوحظ في الدستور الجديد ـ لن يوجد مشكلة للناس؟ * يعتبر الإسلام أنّ ثمة غاية وحكمة لخلق الإنسان وأنه ما خُلق إلاّ لتحقيق هدف خاص. وهذا الهدف هو الوصول إلى الكمال النهائي، يعني القرب الإلهي ونيل رحمته الأبدية، وهو ما لا يكون إلاّ ببرنامج معين، فما عليه إلا تنكّب طريق ما وراء الإنسان ليكون وسيلته للوصول إلى الهدف. وهذا الطريق ليس سوى عبودية الله والتسليم التام لأوامره ونواهيه. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فان الإسلام دين جامع يتميز بالأحكام والتشريعات ذات البعد الفردي وكذلك البعد الاجتماعي، ولا تتحقق السعادة الإنسانية إلاّ بالعمل بهذه الأحكام. وينبغي أن نضيف بأن العمل بالأحكام والقوانين الإلهية منوط بمعرفتها الصحيحة والدقيقة، حيث لا يمكن العمل بها على الوجه الصحيح بدون المعرفة الجيدة بها. كما أن معرفة هذه الأحكام في غير ضروريات الدين بحاجة إلى بحث علمي واسع وعميق وأسلوب خاص في التحقيق (وهو ما يسمى اصطلاحاً بـ “الفقاهة”، كما يسمى العالم بأمور الدين بـ “الفقيه”، ويسمى العلم محل البحث بـ “الفقه”). وجوب التقليد في الأحكام ولأن الوصول إلى الفقاهة والاجتهاد ومن ثم الاستنباط الديني الصحيح يتطلب السنوات الطوال في تحصيل العلوم الإسلامية المختلفة والسعي الحثيث والدؤوب لاكتساب ملكة استنباط الاحكام الدينية من مصادرها، فانه يجب على كل فرقة في كل زمان أن تنفر منهم طائفة ليتفقهوا في الدين وينقلوا ذلك إلى قومهم حتى يتعلموا الأحكام الإسلامية ويعملوا بها. وهذا هو الأسلوب السائد في كل التخصصات الإنسانية. ولهذا فان الفطرة العقلائية تدفع الناس إلى مراجعة الخبراء فيما لا يملكون فيه تخصصاً كافياً حتى يعرفوا ما يجهلون وينظموا حياتهم، وذلك من قبيل استعانتهم بالمهندس المعماري والميكانيكي والطبيب وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس فانهم يراجعون الفقهاء أيضاً لمعرفة أحكام الدين حتى يطبقوها في حياتهم. ولهذا فان المجتهد في العرف الديني يسمى “مرجع تقليد”، أي من يُراجَع في المسائل الدينية. وبهذا فان وظيفة مرجع التقليد هي تبيان الأحكام الإسلامية بقواعدها الكلية على الصعيدين الفردي والاجتماعي ، غير أن تعيين مصاديقها لا يقع على عاتقه. فهذا الواجب يقع على كاهل الناس أنفسهم في الأحكام الفردية، أي أنه يجب على الشخص نفسه أن يعيّن مثلاً مصداق الحكم القائل “دم الحيوان ذي النفس السائلة نجس”، فليس من واجب الفقيه أن يشخص الحيوان ذا النفس السائلة من غيره. وأما بالنسبة للأحكام الاجتماعية فاننا بحاجة إلى منصب رسمي في المجتمع يقيم له الناس اعتباراً. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن التعويل على حاكمية الإسلام فقط عن طريق تبيين الفقهاء للأحكام؟ ثم هل تتلخص منزلة الفقيه في مجرد التبيين، أم أنه يتحمل مسؤولية أخرى أيضاً كالتصدي لتطبيق الأحكام الإلهية؟ وللجواب عن هذه الأسئلة ينبغي ملاحظة النقاط الآتية 1 ـ الرجوع إلى الأعلم: إن الناس بحكم تذوقهم الفطري، ولاختلاف الآراء في بعض المسائل الفقهية، يراجعون الأحذق والأبرز والأفضل من الأشخاص، أي “الفقيه الأعلم”. وبعبارة أخرى فان الأعلمية شرط في الرجوع إلى الفقيه في المسائل الخلافية . 