دراسات

الحرية في فكر الإمام الخميني (قده)

قاضي زاده


“الحرية” و”الحقوق” مفهومان يعتبران من المفاهيم المطلوبة والمقبولة لدى جميع الأفراد والمجتمعات البشرية. وقد شغلت فكرة “حقوق الانسان وحريات الأفراد قبال الآخرين” اذهان المفكرين والعلماء بل جميع الناس طوال قرون طويلة.

ورغم ان تبيين وتدوين الحدود الدقيقة للحقوق والحريات وصدور المعاهدات والمواثيق الحقوقية لم يمض عليها وقت طويل، الاّ ان طرح السؤال في هذا المجال كان توأماً لبدء الحياة الاجتماعية للانسان، لأن الحياة الاجتماعية تعدّ مانعاً عن تحقق رغبات

افراد المجتمع، وتحديد الحريات لازمة قهرية للحياة الاجتماعية.

والأديان الالهية تنظر نظرة ايجابية للحقوق الفطرية والطبيعية للانسان. والدين الاسلامي يولي اهمية خاصة للحقوق والحريات ووجوب الحفاظ عليها ورعايتها، فتحرير البشر من القيود والاغلال الشيطانية ونير الآخرين تحتل مكاناً بارزاً في الآيات والروايات. وهناك ادلة مختلفة على الحرية في بعض جوانبها من وجهة نظر الاسلام.

أما الامام الخميني “قده” فيعتبر ان الحياة بلا حرية كالموت، ويرى ان تحقق النظام الاسلامي بدون اعطاء الحريات امراً مستحيلاً.

وللامام الخميني “قده” آراء واقوال كثيرة في باب الحرية والحقوق طرحها في خطاباته ومقابلاته الصحفية. ونحن نحاول في هذه الدراسة ان نلقي الضوء على رأي الاسلام والامام الخميني (قده) في هذا المجال.

 دار الولاية للثقافة والاعلام

الحرية في نطاق الثقافة الاسلامية

إن الدين الاسلامي هو دين فطري، وبحسب الرؤية الكلامية فلا يمكن أن تخالف قوانينه وأوامره الفطرة التي منحها اللّه للانسان، ولابد أنه ينظر نظرة ايجابية لحقوق الإنسان الفطرية ووجوب الحفاظ عليها ورعايتها.

ولو ألقينا نظرة عابرة على النصوص الدينية المحكمة وأسلوب حكومة القادة المعصومين “الرسول الاكرم (ص) وعلي (ع)” لاتضح لنا مدى اهتمامهم بهذه الحقوق؛ ففي مجتمع كانت تتحكم فيه التفرقة العنصرية واللونية والعرقية نزلت تلك الآية الشريفة من سورة الحجرات لتكون أبرز تعبير عن رفض شتى أنواع التفرقة والدعوة إلى المساواة بين الناس في الحقوق.

{­­يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند اللّه أتقاكم} (1).

كما أن ثمة آية شريفة اخرى تشير الى قضية حرية التعبير وإقرار القرآن الكريم لها؛ فقد واجه موسى (ع) فرعون بالآيات البينات والأدلة الواضحة، ولكن فرعون وأتباعه ضاقوا به ذرعاً، فقال فرعون : {ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم}(2).

وعندئذ قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه محاولاً أن يثنيهم عن قتل موسى (ع): {إن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم}(3). وهذا الكلام الذي يمثل المنطق القرآني لمؤمن آل فرعون يعتبر أفضل تصوير لحرية البيان والتعبير بالنسبة للمعارضين للسلطة.

وأما الميرزا النائيني (ره) فمع أنه كان يعتقد بحكومة الشورى، إلاّ أنه قد استعان في وثائقه وأدلته الشرعية بسيرة الرسول الأكرم (ص) والآيات القرآنية الشريفة.

وها هو يستدل بالآية الشريفة {وشاورهم في الأمر} قائلاً: إن الآية المباركة {وشاورهم في الامر} التي خوطب بها عقل الكل ونفس العصمة في معرض التكليف بمشورة العقلاء تدلّ على هذا الموضوع ببداهة تامة ووضوح كامل، وإنه لمن المعلوم بالضرورة أن الضمير يعود لجميع النوع وكافة المهاجرين والأنصار لا إلى أشخاص بعينهم، وإن تخصيص ذلك بالعقلاء والعلماء وأهل الحل والعقد سيكون من قبيل المناسبة الحكمية والقرينة المقامية. ولهذا فإنه من باب الصراحة اللفظية ودلالة الكلمة المباركة {في الأمر} المحلاة والمفيدة للعموم، يأتي الاطلاق على أن متعلق المشورة المقررة في الشريعة المطهرة هي كافة الأمور السياسية، وهو في غاية الوضوح، وما خروج الأحكام الالهية عن هذا العموم إلا من باب التخصص لا التخصيص (4).

