دراسات

الإمام الخميني؛ الفيلسوف التربوي الكبير

دراسة لآراء الإمام الخميني(قده) التربوية

سيد كاظم أكرمي


تمهيد:

قبل الحديث عن سماحة الإمام الخميني (قدس سره)، لابد من اثارة السؤال التالي:  

 

 

من هم الفلاسفة التربويون والمعلمون الكبار؟

يأتي الجواب على لسان آرنولد غريز، بقوله: ان الفيلسوف التربوي هو من يطرح آراء ونظريات عن الكون والإنسان، وعن العقل والوعي، وعن الارادة، وعن نظرية المعرفة، كما وان لنظرياته وآرائه نتائج وآثاراً تربوية(1).

اما جان شاتو مؤلف كتاب “المعلمون الكبار” فيرى ان لهم آثارهم التي تتألف منها النزعة الإنسانية، وهي آثار تنطوي عادة على اكثر مما تعكسه، وهي عبارة عن اثارات فكرية اكثر من ان تكون نظريات محددة. ويعتقد أنَّ آثار المعلمين الكبار تتفق جميعها على إبداء احترام خاص للجانب الإنساني للتربية والتعليم، الذي لولاه لهبط مستوى التعليم والتربية إلى مجرد تدريب ساذج(2).

اما كرشن شتاينر فيعرّف المعلم الحقيقي بأنه الشخص الذي يخضع لتأثير الحماس والشوق الداخلي الذي يستلزم وجود مشاعر شابّة لا تعرف الهرم. وفضلاً عن قدرته على التعبير عن خالص استعداده لأداء واجبه، تراه تغمره السعادة لما يحرزه الآخرون من تقدّم معنوي ولما يقدّمه من عون في سبيل انتصار القيم الإنسانية الخالدة(3).

ومع احترامنا لآراء هؤلاء العلماء يجب القول ان الفيلسوف التربوي يجب ان يتحلّى بما يلي:

1 ـ رؤية واقعية للكون والإنسان.

2 ـ نظرة شاملة للإنسان قادرة على استيعاب كل آفاق وجوده.

3 ـ تقديم آراء واضحة عن الاهداف والمبادئ والاساليب التربوية.

4 ـ ان لا يكون ثمة تناقض بين آرائه وأقواله وسلوكه.

5 ـ ان يكون هو أول مثال لأفكاره التربوية.

6 ـ ان تفرز تعاليمه اكثر ما يمكن من عطاء تطبيقي في ميدان الحياة العملية.

1 ـ الوجود والكون من وجهة نظر الإمام الخميني:

انطلاقاً من هذه المقدمة نحاول في ما يلي تسليط الاضواء على رؤى الإمام الخميني في الكون والإنسان.

ان الرؤية الكونية لسماحة الإمام والمستقاة بدورها من الرؤية الإسلامية، ذات بعد واسع ورفيع؛ فهو يعقد مقارنة بين سعة وعظمة الوجود وبين ضآلة عالم الطبيعة قائلاً:

“ان الدنيا لا تشكل إلاّ جزءاً ضئيلاً من الكون الذي يتألف من عالم غيبي واسع، بينما تقع الطبيعة في مرتبة دنيا من عالم الوجود”(4).

ويقول في موضع آخر: “ان عوالم الاجسام لا تشكل قدراً محسوساً في مقابل عالم ما وراء الطبيعة؛ اذ توجد هنالك عوالم لا يستوعبها فكر البشر”(5).

اذن عالم الوجود اوسع بكثير من العالم الحسي، وما عالم الوجود اعتباراً من عالم الطبيعة وحتى عالم ما وراء الطبيعة إلاّ انعكاس وتجلٍّ لحقيقة الوجود الأصيلة؛ وبعبارة اخرى يمثل الكون في رؤية الإمام الخميني ـ كما هو الحال لدى اكثر اكابر الفلسفة والعرفان المسلمين ـ هرماً يقع على رأسه واجب الوجود، وكل ما يأتي دونه في المراتب اللاحقة هو موجودات ممكنة الوجود، وهي كلها موجودات فقيرة، بل هي عين الفقر والفاقة(6).

ان هذه النظرة الواسعة لعالم الوجود الذي يصف فيه الدنيا نقلاً عن أستاذه، بأنها وبسبب وقوعها في أدنى مرتبة من مراتب الوجود قد نعتت بأسفل السافلين، لها تأثير بالغ في آفاق التعليم والتربية.

اما المصدر الذي استقى سماحة الإمام الخميني وسائر الاكابر رؤيتهم هذه منه فهو القرآن الكريم وحديث المعصومين سلام اللّه عليهم أجمعين، إلاّ اننا نكتفي هنا بذكر نقطة واحدة من هذه النقاط:

روي عن الإمام السادس أنه قال:

“ما السموات والارض عند الكرسي إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في فلاة”(7).

رؤية الإمام الخميني للإنسان:

اذا كانت رؤية الإمام الخميني والكثير من المفكرين والعلماء والفلاسفة المسلمين إلى الكون أوسع بكثير من رؤية عدد كبير من المفكرين الاروبيين الجدد، ولا سيما اصحاب المذهب الحسي والمذهب التجريبي منهم، فإنّ نظرته للإنسان أيضاً أوسع وأشمل من رؤية أولئك.

اشار الإمام الخميني إلى هذا المعنى في شرحه لدعاء السحر، قائلاً:

“واعلم ان الإنسان هو الكون الجامع لجميع المراتب العينية والمثالية والحسية، منطوٍ فيه العوالم الغيبية والشهودية وما فيها، كما قال اللّه تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها}. وقال مولانا ومولى الموحدين علي (عليه السلام) على ما نقل:

وفيك انطوى العالم الأكبر

 

أتزعم أنك جرم صغير

فهو مع الملك ملك، ومع الملكوت ومع الجبروت جبروت. وروي عنه وعن الصادق (عليه السلام): “اعلم ان الصورة الإنسانية هي اكبر حجج اللّه على خلقه، وهي الكتاب الذي كتبه بيده، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صورة العالمين، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كل غائب، وهي الطريق المستقيم إلى كل خير والصراط الممدود بين الجنّة والنار”(8).

وهنا يلاحظ مدى الفارق بين هذه الرؤية الواسعة للإنسان وبين ما يذهب اليه الكثير من علماء النفس الذين قال عنهم (اريك فروم) انهم نسوا مبدأ التوجه إلى الروح الإنسانية وطرحوا رؤية جديدة للإنسان. ولا بأس هنا بنقل نص قول اريك فروم:

“رغم الشخصيات الاستثنائية من قبيل نيتشه وكيبركه غادر سانت، أهملت العلوم النفسية دراسة روح الانسان في ضوء تقواه وسعادته، وقد اهتم علم النفس المنهجي ـ الذي اتخذ من العلوم الطبيعية والاساليب المختبرية كمعايير ومقاييس له ـ بكل شيء ما عدا الروح، وسعى ايضاً من أجل الكشف عن جوانب الإنسان التي يستطيع دراستها في المختبر، وادعى ان مفاهيم الضمير والقيم والخير والشر مجرد مفاهيم غيبية ومعنوية لا تخضع لدراسة علم النفس الذي اكثر ما يعنى بجوانب غير ذات أهمية، وتنسجم مع اساليب علمية على الظاهر اكثر من ان تهتم بصيغ جديدة لدراسة القضايا الإنسانية المهمة. وهكذا اتخذت الدراسة النفسية طابعاً علمياً يفتقر لموضوعه الاساسي الذي هو روح الإنسان”(9).

وانسياقاً وراء هذه الرؤية الواسعة للإنسان، قال الإمام الخميني:

“انّ الإنسان ليس انساناً ببدنه وحواسه التي نتحسسها؛ وذلك لأنه يستوي هو والحيوانات في هذا المعنى؛ فكلاهما موجود مادي، ويحمل نوعاً من الادراكات ولكن مع وجود تفاوت في الكثرة والقلّة. ان احد ابعاد الإنسان هو عبارة عن هذا الموجود الذي يملك هذه الحواس وهذه الخواص، أمّا أبعاده الأخرى فلم تحظ، أو قلّما حظيت، بالاهتمام والعناية”(10).

وتناول في موضع آخر المراتب والعوالم الإنسانية إلى حدٍّ ما، قائلاً في هذا الصدد:

“انّ للإنسان كياناً شاملاً، وله حسب مراتب النزول والصعود نشآت وعوالم ومقدمات. وعلى هذا الاساس تكون له في كل نشأة وفي كل عالم لغة تناسب ذلك المقام”(11).

واستخلص من كل ذلك انه:

“لا يوجد في العالم كله موجود يضاهي الإنسان، الذي يملك إدراكات وطاقات ومؤهلات تربوية لامتناهية”(12).

يرى الإمام الخميني في نظرته للإنسان ان هذا الموجود لا يملك في بداية ولادته شيئاً بالفعل، وانما أودعت فيه طاقات واستعدادات للسير نحو الكمال. ولا شك في ان لهذه النقطة أهمية فائقة بالنسبة للمعلم وللأساليب التربوية التي ينتهجها. فهو يقول في هذا المعنى:

“تكون النفس في بداية الفطرة خالية من الكمال والجمال والنور والبهجة، كما انها تكون خالية من نقائض هذه الصفات؛ أي كأنها صفحة بيضاء خالية من مطلق النقوش ولا تحمل أيّة كمالات روحية ولا أضدادها، إلا ان نور الاستعداد والقدرة على اكتساب أي مقام مودع فيه، ونفسه مفطورة على الاستقامة وكيانه ممزوج بالانوار الذاتية”(13).