2 ـ تعدد المراجع ووحدة الولي الفقيه: ومن الممكن أن يتوصل الناس إلى نتائج مختلفة بعد البحث عن الفقيه الأعلم ومراجعة الخبراء، ممّا يؤدّي إلى أن يختار كل واحد منهم مرجعاً لتقليده، وهذا بالطبع لن يؤدي إلى مشكلة في الأحكام الفردية، وأما تعدد المراجع في القضايا الاجتماعية التي تتعلق بعلاقة الأشخاص بعضهم ببعض، فان تعدد الآراء ولا سيما في القضايا الكبرى والمصيرية سيكون باعثاً على المشاكل أو الهرج والمرج أو حتى اختلال نظام الحياة الاجتماعية. ولهذا فانه من الضروري أن يسود رأي واحد فقط في حكم البلاد، وهذا الرأي ينبغي أولاً: أن يكون صادراً عن فقيه ضالع بالقضايا السياسية والاجتماعية. وثانياً: أن يتمتع بالرسمية. وثالثاً: أن يكون صاحب هذا الرأي مشهوداً له بالأعلمية في القضايا الاجتماعية من قبل السواد الأعظم من المجتهدين ذوي الخبرة. وبهذا يكون هذا الرأي الرسمي هو مناط القرار في قضايا البلاد وحل المشاكل وتطبيق الأحكام الإسلامية. 3 ـ منزلة الولي الفقيه في الإسلام: يعدّ الولي الفقيه حافظاً للشريعة ومطبّقاً للأحكام والقوانين الإلهية وصاحب المنصب الرسمي لتعيين المصداق في مواجهة المشاكل، كما أن الشارع المقدس اختاره لاتخاذ القرار النهائي في المجتمع الإسلامي. وهذه المنزلة الشامخة قد خص بها الأئمة المعصومون (ع) الفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة. ومع أن القائد يفوض بعض صلاحياته إلى الآخرين كالقضاء إلى رئيس السلطة القضائية ووضع الدستور إلى مجلس الشورى الإسلامي ومجلس صيانة الدستور كضمانة لإسلامية القوانين، إلاّ أنه يتمتع بدوره الحيوي الذي لا يمكن إنكاره في الحيلولة دون الانحرافات والحفاظ على الوحدة وتطبيق الأحكام الشرعية وكذلك اتخاذ القرار بصدد القضايا الكبرى والمصيرية. وهذا الأمر لا يختص إلاّ بالقائد وليس للآخرين حق التدخل فيه. 4 ـ الأعلمية في القضايا السياسية: الأعلمية في القضايا السياسية والاجتهادية مفهوم انتزاعي له خصيصتان مهمتان أ ـ الأعلمية بالأحكام الإسلامية. ب ـ الأعلمية بمصالح المسلمين الاجتماعية والمعرفة التامة بالأوضاع السياسية والدولية. فمتى تحققت هاتان الخصيصتان في أي فقيه بالأضافة إلى شرط العدالة والتقوى وحسن الادارة صار صالحاً للولاية والحاكمية. 5 ـ المعرفة بالمصالح الاجتماعية والسياسية: مع الأخذ بالاعتبار أهمية عمل الولي الفقيه والذي هو تدبير شؤون المجتمع بناءً على أساس الأحكام الاجتماعية والسياسية للإسلام، فحتى لو لم يكن الأعلم في الأحكام الفردية الفقهية، فإن له الأولوية في التصدي لقيادة المجتمع الإسلامي بسبب أعلميته في الأحكام والمصالح الاجتماعية والسياسية. 6 ـ وجوب العمل بقوانين الدولة: طبقاً لما يراه الفقهاء، فحينما يصدر الحاكم الإسلامي قراراً فان على كافة المسلمين بمن فيهم مراجع التقليد والفقهاء أن يطيعوه، وليس لفقيه آخر أن يصدر قراراً مناقضاً له. وبملاحظة النقاط السابقة نصل إلى هذه النتيجة، وهي أن مراجع التقليد هم مراجع الناس في معرفة الأحكام الفقهية، وأن الولي الفقيه مسؤول عن إصدار القرارات والأوامر والنواهي فيما يخص القضايا الاجتماعية للبلاد وأن طاعته واجبة. ولن يكون ثمة تعارض بفصل مراجع التقليد عن الولي الفقيه، لأن المرجع يهتم بإعطاء الآراء الإسلامية العامة، بينما يهتم الولي الفقيه بتطبيق الأحكام الإلهية وبوضع القوانين المتغيرة أحياناً، تمهيداً لتطبيق هذه الأحكام، وتحقيقاً للأهداف المختلفة من قبيل عزة المسلمين والعدالة الاجتماعية، كما يقوم بالاشراف على حسن