ان سيرة النبي الأكرم (ص) تدل على حرية الناس ومشاركتهم في الحكومة في الكثير من الأحوال؛ فقد قال (حباب بن المنذر) للرسول في حرب الطائف: لقد أمرتنا بالنزول هاهنا، فهل هذا أمر إلهي أو أنه رأيك أنت؟ (حتى يكون هناك مجال لإبداء آراء أخرى) فأجابه الرسول (ص): انه ليس أمراً إلهياً، وبإمكانكم أبداء الرأي. فقال (حباب): إن هذا المكان ليس مناسباً، فلنتحرك ولننزل عند أقرب ماء للعدو (5).

وأما أميرالمؤمنين (ع) فإنه لم يتوقف عند الاستعانة بآراء الآخرين وحسب، بل إنه كان يشجعهم على الاستفادة من حقوقهم وحرياتهم كذلك. ولم يكن سماع الحق عسيراً عليه ولا ثقيلاً.

يقول الامام علي(ع):

“فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يُعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه! فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل”(6).

وهناك أمثلة متعددة من سيرة الرسول الأكرم (ص) يبيح فيها للآخرين الافصاح عن وجهة نظرهم ثم يعمل بها، وإن كانت مخالفة لرأيه، مما يمثل مصاديق واضحة على رسمية الاعتراف بالحقوق الفطرية للناس (7).

كما أن أمير المؤمنين (ع) كان دائماً يؤكد على الحقوق المتبادلة بين الوالي والرعية في الفترة القصيرة من حكومته وخلافته، وكان يرى لزاماً عليه أداء حق الرعية.

فعندما تثاقل الناس عن حرب أهل الشام متذرعين بأسباب واهية، خطب فيهم أمير المؤمنين (ع) مذكراً إياهم بالحقوق المتبادلة بين الحكومة والرعية، فقال:

“ايها الناس إن لي عليكم حقاً، ولكم عليّ حق؛ فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم وتعليمكم كيلا تجهلوا وتأديبكم كيما تعلموا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب والإجابة حين أدعوكم والطاعة حين آمركم”.

وبهذا يكون أمير المؤمنين (ع) قد بيّن الحقوق المتبادلة بين الناس والحكومة. فواجب الحكومة في الحقيقة هو حق للناس لا حق على الناس، وبالتالي فإن حقوق الناس الواردة في الخطبة السابقة تتضمن العدالة الاجتماعية، والتعليم والتربية، وحب الخير لهم من قبل الحاكم.

وأما الإمام السجاد (ع) فإنه يبين حق (الرعية) أو الناس في رسالته المعروفة برسالة الحقوق، فيخاطب السلطان قائلاً:

“وحق رعيتك بالسلطان أن تعلم أنهم صاروا رعيتك لضعفهم وقوتك؛ فيجب أن تعدل فيهم، وتكون لهم كالوالد الرحيم، وتغفر لهم جهلهم، ولا تعاجلهم بالعقوبة، وتشكر اللّه على ما أتاك من القوة عليهم”(8).

وبالنظر إلى النماذج السابقة من كلمات وأفكار القادة الدينيين فإنه لا يبقى هناك مجال للشك في مدى اهتمامهم الشديد بالحقوق الفطرية والطبيعية للناس في الحكومة الاسلامية، غير أن ما ينبغي الالتفات إليه فيما سبق هو أنه بدلاً من ذكر الحقوق الطبيعية للناس جاء ذكر مسؤوليات القادة وواجباتهم إزاء الناس؛ فبدلاً من الاشارة إلى أن من حق الناس المساواة أمام القانون والتمكن من العمل والتمتع بالحرية على حد سواء، جاء ذكر أن العدالة الانسانية هي من واجبات الحكومة. وبالطبع فإنه قد أشير إلى حقوق الناس صراحة في بعض أقوال أمير المؤمنين (ع)، ولكن مجمل الأقوال السالفة الذكر تشير إلى الحقوق المتعلقة بذمة الإنسان والتي يجب عليه أداؤها عن طريق القيام بالتكاليف والواجبات المختلفة. أما النقطة الأخرى التي ينبغي الالتفات إليها فهي أن المعصومين (ع) لم يشيروا الى جزئيات المواضيع المتعلقة بالحقوق الفطرية ولم يذكروا مصاديقها ولا حدودها، وذلك نظراً لبساطة الشؤون الاجتماعية في زمن نزول الوحي ومرحلة الامامة، ومع ذلك فإن باستطاعتنا الوقوف على الكثير من الجزئيات في مطاوي أقوالهم وبين ثنايا الأحكام الفقهية.

الرؤية الاسلامية حول مفهوم ومعنى الحرية:

لم نتوصل إلى تعريف خاص للحرية (بمعناها غير الفلسفي وغير الحقوقي) في نصوصنا الدينية، وإن كان يمكن التوصل الى مصاديق لهذه الحرية في أقوال المعصومين (ع).

والمفهوم الذي ربما يكون شاملاً في هذا المجال هو نفي شتى الإلزامات الباطلة وغير الالهية، سواء كانت داخلية كالعادات والتقاليد الباطلة أو خارجية.

يقول القرآن الكريم مبيناً الأهداف الإلهية للأنبياء:

{ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم}(9).

