الدولة الإسلامية والمشروعية

 
حوار مع الشيخ مرتضى البهشتي مدير مؤسسة الفكر الإسلامي

الشيخ مرتضى البهشتي شخصية إسلامية، من مواليد طهران (1960م)، جمع بين الدراستين الدينية ( في الحوزة العلمية بقم)، والدراسة الأكاديمية ، حيث يَعد الآن لأطروحة الدكتوراه في القانون، إضافة إلى تدريسه في جامعة طهران. شارك في أحداث الثورة الإسلامية، وله نشاط سياسي من خلال عضويته في إحدى الواجهات السياسية الكبيرة في البلاد (جماعة المجاهدين في طهران). يشغل الآن منصب المعاون الثقافي لرابطة الثقافة والعلاقات الإسلامية.

له عدة مؤلفات منها: الأسس الفقهية لمجلس تشخيص مصلحة النظام، مقارنة بين النظام التشريعي في المانيا واستراليا، إضافة إلى عدد من الدراسات والأبحاث في الدوريات الداخلية والخارجية. التقته مجلة التوحيد وحاورته حول مشروعية مفردات

 

 النظام السياسي الإسلامي (الدولة، ولاية الفقيه، السلطة، المعارضة).

 

المفهوم 

ـ س: لكي نقدم صورة واضحة عن موضوع الحوار، لابد أن نتعرف أولاً على مصطلح (المشروعية). فما هو المراد منه، من الناحيتين السياسية والقانونية؟

ـ الشيخ البهشتي: شهدت الأعوام الأخيرة طرو معان كثيرة على مفهوم المشروعية، وقد أكدت الأبحاث وجود خلط بين مفهوم المشروعية والمفاهيم الأخرى، لذا يصعب تحديد المراد الدقيق من هذا المفهوم. والتعريف الدقيق للمفاهيم يقع عادة على عهدة الفلاسفة.

فالمشروعية مقياس يتراوح طرفاه بين التعظيم والقبول المطلق من جهة، والرفض الكامل من جهة أخرى. وهذا المقياس يشتمل على مفاهيم متقابلة مثل: الحمأية، الاذعان، التراجع، انحلال المشروعية وإلغاء المشروعية.

فلا يوجد نظام سياسي (كما يذهب إلى ذلك جون لينز ـ juan linz) مشروع لدى الجميع مئة بالمئة، وليس جميع أوامر النظام مشروعة دائماً، ولا تعتبر المشروعية أبدية بأي شكل، ويحتمل أن تكون الأنظمة التي تعتمد القوة فقط غير مشروعة.

فالمشروعية لا تتفق عليها جميع الآراء دائماً، وقناعة الأفراد والمجاميع بالسلطة السياسية غير متساوية عادة، ويوجد دائماً بين الطبقات التي لا تبالي والفوضويين من ذوي المستويات الواطئة، والساخطين، ومن يمارس الاعتداء المسلحة، عدد كبير ممن يؤيد المشروعية التي يدعيها الحكام، ومقتنعون بها إلى حد ما.

وبعبارة أخرى، يمكن أن نعتبر المشروعية صفة معيارية مشخصة للأنظمة السياسية، فنقول إن مشروعية هذا النظام في هذه الدولة أكثر أو أقل من مشروعية نظام الدولة الأخرى. فالمشروعية ـ كما أثبتت التجربة ـ من المفاهيم التي يمكن تحديدها.

ومن الناحية النظرية كلما كان مقدار المشروعية أقل كان استخدام القوة أكثر.

لذا من المناسب أن نجعل عدم مراعات حقوق الإنسان ومصادرة الحريات المدنية أحد مؤشرات استخدام القوة. بينما تقاس الحرية بمقدار حرية تشكيل الجمعيات، حرية المسيرات، مقدار تدخل الجيش في الساحة السياسية، استقلال السلطة القضائية، اختفاء الاغتيالات الحكومية.

وأما من الناحية القانونية، فيمكن للمشرعين أن يعرفوا المشروعية ـ بوحي من الروح الحاكمة على نظام التشريع ـ بأنها : العمل وفق القانون.

النظام الحقوقي في كل مجتمع يعطي الأولوية للقانون باعتباره المائز بين الصحيح والخطأ من أعمال المواطنين. فيعد العمل مشروعاً، إذا كان موافقاً للقانون، واما إذا كان العمل أو السلوك ـ الصادر من أي شخص ـ مغايراً للقانون فهو عمل غير مشروع.

جاء في المادة (217) من القانون المدني للجمهورية الإسلامية في ايران المتعلقة بـ(جهة المعاملة) :"لا يلزم التصريح بجهة المعاملة ، لكن إذا صُرح بها فينبغي أن تكون مشروعة، والاّ فالعاملة باطلة".

والمراد من مشروعية جهة المعاملة، في ضوء الروح القضائية وخلفية القضاة والحقوقيين، هو أن يراعي طرفا المعاملة تطابقها مع القانون.

وهذا المبنى يمكن أن نجده في مجال قانوني آخر، كلزوم مشروعية القصد في الوقف. جاء في المادة (66) من القانون المدني:"إذا كان القصد غير مشروع فالوقف باطل".