اذا لم ينظر المرء إلى آراء الإمام كلها سوّية، ونظر على سبيل المثال فقط إلى قوله: “أي كأنها صفحة بيضاء خالية من مطلق النقوش ولا تحمل أية كمالات روحية ولا أضدادها” يتصور وكأن الإمام يذهب إلى ما يذهب اليه جون لوك وأضرابه ممن لا يؤمنون بفطرة الإنسان وقدراته الذاتية. بيد ان الاقوال اللاحقة لسماحة الإمام تعكس انه يعتبر الإنسان ذا قدرات واستعدادات لبلوغ المراتب العليا. وهنالك اقوال كثيرة لسماحة الإمام الخميني يسلط فيها الاضواء على طبيعة فطرة الإنسان، نكتفي في ما يلي بذكر بعضها:

“ان فطرة البحث عن خالق لهذا الكون مغروسة في نفوس الناس جميعاً، وحتى الكافر حينما يبحث عن شيء فانّه يبحث من حيث لا يدري عن الكمال المطلق، متوهماً ان ذلك الشيء كمالاً. وكل إنسان حينما يؤدّي عملاً إنما يؤديه ظنّاً منه بأنه خير وينطوي على حسن وكمال؛ حتّى قطاع الطريق يعدّون قطع الطريق وسلب اموال الناس كمالاً، بل وحتى انهم يتفاخرون بعملهم. إذن الجميع يبحثون عن الكمال، والجميع يبحثون عن اللّه”(14).

ويقول ايضاً:

“ان احد انواع الفطرة التي جُبل عليها بنو الإنسان جميعاً هي فطرة حب الكمال، إلا انهم يختلفون في تعريف الكمال وفي أي شيء يكمن. اذن نور الفطرة هو الذي يقود بني الإنسان إلى التوجه إلى كمال لا نقص فيه، وإلى حب الجمال الذي لا نقص فيه، والعلم الذي لا جهل فيه، والقوة أو السلطان الذي لا عجز فيه، والحياة التي لا موت فيها. وخلاصة القول هو ان الكمال المطلق منية جميع أبناء البشرية” (15).

إذا تأملنا قليلاً وحاولنا معرفة مدى تطابق آراء علماء النفس مع آراء الإمام الخميني، يجب علينا إلقاء نظرة على “علم نفس الكمال”، ولعلنا نجد في قول (البورت) تعبيراً من نمط آخر على فطرية نزعة حب الكمال لدى الإنسان، وهو قوله: “ان النجاح يحالف على الدوام الشخص الذي يطمح إلى تحقيق اهداف لا تنجز في نهاية المطاف على نحو كامل”. وقال أيضاً: “كان اموندسن بعد كل اكتشاف يخطط لاكتشاف جديد، وكانت غايته تحقيق اكتشافات جديدة على الدوام، ومادامت بقيت هنالك منطقة غير مكتشفة في العالم يبقى هذا الهدف ماثلاً. ويبدو ان المثل القائل انك كلما كان لديك اكثر كلما طلبت المزيد، يعكس حقيقة نزعة حب الكمال لدى الإنسان”(16).

فضلاً عن ذلك عرض ابراهام مزلو نقاطاً عن طبيعة الشخصية السليمة تنسجم تماماً مع ما طرحه الإمام الخميني من آراء حول الفطرة السليمة للإنسان، ودعا ضمن شرحه لخصائص الإنسان إلى تحقيق النقاط التالية:

الادراك الصحيح للواقع، والقبول العام لطبائع الآخرين، واستنهاض الذات والتعامل الطبيعي مع القضايا الخارجية، وتجربة كل ما هو جديد من شؤون الحياة، وأخيراً التجارب العرفانية أو التجارب التي تقود المرء نحو الكمال. ويقول في ما يخص النقطة الأخيرة: “ان الراغبين في تحقيق ذاتهم تمر بهم احياناً مشاعر جياشة وتلفهم حيرة عميقة ناجمة عن تجارب دينية عميقة يستمدون منها أسباب الكمال. ومن الطبيعي ان السائرين على طريق التكامل يعيشون في متن الحياة اكثر من غيرهم ويتمتعون بمحفزات ذاتية قوية، ولديهم تجارب غنية تمنحهم رؤية مبصرة لذاتهم وللعالم المحيط بهم، وأكثر ما تكون توجهاتهم ذات طابع عرفاني وشاعري وديني”(17).

ألا يعبّر هذا التجدد المتواصل في تجارب الحياة وفي التجارب العرفانية التكاملية عن الميل الإنساني الفطري نحو الرقي والتكامل .

يدلي العلماء والباحثون في علم النفس من امثال اريك فروم وفرويد ويونك وفرانكل وغيرهم بآراء جديرة بالاهتمام في مجال النزعة الإنسانية نحو التكامل(18). إلا ان هنالك فارقاً اساسيّاً بين رأي سماحة الإمام (ره) في موضوع الكمال وبين ما يذهب اليه هؤلاء العلماء، وذلك ان الإمام الخميني يؤمن بأن الكمال الاعلى الذي ينشده الإنسان هو الباري تعالى الذي يتصف بالعلم الكامل والقدرة المطلقة.

ويمكن ايجاز نظرة الإمام الخميني إلى الإنسان بما يلي:

1 ـ إنه موجود لا يضاهيه أي موجود آخر.

2 ـ يملك ادراكات وقدرات لا نهاية لها يمكن تسخيرها في سبيل تربيته.

3 ـ ينطوي على آفاق رحبة لم تسترعِ الاهتمام اللازم.

4 ـ يكون في بداية خلقه مجرداً من كل كمال أو نقص.

5 ـ لديه منذ بداية خلقه قدرة واستعداد على بلوغ أيّ مقام يشاء.

6 ـ لديه نزعة فطرية نحو الكمال، أي الكمال الذي لا نقص فيه، وذلك ما يتجسد في الخالق سبحانه وتعالى.

أهداف التربية والتعليم:

لابد قبل الدخول في صلب هذا الموضوع من تبيين نقطة أساسية وهي ضرورة وأهمية التربية في رأي الإمام الخميني الذي يقول في هذا المجال: “ان الإنسان غير المهذب يحمل من الاضرار والمخاطر على هذه البشرية ما لا يحمله أي شيطان أو حيوان آخر، في حين يجلب عليها الإنسان المهذّب فوائد لا تجلبها عليها الملائكة ولا أي موجود آخر. ان أساس العالم قائم على تربية الإنسان الذي يعتبر خلاصة لجميع الموجودات الاخرى ولجميع العوالم، وإنّما بعث الانبياء لتحويل هذه القدرات الكامنة من القوّة إلى الفعل”(19).

يُلاحظ في ضوء رؤية الإمام الخميني للإنسان ان تربية الإنسان على جانب كبير من الاهمية، بحيث ان ضرر الإنسان غير المهذّب على البشرية يفوق ضرر أي موجود آخر، كما ان نفع الإنسان المهذب للبشرية يفوق نفع الملائكة وسائر الموجودات لها.

لا بأس هنا من نقل قول (لفردريك ماير) لنكون أنا وأمثالي على اطلاع اكبر بضرورة وأهمية التربية ولاستيعاب عمق مغزى كلام سماحة القائد الراحل. يقول (ماير) في هذا المجال: “هنالك ثلاث طرق لحل المشاكل التي يعاني منها العالم، وهي: أولاً: التغيير الفوري للأوضاع الاجتماعية؛ أي ايجاد ثورة في المجتمع. اما الطريق الآخر المتاح لدينا فهو طريق الحرب. وبعد الانتهاء من اثبات عقم الاسلوبين المتقدمين في ضوء التجارب التاريخية، يوصل إلى ان الحل الأمثل لهذه المشكلة يتخلص في التربية التي يجب ان تتم بهدوء وعلى نحو تكاملي مؤثر، وذلك لأن المدينة الفاضلة لا يمكن خلقها آنياً. ان التربية تتطلب المثابرة والحزم، وتلفت اهتمام الإنسان إلى ما لديه من طاقات خلاّقه، والتربية تمثل في الواقع افضل أداة بيد الإنسان من اجل بقائه”(20).

انني على بيّنة من مدى التفاوت العميق بين كلام الإمام الراحل وكلام ماير، إلا انني اوردت كلامه من اجل التنبيه إلى فاعلية التربية من وجهة نظر الآخرين.

الهدف الأسمى للتربية:

“انصبت جهود الانبياء على بناء الإنسان وتقويمه وتحويله من إنسان طبيعي إلى إنسان إلهي”(21).

“اذا صنعتم انساناً: انساناً اميناً، انساناً يؤمن باللّه واليوم الآخرة، اذا وجد مثل هذا الإنسان في جامعاتنا، فهذا الإنسان هو الذي ينقذ البلاد”(22).

“لقد كانت الغاية الاساسية من مبعث الانبياء هي تربية هذا الإنسان المؤهل للتربية، ومن اجل ان يعيش سعيداً في الدنيا وفي الآخرة” (23).

يستشف من الفقرات اعلاه ان الغاية النهائية المنشودة من التربية في رأي الإمام الخميني (قدس سره) هي بناء الإنسان المؤمن بالمبدأ والمعاد؛ الإنسان الذي يعيش سعيداً في الدنيا وفي عالم البرزخ وفي القيامة.

الغايات المبدئية للتربية:

“ليعيدوا جميع شؤون هذا الكون إلى المصدر التوحيدي الإلهي، وكذا كل الحركات الاخرى، سواء كانت في القلب ام في الخيال أم في الجوارح”(24).

وقال في موضع آخر:

“يرمي الإسلام إلى بناء انسان شامل، وتربيته على النحو الذي هو عليه، فبما ان لديه نصيباً من الطبيعية؛ يجب تربيته على نحو طبيعي، وبما ان له نصيباً من البرزخ، يجب اعداده لهذه الغاية، وبما ان لديه جانباً روحيّاً يجب تربيته على النزعة الروحية، وبما ان لديه نصيباً من العقل يجب تربيته تربية ذات طابع عقلي، وبما انه ينطوي على نفحة إلهية يجب تنمية الجانب الالهي فيه…”(25).

تستهدف الاقوال الواردة تسليط الضوء على الغايات التالية:

1 ـ التنمية الطبيعية التي تعني تنمية الجسم والبيئة المحيطة به وتلبية المتطلبات المتعلقة بهما.

2 ـ التنمية العقلية بما تعنيه من تطوير القدرة العقلية.