فالآية الشريفة وإن كانت ناظرة إلى بعض المصاديق من قبيل حذف الأحكام العملية الجسيمة ونسخها كما أشار المفسرون، ومع الأخذ بالاعتبار أن محل وسبب النزول والقدر المتيقن لا يخصص مدلول الآية، فان عمومها يشير إلى أن مفهوم الحرية هو الانعتاق من القيود والأغلال (10).

كما أن هناك روايات مختلفة تشير إلى مفهوم الحرية، ولكن من ناحية (واجب المسؤولين إزاء الناس) لا من ناحية (الحقوق الطبيعية للناس على الحكومة) كما أوضحنا في المقدمة. والرواية الآتية لأمير المؤمنين (ع) تبين معنى الحرية:

“ولا تكن عبد غيرك، فقد جعلك اللّه حُرّاً” (11).

فالذي يستفاد من هذه العبارة هو اطلاق الكلام، وإلا فمفهموها ينطبق أكثر على الحرية من النفس الأمارة والعبودية الزائفة.

وهناك أيضاً تعريف للحرية ورد عن الميرزا النائيني أحد مشاهير العلماء في زمن المشروطة الذي يتحدث فيه كثيراً عن الحرية في مواجهة الاستبداد، حيث جاء في هذا التعريف:

“إن حرية القلم والتعبير ونحوهما، والتي تعتبر من الحريات الطبيعية والفطرية، حقيقتها الانعتاق من قيد تحكمات الطاغوت والتغلب على العقبات التي تحول دون إيقاظ الأمة وفتح بصرها وسمعها والتقدم بها على طريق المبادئ والتطور والشرف واستقلال الوطن والهوية القومية والاهتمام بالحفاظ على الدين والتحفظ على الناموس الأكبر والتآلف والاتحاد من أجل استرداد الحرية كهبة إلهية واستنقاذ الحقوق الوطنية المغصوبة والانكباب على تحصيل المعارف وتهذيب الأخلاق والتدرج في مراتب الكمال وسواها” (12).

فقد أشار المرحوم النائيني إلى مصاديق من حرية الفكر وحذف الرقابة وحرية الحفاظ على الدين وحرية التعليم والتعلم وما إلى ذلك.

رأي الامام الخميني حول مفهوم الحرية:

وأما الامام الخميني فقد أشار أيضاً إلى الحرية في حد التعريف.

ومع أن مجمل أقواله تختص ببيان حدود الحرية المشروعة، إلا أنه يبادر إلى تعريف الحرية أحياناً في أجوبته عن أسئلة المراسلين. وتعتبر مقابلة الصحافية الايطالية الشهيرة (اوريانا فالاتشي) مع الامام واحدة من أهم المقابلات الصحافية التي قل نظيرها فيما بعد.

وقد جاءت هذه المقابلة بعد ثمانية أشهر من انتصار الثورة الاسـلامية، وبعد وضـع العراقـيل أمام التنظيمات التي ارتكـبت أبشع أنواع الجرائم باسم الحرية، كما حدث بالنسبة لكردستان.

والمحور الأساس في هذه المقابلة هو موضوع الحرية والذي طرحت حوله تلك الصحافية نحو عشرة أسئلة.

أحد هذه الأسئلة كان حول تعريف حرية التعبير بأسلوب بسيط، فأجاب الامام:

“إن الحرية ليست من الأمور التي تختص بتعريف. إن الشعب يمتلك حرية الرأي بدون إجبار من أحد؛ فما من أحد يلزمه بمسلك بعينه ولا بانتخاب أحد بعينه ولا بالسكن في منزل بعينه ولا بممارسة عمل بعينه. ان الحرية أمر واضح”پ(13).

كما يقول الامام في بيان المعنى السلبي للحرية:

“إن الحرية لا تعني الحرية في حياكة المؤامرات، حيث لا توجد حرية في التآمر، أو أن يتفوه بما من شأنه تثبيط الأمة والقضاء على الصحوة؛ فهذه ليست حرية. إن الناس جميعاً أحرار في نطاق هذه النهضة والثورة الاسلامية، فلكل واحد الحق في إبداء رأيه أيّاً كان تصنيفه. ولكن أن يقوم أحد بتدبير المؤامرات من أجل القضاء على الاسلام أو على المؤسسات التي تقوم الآن بالنشاطات الاسلامية، فهذا ما لن يكون” (14).

فمفهوم الحرية عند سماحة الامام يشمل الحرية في النشاطات الشخصية وكذلك الحرية في اختيار نوع الحكومة. وبتعبير آخر، فان هذا التعريف يجعل للناس حقوقاً فطرية في المجالات الفردية والاجتماعية المختلفة. وهذا المفهوم لا يختلف عن المفاهيم الاسلامية الأخرى حول الحرية، بل انها جميعاً تنبع من معين واحد.

وانطلاقاً مما سبق نستطيع القول بأن الحرية هي نفي الإلزامات الباطلة. والالزامات الباطلة والزائفة، وإن كانت تعني أوسع من ذلك بالنسبة للمفهوم (نفي الإلزامات مطلقاً، حقاً كانت أو باطلاً).