تطبيق الأحكام الدينية إقراراً للسياسات المطلوبة. ومن جهة أخرى فان رأي “ولي الأمر” هو الرأي الرسمي الوحيد والمقبول في القضايا الاجتماعية، وتجب إطاعته في كل ما يصدر عنه حول القضايا السياسية والاجتماعية، وطبقاً لما يراه الفقهاء، فانه ليس لأي فقيه آخر أن يصدر حكماً معقّباً أو مغايراً لحكم وليّ الأمر في هذا الباب. وعلى هذا الأساس فان فصل المرجعية عن القيادة لن يتمخض عن أية مشكلة أو تعارض في الفتاوى، وذلك لأن مجال عمل كليهما يختلف عن الآخر. ومع ذلك فان ثمة فوائد جمة للجمع بين المرجعية و القيادة عند الامكان، إذ إن هذا هو الأفضل من نواحٍ كثيرة. 9 ـ ما هو موقع مراجع التقليد في النظام الولائي، وماذا يمثلون بالنسبة للولي الفقيه؟ * في البداية لابد من توضيح حول “مرجع التقليد” و “الإفتاء” و “الحكم”. إن “مرجع التقليد” في فكرنا الديني هو ذلك الفقيه الذي يتمتع بصفات خاصة ويرجع إليه العوام لمعرفة الأحكام الشرعية. وهو يبدي رأيه كأي متخصص آخر. موقع ودور مراجع التقليد إن موقع ومكانة مرجع التقليد أمر واضح لعامة الناس. فمرجع التقليد يتصدى “للإفتاء”. وعندما يصدر الفقيه الجامع للشرائط فتوى فانه يشبه في هذا الطبيب الذي نراجعه طلباً لرأية في علاج المرض. ورأي الطبيب لا يخرج عن كونه إرشاداً يعمل به المريض الباحث عن الشفاء. فلا سلطة ولا ولاية للطبيب على المريض، وأمره مجرد “إرشاد” لا “موْلوي”. ومرجع التقليد هو الآخر لا يخرج دوره عن هذا. كما أن الفقيه يعطي رأياً كليّاً عند إصدار الفتوى. فهو يقول مثلاً: ما هي شروط صحة الصلاة، وما هي مبطلات الصوم، ودم أيّ حيوان نجس. وحتى في قضايا المجتمع فانه يقول متى يكون القتال مشروعاً، ومتى تستطيع النساء المشاركة في القتال. فهو يعطي آراءً أو أحكاماً عامة، ولكن هل تشارك النساء الآن، وفي هذه المعركة، أم لا؟ فلا يختص بالفقيه. إذاً.. فمن الذي يقوم بتحديد الواجب في الحالات الخاصة؟ هذا ما سوف يرد الجواب عنه. كما يجب علينا أن نلاحظ نقطة أخرى، وهي أنه من الممكن أن يكون لدينا عدد من مراجع التقليد في وقت واحد. وكما تقتضي الأدلة الشرعية والذوق العقلي فانه ينبغي تقليد الأعلم. فمن استطاع تشخيصه فبها ونعمت، ومن لم يستطع من عامة الناس فعليه سؤال أهل الخبرة، فرأيهم حجة. ألاَ يتسبب تعدد المراجع في إيجاد المشاكل؟ إن تعدد المراجع واختلاف الفتاوى ليس من شأنه إيجاد المشاكل في القضايا الفردية. فلنفرض أن شخصين سافرا معاً، أحدهما يقلد مرجعاً يقول بقصر الصلاة، والآخر يقلد مرجعاً يقول بالعكس . فلن تحدث هنا مشكلة. وأما إذا تعددت الفتاوى في القضايا الاجتماعية فسوف يستتبع هذا هرجاً ومرجاً واختلالاً في المجتمع. فمثلاً إذا عزم رجل وامرأة على الزواج. أحدهما يقلد مرجعاً يشترط شرطاً لصحة الزواج، والآخر يقلد مرجعاً لا يوجب هذا الشرط. فلو تم الزواج وكان صحيحاً طبقاً لفتوى هذا المرجع وباطلاً طبقاً لفتوى المرجع الآخر، فما الذي ينبغي عمله؟ ومن هذا المثال البسيط ندرك حجم المشكلات الناشئة عن تعدد المراجع وتباين فتاواهم في القضايا الاجتماعية الأهم كالحرب والصلح مثلاً. إذاً.. فماذا يجب العمل في القضايا الاجتماعية؟ هذا ما سوف نجيب عنه بعد قليل. دور الولي الفقيه إن الولي الفقيه هو الذي يتمتع بالتقوى والعدالة والشجاعة وحسن الادارة الاجتماعية والمعرفة الكافية بأوضاع البلاد والعلم وعدد من الصفات الأخرى فضلاً عن الاجتهاد في الأحكام الشرعية. وذلك لأن ولاية وإمامة المجتمع كأي منصب ومقام آخر لابد فيها من شروط يتعين إحرازها لاحراز هذا المنصب. فالأمثل هو أن يكون الولي الفقيه أعلم فقهاء زمانه وأتقاهم وأعرفهم بقضايا المجتمع. غير أن هذا الأمثل لا يتوفر عادة، ولكنه لا يعني في الوقت ذاته ألا يتوفر في الولي الفقيه بعض هذه الشروط، إذ إن عليه أن يبلغ حد النصاب في التمتع بها. فعندما يصبح الفقيه وليّاً وإماماً للمجتمع فان من حقه حينئذ أن يحدّد مصداق ومورد الأحكام الكلية في كل حين وآن، وهو يستفيد بالطبع من آراء مختلف المستشارين والخبراء من أجل التوصل إلى التشخيص الصحيح، كأن يقول مثلاً بقطع العلاقات السياسة مع هذا البلد أو ذاك، أو أن يعلن الحرب أو الصلح وغير ذلك، إذاً.. فقد اتضح الجواب عن السؤال الأول القائل: على عاتق من تقع مسؤولية تحديد مصاديق الأحكام؟ إن رأي الولي الفقيه في القضايا الاجتماعية هو الرأي الرسمي للبلاد، وفتواه هي مناط العمل وحدها عند تباين الفتاوى. أي أن القرار الأخير هو قرار الولي الفقيه الذي يؤدي إلى قطع دابر الخلافات والقضاء على الفوضى. وبهذا يتضح أيضاً الجواب عن السؤال الثاني، أي أن المراجع المتعددين رأيهم مطاع في المسائل الفردية، وأما الولي الفقيه فرأيه واجب الطاعة في القضايا الاجتماعية. تباين الحكم والفتوى إن الفرق بين الحكم والفتوى هو أن الفقيه يعطي حكماً كلياً في مقام الفتوى، وأما “الحكم” فهو أمر ملزم. وإصدار الحكم هو العمل الآخر للولي الفقيه. إن الولي الفقيه يُلزم الناس بعمل ما بإصدار حكم فيه. ولنعد إلى زمان حياة الإمام الراحل، ففي أوائل الحرب أصدر أمراً بفك الحصار عن آبادان. وقد كان هذا حكماً لا فتوى، ولا يجوز للفقهاء الآخرين نقضه. وما جاء في الكتب الفقهية أنه إذا أصدر القاضي حكماً فليس لأي فقيه الحق في نقضه. وهذه المسألة تجدر مراعاتها بطريق أولى في باب الولي الفقيه، أي أنه إذا أصدر الولي الفقيه حكماً في قضية اجتماعية ـ بما تقتضيه مصالح الإسلام والمسلمين ـ فليس للآخرين مخالفته مع افتراض أعلميتهم. إن علينا أن نعرف بان أمر المجتمع لن ينتظم إلاّ “بحكم” حكومي من الفقيه، لأنه لو أديرت شؤون المجتمع انطلاقاً من فتاوى متناقضة فان ذلك لن يسفر إلا عن الفوضى واختلال الأمر. ومن هنا كان لابد تصدي من شخص واحد فقط بغية للأخذ بزمام المجتمع وتدبير شؤونه. وخلاصة ما ذكر: أولاً: إن لمراجع التقليد موقعهم الخاص مع وجود الولي الفقيه في سدة الحكم الإسلامي، ويمكن لأي شخص أن يقوم بتقليدهم. ثانياً: ان أمور المجتمع ينبغي أن تكون تحت إشراف وإدارة شخص واحد فقط حتى لا تعم الفوضى. ثالثاً: لو أصدر الولي الفقيه حكماً فليس لأي فقيه نقضه، حتى ولو كان أعلم من الولي الفقيه من الناحية الفقهية. 10 ـ هل كان الإمام الخميني (قده) يؤمن بولاية الفقيه المطلقة، وهل استخدم ذلك عملياً؟ * يجب علينا أولاً أن نضع أصابعنا على مواضيع التلاقي والتنافر الفكري في باب ولاية الفقيه حتى نستطيع بالنتيجة التوصل إلى تصور صحيح بإمكانه أن يحاكي رأي الإمام (قده) في هذه القضية، وإلقاء نظرة سليمة على أسلوب عمله. بما أن واجب الولي الفقيه كحاكم ووليّ نصّبه الله تعالى هو إدارة المجتمع وقيادته نحو تحقيق الأهداف الدينية توسلاً بتطبيق القوانين الإلهية، فانه يجدر بنا أولاً أن ندرس أقسام القوانين من وجهة نظر الإسلام وكذلك علاقة وحدود الولي الفقيه في كل قسم منها. القوانين الثابتة والمتغيرة يرى الإسلام أن القوانين على قسمين: قوانين ثابتة، وقوانين متغيرة. القوانين الثابتة: (بما فيها الأحكام الأولية والثانوية) هي التي ليس لها قيد زماني ومكاني، والتي تتمتع بصفة الثبات الدائم التي لا تقبل التغيير وليس لأحد حق التصرف بها. وهذا القسم ينقسم بدوره إلى نوعين: الأول هو ما شرعه الله تعالى مباشرة. والثاني ما لم يشرعه الله مباشرة، بل إنه تعالى أعطى حق وضعه وتشريعه للرسول الأكرم (ص) والأئمة المعصومين (ع) وهو الذي ألهمهم في الواقع بكيفية تشريعه. القوانين المتغيرة: وهي التي تتحكم فيها ظروف الزمان والمكان. وهذه القوانين يسنّها ولي الأمر في إطار القوانين الثابتة مع مراعاة أصول ومباني القيم الإسلامية وعلى ضوء حاجات ومتطلبات المجتمع الإسلامي. وهي ما يصطلح عليها بـ “الأحكام الحكومية” أو “أحكام الولاية” أو “الأحكام السلطانية”. وطبقاً للرؤية التوحيدية وبمقتضى الربوبية التشريعية فان الله ـ جل شأنه ـ مختص بحق الحاكمية والتشريع أصالةً وذاتاً، وله أن يجيز من يريده بالتشريع ووضع القوانين حسب ميزان حكمته. وهذا الاذن قد منحه الله تعالى بشكل تام للرسول الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع). وأما فيما يخص “الوليّ الفقيه” في هذا الأمر فهناك بعض الخلافات بين فقهاء الشيعة. وهذا هو الخلاف المعروف في باب “دائرة حدود ولاية الفقيه” والذي هو محل بحثنا. صلاحيات الولي الفقيه كما يراها الفقهاء حدّد بعض الفقهاء وجوب طاعة المسلمين لولاية وأمر ونهي الولي الفقيه بالحالات الاضطرارية والضروريات التي لا ينفك عنها المجتمع. وأما البعض الآخر فقد وسعوا هذه الدائرة وقالوا: إن دائرة ولاية الفقيه تتسم بالسعة والشمول لكافة شؤون المجتمع عدا ما يختص بالإمام المعصوم (ع). ولنضرب مثالاً يوضح هذين الرأيين: أحياناً ما يكون توسيع الطرق والشوارع من الضرورة بمكان بحيث لو لم يحدث لأدّى ذلك إلى تعرض البعض للخطر ووقوع حوادث الاصطدام مما يستتبع بدوره خسائر وأضراراً فادحة في الأموال والأنفس. ولتفادي ذلك فان كلا الفريقين يجيز تدخل الولي الفقيه بهدم المنازل والمباني حتى تتم توسعة الشوارع والطرقات. وأما إذا كان الهدم من أجل رفاهية الناس وجمال المدينة فان الفريق الأول لا يجيزه. وأما الفريق الثاني فيقول: إن للولي الفقيه أن يصدر أمراً بذلك ما دام الهدف هو صالح المجتمع ـ حتى مع عدم الاضطرار ـ فله أن يقرر الهدف، كما جاء في المثال المذكور، وعلى الآخرين القيام بتنفيذ القرار تأميناً لمصالح المواطنين. ومن الجدير بالذكر فان معنى ولاية الفقيه المطلقة ـ وكما يحلو لبعض الاعداء والمغرضين ـ ليس هو التهرب من الأحكام الإلهية أو تعطيلها أحياناً كما يهوى ولي الأمر، وذلك لأن ولي الأمر ـ لضلوعه في الفقه الإسلامي ومعرفته بالمصالح الاجتماعية ـ يتجاوز الحكم الأولي لفترة إلى الحكم الثانوي، أي أنه في الواقع ينتقل من حكم إلى حكم آخر، وهذا الحكم الثانوي هو الآخر من الأحكام الإلهية، وهو ما يجيزه الله تعالى ولا يأتي أبداً حسب ذوق هوى الولي الفقيه. إن فلسفة وجود الولي الفقيه هي تطبيق الشريعة الإلهية وتمهيد السبيل لإقرار أحكام الإسلام العليا والسامية، وليست التصرف طبقاً للذوق الشخصي واتّباع الهوى النفسي. وكما سبق، فان حق التقنين والتشريع يتعلق أصالة