3 ـ التنمية المعنوية والإلهية، وتربية حركات القلب والفكر في ضوء التعاليم الإلهية.

وعلى الرغم من تأكيد الإمام للتربية الإلهية والتزكية فإنه لا يهمل التربية الاجتماعية والسياسية. وأراد من وراء القول: “يجب على الاساتذة، الذين يتولّون تربية الاطفال، توعيتهم بالقضايا السياسية الجارية. والطفل الذي يتخرج من المدرسة يجب ان يكون ملمّاً بالشؤون الدينية، أي عارفاً بشؤون الصلاة والصوم، وبالجوانب العلمية والسياسية أيضاً ..”(26)، اضافة هدفين إلى الاهداف السالف ذكرها، وهما:

4 ـ التربية العلمية؛ أي تطوير القابليات في مجالات العلوم الحديثة.

5 ـ التربية السياسية والتوعية بشأن القضايا التي تدور حول الطالب.

عمق وسعة اهداف الانبياء:

“ان للأنبياء شأناً معكم حتى وان كنتم في دوركم، والحقيقة هي انهم لا يتبعونكم ولكن حكم اللّه هو الذي يتبعكم. الانبياء يستهدفون تربية الإنسان لكي تستوي لديه التخلية والتجليةپ...” (27).

وهذا الهدف بحد ذاته جدير بالتأمل؛ اذ ليس هنالك من مذهب تربوي يتغلغل إلى هذا الحد في كل جوانب حياة الإنسان، فأيّاً كان الإنسان وأينما كان وعلى أي نحو كان يجب ان يعلم ان عين الناظر عليه رقيبة. واذا ما أصبح الإنسان على هذا النحو واستقى جميع التعاليم التربوية من مصدر واحد يستوي عندئذ سره وعلانيّته، ومثل هذه التربية يتمخض عنها انسان سليم وطاهر وخال من التناقض، وما اقل مثل هذا الإنسان!

أنهي عند هذا الحد دراسة الاهداف التربوية، وإلا فلو ترك العنان للقلم لملأ صفحات كثيرة بآراء الإمام الخميني في هذا المجال.

أصول التربية:

اذا اخذنا كلمة الاصل بمعنى المسار العملي للتربية، نلاحظ ان الإمام الخميني ركز على عدّة اصول، إلا اننا نكتفي هنا بالاشارة إلى واحد منها فقط، وذلك هو:

تقديم التزكية على التربية:

“اذا كانت الغاية الاساسية لأساتذة الجامعات هي إلقاء الدروس فحسب، واذا كان غرضهم التعليم دون التربية؛ أي بدون تربية معنوية، يتخرج من تلك الجامــعات أشخاص مفسدون.

وهكذا الحال أيضاً بالنسبة للحوزات العلمية؛ فالحوزات العلمية اذا لم يكن فيها تهذيب وأخلاق وتربية معنوية، واذا اقتصر عملها على الدراسة العلمية فحسب، يتخرج منها أشخاص يدمّرون العالم...” (28).

“اذا دخل إلى ميدان المعارف الالهية أو إلى ميدان الفلسفة أو إلى ميدان الفقه أو إلى ميدان السياسة أو إلى أي ميدان آخر، اشخاص لم يزكوّا انفسهم ولم يطهروا باطنهم، يكون في وجودهم خطر فادح على البشرية..”(29).

العوامل المؤثرة في التربية و التعليم:

اتضح لنا من قبل ان رؤية الإمام الخميني ـ تبعاً لنظرته الكونية ـ رؤية واسعة وعميقة. ومن جملة ذلك انه يرى العوامل المؤثرة في التربية تبدأ منذ المراحل الاولى لتشكيل النطفة، ويشير ضمن هذا السياق إلى عوامل ما قبل الولادة اضافة إلى عناصر اخرى بعد الولادة، وهذه العوامل والعناصر كلها ذات تأثير في سعادة أو شقاء الإنسان.

ولغرض تسليط الاضواء على آراء الإمام الخميني في هذا المجال، اقدّم للقارئ الكريم في ما يلي خلاصة لمقالة عرضها الاستاذ الدكتور عبدالكريم بي آزار الشيرازي تحت عنوان “التربية والعوامل المؤثرة فيها” والتي انتقاها من كتاب “انوار الهداية” لسماحة الإمام الخميني الذي عرض فيها آراءه في مقابل آراء المرحوم آية اللّه الخراساني مؤلف كتاب “الكفاية” في ما يخص خبث الباطن والشقاء الذاتي والسعادة الذاتية:

قال المرحوم الخراساني في الكفاية: “ان المعصية ـ وان كان الشقي لا يقترفها بإرادته، غير انه يرتكب الذنب بسوء سريرته وخبث باطنه. وحينما يصل الأمر إلى هذا الحد ينتفي الاشكال وينقطع السؤال؛ لأن الاشياء الذاتية ثبوتها ضروري للذات”. وهو يستند في رأيه هذا إلى حديث: “السعيد سعيد في بطن أمّه، والشقي شقي في بطن أمه”، وإلى احاديث اخرى في هذا المجال. إلا ان الإمام الخميني يرى عدم صوابية هذا الرأي، ويقول بعبارة فنية فلسفية: “ان الصفات الفردية لكل فرد والامتيازات التي يملكها انما تصاغ وفقاً لهويته الذاتية وأعراضه الشخصية، باعتبارها علائم لهويته الوجودية البسيطة وليس بحسب الماهية ولوازمها، وليس هو من باب التفاوت الوجودي الذاتي بين الاشياء. وعلى هذا الاساس فان الاختلاف الفردي يأتي كنتيجة لجعل الجاعل وليس انطلاقاً من الذات”. ثم يعزو الفوارق الموجودة بين الناس إلى عوامل ما قبل الولادة وما بعد الولادة ويلخّصها على النحو التالي:

1 ـ عوامل ما قبل الولادة:

أ ـ تأثير العناصر الغذائية في ايجاد الاختلاف بين النطف.

ب ـ وجود فوارق بين اصلاب الآباء.

ج ـ وجود فوارق بين ارحام الامهات.

د ـ مدى حرمة أو حلية أو شبهة طعام الوالدين.

هـ ـ رعاية أو تجاهل التعاليم والآداب الدينية في الجماع.

2 ـ عوامل ما بعد الولادة:

أ ـ الرضاعة وخصائص المرأة المرضعة.

ب ـ طبيعة التربية في ايام الطفولة.

ج ـ طبيعة التربية في فترة البلوغ.

د ـ الاصدقاء والاتراب.

هـ ـ جو المدينة والقرية والبيئة.

و ـ مطالعة العلوم المختلفة.

ز ـ مراعاة الآداب الشرعية في المعيشة(30).

يرى الإمام (قده) ان للأمّ دوراً اساسياً في تربية ايام الطفولة، ويقول في هذا المعنى:

“ان حجر الام اكبر مدرسة يتربى فيها الطفل. وما يسمعه الطفل من الأم غير ما يسمعه من المعلم. والطفل يسمع من الأم افضل مما يسمع من المعلم. وهو يتربى في حجر الأم افضل مما يتربى إلى جوار الأب أو إلى جوار المعلم”(31).

“تحمل الامهات مسؤولية اكبر؛ لأن الأم اشرف، وشرفها أكثر من شرف الأب. كما انها اكثر تأثيراً في نفسية اطفالها من تأثير الأب”(32).

الاساليب التربوية:

في ضوء المقدمات الآنف ذكرها وخاصة في ما يتعلق بالاهداف التربوية التي يعتقد بها الإمام الراحلپ(ره)، ومن جملة ذلك الهدف المثالي في تحويل الإنسان من كيان طبيعي إلى كيان إلهي، ينبغي لنا دراسة الاساليب التربوية التي طرحها هذا المعلم الكبير حسبما تستوعبه هذه المقالة، وليس على نحو التفصيل:

 اسلوب التفكير:

يقول الإمام الخميني (قده): “اعلم ان اول شرط لمجاهدة النفس والسير باتجاه الباري تعالى هو التفكير في هذا السياق؛ يعني ان الإنسان يجب ان يفكر في اليوم والليلة ـ ولو قليلاً ـ ليرى ماذا ينبغي عليه فعله ازاء الباري تعالى الذي خلقه وأنعم عليه بهذه النعم ووفر له أسباب النعيم والراحة وأعطاه بدناً سليماً وأمده بقوى وطاقات لكل واحدة منها منافع تحير العقول، وبسط له بساط النعمة والرحمة، وبعث له الانبياء وأنزل له الكتب والتعاليم ودعاه إلى...

ما هي وظيفتنا إزاء المولى مالك الملوك؟

وهل كل هذه النعم من اجل هذه الحياة الحيوانية وإشباع شهواتنا، أو هناك غاية اخرى من وراء هذه النعم؟” (33).

وقال في موضع آخر:

“اعلم ان للتفكّر فضيلة كبيرة، وهو مفتاح ابواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم. وهو مقدمة لازمة لسلوك الإنسان. وقد أشاد به القرآن الكريم وأثنت عليه الاحاديث الشريفة أعظم الثناء، وشنعت بتاركه...”(34).

اذا اردنا البحث في اهمية التفكر ومدى فضيلته وكيف يكون مفتاحاً لأبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم، وما تأثيراته في التكامل المادي والمعنوي للإنسان، لا نجد المجال يسعفنا لتحقيق هذه الغاية؛ ولكن لابد من التنبيه إلى انه قلّما تجد في عالم اليوم من يشك في أهمية التفكير كأسلوب فاعل في التربية والتعليم، وحتى ان بعض المتخصصين في شؤون التعليم والتربية كتبوا في هذا المجال كتاباً اسمه “التفكير المنطقي في التعليم والتربية” (35). والمثير في هذا الكتاب انه جاء تحت احد عناوينه: “انّ أي صف دراسي قد يكون بؤرة للتفكر”. وجاءت تحت العنوان المذكور قضية يجب ان تحظى بالاهتمام من لدن الواعين لشأن التعليم والتربية والسائرين على طريق الإمامپ(قده) في المدارس والجامعات، وتلك هي ان تنمية التفكير لدى الطلاب يجب ان يكون هو المحور الاساسي لكل النشاطات التربوية.