فهذا التعريف هو تعريف الحرية بمعناها الاجتماعي والسياسي، وهو تعريف أقل تعرضاً للإشكالات من غيره، إذ ما هي الإلزامات التي سيخرجنا نفيها عن حدود الحرية؟! هذا ما سوف نوضحه في الأبحاث التالية.

منشأ الحرية ومبناها:

ان لمفهوم الحرية قاسماً مشتركاً رغم الاختلاف السائد في وجهات النظر المتعددة، فكل الناس يمجدون الحرية حتى المستبدون، وإن كانوا يتجاهلونها عندما تعني حرية الآخرين، ولكنهم يحبون الحرية ويعملون على تحقيقها بالنسبة لأنفسهم.

يقول مونتسكيو:

لا توجد كلمة شغلت الأذهان أكثر من كلمة الحرية (15).

فهذا الاهتمام العام بالحرية والسعي لتحقيقها دليل واضح على أنها غريزة في الكيان الانساني. وبتعبير آخر، فإن الفطرة الالهية للإنسان هي منشأ الحرية، ولهذا يُعبر عنها بالحقوق (الطبيعية) أو (الفطرية).

يقول المرحوم الشهيد المطهري في تحليله لنظرية المفكرين الغربيين: “إن الأمل الأساس الذي اهتم به هؤلاء (جان جاك روسو، وولتر، ومونتسكيو) هو أن الانسان يتمتع بمجموعة من الحقوق والحريات بحكم فطرته وخلقته وطبيعته. وهذه الحقوق والحريات لا يستطيع أي فرد أو مجموعة سلبها منه بأي شكل من الأشكال، وحتى صاحب الحق نفسه ليس بإمكانه نقلها للغير بميله وإرادته مع بقائه عارياً عنها ومنسلخاً منها” (16).

وقد قام بعض من أرباب العلوم التجريبية والعلمية في أمريكا بسلسلة من الأبحاث والتجارب النفسية في هذا المجال، فكتب أحد الكتاب المعاصرين يقول في ذلك:

إن مشاهدات وتجارب علماء النفس تشير إلى أن الانسان محب للحرية بفطرته، ولأنه مجبول على ذلك فانه يشعر بالألم عندما تُحدد حريته. وقد دلل العالم الأمريكي (واطسن) زعيم (المدرسة التجريبية) بتجاربه الدقيقة على أن أحد الأمور التي تصيب الطفل بالألم والوحشة سلب يديه ورجليه حرية الحركة(17).

وبملاحظة ذلك، فان الحرية ليست شيئاً (إعطائياً) أو (مكتسباً)، وذلك لأنها موجودة في كيان الانسان، ولأن فطرته ميّالة إليها وتسعى للحصول عليها.

يقول الامام الخميني في مواجهته لنظام الشاه المستبد:

“لقد ثار الشعب بحثاً عن الحرية، وها هي الجماهير تصيح: إننا نريد الحرية والاستقلال. وهؤلاء الباحثون عن الحرية الذين يبغون الحرية ليسوا متوحشين؛ إنهم متحضرون لأنهم يبغون الحرية والاستقلال. وإن المتوحشين هم الذين سلبوهم استقلالهم وحريتهم. فالاستقلال والحرية كلاهما من حقوق الإنسان البديهية، والناس جميعاً على علم بذلك “ (18).

فالامام يعتبر أن الحرية من الحقوق البديهية للبشر، ومفهوم ذلك هو أن هذا الحق أمر فطري وله في الفطرة.

كما يقول الامام في نص صريح آخر:

“إن من الحقوق الأولية للانسان أنه يريد أن يكون حراً، ويريد أن يتحدث بحرية، وأن يكون مستقلاً، وألا يكون سوى ذاته. وهذا ما نقوله. فحيثما قيل ذلك قبله جميع الناس” (19).

وفي الفكر الاسلامي حيث تنبع التعاليم الاسلامية من الفطرة وتخبر عنها، يوجد هناك تناغم بين الوحي والفطرة. ولهذا فان التعاليم الدينية تعد دليلاً جيداً لفهم الفطرة الانسانية. وإن ما يعتبره الامام منشأً للحرية من توحيد وإسلام وما إلى ذلك من أمور يمكن جمعها كلها على هذا النحو.

فعندما سأل مراسل صحيفة (التايمز) اللندنية الامام قائلاً:

سؤالي الأول هو: ما هي اعتقاداتكم؟ وأين وكيف تعلمتموها؟

أجابه الامام بالقول:

“إن التوحيد هو جذر وأصل جميع العقائد، وهو أهم ما لدينا من اعتقادات. وهذا الأصل يعلمنا أن الانسان لا ينبغي له التسليم إلا أمام الذات المقدسة للحق، ولا يجب عليه طاعة أحد إلا إذا كانت طاعة للّه، وعلى هذا الأساس فإنه ليس لأي إنسان أن يجبر إنساناً على الخضوع له. ونحن نتعلم أصل الحرية من هذا الأصل الاعتقادي، حيث لا يحق لأحد أن يسلب شخصاً أو مجتمعاً أو شعباً حريته، أو أن يضع له قانوناً، أو أن ينظم علاقاته انطلاقاً من ادراكه هو ومعرفته الناقصة أو على أساس ميوله ورغباته”(20).