وفي هكذا موضوع ـ مثل موضوع المعاملة ـ يكون المراد من المشروعية (مطابقة الأعمال مع القانون).

والنقطة المهمة الأخرى التي ينبغي الإجابة عنها في السؤال هي : عندما نقول: إن مفهوم المشروعية يعني التطابق مع القانون، فهذا لا يلزم منه عدم مراعاة الموازين الإلهية في ذلك، لأن الذين كتبوا دستور الجمهورية الإسلامية أكدوا في المادة الرابعة منه إسلامية القوانين وعدم مخالفتها للموازين الإسلامية :"يجب أن تكون الموازين الإسلامية أساس جميع القوانين والمقررات المدنية، والجزائية، والمالية، والاقتصادية، والادارية، والثقافية، والعسكرية، والسياسية، وغيرها قأئمة على أساس الموازين الإسلامية. هذه المادة نافذة على جميع مواد الدستور والقوانين والقرارات الأخرى اطلاقاً وعموماً. ويتولى الفقهاء في مجلس صيانة الدستور تشخيص ذلك".

وعليه فالمقننون أكدوا مشروعية القرارات بالمفهوم المصطلح عليه في الفقه، لذا حينما نتحدث عن المشروعية، ونقول ينبغي أن تكون الأعمال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للناس والدولة مطابقة للقانون، إذا لم يكن القانون مخالفاً للموازين الإسلامية.

 

مشروعية السلطة

ـ س: رغم أن الدولة هي صاحبة السيادة من الناحية القانونية إلاّ أنها بحاجة إلى شخص أو مجموعة أشخاص يمارسون السلطة على أن يتمتعوا بحق قانوني أو شرعي يسوغ لهم ممارستهم لها، فما هو أساس مشروعية ممارسة السلطة في الدولة الإسلامية؟

ـ الشيخ البهشتي : ينبغي أولاً أن نلقي نظرة على أنواع الحكومات ومبانيها في المشروعية، ثم نتحدث عن مشروعية السلطة في الدولة الإسلامية.

يتم اختيار المسؤولين ـ في الأنظمة الجمهورية التي يكون للشعب دور في تشكيلها وممارسة السلطة فيها ـ بثلاثة طرق هي :

أ ـ الجمهوريات التي ينتخب فيها الشعب ريئس الجهورية إضافة إلى انتخاب أعضاء المجلس التشريعي، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية.

ب ـ الجمهوريات التي ينتخب فيها الشعب أعضاء المجلس التشريعي، وهم بدورهم ينتخبون رئيس الجمهورية، مثل فرنسا التي يتم فيها انتخاب رئيس الجمهورية بحضور أعضاء المجلسين.

ج ـ الجمهوريات التي ينتخب فيها الشعب إضافة إلى رئيس الجمهورية وأعضاء المجلس التشريعي، أعضاء السلطة القضائية، مثل المكسيك.

إن علاقة رئيس الجمهورية بالوزراء في النظام الجمهوري مثل علاقة الملك بالوزراء في النظام الملكي، فهي على نحوين:

1ـ استقلال السلطة التنفيذية استقلالاً كاملاً، وحرية رئيس الجمهورية في عزل وتنصيب الوزراء، وهم مسؤولون إمام رئيس الجمهورية، مثل أمريكا والمكسيك وسويسرا.

2ـ يكون رئيس الجمهورية ملزماً باختيار الوزراء الذين يحصلون على ثقة أغلبية أعضاء المجلس التشريعي، ويمكن للمجلس التشريعي أن يسحب ثقته عن الوزراء ويضطرهم إلى الاستقالة. ونظام الجمهورية الإسلامية في ايران يعد ـ طبقاً للدستور ـ من هذا النوع.

غير أن نظام الجمهورية الإسلامية في ايران يختلف عن الأنظمة الجمهورية الأخرى في المشروعية ومنشأ السلطة.

وبيان إسلامية النظام الذي يعتمد رأي الأكثرية يحتاج إلى شرح أوسع ليس هنا مجاله.

والخصوصية الأساسية للحكومة في ايران هي إسلاميتها، لذا يجب أن يكون الدستور وجميع القوانين إسلامية مئة بالمئة، ويعد خروج أية مادة قانونية على أحكام الإسلام خرقاً للميثاق الوطني وعدم وفاء الدولة بالتزامها إمام الشعب. ومبدئياً أن نيابة النواب وسلطة الحكام في الدولة الإسلامية محددتان ـ أساساً ـ بحدود الجمهورية الإسلامية.

قال مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام الخميني (رض) في خطابه المهم إلى (مجلس خبراء الدستور) في 19 أغسطس 1979: "ولا يخفى على جميع المطلعين على الثورة الإسلامية أن الإسلام هو هدفها ورمز انتصارها. وأمتنا في جميع أنحاء البلاد، من العاصمة حتى أبعد المدن والقرى والمراكز قد قدموا دماءهم، وصرحوا : الله أكبر مطالبين بالجمهورية الإسلامية، وقد صوتوا بأغلبية قريبة من الاجماع، في الاستفتاء العجيب الذي لم يسبق له مثيل، لصالح الجمهورية الإسلامية".