وفضلاً عن ذلك ينبغي ان نضيف بأن نمط التفكير في الثقافة الإسلامية يختلف عنه لدى العلماء الغربيين من حيث الهدف ومن حيث بعض الاختيارات الاخرى. ولكنهم يتفقون من حيث المبدأ على ان التفكير أسلوب أساسي في التعليم والتربية.

الاستقلالية في التفكير

اضافة إلى ذلك فان الإمام الخميني(ره) كان يعير أهمية بالغة للاستقلالية في التفكير، وقال في هذا المجال: “اننا اذا لم نفهم ذاتنا حق فهمها، وكيف كنّا على مدى التاريخ، وما نحن عليه اليوم، لا يتسنى لنا الاستقلال في تفكيرنا، ومادامت أفكاركم مكبّلة وعاجزة عن الاستقلال لا يمكن لبلدكم ان يستقل. وهذا ما يوجب عليكم السعي للاستقلال فكرياً”(36).

كان ذلك الحكيم يدرك ان أعداءنا قد تغلغلوا حتى في أسلوب تفكيرنا، وروّجوا أساليب التفكير التي يرتضونها هم والتي تصب في مصالحهم، إذ يستشفى من الفقرات الأولى من كلام الإمام انه كان لديه تصور واضح عن اساليب الاستهانة التي عاملنا بها الاجانب، اذ أنكروا تاريخنا الفلسفي والعلمي والثقافي المشرق. وكما ألقوا بأساليب التفكير إلى الشعوب التي لم يكن لها تاريخ مشرق، يحاولون إلقاء هذه الاساليب إلينا ايضاً؛ بيد أننا يجب ان يكون لدينا استقلالنا الفكري، ويجب ان نعود إلى كنزنا التاريخي الثمين لندرك كيف كنّا، ولنقارن بين حاضرنا وماضينا لنعرف حقيقة ما نحن عليه، ولكي نستطيع من خلال استقلالنا الفكري، والاستناد إلى فكرنا الذاتي، ان نمنح بلدنا الاستقلال.

2 ـ اسلوب التوعية:

من جملة الاساليب التربوية توعية الناس إزاء الاحداث والقضايا. ومن الطبيعي ان التوعية بالحقائق لا تكفي لوحدها في سبيل إيجاد حركة تربوية وتكاملية، غير ان جذور بعض ممارساتنا المغلوطة، نحن بني الإنسان، ناجمة عن عدم وعينا. نقل أحد اصحاب الإمام انه حينما كان في النجف قال بين جماعة من الاصدقاء: “من هي الفئة المنتصرة، ومن هي المنهرمة؟ ان كل من يريد ان يمارس عملاً سياسياً بحتاً لا يتعداه إلى غيره، لن يكتب له النصر. وهذه التجربة لمسناها عملياً في إيران حيث شاهدنا ان بعض أكابر الساسة الذين اقتصرت ممارستهم على العمل السياسي وحده أزيحوا بعد الانتصار عن ميدان السياسة وصارت أسماؤهم قيد النسيان. وهذه هي نتيجة العمل السياسي البحت، إلاّ ان السياسة والاعمال السياسية اذا اصطبغت بصبغة الدين واتخذت طابعاً إلهياً، وصارت سياسية دينية، تكون هذه الاعمال السياسية حينئذ أعمالاً خالدة، لأنها تعكس إرادة اللّه، ولأن أحد طرفيها مرتبط باللّه”(37).

وقال سماحته في حشد من الاطباء: “.. كل ما للّه فهو خالد ودائم، وكل ما هو للطبيعة وللمادة فهو زائل .. وعليكم انتم الاطباء الالتفات إلى ان لا تكون غاياتكم مادية، وانّما يجب ان تكون غايات إلهية...”(38).

كثيراً ما يُشاهد هذا النوع من التوعية والحث على العمل في سبيل اللّه في الآثار التحريرية والشفوية لهذا الرجل العظيم؛ وهذه النزعة نحو اضفاء صبغة إلهية على الاعمال والممارسات هي التي دفعت كل هذه الاعداد من الشباب والشيوخ إلى الالتحاق بركب الثورة، وهي التي أدت خلال ثماني سنوات من الدفاع المقدس إلى تسطير الملاحم، ولازال لها تأثيرها حتى يومنا هذا في عدد لا يستهان به من أبناء الشعب.

هناك نوع آخر من التوعية كان سماحة الإمام يركز عليه، وهو نابع من النصوص، وذلك هو وجوب محاربة العدو الداخلي للإنسان، اذ يقول في هذا المعنى:

“اعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك. وهي اشد على الإنسان خطراً من سائر الاعداء؛ وذلك لأن اكثر ما يستطيع الاعداء الخارجيون للإنسان فعله هو قتله أو تعذيبه، اما النفس الأمّارة التي بين جنبي الإنسان فلديها القدرة ـ فضلاً عن قتله ـ على قتل الروح الإنسانية فيه، في حين لو اجتمع العالم كله على قتل انسانية الإنسان وتغيير ذاته والقضاء على ما لديه، لما استطاع...”(39).

3 ـ اسلوب إثارة العواطف:

لقد سخّر الإمام الخميني العواطف الدينية والوطنية لأبناء الشعب في اتجاه تربيتهم فردياً واجتماعياً وفي سبيل مصالح أبناء الشعب أنفسهم، فمثلاً قال: “هذه الطبقة المحترمة من النساء في جنوب طهران وفي مدينة قم وفي سائر المدن يُعتبرون مظهراً للعفاف، وقد كان لهن دور ريادي في النهضة، وكان لهن دور ريادي أيضاً في بذل الاموال”(40).

كما انه استفاد من المشاعر العاطفية لدى الآخرين وأثار عواطفهم في سبيل تربيتهم. وقد نقل أحد اصحاب الإمام أثناء لقاء أجري معه: “ان الإمام الخميني أصدر ليلة ولادة السيد المسيح بياناً لمسيحيي العالم بثته وكالات الانباء، وأمرنا بتقسيم الهدايا التي جُلبت الينا من إيران بين اهالي نوفل لوشاتو. وقد وزعنا تلك الهدايا هناك وقدمنا لهم مع كل هدية وردة. ولازلت أتذكر انني حينما اخذت الهدية إلى احدى الدور فتحت الباب امرأة، وعندما قدمتُ لها الهدية ثارت عواطفها وانهمرت الدموع من عينيها”(41).

وأضاف هذا الشخص يقول: ان احد افراد شرطة السافاك اقدم ذات يوم على صفع مواطن فرنسي لغرض الايحاء إلى الحكومة الفرنسية وكأن مجيء الإمام الخميني إلى حي نوفل لوشاتو قد اثار الفوضى فيه، إلاّ ان المواطن الفرنسي لم يقدّم دعوى ضده؛ لأنه فهم الغرض الذي كان يرمي اليه.

4 ـ اسلوب الاعتبار:

أحد الاساليب التي يمكن ان تستتبع اسلوب التفكير والتوعية هو اسلوب استقاء العبر، اذ كان سماحة الإمام الخميني يركز على استقاء العبر من الاحداث التاريخية على وجه الخصوص. ومن جملة ما ورد من أقواله في هذا المعنى هو قوله: “اننا يجب ان نعتبر من التاريخ؛ فنحن في ذلك الوقت كانت لدينا دولة قوية كالدولة العثمانية، كانت تتحدى روسيا واليابان أو تنتصر عليهما أحياناً، ولكن حينما تسلط علينا الأعداء قسّموا تلك الدولة المترامية الاطراف إلى أقطار صغيرة، وسلموا كل قطر إلى أحد عملائهم، وزرعوا فيما بينهم الفرقة. وهذا ما أدّى بطبيعة الحال إلى إضعاف المسلمين وسيادة المستعمرين علينا. ونحن يجب علينا استقاء العبر من هذه الاحداث، ويجب على دولنا وحكوماتنا ان تعتبر بهذه المعاني وبهذه القضايا التاريخية، وان تنهي الاختلافات الموجودة في ما بينها؛ إذ ان هذه الدول لو اجتمعت سوية لنجمت عنها قوّة لا تضاهيها أيّة قوّة أخرى في العالم، ولكن بشرط توفر الإيمان الكامل...”(42).

“يجب علينا استقاء العبر من هذه القضايا التاريخية، وينبغي ان لا يكون بالنحو الذي يعود علينا بالضرر. اعلموا ايّها الاخوة ان جميع أبناء الشعب معكم، فان عاملتموهم بالحسنى فهو لكم، وان أسأتم لهم ـ لا سمح اللّه ـ فالضرر يعود عليكم، واعلموا ان الضرر الذي يلحق بالظالم من جرّاء ظلمه أكثر من الظلم الذي يلحق بالمظلوم”(43).

أكثر ما كان الإمام يعني بهذا الاسلوب في سبيل تربية الشعب سياسياً وحثهم على الوحدة وتجنّب الاختلاف، ومن أجل تحسين سيرة الساسة مع أبناء الشعب.

5 ـ أسلوب التشجيع والتكريم:

دأب الإمام (ره) على تكريم الشعب وتشجيع بعض فئاته من أجل محو مشاعر الحقارة التي لصقت بهم لبضع مئات من السنين، ولبعث مشاعر العزّة فيهم، ولغرض تربيتهم وإعدادهم لمهامّ كبرى. ويمكن الاستشهاد بأقواله أدناه للدلالة على هذا التوجّه:

“المهم هو ان يدرك الإيرانيون انهم اكفاء على العكس من الايحاءات التي كانت تؤكد في ما مضى عدم قدرة الإيرانيين وانهم يجب ان يستوردوا كل شيء من الخارج؛ من اوربا، ومن امريكا. ان ابناء الشعب الإيراني لا يقلون كفاءة عن باقي الشعوب، بل انهم افضل من الكثير من الشعوب…”(44).