كما أنه كان يقول مخاطباً نظام الشاه ومطالباً بحرية المرأة:

“وهل تعطى الحرية؟! إن مجرد كلمة (إعطاء) هي جناية في حد ذاتها، واصطلاح (أعطينا الحرية) يعد جُرماً. فالحرية للناس؛ لقد منحهم القانون الحرية، ومنحهم اللّه الحرية، ووهبهم الاسلام الحرية، ومنحهم الدستور الحرية. فياله من اصطلاح خاطئ اصطلاح (أعطينا)! ومن أنت لكي تعطي أو تمنع؟!” (21).

ولكن المثير حول منشأ الحرية والذي يمكن أن يكون مثار اختلاف بين المفكرين الالهيين وسواهم، هو هل المعروف من الحقوق الفطرية والمسلّمة للانسان نابع من الفطرة الالهية أو من الطبيعة الحيوانية؟ إن الحرية مرغوب فيها بالتأكيد حتى في الأوساط الحيوانية، كما أن طبيعة الانسان الترابية توّاقة لعمل كل ما تريد.

إن الحرية الطبيعية، وعلى مبنى (الطبيعية)، تعتبر المثلية الجنسية من مصاديق حقوق الإنسان، وربما يكون هذا هو السبب في أن (أوريانا فلاتشي) حاورت الإمام حول هذا الموضوع وسألته عن السبب في منع اللواط. فالحرية التي نادى بها مذهب (فرويد ) بصراحة، كما أن الممارسات العملية للكثير من المراكز المهمة للحرية تقول بصحة ذلك، تعتبر أن الفطرة الالهية ليست هي مصدر الحرية، بل ان الحرية غريزة حيوانية، بل وإنها أعم من أن تكون حيوانية أو إنسانية، ولهذا فان الحرية تجيء معادلاً للفوضى والتسيّب حينئذ كما يرى بعض المفكرين الدينيين!

يقول الاستاذ الشهيد مطهري في هذا الصدد:

“إن الانسان عند فلاسفة الغرب موجود متعدد النزعات ولديه رغبة في اشباعها، وهذه الرغبة هي منشأ حرية سلوكه. فحرية الآخرين هي التي تحد من حرية الفرد، وليس ثمّة ميزان أو إطار آخر بإمكانه أن يحد من حرية الانسان وميوله.

انهم في الغرب يعتبرون أن ميول ورغبات الانسان هي مصدر ومنشأ الحرية، وحيثما يكون لهم حديث حول الارادة الانسانية فإنهم لا يرون فرقاً في الحقيقة بين الرغبة والارادة. والحرية بهذا المعنى الذي قدّمت ـ والتي نرى انها تقوم على أساس الديمقراطية الغربية ـ هي في الواقع نوع من الحيوانية المطلقة، فأن يكون الانسان حرّاً بموجب ما لديه من ميل ورغبة لا يترك فرقاً بين الحرية الإنسانية والحرية الحيوانية” (22).

وبعد هذا التحليل يقول الشهيد مطهري حول الحرية في الاسلام:

“إن الحرية والديمقراطية في الإسلام هي ما يرقى بالإنسان في مدارج الكمال الانساني، أي ان الحرية حق للإنسان بما هو إنسان، ومبعث هذا الحق طاقاته الإنسانية، لا أن يكون هذا الحق ناشئاً عن ميول ورغبات البشر. فالديمقراطية في الإسلام تعني الإنسانية المطلقة لا الحيوانية المطلقة كما يراها الغرب”.

وهذا الرأي للشهيد مطهري منصبّ على فكر الغالبية من المفكرين والسياسيين الغربيين على ما يبدو، والا فمن أوساطهم من اهتم أيضاً بالحرية الإنسانية مميزاً بينها وبين الحرية الحيوانية.

يقول (جان جاك روسو) حول الحرية الإنسانية والنزعات الحيوانية:

لأن الحرية تعتبر من أسمى خصائص الانسان فانها لا تجرّه إلى الزيف والفساد، ولا تهوي به إلى انحطاط الحيوانات الخاضعة لغرائزها، ولا تصده عن أوامر خالقه، ولا تجعله منكراً مطلقاً لأرفع مواهبه الالهية حتى يلوث ذاته بطاعة أربابه الدونيين ويعيش سادراً في غيّه ومجنوناً بارتكاب ما حرم عليه إلهه من آثام (23).

ويبدو أن عموم الذين عدّوا هذه الحقوق حقوقاً طبيعية كانوا يقصدون بذلك حق الطبيعة الانسانية للانسان (الفطرة) دون الطبيعة الترابية والحيوانية. ويدل على ذلك ما جاء في أقوالهم من أمثلة. فالامام الخميني قد عبّر أيضاً عن هذه الحقوق أحياناً بالحقوق الطبيعية.