فمن خلال بيان القائد لحقيقة حركة الشعب التي كانت من أجل استتباب نظام الجمهورية  الإسلامية، ومذاكرة مواد دستور الجمهورية الإسلامية (8، 57، 110) يتضح أن ولاية الفقيه هي أحد أركان النظام الأساسية، ويمارس الفقيه صلاحياته الواسعة عن طريق الإشراف أو مباشرة الأمور بنفسه. وقد أصبحت الولاية أداة لحفظ إسلامية جميع الدوائر: التنفيذية والتشريعية والقضائية.

والمستفاد من إمضاء الفقيه لحكم تنصيب رئيس الجمهورية، بعد انتخاب الشعب له، وجعل تشخيص صلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية في عهدة مجلس صيانة الدستور، المنصوص عليه في الفقرة الرابعة من المادة العاشرة بعد المئة، التي تكفلت ببيان وظائف وصلاحيات القيادة المستفاد أن منشأ مشروعية الدولة في النظام الإسلامي هو الله تعالى، غير أن الولي الفقيه طريق إلى الولاية الإلهية، وجميع مؤسسات النظام تستمد مشروعيتها من الله تعالى عن طريق ولاية الفقيه. وهذا ما تؤكد بنود المادة الأخرى التي تحدثت عن دور القائد في عزل رئيس الجمهورية.

إن الحفاظ على إسلامية جميع مرافق الحكومة في المجتمع الإسلامي وسيادة الشريعة فيها من أهم القضايا التي ينبغي مراعاتها في الميثاق الخالد المنعقد بين الشعب والقادة، وهذا الأمر لا يمكن تحققه إلاّ بوجود سلطة مقبولة من جميع الشعب. وطبقاً لآراء أغلبية الشعب بالدستور الايراني تكون ولاية الفقيه هي التي تتعهد بتنفيذ ذلك.

أكد البعض على مفهوم الجمهورية على أساس المشاركة العامة، L’universalite de la partici pation.

والحريات الخاصة والعامة:

Les libertes publiques et privees. وإرادة الأغلبية: La decision majoritaire.

وقالوا: إن لازم المشاركة والحرية، هو احترام عقائد جميع المشاركين، وإمكانية إقأمة علاقات وتعايش بين الأفكار المختلفة. ففي المجتمعات ذات الأديان والأفكار السياسية المتباينة ينبغي أن يسود التحمل والتعايش والمشاركة بين اصحاب العقائد والأفكار وهذا من ضرورات النظام الجمهوري، بحيث يتمكن جميع أفراد المجتمع من المشاركة في تقرير مصيرهم، وذلك عن طريق التعددية الدينية Pluralisme Ideologique  (ترافقها حرية العقيدة والرأي)، والتعددية السياسية pluralisme politique (عن طريق تشكيل الأحزاب والجمعيات)، وفي غير هذه الحالة سينتفي موضوع الجمهورية. وبناء على هذه العقيدة لا ينسجم وصف (الإسلامية)، باعتبارها ايديولوجية متبناة، مع منطق الجمهورية.

قال بعض المثقفين: إن المبادئ الإسلامية تشتمل على أوامر ثابتة لا تتغير، وقد أنزلت لتنفيذها، فلا قيمة ولا اعتبار لآراء أفكار الناس تجاهها.

والإسلام استطاع بأوامر عأمة وملزمة أن يحول دون اتباع أي طريق يؤدي إلى تفكك المجتمع، من أجل أن يبقى مصاناً أمام التيارات الفكرية المختلفة. وبهذا الشكل لا يمكن الجمع بين مشاركة الشعب في إدارة شؤون البلاد واتخاذ القرارات طبقاً لآراء الأغلبية، التي هي من أسس الجمهورية، مع الأحكام الإلهية الثابتة. وعليه فإن (الجمهورية) و (الإسلامية) مفهومان متعارضان.

ونحن ـ من جانبنا ـ نؤكد أن وجود قيد (الإسلامية) للنظام الجمهوري في ايران قد قبله الشعب، وصوت لصالحه الأغلبية، ومن هنا، فـ(المشاركة العامة، الحريات الخاصة والعامة، وقرار الأغلبية) كلها خصوصيات ملحوظة في إسلامية (الجمهورية)، لذا لا يوجد أي تعارض مع الديمقراطية المصطلحة.

وهنا يمكن أن نذكر نقطتين لحل الاشكالات المطروحة.

1ـ بما أن اتفاق الآراء الذي تعتمده المبادئ الديمقراطية غير ممكن أساساً، لذا، فمن أجل المحافظة على المصلحة العامة، اعتبر رأي الأكثرية مناطاً في اتخاذ القرارات. ويكون ملزماً شريطة المحافظة على حقوق الأقليات في الدول المتعددة الأديان. إلاّ أن أتباع الأكثرية لدين معين دون سائر الأديان سيشكلون غالبية الرأي العام، وبهذا نستدل على إمكان اجتماع مفهوم الجمهورية مع مفهوم الإسلامية في ايران، التي يشكل المسلمون فيها الأغلبية، حيث أن جميع من له حق الانتخاب قد شارك في الاستفتاءات لتحديد طبيعة النظام السياسي.