“الشعب الإيراني شعب نبيل ولا نظير له في أي مكان آخر. يخطر على ذهني أحياناً لو انني دخلت النار ـپأقصد نفسي طبعاً ـ ويدخل الجنة من عمل شيئاً لأجلي بتصور أنني صالح، ماذا سيكون يومئذ جوابي؟ أبناء هذا الشعب طيبون. وهذا ما يوجب عليكم الحفاظ على علاقتكم بأبناء هذا الشعب الطيب”(45).

“المرأة انسان، انسان عظيم. المرأة هي معلم المجتمع، وسعادة وشقاء الشعوب رهينة بوجود المرأة. لقد اثبتّن، أيتها النسوة، انكن في الصفوف الاولى، وبرهنتنّ على انكن متقدّمات على الرجال. سجون الشاه مليئة بالنساء الجريئات. والتجمعات السياسية التي تقيمها النساء في مختلف المدن الإيرانية ليست قليلة. يجب علينا ان نشكر النساء اللواتي كان لهن في هذه النهضة قدم راسخ وقدّمن خدمة كبرى لهذا الشعب. فحينما نزلت النساء إلى الشوارع وأخذن يرددن الهتافات كان ذلك تشجيعاً للرجال ومضاعفة لقدراتهم”پ(46).

“أجد الكلام قاصراً عن أداء ما تستحقونه من الثناء عليكم أيها الاخوة وأيتها الوجوه النيّرة المتأهبة للشهادة. لقد رفعتم رؤوس ابناء هذا الشعب. اننا نفخر بكم...”(47).

“اننا مكلّفون بتشجيع الناس من اية شريحة كانوا لكي يكثر امثالهم”(48).

“هذه الثورة ثورتكم، بل ويجب ان اقول ان للصغار فيها حصّة اكبر؛ فرغم ضعفهم وصغر سنهم لكنهم شاركوا في هذه الثورة وساروا بها قدماً إلى جانب الكبار …”(49).

يلاحظ هنا ان الإمام الخميني، إلى جانب ثنائه على الشعب عامّة واعتباره افضل من الاقوام والشعوب التي عاصرت الانبياء وحتى افضل من الأمة التي عاصرت نبينا الكريم، كان يثني بنحو خاص على شرائح معينة من ابناء الشعب. ولم ينسَ دور الاطفال في انتصار الحركة الإسلامية الشعبية، بل اشاد بهم وبدورهم.

6 ـ اسلوب التكرار والتلقين:

احد الاساليب المستخدمة في التعليم والتربية هو اسلوب تكرار المطلب الذي نهدف إلى ترسيخه في الاذهان. وكل من يريد اتقان موضوع أو فن معين يجب عليه تكراره بما يتناسب وقوة ذاكرته. وقد كان امام الأمة على بيّنة من أهمية التكرار، ويتضح ذلك من خلال قوله في هذا المجال:

“تعلمون ان القرآن كتاب اعجازي، ولكنه مع ذلك يضم بي دفتيه تكراراً لقضايا كثيرة. وذلك لأن القرآن انما جاء لرفع مستوى الناس ولبناء الإنسان. والقضايا التي يراد منها بناء الإنسان لا يمكن طرحها مرّة واحدة وتجاوزها، وانما يجب تلقينها وتكرارها على أسماعه. واذا أردتم تربية طفل، يجب ان تكرروا عليه القضية الواحدة مرّات عديدة وبأساليب وصيغ مختلفة؛ الموضوع واحد إلا ان اساليب بيانه مختلفة”(50).

نبّه الإمام الخميني احياناً إلى أهمية التلقين قائلاً: “يجب ان نلقن انفسنا بأنفسنا بأننا مستقلون، ويجب ان نكون مستقلين ولا نمد أيدينا إلى الآخرين... بنيّ.. حبّذا لو تلقّن نفسك وتخلق الثقة بذاتك، فكم من ثناء المداحين ما يوقع الإنسان في الهلكة ويبعده عن تهذيب النفس .. لا يتبادر إلى ذهنك على الاطلاق انك لا تستطيع، بل فكّر على الدوام انك قادر”پ(51).

وكان (قده) في احيان اخرى يلقن الناس ويوحي اليهم أنه: “وعلى كل الاحوال أود ان اعرض على اسماعكم ان تكونوا شجعاناً وان تواجهوا الشدائد برباطة جأش، ولا تدعوا اليأس يتسرب إلى نفوسكم. أيّها الشعب العزيز كن قوياً صامداً فانّ اللّه معك” (52).

لسماحة الإمام الخميني اقوال كثيرة يحث فيها الشعب على الإيمان والاتكال على اللّه، ويغرس في نفسه الأمل والشجاعة والثبات واستقلال الرأي والاستقلال الاقتصادي والصناعي، عسى ان يرسخ هذا التلقين في نفوس ابناء الشعب على الدوام.

7 ـ اسلوب الاستفادة من العدو:

نحن بنو الإنسان لسنا غير مستعدين ـ باستثناء عدد قليل منّا ـ لأخذ الدروس من اعدائنا فحسب، بل نفكر غالباً بالانتقام منهم. غير ان قائدنا العزيز يعتبر الاستفادة من العدو واحداًً من الاساليب التربوية المفيدة ويقول: “ان الإنسان لا يستطيع ان يفهم ما هو عليه ايضاً. لذا ينبغي الذهاب إلى عدوّه ليستكشف رأيه فيه لكي يكون على بيّنة من عيوب نفسه؛ لأن المرء غير قادر على التعلم من اصدقائه، لهذا يفترض به التعلّم من اعدائه. وحينما يتحدث المرء يجب ان يرى ماذا يقول اعداؤه، ويفكر في أن الاعداء يعرفون معايبه”(53).

لعل كلام الإمام الراحل هذا منطلق من قول رسول اللّه (ص): “حبّك الشيء يعمي ويصم”. فالأصدقاء ـ وبسبب محبتهم لنا ـ اما انهم لا يرون عيوبنا، أو انهم يرونها اقل مما هي عليه. ولكن العدو بما انه ينظر الينا بعين النقد، فهو قادر على تقديم خدمة كبيرة لنا على طريق تكاملنا وتربيتنا. وياليتنا نعمل بهذه التوصية ونفكر في العيوب التي يراها فينا الاعداء بل وحتّى الاصدقاء المقرّبين منا ونعمل جاهدين في سبيل التخلّص منها. ولو كنا قد عملنا بذلك لكان وضعنا اليوم افضل مما هو عليه.

8 ـ اسلوب الرقابة والمحاسبة:

خاطب سماحة الإمام (قده) نجله في الكتاب المسمّى بـ “نقطة عطف” على الصفحتين (17 ـ 18) بالقول: “عليك ان تسعى في سبيل النجاح في الخطوة الاولى؛ وذلك لأن النجاح في ايام الشباب اسهل وأجدى. ولا تكن كأبيك الذي دخل في سن الشيخوخة وظل يراوح مكانه أو يتراجع احياناً إلى الوراء، وهذا العمل يستلزم مراقبة ومحاسبة”.

وورد في كتاب “الاربعون حديثاً” فصل تحت عنوان: “المشارطة والمراقبة والمحاسبة”؛ نشير في ما يلي إلى بضع نقاط منه:

“ من جملة الامور اللازمة لمجاهدة النفس المشارطة والمراقبة والمحاسبة. والمشارطة هي ان يشترط على نفسه منذ بداية اليوم مثلاً عدم الاتيان بما يتعارض وأوامر اللّه تعالى. وبعد المشارطة يدخل في المراقبة. والمراقبة معناها ان يبقى في حالة حذر ورقابة تامّة على ذاته طوال مرحلة الشرط، ويبقى على هذا الوضع حتّى الليل، حيث يحين عند ذاك وقت المحاسبة التي تعني ان يحاسب الانسان ذاته ليرى هل وفى لربّه بما اشترط على نفسه، أو انه خان وليّ نعمته في هذه المعاملة الجزئية؟”.

وفي ضوء الهدف التربوي الذي يطمح الإسلام لتحقيقه في تحويل الإنسان الطبيعي إلى إنسان إلهي، ينبغي استثمار هذا الاسلوب على نحو دقيق؛ اعني اسلوب المشارطة والمراقبة والمحاسبة. بخاصة وان الإمام يؤكد في هذا الموضع وفي مواضيع كثيرة اخرى ان الشباب يجب ان يبدأوا منذ الوقت الذي يسهل فيه مثل هذا العمل. ولو ان جميع المعلمين والاساتذة في البلد أو اكثرهم تمسكوا بهذا المنهج التربوي ودربوا عليه جموع الطلبة والتلاميذ لحُلّت الكثير من مشاكلنا خلال فترة قصيرة.

9 ـ اسلوب النصيحة:

لابد من التنبيه قبل الدخول في صلب هذا الموضوع، إلى ان الكثير من الكتّاب المتأثرين بالشرق أو الغرب دأبوا خلال العقود الاخيرة على التصريح بأنّ النصيحة لا جدوى منها، ولهذا ينبغي عدم تقديم النصح لأحد. وقد ترك هذا التكرار الدائم لمقولة عدم جودى النصيحة اثره حتى في عموم الجماهير. ويكفي للرد على أقاويل أمثال هؤلاء الكتّاب في ما يخص النصيحة، ان نشير إلى مدى التأثير الذي تركته نصائح الإمام الخميني في الناس وخاصة خلال السنوات الاولى للثورة وعلى امتداد فترة الدفاع المقدس. ثم ننظر إلى ما خلفته نصائحه من تأثير في أبناء الشعب عموماً ومدى التحرك الذي احدثته تلك النصائح في اوساط الشعب.