بالله تعالى، وهو وحده القادر على منح الآخرين حق سنّ القوانين وحكومة العباد. ومن هنا فان الإسلام يرفض أيّ نوع من القوانين والأوامر والنواهي التي لا يجيزها الله سبحانه. وعلى هذا فان الدين يرى بأن كافة قوانين أية حكومة أو بلد ـ سواءً كانت دستوراً أو قوانين مصادق عليها ـ لا تحظى بالمشروعية والرسمية إلا بمصادقة الوليّ الفقيه عليها بصورة أو بأخرى، حيث يحق له الحكم ووضع القوانين استناداً إلى التنصيب العام الإلهي له في زمن الغيبة. وهذا عند القائلين بولاية الفقيه ـ المطلقة أو سواها ـ يعدّ من البديهيات الدينية بلا خلاف. ولاية الفقيه المطلقة في كلام الإمام الخميني (قده) يقول الإمام الخميني (قده): “لو قام الشخص الحائز لهاتين الخصلتين [معرفة الأحكام الإلهية والعدالة] بتأسيس الحكومة تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم (ص)، ويجب على جميع الناس اطاعته. فتوهّم أن صلاحيات النبي (ص) في الحكم كانت اكثر من صلاحيات أمير المؤمنين (ع)، وصلاحيات أمير المؤمنين (ع) أكثر من صلاحيات الفقيه، هو توهّم خاطئ وباطل. نعم إن فضائل الرسول (ص) بالطبع هي أكثر من فضائل جميع البشر، لكن كثرة الفضائل المعنوية لا تزيد من صلاحات الحكم”. كما أنه يقول في كتاب “شؤون واختيارات وليّ فقيه” ترجمة [فارسية] لبحث ولاية الفقيه من “كتاب البيع”: “فيكون لهم [الفقهاء العدول] في الجهات المربوطة بالحكومة كل ما كان لرسول الله والأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين. ولا يلزم من ذلك أن تكون رتبتهم كرتبة الأنبياء أو الأئمة (ع)، فإن الفضائل المعنوية أمر لا يشاركهم (عليهم السلام) فيه غيرهم”. كما يقول الإمام في نفس هذا الكتاب “فللفقيه العادل جميع ما للرسول والأئمة (عليهم السلام) مما يرجع إلى الحكومة والسياسة، ولا يعقل الفرق”. ويقول الإمام في موضع آخر: “إن للفقيه في زمن الغيبة من الولاية ما هو للإمام المعصوم (ع) في كافة الأمور”. كما يقول في موضع آخر ايضاً: “ان للفقيه جميع ما للإمام (عليه السلام) إلاّ اذا قام الدليل على أن الثابت له (عليه السلام) ليس من جهة ولايته وسلطنته، بل لجهات شخصية تشريفاً له، أو دلّ الدليل على أن الشيء الفلاني وإن كان من شؤون الحكومة والسلطنة لكن يختص بالإمام (ع) ولا يتعدى منه”. إن هذا الكلام الذي يشير إلى حصافة الرأي حول ولاية الفقيه المطلقة قد تحدث به الإمام (قدس سره) في درس “البحث الخارج للفقه” في النجف الأشرف قبل انتصار الثورة الإسلامية بسنوات، وهو ما أغضب أعداء الإسلام وأثار حفيظتهم ودفعهم إلى السعي لإطفاء هذا النور الإلهي. فهل استفاد مؤسس الثورة الإسلامية العظيم (قدس سره) من هذه الولاية العظمى خلال فترة حكومته عملياً أو لا؟ 1 ـ تنصيب الإمام الخميني (قدس سره) للمهندس (بازركان) رئيساً للوزراء ورئيساً للحكومة المؤقتة. يقول سماحة الإمام (رض) في هذا المجال: “ويجب عليّ أن أعطي تنبيهاً آخر، وهو أنني نصّبته بصفتي شخصاً يمتلك الولاية من جانب الشرع المقدس، فاتّباع من نصّبته واجب، ويجب على الشعب اتّباعه، لأن مخالفة هذه الحكومة مخالفة للشرع وإرادة مقابلة له”. فكلام الإمام (رض) مع ما يتضمنه من ولايته المطلقة، يدل بوضوح على أن ولايته هي من الله تعالى وقد حصل على مشروعيتها من جانب الشارع المقدس، وأنه لم يحصل على مثل هذه المشروعية من الناس وتصويتهم، بل إنه حكم إلهي