2ـ بما أن هناك تعارضاً ظاهرياً بين مفهومي (الجمهورية) و (الإسلامية) فيمكن أن يقال إن (الجمهورية) ناظرة إلى شكل الحكم، وقيد (الإسلامية) متعلق بالمحتوى. وانطلاقاً من اعتقاد الأغلبية الراسخ بالإسلام اختاروا السيادة الإسلامية في اطار جمهوري، فيمكن ايجاد علاقة بين الجمهورية والإسلامية. وبهذا فإن مطالبة الشعب الإسلامي الحر، والتي تجسدت بالمشاركة العامة لتحديد طبيعة النظام السياسي للبلاد، وفرت أرضية مناسبة لممارسة السلطة من قبل الدولة. وبعبارة أوضح نقول:

إن السلطة التنفيذية هي مصداق لسيادة السلطة التشريعية، وهي سنخ من الولاية فوضها الشعب لرئيس السلطة التنفيذية، إلاّ أنها غير ملزمة للشعب ما لم تكن مشروعة. بل يمكن عزله حتى لو كانت ولايته من باب التوكيل. ورغم أن البيعة عقد الزامي، إلاّ أنها تكون ملزمة إذا كان الشخص على خط الحكومة الإلهية ويتمتع بمشروعية إلهية.

وعليه ـ وفق المباني الدينية ـ ما لم ينفذ الولي الفقيه حكم تعيين رئيس الجمهورية فلا تتمتع السلطة الحاكمة والسلطة التنفيذية بالمشروعية.

 

مشروعية ولاية الفقيه

ـ س: هل يستمد الولي الفقيه مشروعيته من انتخاب الأمة له؟
أي عندما تنتخب الأمة الولي الفقيه (ولو بواسطة مجلس، كما هو السائد في الجمهورية الإسلامية) سيكون نائباً عن الأمة في إعمال ولايته أم له ولاية مستقلة بمعزل عنها؟
ـ الشيخ البهشتي: باختصار، الولي الفقيه الذي توافرت فيه الصفات المذكورة في الروايات منصب ـ بشكل عام ـ من قبل النبي(ص) والأئمة المعصومين(ع)، وتنصيبهم له هو تنصيب إلهي، وبهذا الدليل سيكون لمشروعيته بعد إلهي، شريطة أن يكون هذا الولي مقبولاً من قبل الشعب، وهنا تظهر مشاركة الشعب وحقه في الانتخاب حتى في القضايا المهمة مثل قضية ولاية الفقيه.
ويمارس الشعب هذا الحق، بموجب دستور الجمهورية الإسلامية، بواسطة انتخاب أعضاء مجلس، الخبراء، أي أن سلطة وحكومة الفقيه المنصوب من قبل الإمام المعصوم(ع) تكون فعلية إذا قبله الشعب. وفي الحقيقة يمكن أن نقول إن مشروعية الولي الفقيه مرتبطة بتنصيب المعصوم(ع) وقبوله مرتبط برأي الشعب، كما أشار الإمام الخميني(رض) إلى ذلك:

"إذا خوّل الشعب الخبراء ليختاروا لهم مجتهداً عادلاً يكون قائداً لحكومتهم، فحينما يختاروا شخصاً يتعهد بالقيادة، فهذا الشخص سيكون ـ بالضرورة ـ مقبولاً لدى الشعب المنتخب، وحكمه يكون نافذاً".

فالإمام اشار إلى "المقبول"، "الولي المنتخب من قبل الشعب" ، "ونفاذ حكم الولي" وهذا يؤكد لو أن الشعب اختار غير الفقيه للقيادة ـ ولو فرضاً ـ فهذا لا يعني عدم مشروعية الفقيه، وإنما يمكن أن يقال إنه غير مقبول من قبل الشعب وحكمه ليس نافذاً.

اما لو أردنا التحدث مفصلاً عن مشروعية الولي الفقيه، فنقول: إن أحد الأسس العقيدية لنظام الجمهورية الإسلامية هو استمرار الإمامة والقيادة عن طريق استمرار الاجتهاد، وهذا المبدأ العقيدي بيّنته المادة الخامسة من الدستور، حيث جاء فيها: تكون ولاية الأمر وإمأمة الأمة بيد الفقيه العادل المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع، القادر على الإدارة والتدبير، وتعرفه أكثرية الجماهير وتقبل به.

فعندما تكون ولاية الأمر والسلطة في الجمهورية الإسلامية بيد غير الفقيه المتصف بالخصائص المذكورة أعلاه، فلا شك أن هذا النظام سوف لا يتمتع حينئذ بالمشروعية الإلهية.

ثم أن حرية الإنسان ومسؤوليته أمام الله تعالى جعلتا ولاية الفقيه تعتمد على رأي الأغلبية، لأن ولاية الفقيه وسلطته وإنْ كانت متفرعة عن السيادة لله تعالى لكن بما أن الله تعالى جعل الإنسان مسؤولاً عن تقريره مصيره الاجتماعي، ولا يمكن لأحد سلب هذا الحق الإلهي عنه، أو أن تختص به مجموعة أو فرد معين، من هنا ينبغي على الأمة أن تشخص الولي الفقيه وتقبل به لكي تمارس حقها في السلطة بواسطة الفقيه ذي المشروعية الإلهية.