اننا طبعاً لا ننكر عدم جدوى بعض النصائح، ولكن ينبغي لنا النظر إلى اسباب انعدام جدواها. ان ما لمسناه خلال هذه المدّة هو ان الناصح اذا كان هو اولاً وقبل كل شيء عاملاً بنصيحته، يقدّم النصح للآخرين من منطلقات خيّرة وينتهج النمط الصحيح قي تقديم النصح لغيره فلابد وان يكون لنصيحته اثرها. وانطلاقاً من هذه الرؤية قدّم الإمام الخميني نصائحه للناس كما يلاحظ في الفقرات التالية:

“ان النصيحة من الواجبات، ولعل في تركها ذنب يدخل في عداد الكبائر. ويجب على العلماء تقديم النصح إلى الجميع؛ ابتداء ًمن الشاه وانتهاءً بأصغر الموظفين في الدولة. وارشاد الناس أمر راجح حتى وان كانوا صالحين، اذ ان اللّه تبارك وتعالى نصح الرسول وأمره بالتقوى”(54).

وردّ بكل صفاء على رسالة كتبها اليه الاطفال، قائلاً:

“ياحبّذا لو كتبتم لي النصيحة التي كانت تدور في خلدكم؛ فنحن كلنا بحاجة إلى النصيحة. نصيحتكم ايها الاعزاء خالية من المآرب ونابعة من نوايا صادقة. وأنا بصفتي أب هرم انصحكم ايها الاعزاء بالمثابرة على الدراسة واكتساب العلوم والتحلي بالاخلاق الجميلة والعمل النبيل”(55).

10 ـ أسلوب الاقتداء :

احد الاساليب التي استفاد منها بنو آدم في التربية على امتداد حياتهم هو اسلوب القدوة والاقتداء. اذ كان تقديم النموذج التربوي الأمثل، سواء في التفاصيل الجزئية ام في الشؤون ذات الطابع العام، من جملة الاساليب التي اتبعها الإنسان في التربية. حيث جعلنا سلوك بعض الاشخاص درساً لنا وحاولنا الاقتداء بهم أو حث الآخرين على ذلك. وما ورد في العرفان والاخلاق من مباحث مبسوطة تحت عنون “الإنسان الكامل “ إنما يعكس سعي البشرية لتقديم نموذج انساني كامل. وللإمام الخميني اقوال كثيرة في ما يخص اتخاذ الإنسان القدوة ـ دون معلم ـ لغرض ايجاد التأثير التربوي المطلوب في الآخرين، نكتفي هاهنا بعرض مثالين منها فحسب:

“عليكم اصلاح انفسكم وتهذيبها اولاً. طبقوا التعاليم الإسلامية التي جاءت أساساً لبناء الإنسان، ثم عليكم من بعد ذلك تربية الشباب والاطفال”(56).

وقال في موضع آخر: “كل اصلاح يبدأ أولاً من الإنسان ذاته. واذا لم يحصل الإنسان على التربية المطلوبة لا يتسنى له تربية غيره. وهذا ما يفرض على كل واحد منا البدء بإصلاح نفسه وعدم الاكتفاء بصلاح الظاهر، بل يجب علينا ان نبدأ عملية الاصلاح من قلوبنا وأفكارنا، وان يكون طموحنا هو ان يغدو يومنا خيراً من أمسنا”(57).

وحصيلة هاتين الفقرتين هي ان تربية الذات وجعلها قدوة للآخرين مرجّحة على تربية الآخرين؛ اذ كيف يمكن لمن لم يهذب نفسه تهذيب غيره؟!

اتضح إلى هنا في ضوء ما عرضناه من معايير للفيلسوف التربوي، ان الإمام الخميني(ره) له آراؤه في ما يخص الإنسان والكون وآفاق الإنسان والاهداف والمبادئ والاساليب التربوية. وبعد هذا نكون قد وصلنا إلى النقطة الرابعة التي نركز فيها على:

4 ـ عدم وجود تناقض بين أفكار وأقوال وأفعال الإمام (ره):

أشير ابتداءً إلى انه قلّما تجد بين المفكرين اشخاصاً لا يوجد ثمة تناقض بين افكارهم طوال فترة حياتهم، أو يوجد هناك اتساق كامل بين اقوالهم وافعالهم. وهذا التناقض بين الفكر والعمل غالباً ما يكون سبباً لتقليل تأثير التوجيهات التربوية للبعض منهم.

وقد كان الإمام الخميني (قده) وبسبب استناده إلى المبادئ الإلهية الإسلامية من جملة الرجال الذين لم يرد أي تناقض بين افكارهم واقوالهم وافعالهم. فهو كان ينظر ليس منذ الايام الاولى لنهضته فحسب، بل منذ بداية حركته الفكرية إلى اية ظاهرة أو اي تغيير في الوجود على انه من اللّه تبارك وتعالى، ولم يحصل أي تزلزل في معتقده حتى الايام الاخيرة من حياته.

بدأ آية اللّه الخميني (ره) كتابه “كشف الاسرار” بالآية الشريفة: {قل انما أعظكم بواحدة ان تقوموا للّه مثنى وفرادى ثم تتفكروا في خلق السموات والارض}، بقي طوال سنوات الثورة يردد هذه الآية على اسماع الناس داعياً إيّاهم إلى القيام والحركة للّه وفي سبيل اللّه. وقد دأب منذ ان كان شاباً غير معروف خارج اطار الحوزة العلمية بقم، على حث الناس على تهذيب انفسهم، ولم يكف عن هذا الهدف التربوي السامي حتّى آخر حياته. وعلى الرغم مما اثبته من اقتدار في قيادته السياسية لأكبر ثورة في القرن العشرين وما احدثته من تغييرات في معادلات العالم السياسية؛ إلا انه ومع كل ذلك لم يزعم لنفسه أي دور فيها، منطلقاً في رؤيته هذه من نظرة واقعية، وليس من باب التواضع العادي، وكان يقول ان هذه الثورة ليست من صنع شخص ولا هي من صنع الشعب، وإنّما هي الارادة الإلهية تجلّت على هذا النحو. وهذه نقطة التفت اليها حتّى من يعيش خارج إيران الإسلامية.

اكد سماحته مرات عديدة بكل صدق ان الكثير من قراراته لم تأت عن تفكير أو تخطيط مسبق، وانما كانت الثقة بالقدرة الإلهية، فكان يتخذ قراراته وفقاً لما يرى فيه الصلاح. وظل من بعد الثورة يتابع السير باتجاه ذات الاهداف وفي ضوء ذات المبادئ والاساليب التي كان ينتهجها من قبل تسنمه السلطة السياسية.

طرح احد الاكابر في احد الاجتماعات نقطة مثيرة تعبّر عن مدى الانسجام فيما بين افكار سماحة الإمام التربوية وسلوكه حين قال: ان إمام الأمة لم يكن سائقاً وانما كان قائداً. وتابع موضحاً بالقول: ان بعض القادة يجعل من نفسه سائقاً يسوق الشعب باتجاه هدف معيّن، في حين كان سماحته قائداً؛ أي انه كان يصل أولاً إلى نقطة أو هدف معين ثم يدعو الناس إلى التحرك واللحاق به(58).

 نعم، لقد دعا ربّه مرات عديدة بما ورد عن مولاه أمير المؤمنين (ع) في دعاء كميل أن أعماله وأوراده كلها ورداً واحداً.

5 ـ ان يكون المعلم والفيلسوف التربوي هو اول مثال عملي لأفكاره التربوية؛ حيث كنّا قد ذكرنا بأنّ احد المعايير في تحديد ماهية المعلم الكبير هو ان يكون علمه انعكاساً لفكره ولنظامه التربوي الذي يزعمه، فحينما يضع المفكر اهدافاً لتربية الناس ويرسم صيغاً وأساليب لتحقيقها فلابد وانه يعتبرها حقّاً، ولهذا فهو يدعو الناس اليها. وفي مثل هذه الحالة يجوز للناس مساءلته لماذا لم يطبق هذه الغايات والاهداف على ذاته؟ ولماذا لم يزيّن نفسه بالكمال الذي يطمح إلى تحقيقه؟

لعله لو أريت دراسة معمقة في هذا الخصوص لوجد ان القليل من المعلمين الاكابر جعلوا من أنفسهم مثالاً عملياً لأفكارهم التربوية، وليس في كل الابعاد طبعاً وانما في بعض الجوانب. نحاول في ما يلي اعادة عرض اهداف الإمام الخميني(ره) على نحو الاجمال لنرى انه جعل من نفسه اول مثال لتلك الاهداف.

الهدف المثالي الاسمى في رأي مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو الاعتقاد بالمبدأ والمعاد وبناء الإنسان الملتزم الامين، أو كما عبّر هو عن ذلك بتحويل الإنسان الطبيعي إلى إنسان إلهي. وفي ضوء ما مر علينا في البحوث السابقة وخاصة في المبحث الاخير، هل يوجد ثمة رجل ـ في عصرنا ـ له بصيرة إلهية اسمى مما كان يتحلى به الإمام الخميني، و له عمل خالص في سبيل اللّه؟!

الهدف الآخر من التربية في رأيه هو التنمية الشاملة للإنسان وبناء الإنسان المثالي في جميع الجوانب الطبيعية والعقلية والمعنوية والقلبية. اما من حيث الجانب الطبيعي والاهتمام بسلامة الجسم، فقد حرص سماحته على التمسك بجميع التعاليم الصحية التي امر بها الإسلام، وفضلاًَ عن ذلك دأب حتى آخر حياته على ممارسة رياضة المشي في ساعة معيّنة من كل يوم. اما على الصعيد العقلي فيكفي القاء نظرة سريعة على ما تركه هذا الفيلسوف الإلهي من آثار حكيمة من امثال تعليقاته على كتاب الأسافر الاربعة لصدر المتألهين الشيرازي، واضافة إلى ذلك كان سماحته قد بدأ بتدريس كتب الفلسفة وهو في سن السابعة والعشرين من عمره.