كسائر الأحكام الشرعية (كوجوب الصلاة والصوم والحج وغيرها) ولا دخل للناس فيه. 2 ـ التصريح بـ “التنصيب” في نص قرار تنفيذ رئاسة جمهورية بني صدر، والشهيد رجائي (ره) وسماحة القائد (مد ظله) من جانب سماحة الإمام (ره)، مع أنه وطبقاً للأصل السادس من الدستور فان رئيس الجمهورية يُنتخب طبقاً لأصوات الشعب، وطبقاً للبند التاسع مع الأصل العاشر بعد المائة من الدستور ـ الذي يحدد واجبات وصلاحيات القائد ـ فان للقائد فقط حق توقيع وتنفيذ قرار رئاسة الجمهورية بعد فرز اصوات الشعب في الانتخابات، ولكن سماحة الإمام (قدس سره) بموجب (الولاية المطلقة) التي منحه الله تعالى إيّاها، وعلاوة على تنفيذ قرار رؤساء الجمهورية المذكورين يصرح قائلاً: إنني “نصّبت” هؤلاء في هذا المنصب. وهو ما لا ينحصر بالصلاحيات التي حددها الدستور، وإنما هو إعمال لحق “ولاية الفقيه المطلقة”. أحكام الإمام (ره) في تنصيب رؤساء الجمهورية أ ـ حكم رئاسة جمهورية بني صدر (15/11/1358[هـ ش]) “بسم الله الرحمن الرحيم، طبقاً لانتخاب الشعب الإيراني الشريف بأكثرية ساحقة للدكتور السيد أبو الحسن بني صدر رئيساً للجمهورية الإسلامية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ونظراً لأنه لابد من استمداد المشروعية عن طريق تنصيبه بواسطة الفقيه الجامع للشرائط، فانني وبموجب هذا الحكم نفذّت رأي الشعب ونصّبته في هذا المنصب، ولكن هذا التنفيذ والتنصيب من جانبي وصوت الشعب الإيراني المسلم يتوقف على عدم تخلفه عن أحكام الإسلام المقدسة والعمل بالدستور الإسلامي الإيراني”. ب ـ حكم رئاسة جمهورية الشهيد محمد علي رجائي (ره) (11/5/ 1360[هـ ش]) “بسم الله الرحمن الرحيم، لقد انتخب الشعب الإيراني الشريف والملتزم السيد محمد علي الرجائي أيّده الله تعالى رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران بأكثرية ساحقة فاقت الدورة السابقة، وذلك رغم دعايات الأعداء في الخارج والداخل، ووضع على عاتقه هذه المسؤولية العظيمة وهذا العبء الثقيل، ولأن مشروعية ذلك لا تكون إلا بواسطة التنصيب من جانب الفقيه وليّ الأمر، فانني نفذت صوت الشعب ونصّبته رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران”. ج ـ حكم رئاسة قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله الخامنئي (مد ظله العالي) (17/7/ 3160[هـ ش]): “إنني، وتبعاً للشعب العظيم، ومعرفةً بمنزلة ومكانة المفكر والعالم المحترم سماحة حجة الإسلام السيد علي الخامنئي أيده الله تعالى، نفّذت صوت الشعب، ونصّبته رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران”. الدورة الثانية من رئاسة جمهورية سماحة القائد (مد ظله العالي) (13/6/3164[هـ ش]): “إنني، وتبعاً لأصوات الشعب العظيم، أنفذ أصوات الشعب بعد انتهاء الدورة الحالية، وأنصّبه رئيساً للجمهورية الإسلامية في إيران”. 3 ـ قرار تشكيل الإمام الراحل (ره) لمجمع تشخيص مصلحة النظام (بتاريخ 17/11/ 1366[هـ ش]). مع أنه لم يؤخذ في الحسبان تشكيل مثل هذا المجمع أو صلاحية تشكيله في الدستور ولم يرد في صلاحيات القائد ـ إلى ما قبل إعادة التدوين عام 1368[هـ ش] ـ إلا أن الإمام (ره) أصدر مثل هذا القرار، وهو ما يتجلى فيه بعد آخر من إعمال “الولاية المطلقة”. والذي يثير الانتباه في هذا القرار وما شابهه (كالحالات السابقة) هو أن ما جاء في الاصل العاشر بعد المئة من الدستور