في الواقع أن ولاية الفقيه المنتخب من قبل الشعب هو من خصائص النظام الجمهوري الإسلامي الذي يشتمل على حق الله تعالى وحق الشعب في الحكم، ويجتمع بينهما بشكل منطقي (طولي) وديني (حق سيادة الشعب المعطى من قبل الله).

والنقطة المهمة الأخرى في بيان نظرية اجتماع رأي الشعب مع التنصيب الإلهي هي أن الاعتماد على الرأي العام لا يعني أصالة الرأي والعقل مقابل الوحي، وإنما احترام قيم العقل من خلال قبول الوحي، أو اختبار العقل في دائرة الوحي. ومن هنا لو أن الرأي العام زاغ عن الطريق فرفض الموازين الشرعية، فلا تسقط قيمتها أبداً.

 

الدولة والديموقراطية

ـ س: البعض يشكك في إمكانية قيام الديموقراطية في المجتمع الديني الذي يعتمد مبدأ ولاية الفقيه لما بينهما من تنافٍ، فما هو رأيكم بذلك؟

ـ الشيخ البهشتي: البعض يدعي استحالة الديموقراطية في المجتمع الديني المؤسس على مبدأ ولاية الفقيه، فيشككون بإمكانية الجمع بين الديني والجماهيري. ولا شك أن الشعب حينما وافق على الحكومة الإسلامية باعتبارها نظاماً دينياً، فهذا لا يعني سوى قبولهم بإشراف وولاية الفقهاء الحائزين على الشروط المطلوبة. وإذا أنكر أحد ذلك فلا يمكنه إنكار أن أكثرية الشعب قد أدلى برأيه وما زال ثابتاً عليه، وليست الديموقراطية شيئاً آخر غير هذا. وإذا كان الشعب بنظر هؤلاء مخطئاً، فلا يمكن سلب الديموقراطية عن مثل هذا المجتمع بسبب هذا التصور الخاطئ. ففي جميع المجتمعات هناك مؤيدون ومعارضون، لكن ينبغي معرفة الرأي العام، والرأي العام قد اختار هذا النظام.

ثم هل يمكن قبول الدين ـ باعتباره نظاماً للبلاد ـ واقصاء الخبراء الدينيين؟ أليس هذا تناقضاً، أن نطالب من جهة بحكومة إلهية، ومن جهة أخرى نرفض الفقيه الجامع للشرائط، والمنفذ الشرعي للحكومة الإلهية؟

وعندما نرفض إشراف الفقهاء وولايتهم على مراكز القرار وقيادة المجتمع، فنحن ـ في الحقيقة ـ لا نريد نظاماً إسلامياً، ومن الواضح أننا بذلك نناقض أنفسنا.

 

دور الأمة

ـ س: ماهو دور الأمة في الحكم، في ظل ولاية الفقيه؟

ـ الشيخ البهشتي: إن نفس قبول الشعب بالنظام الديني، وموافقته على تطابق جميع القرارات والقوانين مع الموازين الإسلامية، يعد اعتماداً للرأي العام.

ومن الموارد الأخرى التي يعتمد فيها على الرأي العام هي انتخاب أعضاء مجلس الخبراء لتشخيص القائد، وانتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي، وانتخاب أعضاء الشورى الأخرى.

إن الولي الفقيه والحاكم الإسلامي في الدولة الإسلامية هو الذي يحدد مسار النشاط السياسي لأفراد الشعب، ويوجه الموقف السياسي للأمة. وعليه فليس من الصحيح أن يضع بعض المفكرين المشاركة السياسية في نسق المشروعية، لأن المشاركة السياسية تطرح عادة ضمن نظرية الدولة، ولا علاقة لها بالمشروعية، لكن تتبلور من خلال علاقتها بالمشروعية، لذا فللشعب كامل الحرية في مشاركته السياسية. إلاّ أن اتجاه حركتهم السياسية واضح، وحريتهم في نطاق القرارات الشرعية.

 

الثيوقراطية

ـ س: جميع النظريات الثيوقراطية والدينية تحصر السيادة بالله تعالى لكنها تختلف في تفسير ذلك، يا ترى ما هو المائز بين النظريات الثيوقراطية التي حكمت أوربا في القرون الوسطى والنظرية الإسلامية التي تعتمد ولاية الفقيه المطلقة مبدأً في الحكم؟

ـ الشيخ البهشتي: الثيوقراطية هي أقدم النظريات التي تحدثت عن منشأ السلطة. والحاكم المستبد يستمد سلطته في ضوء هذه النظرية من الخالق، وإن الإرادة الإلهية تتدخل في منح السلطة وتخصيصها بفرد أو جماعة أو طبقة معينة. وهذا الفكر استغله جميع الحكام، على امتداد تاريخ القرون الوسطى لتثبيت الحكم، وحصر السلطة بهمم وبعوائلهم وبمن ينوب عنهم، فمثلاً ادعى بعض الحكام (الربوبية)، وأنه رمز لتجسد السلطة الإلهية، وقد تلبس بلباس إنساني، وهو على سطح الأرض بيده مستقبل الخلائق وحياتهم، ويسيرهم طبقاً لارادته.