سؤال: إلى ماذا ستؤول حقوق الأقليات المذهبية والعرقية والسياسية في ظل الجمهورية الاسلامية؟ وهل سيكون الحزب الشيوعي حرّاً؟

جواب: ان الاسلام منح الحرية للأقليات المذهبية أكثر من أي دين أو أي مسلك آخر. فمن حق هؤلاء أيضاً أن يستفيدوا من حقوقهم الطبيعية التي وهبها اللّه لكافة البشر. إننا سوف نحافظ عليهم على أفضل وجه. كما أن الشيوعيين في الجمهورية الاسلامية أحرار أيضاً في التعبير عن آرائهم العقائدية (24).

وسوف يأتي الحديث لاحقاً حول موضوع حرية الشيوعيين في التعبير عن آرائهم وتحليل ذلك، وآراء الامام الأخرى في هذا الصدد، وذلك في القسم المختص بها.

قيمة ومكانة الحرية في التعاليم الدينية:

مع أن المفكرين الاسلاميين لم يبحثوا هذا الموضوع إلاّ قليلاً في كتاباتهم، إلا أن مبانيه كثيرة في الفكر الاسلامي. وتعتبر سيرة أمير المؤمنين (ع) ونهجه في الحكومة وبيان الحقوق المتبادلة بين الرعية والحاكم في الخطبة 612 من نهج البلاغة من أهم الأدلة على منزلة الحرية في التعاليم الدينية.

يقول الامام الخميني في إشارة عامة للتعاليم الاسلامية:

“لو كنتم مؤمنين بالأحكام الاسلامية، فهذه هي الأحكام الاسلامية. إن الاسلام جعل الانسان حراً وولاه على نفسه وماله وحياته وعرضه” (25).

إن حرية البشر من القيود والأغلال الشيطانية ونير الآخرين تحتل مكاناً بارزاً في الروايات والآيات. فموسى (ع) يرد على فرعون حول ما كان يجريه من عادات على بني اسرائيل قائلاً:

{وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبّدت بني إسرائيل}(26).

كما جاء في رواية عن الامام الصادق (ع):

“إن اللّه تعالى فوّض الى المؤمن أموره كلّها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلاً. أما سمعت اللّه تبارك وتعالى يقول:{وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين}؟ فالمؤمن يكون عزيزاً”(27).

وأما الامام الخميني فهو يرى أن تحقق النظام الاسلامي بدون إعطاء الحريات أمر مستحيل، ويعتبر أن الحياة بلا حرية كالموت، وان تحقق الحرية هو من أهم نتائج انتصار الثورة الاسلامية.

يقول الامام مدللاً على ذلك:

“لقد أعلن الشعب جميعاً عن رغبته في استقرار الجمهورية الاسلامية انطلاقاً من الانتخابات وأن تتشكل وتعمل بناءً على الموازين والأحكام الاسلامية، ومثل هذه الحكومة لا يمكن قيامها إلا بمنح أكبر قدر من الحريات البناءة والخلاّقة” (28).

ويقول في موضع آخر:

“ان الحياة لا تعد حياة بدون حرية، وإن الحياة بدون استقلال والتي لا تصب إلا في صالح الأعداء ليست بحياة. إن لديكم الآن حياة لأنكم لديكم استقلال ولأن عملكم يذهب لصالح أمّتكم” (29).

ثم يقول:

“ما الذي حدث؟ ثم ما الذي حدث؟! وهل هناك أفضل من تحطيم الشعب لسدّ لم يكن يمكن تحطيمه إلاّ بإرادة اللّه؟! وهل هناك أفضل من نعمة الحرية التي لدينا الآن؟”(30).

وهناك أدلة مختلفة على الحرية في بعض جوانبها من وجهة نظر الاسلام. ومنها ما يلي: عندما يكون الناس مسلطين على أموالهم التي هي من نتائج فعلهم، فهم من باب أولى مسلطون على أنفسهم التي هي ذواتهم، وليس لأحد حق التصرف فيها بلا إذنهم (31).

وقد استنبط المؤلف التسلط على الأموال من الروايات المرسلة الواردة حول تسلط الناس على أموالهم (32). وإن التعاليم المختلفة من قبيل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولزوم المشورة والنصيحة وحب الخير للمسلمين وحكام العدل والنهي عن كتمان الحق يمكن أن تكون أدلة على وجود حرية الرأي والعقيدة في الاسلام.

وبهذا فانه لا شك في اهتمام الاسلام والإمام بقيمة الحرية.