الذي ينص على (واجبات وصلاحيات القائد) لم يكن “إحصائياً” في الحقيقة، بل كان “تمثيلياً”. وبعبارة أخرى، فانه مادامت البلاد تمر بظروف عادية (وهو ما يهتم به القانون في كل مكان حيث يوضع في الحقيقة للظروف العادية) فانه ليس للدستور أن يتجاوز هذا الإطار، وأما إذا استجدت ظروف طارئة لم تؤخذ في الحسبان فيما يخص وضع البلاد أو إدارتها، فان القائد، وانطلاقاً من الولاية الإلهية المطلقة التي منحها له الشارع المقدس، بإمكانه أن يتدخل لحسم الأمور من أجل التغلب على الأزمات وتأمين مصالح المجتمع. على أمل أن نتسلح بالمعرفة الصحيحة والدقيقة لآراء الإمام العظيم (ره) والمستنبطة من القرآن والسنة لكي نبتعد عن التفسيرات الذاتية والخاطئة لأفكاره، وأن نتخذ المزيد من الخطوات ابتغاء تحقيق فكره النوراني إن شاء الله. 11 ـ ما المقصود بكون الولي الفقيه قادراً على تغيير أو تعطيل أحكام الإسلام الفرعية؟ * إننا نعلم أن عقيدتنا ترى أن الله تعالى يختص بحق التشريع وليس لأحد سواه أن يضع قانوناً، إذاً.. فكيف بالإمكان توضيح أن الولي الفقيه يستطيع تغيير أو تعطيل الأحكام الفرعية؟ ينبغي القول بأن المقصود بتغيير أو تعطيل الولي الفقيه للأحكام الفرعية لا يعني أن يضع الحاكم الشرعي قانوناً جديداً في مقابل القانون الإلهي أو أن يتجاهل قانوناً ثابتاً فيعطله، بل المقصود هو أن للولي الفقيه الحق في تبديل حكم شرعي بحكم شرعي آخر طبقاً لما تقتضيه الظروف الاجتماعية ورعاية مصالح الإسلام. مكانة الولي الفقيه في النظام الإسلامي ولتوضيح ذلك نقول بأن الولي الفقيه هو أولاً الفقيه الكامل العالم بكافة الأحكام والمبادئ الدينية وشتى المباني والموازين الشرعية. وثانياً هو الذي يحدد جيداً مصالح المجتمع الإسلامي في أوضاع وظروف الزمان المتغيرة ويعرف مصلحة الإسلام والمسلمين في كل زمان. وعلى هذا فان الولي الفقيه، وبناءً على معرفته بمباني الإسلام، يشخص أن الشارع المقدس لا يرضى بتطبيق الحكم الأول في هذا الظرف، بل يريد حكماً آخر، أي أنه في الحقيقة يرجح الحكم الأهم على الحكم المهم. وهذا من شأن الولي الفقيه دون سواه. إذاً.. فهو لم يتخلف عن أمر الشارع بوضع حكم جديد مكان الحكم الشرعي السابق، بل إنه رجح حكماً شرعياً على حكم شرعي آخر رعايةً للمصالح، وهذا ليس شيئاً جديداً. فهناك حالات كثيرة يرجح فيها الفقهاء حكماً على حكم آخر. ومثالاً على ذلك، فان النظر إلى جسم المرأة ذات المحرم حرام طبقاً للأحكام الإسلامية، ولكن إذا اضطرت المرأة لمراجعة طبيب ذكر، فان هذا الطبيب يستطيع النظر إلى موضع الألم، بل يستطيع لمس بدنها إذا اقتضى الأمر ذلك. فهاهنا تزاحم بين النظر إلى بدن المرأة المحرم ووجوب الحفاظ على حياة المسلم، وهو ما يرجح فيه الفقهاء حكم وجوب الحفاظ على حياة المسلم على حرمة النظر إلى جسمه. وملاك هذا الترجيح هو أن الفقيه في مثل هذه الحالة مطمئن إلى أن إرادة الله التشريعية تعلقت بنجاة حياة هذا الشخص المسلم. يعني أنه عند التزاحم بين تكليفين لا يمكن القيام بهما معاً في آن واحد، فان الفقيه يحدد الواجب وهو نجاة حياة المسلم وليس اجتناب النظر المحرّم. وكذلك أيضاً في موضوعنا محل البحث، فان الفقيه الحاكم عندما يبدّل حكماً بحكم آخر، معناه أن الولي الفقيه اكتشف إرادة الله تعالى التشريعية بناءً على أدلة عقلية أو نقلية خاصة، ويدري بما تعلقت به الإرادة التشريعية. |
|