أما منهج تفكير الحكم الديني الأصيل فنجده في الكتب السماوية والديانات الكبيرة، أو نجده ـ كما عبرتم ـ في الحكومة الإسلامية التي تعتمد ولاية الفقيه المطلقة مبدأ في الحكم.

وأحد أبرز الحقوق الاجتماعية للشعب في هذا النظام، هو حقه في تقرير مصيره. فالشعب في هذا النظام ـ الذي بيّنا مناشئه الإلهية ـ قد قبل بولاية الفقيه ونمط النظام الاجتماعي المترشح عنها، انطلاقاً من إيمانه بأحقية الإسلام ويقينه أن الفقيه إنما يمارس سلطته على أساس التقوى، وأن علمه هو تنفيذ الأحكام الإلهية.

اما في ظل النظام الثيوقراطي فلم يشاهد للشعب أي مشاركة سياسية منذ العصور الوسطى، بيمنا لم يفوض النظام القائم على مبدأ ولاية الفقيه أي قيود على نشاط الأفراد، بل يمكن أن نقول لا يوجد أي نظام كالنظام الإسلامي يؤكد المشاركة السياسية للشعب.

 

ـ س: هل أكد دستور الجمهورية الإسلامية دور الشعب في انتخاب نوع الحكم؟

ـ الشيخ البهشتي: نقرأ في مقدمة دستور الجمهورية الإسلامية عن منهج الحكومة في الإسلام : لا تبتني الحكومة ـ من وجهة نظر الإسلام ـ على الطبقية، أو على السلطة الفردية، أو الجماعية، بل هي تجسد الأهداف السياسية لشعب متحد في دينه وتفكيره، حيث يقوم بتنظيم نفسه، حتى يستطيع من خلال التغيير الفكري والعقائدي أن يسلك طريقه نحو هدفه النهائي وهو الحركة إلى الله تعالى.

فما جاء في مقدمة الدستور، الذي هو في الحقيقة بيان مجمل لفلسفة الدستور، وطرح اجمالي لمعانيه، كان نصاً صريحاً على دور الشعب في انتخاب نوع الحكم، بينما لم يكن هذا الشيء موجوداً خلال حكم النظريات الثيوقراطية، ولا سيما في القرون الوسطى.

 

الدولة والاستبداد

ـ س: يتمادى البعض في التشاؤم، فيعتقد أن المواصفات المطلوب توافرها في الولي الفقيه والضوابط الشرعية قد لا تضمن لنا عدم استبداده في الحكم، فيقصي المعارضة السياسية (مثلاً)، فكيف تقيمون الممارسات السياسية القأئمة؟

ـ الشيخ البهشتي: حينما يطرحون الاستبداد في مقابل النظام الديموقراطي، يقصدون بذلك أن الحكومة الدينية لا تراعي الديموقراطية (كما هي في الغرب)، وعدم مراعاتها لها يؤدي إلى تجذر الاستبداد. لذا سنقوم هنا برد الشبهة من خلال اجراء مقارنة مجملة بين النظام الديموقراطي والاستبداد.

1ـ إن إطلاق الحريات في كل الاتجاهات يعد من أساسيات ومبادئ النظام الديموقراطي، لكي يتمكن الأفراد، من خلال تمتعهم بالحرية، من المشاركة في جميع شؤون الدولة، وبهذا فإن آراء الشعب النابعة من نمط تفكير الأفراد، تكون الميزان في التعبير عن الإرادة العامة، حتى وإن اصطدمت تلك القرارات مع المبادئ الدينية، بينما تصان حرية الفرد في النظام الإسلامي ما دامت لم تصطدم مع المصالح والمقدرات العامة، وإلا فلا إرادة للفرد إذا تقاطعت مع الأحكام الإلهية التي تسود الوسط الاجتماعي والسياسي، {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق…}.

إذا يمكن أن يقال: إن الديموقراطية والإرادة العامة تقبل في النظام الإسلامي إذا لم تتقاطع مع قوانينه. وحينئذٍ لو أصدر الحاكم حكماً يوافق إرادة الرأي العام ويخالف القوانين الدينية، فإنه صائب بنظر المفكرين الغربيين، بينما يكون مرفوضاً في النظام الإسلامي. وعلى العكس لو كانت تلك الأحكام موافقة لأحكام الدين ومخالفة للرأي العام لكنها تعد ـ في نظر هؤلاء ـ استبداداً دينياً. والنظام الديموقراطي يواجه الاستبداد (الذي هو تسلط فرد أو جهة على مقدرات المجتمع)، لأنه يلغي القوانين الوطنية، والنظام الإسلامي يحارب الاستبداد أيضاً حينما لا يتقيد الحاكم بالموازين الإلهية. إضافة إلى ذلك فإن القرآن المجيد قد رفض الاستبداد الديني، وحذر الحكام والفقهاء من نسبة آرائهم وميولهم إلى الله وصبّها بقوالب دينية.

{ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون}.

2ـ الحكام في النظام الديموقراطي مسؤولون عن ممارساتهم السياسية، أما في النظام الاستبدادي، فلا يمكن تصور وجود مسؤولية بعهدة الحاكمين، وإنما يُضحي بحقوق الشعب لصالح نفس الحاكم.

أما في النظام السياسي فإن المسؤولية تعد أحد أسسه فجميع أفراد المجتمع في هذا النظام، بما في ذلك الحكام، مسؤولون عن أعمالهم الصالحة والسيئة.

{من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها}.

وفي محاولة لتحديد اطلاق مسؤولية الحاكم، في كتاب الإمام علي(ع) إلى مالك الأشتر، وقد سد فيه جميع منافذ الاستبداد والأنانية واحتكار السلطة على الحاكم، وبين مسؤوليته حينما يتقلد زمام أمور أحد البلاد: "واحترز عن الاستبداد".

3ـ إن علاقة الحكومة بالشعب، في النظام الاستبدادي، علاقة من طرف واحد، على شكل أمر وطاعة، ولا طريق للشعب لمعرفة آراء الدولة، على العكس من ذلك في الديموقراطية، فإن حرية الرأي والكتابة تبيح للحاكم التعرف على رأي الجمهور بواسطة وسائل الإعلام، وفي بعض الأحيان يكون الرأي العام أساساً لاتخاذ القرارات السياسية.

وفي النظام الإسلامي دعا القرآن المجيد الحكام إلى الاستشارة (كاستشارة بلقيس ملكة سبأ)، وكذلك الرسول(ص) مع كونه يتلقى الوحي بصورة مباشرة، وهو على مستوى رفيع من العقل والفكر، مدعو للاستشارة. بل الاستشارة من صفات المؤمنين الفاضلة، وقد جاءت في الأية عقيب طاعة أوامر الله تعالى في الصلاة، حتى يسد الباري تعالى على الإنسان جميع طرق الاستبداد والأنانية، يقول الإمام علي(ع) في رفضه الاستبداد ووجوب التشاور: "استبداد الإنسان رأيه هلكة، واستشارة الناس مشاركة في العقل…".

فالملاحظ أن الإسلام حينما رفض الاستبداد دعا الناس إلى الشورى على نطاق واسع.

وعندما نراجع طرق الاستبداد المختلفة، نجد أن هذا الخطر من الممكن أن يدأهم أي مجتمع، لذا ينبغي سد جميع منافذ الاستبداد خلال ممارسة النشاطات الاجتماعية والسياسية. فنظام الجمهورية الإسلامية في ايران لا يأمن هذا الخطر، لذا جاء البند السادس من المادة الثالثة من الدستور "محو أي نوع من الاستبداد والأنانية واحتكار السلطة"، عقيب أهم البرامج السياسية للدولة.

 

الدولة والمعارضة

ـ س: هل الدستور في الجمهورية الإسلامية في ايران يضمن للمعارضة حرية ممارسة نشاطها السياسي؟

ـ الشيخ البهشتي: سنذكر هنا فقرات من الدستور جواباً عن هذا السؤال:

أ ـ الحريات العامة:

الحرية حق على أساسه يستطيع أفراد المجتمع أن يظهروا قابلياتهم، وهذا الحق قادر على تفجير الطاقات وتجدد إبداع الفرد في طريق هداية المجتمع.

وقد اعتبر الدستور الدولة مسؤولة عن توفير الحريات السياسية والاجتماعية في إطار القانون، ويمكن مراجعة المواد الدستورية التالية: (22، 25، 28، 32، 33، 34، 35) والتي تبين حقوق وحريات الأفراد، والتجمعات السياسية تحت عنوان: "حقوق الشعب".

وطبقاً للدستور لا يحق لأي منصب أن يضع قوانين وقرارات يسلب بموجبها الحريات المشروعة. وبموجب المادة (56) من الدستور لا يحق لأحد أن يتحكم بمصير الأفراد، أو توظيفهم لخدمة فرد أو مجموعة خاصة، وإذا كانت هذه الأحكام القانونية شرطاً لازماً لمحو الاستبداد، فإن هناك شرطاً آخر، وهو الايمان بالحرية الذي لا يتحقق إلاّ بتطور الشعب، ففي هذه الصورة يمكن محو الاستبداد والأنانية واحتكار السلطة.

ب ـ سيادة الشعب:

حق الشعب في تقرير مصيره السياسي وإدارة شؤون البلاد من الأهداف التي تطالب بها جميع الأمم. وقد أكد الدستور في المواد (5، 19…) تحت عنوان "سيادة الشعب والقوى المتفرعة عنه" الشؤون السياسية والاجتماعية للشعب، وعن هذا الطريق القانوني يمكن إلغاء الاستبداد.

ج ـ سيادة القانون:

القانون، مجموعة ضوابط عأمة ومدونة، يضمن للجميع وبشكل متساوٍ الحقوق والواجبات، ويشخص لمتبعيه حدود النشاطات والممارسات، وينظم علاقات الأفراد والجماعات والمجتمع، وبموجب سيادة القانون تكون القرارات والاجراءات الفردية ممنوعة، بينما عدم التزام الحكام بالقانون هو من خصائص النظام الاستبدادي.