حرية الفكر:

إن رمز نهضة المجتمعات رهين بحياتهم الفكرية، والحياة حياةً صحيحة مع افتقاد الحياة الفكرية لا تعدو كونها ضرباً من ضروب الخيال الصرف؛ فحرية الفكر هي الشعار الخالد لتلك المجتمعات التي لديها ما تقوله والتي تثق بما تقوله وتؤمن بصحته ومنطقيته. ولهذا فان القرآن الكريم كثيراً ما يحث الناس علــى التفكير، كمـا يوبّخ أولئــك الذين لا يُعملون طاقاتهم العقــلية والفكــرية؛ حتى أن القرآن الكريم وصــل إلـى ذلك الحـــدّ الذي يشـبّه فـيه هؤلاء بالأنعـام بل هم أضل سبــيلاً:

{لهم قلوب لا يفقهون بها...أولئك كالأنعام بل هم أضلّ}(33).

كما أن (مولوي ) في أشعاره المستلهمة من أقوال المعصومين (ع) لا يرى للانسان حقيقة بلا فكر:

أخي انت فكر وعقل دقيق وما زاد عظم ولحم رقيق (34)

ولهذا فان الاسلام يدعو إلى التفكر وبسط المجالات الفكرية أمام الناس ويناشدهم التفكير قبل اتخاذ القرار ويعتبر ذلك من أسمى الغايات.

يقول الامام الخميني حول مطلق الحريّات (ومنها حرية الفكر):

“إن الحرية مطلقة في الاسلام، إلا أن يترتب عليها ضرر ومفسدة للأمّة” (35).

إن المناظرات العقائدية التي شوهدت على شاشة تلفزيون الجمهورية الاسلامية في ايران بين بعض مفكري المجتمع الاسلامي وقادة التنظيمات الالحادية في السنوات الأولى لانتصار الثورة الاسلامية لم يكن لها معنى سوى الدعوة إلى الفكر السليم.

ويبدو أن البحث عن حرية الفكر ليس أمراً ضروريّاً بالدرجة القصوى، حيث إن الإلزام الاجتماعي والقانوني أساساً في منع الفكر ـ بصفته شيئاً باطنيّاً ـ لا مفهوم له، وإن كان أقصى ما يمكن القيام به قانونيّاً هو المنع من الحضور في المحافل وقراءة الكتب وغيرها مما يتسنّى طرحه في الحرية العملية والاجتماعات وما إلى ذلك.

على أنه لا ينبغي الخلط بين حرية الفكر وحرية العقيدة؛ فحرية العقيدة هي التي تحتل مكاناً واسعاً في الأبحاث المتعلقة بالحريات الفردية والحقوقية للناس.

يقول الامام حول حرية الفكر وضرورة التفكير:

“إنه ليس بإمكان أحد أن يصوت لصالح شخص بلا تمحيص ولا تحقيق” (36).

حرية العقيدة:

أـ حرية العقائد المذهبية والدينية:

إن حرية العقيدة الدينية لمن المواضيع التي تأثرت إلى حدّ ما بحكم تفتيش العقائد في القرون الوسطى. فلقد كانت معارضة الكنيسة لبعض التيارات والنحل المسيحية التجديدية (البروتستانت) وللعقائد العلمية المتعارضة مع التعاليم الكنيسية سبباً في طرح الأبحاث المتعلقة بحرية العقيدة المذهبية (بمفهومها الشامل حتى اللادينية والتحرر من المذاهب). كما كان بحث حرية العقيدة بين المذاهب والاديان المختلفة متأثراًً هو الآخر على نحو ما بتحركات الكنيسة في تلك الفترة.

ومع أن موضوع حرية العقيدة المذهبية يحتاج إلى الجهد المبذول على نطاق فهم مبانيها في الرؤية الاسلامية، ومع أن بعض الأحكام الاسلامية (كالجهاد الابتدائي ضد الكفار) طرحت على أنها متقاطعة مع حرية العقيدة المذهبية وتحتاج هي الأخرى إلى جواب مناسب، إلا أن التناسق بين فكر الإمام وسيرته العملية في منح حرية العقيدة للأديان والمذاهب الرسمية والتوحيدية لا تجعلنا في حاجة إلى التوسع الزائد في هذا الموضوع.

لقد كانت حرية المذهب والعقيدة بالنسبة للأديان التوحيدية تمثل سؤالاً أساسيّاً وملحاً إبّان الثورة الاسلامية، حتى إن هذا السؤال طُرح مراراً على سماحة الامام .

وفيما يلي كلمات للامام في هذا الصدد:

“إن الأقليات المذهبية ستكون حرة في المستقبل وستعيش حياة رغدة في إيران، وسنتعامل معها بعدالة تامّة وطبقاً للقانون. فهم إخوتنا في الإيمان، ولكم عانوا هم الآخرون من الشاه ونظامه وزمرته” (37).

ثم يقول في موضع آخر:

“وأما المجتمع اليهودي وسائر المجتمعات التي تمثل جزءاً من هذا الشعب في إيران، فسيتعامل معها الاسلام كتعامله مع سائر فئات الشعب. فالاسلام لا يجيز الاجحاف بحقهم، ولا ينبغي أن يضيّق عليهم الخناق، فهذا لا يتماشى مع أصل التربية الاسلامية ولا يتناسب مع الوحي” (38).

فالجمل السابقة تشير إلى حرية العقيدة والاعتراف الرسمي بعقائد اليهود وأمثالهم، وكذلك الى المساواة في الحقوق مع الأقليات المذهبية .