وفضلاً عمّا سبق ذكره يمكن الاستشهاد بما اتخذه من مواقف حكيمة منذ بداية انطلاق الثورة الإسلامية وبما ألحقه بأمريكا من هزيمة (وكما عبّر عن ذلك ترنر بقوله: اننا لم نكن نتوقع ذلك من رجل يعيش في المنفى وهو في التاسعة والسبعين من عمره) ومواصلة التحرك إلى الحد الذي دفع بكاتب في مجلة شتيرن إلى القول (يجب النظر اليه كأستاذ يمارس التكتيك وينتهج منهجاً محسوباً في السيطرة على المسلمين وتوجيههم)، إلى جانب تدوين تلك الوصية السياسية الإلهية التي رسم فيها الخطوط العريضة لمرحلة ما بعد حياته، يمكن الاستشهاد بتلك المواقف على سعة عقلية سماحته.

اما في الجانب الروحي والمعنوي فان ما تركه الإمام الراحل من آثار عرفانية مثل سر الصلاة، وآداب الصلاة، وتعليقه على شرح فصوص الحكم، ومصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ورسالة لقاء اللّه، وديوان الاشعار، وما شابه ذلك، يعكس قدراته الهائلة في هذا المجال.

ويتضح من الجانب العملي في نموه المعنوي ان خطاباته زاخرة بروح التوحيد ونسبة كل ما في الوجود إلى الباري تبارك وتعالى. ومن اهدافه التربوية الاخرى هو التربية العلمية والسياسية؛ ففي الجانب العلمي يجب القاء نظرة اجمالية على سرد كتاباته وآثاره، فضلاً عمّا أتينا على ذكره من كتب ومؤلفات(59).

وبخصوص نضوجه السياسي فيمكن القول ان ما هو بارز للعيان لا يحتاج إلى البرهان، وفضلاً عن كل ذلك، كونه مثالاً في الاخلاق وتهذيب النفس؛ اذ قلّما تجد شخصاً يحرص كحرصه على رعاية ادق الجوانب الاخلاقية وحب الآخرين وإرادة الخير (حتى لأعدائه).

  

6 ـ المعيار الاخير لقياس مدى عظمة الفيلسوف والمربي الكبير يتجسد في ما حققته تعاليمه من نتائج عملية في المجتمع، وأعتقد انه لا توجد هنالك ثمة ضرورة لشرح النتائج العملية لآراء الإمام (قده) التربوية في مجتمعنا، لأننا على معرفة بمدى ما أوجدته من حالات تعبّد وأخلاق ورجولة لدى الاكثرية العظمى من ابناء شعبنا وخاصة لدى الشباب، وأكثر ما لوحظ ذلك اثناء سنوات الدفاع المقدس.

ولبيان التأثير التربوي والمعنوي لهذا الرجل الربّاني على الآخرين، نأتي في ما يلي على ذكر بعض الامثلة على سبيل الاستشهاد لا الحصر لأنها لا تشكل إلاّ غيضاً من فيض؛ فقد ذكرت صحيفة كازاته التركية: “لقد اعطى الإمام الخميني للعالم دروساً كثيرة؛ فهو علّم شعوب العالم الثورة، وعلّمها دروساً في العزّة والشرف والوقوف بوجه الكفار، وعلّم المؤمنين التصدي للظلم ولأعداء الإسلام المزودين بأفتك الاسلحة، وأخيراً وليس آخراً كان الخميني معلماً كبيراً للشهادة...”(60).

ويقول الاسقف كابودتشي: “قلوب كل الاحرار والمحرومين والمستضعفين في العالم تنبض باسم الإمام الخميني؛ فهو ليس لإيران وحدها، بل يعتبره كل محرومي العالم من المسلمين وغير المسلمين، منقذاً لهم”(61).

وقد بيّن الدكتور فتحي الشقاقي في المقاطع التالية التي اقتطفناها من كلامه مدى التأثير التربوي الذي تركه سماحة الإمام الخميني في الشعب الفلسطيني، حين قال:”ايها الشعب الإيراني الشريف المفجوع، لقد كانت مصيبة رحيل الإمام الخميني اكبر وأشد علينا، نحن ابناء الشعب الفلسطيني، من المصيبة التي حلّت بكم وبجميع المسلمين؛ فنحن قد فقدنا في هذه الفاجعة الكبرى أبانا وقائدنا ومرشدنا، ومن أحيا الإسلام وأعاد للمسلمين شخصيتهم الحقيقية…”(62).

وقال هزي برشت القائم بالاعمال الامريكية السابق في طهران:

“آية اللّه الخميني من كبار رجال التاريخ في هذا القرن، وقلّما تجد اليوم في إيران بل وفي العالم كلّه من يضاهيه بقوة التأثير والجاذبيةپ...”(63).

هنالك تعابير كثيرة من هذا النوع تعكس بأجمعها مدى التأثير الروحي والمعنوي والتربوي لهذه الشخصية الفذة. ومن ذا الذي لا يعلم ان الصحوة الإسلامية للشعوب في شمال افريقيا والشرق الاوسط وجنوب شرقي آسيا وآسيا وحتى امريكا اللاتينية انما جاء بفضل تعاليم هذا القائد والمعلم الكبير!

وهنالك نقطتان لابد من الاشارة اليهما في ختام هذا البحث وهما:

أولاً: نقلنا في بداية البحث جملة عن جان شاتو يتحدث فيها عن المعلمين الكبار الذين خلفوا وراءهم آثاراً تشكل بمجموعها النزعة ذات الاتجاه الإنساني.

ولابد لنا من الاشارة ـ بدون الخوض في البحث الفلسفي للمذهب الإنساني ونقده ـ إلى ان المراد، وكما صرّح هو بذلك لاحقاً، هو الاهتمام بالجانب الإنساني للتعليم والتربية بدون الهبوط بهما إلى مستوى التدريب الحرفي.

لنلاحظ هنا كيف عالج الإمام الخميني(ره) هذه النقطة. لنقرأ معاً قوله في هذا لمجال: “لقد جاء الانبياء لانتشال الإنسان من الرذائل ومن الطباع الحيوانية وإيصاله إلى الخصال والاخلاق الإنسانية”.

“التغيير الآخر الاكثر رقّة وسموّاً هو التغيير الإنساني الذي طرأ على خريجي الجامعات وحملة الشهادات العليا ودفع بهم إلى التوجه إلى البراري ومساعدة الفلاحين في حصاد الحنطة. وهذا طبعاً تغيير لطيف حصل في إيران”(64).

“ان الثورة الروحية افضل من الثورة التي حطمتم بها هذا الحاجز. فأنتم قدمتم من اوربا لمناصرة هذا الشعب. وهذه ثورة روحية كبرى لم يكن الباعث عليها إلا اللّه تبارك وتعالى”(65).

يشير الإمام الخميني (ره)، في هذه الجمل وفي جمل اخرى اعرضنا عن ذكرها تجنّباً للاطالة، إلى التغيير الإنساني والتحّول الروحي اللطيف والخاص، وهو التغيير والتحوّل الذي يبعد عملية التعليم والتربية عن التدني إلى مجرد عملية تدريب حرفي، ويضفي عليها طابعاً إنسانياً. وفي ضوء هذه الاشارة التي يعرضها جان شاتو، يمكننا اعتبار الإمام الراحل (ره) معلماً كبيراً.

تتعلق النقطة بما قاله كرشن شيتاينر حول المعلم الكبير، وهو قوله: “ان المعلم يحمل حماساً وشغفاً يستلزم وجود مشاعر فتية لا تعرف الهرم، واستشعار الغبطة للتقدم المعنوي الذي يحرزه الآخرون، وبذل العون على سبيل انتصار القيم الإنسانية الخالدة”.

وهذا المطلب يمكن تقسيمه إلى ثلاثة اقسام، او قياسه وفقاً لثلاثة معايير، هي:

أ ـ الحماس والشغف الذي يسلتزم مشاعر فتية لا يعرف الهرم إليها سبيلاً.

ب ـ استشعار الغبطة للتقدم المعنوي الذي يحرزه الآخرون.

ج ـ بذل العون على سبيل انتصار القيم الإنسانية الخالدة.

ولغرض البرهنة على امكانية اعتبار الإمام الخميني معلماً كبيراً في ضوء تلك المعايير الثلاثة، يجب علينا الاستشهاد بأقواله وكتاباته في هذا الخصوص.

اما بالنسبة للحماس والشغف الذي يتطلب وجود مشاعر فتية لا يعرف الهرم اليها سبيلاً، فيكفينا في هذا المجال نقل عبارات من أقواله فيما يخص الاستقلال والحرية والمجابهة والدفاع. نقرأ معاً:

“ويبقى شعارنا في كل الاحوال هو قطع يد الاجانب عن البلاد؛ وذلك لأن التطور والاستقلال والحرية تبقى مجرد وهم مع وجود التدخل الاجنبي، من أي نوع ومسلك ومذهب كان، وفي أي شأن من شؤون البلاد، سواء السياسية أم الثقافية أم الاقتصادية أم العسكرية”(66).

“حربنا حرب بين الحق والباطل ولا نهاية لها، وحرب بين الفقر والغنى، وحرب بين الإيمان والرذيلة، وهي حرب قائمة منذ آدم حتى قيام السـاعة”(67).

“لا ينبغي للجمهورية الإسلامية ان تتخلى تحت أيّة ظروف كانت عن مبادئها وأهدافها المقدسة، وسيحافظ الشعب الإيراني الباسل ان شاء اللّه على غضبه الثوري المقدس، ويصب جام غضبه على الاتحاد السوفيتي المجرم وأمريكا الناهبة لخيرات الشعوب واذنابهما”.

“يا مستضعفي العالم ويا أيّتها البلدان الإسلامية ويا أيّها المسلمون، انهضوا وانتزعوا حقكم بقبضاتكم وأنيابكم ولا تخشوا الضجيج الاعلامي الذي تثيره القوى العظمى وعملاؤها...”(68).

استعيدوا قراءة هذه الجمل من جديد لتستشعروا مدى الحماس الذي يستنهض الشعوب به هذا الرجل، الذي جاوز الثمانين من عمره، ويدعوها للكفاح والجهاد من أجل نيل استقلالها.