وإضافة إلى ما يبيّنه الدستور من قوانين عأمة للنظام، هناك السلطة التشريعية التي تسن القوانين ـ باعتبارها مؤسسة دستورية ـ حسب حاجة المجتمع. وهذه القوانين تستطيع أن تضع ضوابط تتناسب مع النشاطات الحكومية من خلال تحديد حقوق وواجبات الأفراد.

وبعبارة أوضح، إن شخص الحاكم في الأنظمة الديكتاتورية أعلى من القانون في تحديد مسار الشعب، لذا سيلغي الحاكم ذلك القانون إذا تعارض مع مصالحه الشخصية أو ربما يقدم على حل بعض المؤسسات الاجتماعية، بينما نجد الولي في نظام الولاية أكثر الناس تمسكاً بالقانون، لأن الولي لا يسن القوانين على أساس مصلحته الشخصية، وإنما هو كاشف عن الرأي الإلهي والقانون الشرعي، ويراعي مصالح المسلمين، وهدفه تبليغ وتنفيذ ذلك. وعليه لا يوجد أي امتياز لشخص الفقيه، وإنما هو مسؤول أكثر من الأمة أمام منصب ولاية الفقيه، كما أنه ملزم بالفتوى التي يصدرها كغيره من مقلديه، لأن فتواه صادرة للالزام وهو مشمول بها.

وإذا ثبتت الولاية له وأصدر حكماً ولائياً، فلا يختلف عن الآخرين في حرمة نقض ذلك الحكم. فنحن نعتقد أن نظام ولاية الفقيه ـ إضافة إلى وجود الفاصلة الكبيرة بينه وبين الحكومات الديكتاتورية ـ يحترم رأي وأفكار الإنسان أكثر من أية حكومة أخرى.

والنتيجة، إن ما يميز نظام الجمهورية الإسلامية هو الإشراف الخارجي الذي يمارسه الولي الفقيه، المنتخب من قبل غالبية الشعب، على السلطات الثلاث. تقول المادة (57) من الدستور: "السلطات الحاكمة في جمهورية ايران الإسلامية هي السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة، وذلك وفقاً للمواد اللاحقة في هذا الدستور".

ورغم أن القائد يطرح في هذا النظام على أنه سلطة مشرفة إلاّ أن الخصائص والصفات القانونية للقائد لا تمكنه من استغلال سلطته إلاّ قليلاً، وبأدنى حد ممكن، أو كما جاء في المادة السابعة بعد المئة يكون ممتنعاً عادة.

ويمكن السيطرة على القائد من طريقين:

1ـ مراقبة استقرار وعدم استقرار الوضع المالي، الذي يدل على استغلال السلطة عادة، لأن ملكية المسؤولين يمكن أن تكون دليلاً على الاستغلال. لذا فإن المادة الثانية والأربعين بعد المئة تخول المحكمة العليا بالتحقيق في ملكية القائد وأعضاء شورى القيادة.

والحيلولة دون تنامي الثروة نوع من السيطرة على السلطة، لأن دوافع استغلال السلطة غالباً ما تكون مادية.

2ـ يتمكن مجلس الخبراء، وهو جهاز منفصل عن جميع أجهزة الدولة، وأعضاؤه منتخبون من قبل الشعب، من عزل القائد حينما يشخص عدم قدرته أو اختلال أحد شروط القيادة. فالخبراء بانتخابهم القائد يستطيعون من جهة أخرى الحد من استغلال السلطة.

 

الشخصية القانونية للدولة

ـ س: يعترف بعض الفقهاء القانونيين بالشخصية القانونية للدولة، وهي شخصية اعتبارية تعني التمتع بالحقوق وتحمل المسؤوليات، وهي بذلك تكون وحدة قانونية مستقلة عن الأشخاص الذين يمارسون السلطة، بينما لا يعترف بعض القانونيين بالشخصية القانونية للدولة، ويعتبرونها مجرد جهاز تابع لإدارة الأفراد، فهل للدولة الإسلامية شخصية قانونية مستقلة؟

ـ الشيخ البهشتي: الدولة بمفهومها المؤسساتي من أوسع المؤسسات، وهي مركز الصلاحيات الدستورية ومتابعتها. الدولة مجتمع سياسي منظم ذات دوائر متعددة يختلف عن جميع المجتمعات، وله شخصية محدودة ومتميزة عن العناصر التي تكونه.

وعليه فإن التحولات السياسية وتحطم الأنظمة لا يلغي شخصية الدولة، ولا يؤثر على مستقبل الاتفاقيات، إلاّ إذا طرح مبدأ مراعاة التغيرات الجذرية لأوضاع وظروف ابرام الاتفاقيات. وهذه النظرية لا يعمل بها في الاتفاقيات الدولية، لذا أفضل طريقة دولية وقانونية في هذا المجال هي "اعادة النظر" في الاتفاقيات.

والنتيجة أن الأوضاع والظروف الطارئة لا تلغي الاتفاقيات.