النقطة الثانية التي جعلها الكاتب الالماني كمعيار لمقياس عظمة المعلم التربوي فهي استشعار السعادة للتقدم الذي يحرزه الآخرون. ويمكن في هذا الصدد تأمّل المقتطفات التالية من كلمات امام الأمة:

“انني اشعر بالسعادة والفخر لما ألمسه لدى الشبان الغيارى من الجامعيين القدامى والجدد في داخل وخارج البلاد، ولدى سائر اصحاب الضمائر الحيّة من ابناء الشعب المسلم الشريف ـ أيّدهم اللّه تعالى ـ من يقظة ووعي في اعقاب سبات طال عدّة قرون، ونهوضهم للتفكير في إيجاد حل لمشاكلهم...”(69).

“يجب ان نقدر النعمة التي منّ بها اللّه علينا حق قدرها، ومن جملة ذلك استنقاذ الشباب من الانحطاط الثقافي والاخلاقي، وبلوغ مراتب اخلاقية وثقافية سامية، والانتصارات التي احرزت في جبهات الحرب، والأهم من كل ذلك هو الانتصار على النفس، وهو ما حصل لطبقات واسعة من شبابنا.. وهذه كلها من النعم التي تستوجب الشكر”(70).

“يجب ان نكون فخورين بنسائنا، وهل هنالك مفخرة اكبر من وقوف هؤلاء النسوة بوجه النظام البائد، ثم الوقوف، بعد اطاحته، ضد القوى الكبرى وعملائها، واتخاذ مواقف بطولية رائعة وشريفة لم يسبق ان اتخذت في أيّ عصر من العصور حتى من قبل الرجال”(71).

النقطة الاخيرة التي تمثل دلالة على عظمة المعلم التربوي هو مدى مساهمته في انتصار القيم الإنسانية الخالدة. ولنرَ هنا ما هي آراء الإمام الخميني في هذا المجال:

“... اذا كان جميع الانبياء على مدى التاريخ مخطئون، ويجب الاستجابة للمنطق الذي يدعو اليه هؤلاء الاشخاص في مداهنة المتجبرين والانسجام معهم، فنحن ايضاً مخطئون ويجب الاعتراف بخطئنا. ولكن اذا لم تكن القضية كذلك، وانما كانت تخص الإنسانية والقيم الاخلاقية، وتخص التصدّي للجرائم التي يرتكبها المتجبرون بحق الإنسانية، لا يمكننا حينئذ الجلوس في بيوتنا...”(72).

“يجب على المستضعفين في كل البلدان انتزاع حقهم بالقوّة، ولا يتوقعوا من المستكبرين ان يعطوهم حقهم، لأن المستكبرين لا يعطون أحداً حقّــه”(73).

“يعلن الإسلام صراحة ان أكرم الناس عند اللّه أتقاهم، وينظر إلى العرب والعجم والاتراك والاكراد وغيرهم على حد سواء، فهم كلهم من أب واحد ومن أم واحدة، ونحن نضع هذا المعنى على رأس مبادئنا”(74).

“لا يوجد في الإسلام أي فارق بين الشعوب، وهو يضمن حقوق جميع الشعوب، ويراعي حقوق المسيحي واليهودي والزرادشتي، وينظر اليهم نظرة متساوية، ويعترف لهم بحق الإنسانية، وينظر إلى العالم كله نظرة محبة، ويرمي إلى انقاذ المستضعفين، ويريد للعالم ان يصبح كله عالماً روحياً ليقترب من عالم القدس؛ لقد جاء الإسلام لإنقاذ بني الإنسان”(75).

انتهينا إلى هنا من دراسة الآراء التربوية لسماحة الإمام الخميني (قدس سره الشريف) واتضح من خلال المعايير التي طرحتها هذه المقالة، وفي ضوء المعايير التي طرحها ثلاثة من علماء التعليم والتربية الغربيين، ان الإمام الخميني بحق واحد من المعلمين الكبار والفلاسفة التربويين، وذلك لأنه له آراء قيمة وثمينة في موضوعات الوجود والكون والإنسان من جهة، وفي ما يخص الاهداف والاصول والاساليب التربوية من جهة أخرى. وثبت لنا انه كان بنفسه مثالاً تربوياً سامياً وتطبيقاً للكمال المنشود سلوكياً وفكرياً وعملياً، وكان له تأثير معنوي بالغ في جموع كثيرة من أبناء شعبه من المسلمين وغير المسلمين.

وفضلاً عن كل ذلك كانت له آراء قيّمة في مجال تحويل عملية التعليم والتربية إلى عملية انسانية، وكانت له مشاعر جياشة وشعور عالٍ بالسعادة لما يحققه الآخرون من تقدّم، مع اهتمام كبير بالقيم الإنسانية النبيلة واستنهاض مســتضعفي العالم ضد كل من سحقوا ويسحقون القيم الإنسانية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش والمصادر

1 ـ Your Philosohy of Education What is it .

2 ـ المعلمون الكبار، جان شاتو، ص 4.

3 ـ المصدر السابق، ص 264 ـ 265.

4 ـ صحيفة النور، ج 5، ص 22.

5 ـ الاربعون حديثاً، ص 7.

6 ـ هرم هستي (هرم الوجود)، الدكتور مهدي الحائري.

7 ـ التفسير الامثل، المجلد الثاني، ص 202.

8 ـ شرح دعاء السحر، ص 15.

9 ـ دين وروانكاوي (الدين والبحث النفسي)، اريك فروم.

10 ـ صحيفة النور، ج 10، ص 274.

11 ـ شرح دعاء السحر، ص 238.

12 ـ صحيفة النور، ج 6، ص 237.

13 ـ الاربعون حديثاً، ص 272.

14 ـ المصدر السابق، ص 433.

15ـ المصدر السابق، ص182.

16 ـ روانشناسي كمال (علم نفس التكامل) دوان شولتز، ص 23.

17 ـ المصدر السابق، ص 128 ـ 139.

18 ـ المصدر السابق.

19 ـ صحيفة النور، ج 14، ص 103.

20 ـ تاريخ فلسفه تربيتي (تاريخ الفلسفة التربوية)، فريد ماير، ص 1.

21 ـ صحيفة النور، ج 8، ص 2 ـ 81 .

22 ـ صحيفة النور، ج 7، ص 63 ـ 64 .

23 ـ صحيفة النور، ج 2، ص 288 .

24 ـ صحيفة النور، ج 13، ص 53 ـ 54 .

25 ـ جستجوي راه از كلام امام، (تلمس الطريق في ضوء كلام الامام)، ج 22، ص 38 ـ 39 ـ51.

26 ـ صحيفة النور، ج 5، ص 109.

27 ـ المصدر السابق، ج 7، ص 286.

28 ـ المصدر السابق، ج 17، ص 20.

29 ـ المصدر السابق، ج 14، ص 254.

30 ـ نقش تعليم وتربيت در سعادت وشقاوت از نظر محقق خراساني وامام خميني ( دور التعليم والتربية في السعادة والشقاء من وجهة نظر المحقق الخراساني والإمام الخميني)، الدكتور عبدالكريم بي آزار الشيرازي.

31 ـ صحيفة النور، ج 8، ص 240 ـ 241.

32 ـ صحيفة النور، ج 6، ص 282 ـ 283 .

33 ـ الاربعون حديثاً، ص 5 ـ 6 .

34 ـ المصدر السابق، ص 265 .

35 ـ تفكر منطقي تعليم وتربيت.

36 ـ صحيفة النور، ج 20، ص 76.

37ـ سركذشتهاي ويزه (سِيَر خاصّة)، ج1، ص 36 ـ 37.

38 ـ صحيفة النور، ج 20، ص 77.

93 ـ صحيفة النور، ج 7، ص 227.

40 ـ صحيفة النور.

41 ـ سركذشتهاي ويزه، ج 1، ص 52 (لقاء مع السيد محتشمي).

42 ـ صحيفة النور، ج 6، ص 50.

43 ـ صحيفة النور، ج 13، ص 184.

44 ـ صحيفة النور، ج 13، ص 198.

45 ـ صحيفة النور، ج 13، ص 19.

46 ـ صحيفة النور، ج 3، ص 182؛ ج 5، ص 177؛ ج6، ص 186؛ ج 14، ص 280.

47 ـ صحيفة النور، ج 17، ص 185.

48 ـ صحيفة النور، ج 19، ص 216.

94 ـ صحيفة النور، ج 5، ص 265.

50 ـ صحيفة النور، ج 9، ص 153.

51 ـ صحيفة النور، ج 16، ص 141.

52 ـ صحيفة النور، ج 9، ص 23.

53 ـ صحيفة النور، ج 14، ص 97.

54 ـ صحيفة النور، ج1، ص 21؛ ج 17، ص 270.

55 ـ صحيفة النور، ج 16، ص 54 .

56 ـ صحيفة النور، ج 9، ص 157.

57 ـ صحيفة النور، ج 15، ص 282.

58 ـ من كلمات الشيخ جوادي الآملي.

95 ـ مجلة حضور، العدد الاول، ص 56، سماحة الشيخ رضا استادي.

60 ـ درخشش در غروب (بريق عند الغروب)، 144.

61 ـ مجلة اطلاعات هفتكى، ص 40.

62 ـ صحيفة اطلاعات، ص 16 .

63 ـ درخشش در غروب، ص 71 .

64 ـ صحيفة النور، ج 9، ص 19 ـ 20.

65 ـ صحيفة النور، ج 6، ص 114.

66 ـ صحيفة النور، ج21، ص 84 .

67 ـ صحيفة النور، ج 21، ص 36.

68 ـ صحيفة النور، ج 21، ص 203.

96 ـ صحيفة النور، ج 1، ص 131.

70 ـ صحيفة النور، ج 17، ص 214.

71 ـ صحيفة النور، ج 16، ص 125ـ 127.

72 ـ صحيفة النور، ج 7.

73 ـ صحيفة النور، ج 7، ص 269.

74 ـ صحيفة النور، ج 10، ص 18 ـ 19.

75 ـ صحيفة النور، ج 5، ص 241.