وهذا الكلام يشمل حرية إقامة الشعائر الدينية وإظهار العقيدة وعدم الحرمان من الحقوق الاجتماعية بسبب ما يعتنقونه من عقائد.

كما أن الإمام أشار بصراحة أحياناً إلى هذا المعنى؛ فعندما سأل المجلس الأعلى للقضاء سماحة الامام عن الأسلوب الجزائي لغير المسلمين الذين يعيشون في إيران إذا ما ارتكبوا جرائم من قبيل السرقة والجاسوسية والإفساد والمحاربة، فإنه أجاب قائلاً :

“إن الكفار المذكورين يعيشون في كنف الاسلام، وتطبق عليهم الأحكام الاسلامية شأنهم شأن المسلمين، كما أن دماءهم محقونة ومالهم محترم” (39).

فأهل الكتاب، أو بتعبير أفضل (الاديان الرسمية)، كانوا أيضاً محل احترام أوليائنا الدينيين؛ فسماحة الامام لا يقتصر على نفسه بالتعهد بالحفاظ على حقوق أهل الكتاب، بل إنه يؤكد كذلك على الحفاظ عليها من قبل الآخرين وكونهم تحت حماة الحاكمية الاسلامية، وها هو يوضح سنده الديني، فيقول:

“لعلّكم قد اطّلعتم على التاريخ عندما جاء جيش معاوية، وجرد امرأة من أصحاب المذاهب الرسمية خلخالها، فقال أمير المؤمنين (ع) الذي كان حاكماً في تلك الفترة: لقد سمعت أنهم جردوا مَنْ هي مع الاسلام وتابعة للاسلام من خلخالها، فمن مات في هذا الأمر لا لوم عليه. هكذا كان دفاع أمير المؤمنين (ع)” (40).

والامام الخميني في هذا ينهل من معين نهج البلاغة الثر:

“ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقلبها وقلائدها ورُعُثها، ما تمتنع منه إلا بالاسترجاع والاسترحام، ثم انصرفوا وافرين، ما نال رجلاً منهم كلم ولا أريق لهم دم! فلو أن امرأً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً، بل كان به عندي جديراً”(41).

فهذا الكلام يعدّ من مفاخر الاسلام؛ واهتمام أئمة الدين بالحفاظ على الحقوق قولاً وعملاً كان تعبيراً عن الوجه الناصع للحكومة الاسلامية.

إن الامام علي (ع) عدّ الطوائف المختلفة التي لها حق في عنق الحكومة الاسلامية من أهل الذمّة، وذلك في عهده إلى مالك الاشتر (42).

ويبقى الابهام الوحيد، وهو أن أتباع الديانات الرسمية في الدولة الاسلامية لهم أحكام فقهية خاصة كإعطاء الجزية وإعفائهم من الوجوه المالية الشرعية والمشاركة في الحرب، وسواها. وقد أشار الامام الخميني إلى هذه الأحكام في (تحرير الوسيلة)، وفيما يلي بعضها:

ـ تؤخذ الجزية من اليهود والنصارى من أهل الكتاب وممن له شبهة كتاب، وهم المجوس، من غير فرق بين المذاهب المختلفة فيهم كالكاثوليكية والبروتستانية وغيرهما، وإن اختلفوا في الفروع وبعض الأصول بعد ان كانوا من إحدى الفرق.

ـ الفرق الثلاث إذا التزموا بشرائط الذمّة، أقروا على دينهم سواء كانوا عرباً أو عجماً، وكذلك من كان من نسلهم، فإنه يقرّ على دينه بشرائطها، وتقبل منهم الجزية (43).

ولكن الذي نستخلصه من الأقوال السابقة للإمام (والتي تختص بزمن انتصار الثورة وما بعده) وما نستوحيه من سيرته العملية ونظام الجمهورية الاسلامية يدل على عدم تطبيق أحكام الذمة.

وهناك احتمالان لفهم الاختلاف بين هذين الرأيين:

1ـ يرى بعض الفقهاء أن العقد مع أهل الكتاب هو بيد ولي أمر المسلمين وتحت تصرفه. إذاً، فلو رأى ولي الأمر أنه لا مصلحة للاسلام والمسلمين في إجراء هذا العقد في الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الخاصة، أو أن الأوضاع الدولية لا تتناسب مع مثل هذا الأمر، فانه يمكنه التخلي عن ابرام هذا العقد.

2ــ مع أن عقد الذمّة لازم على ولي امر المسلمين، ومع أن المكانة الشرعية لأهل الذمّة وأوضاعهم من المسائل الواضحة في الفقه الشيعي، إلا أنها يمكن تعطيلها مؤقتاً كسائر الأحكام الفرعية الأخرى، وذلك كنظرية المصارف الاسلامية التي لم يكن يمكن تطبيقها إبان انتصار الثورة الاسلامية، ولذلك فانها لم تبلّغ إلى المصارف إلا بعد سنوات من انتصار الثورة. ولعل ولي الأمر سيتعامل مع أهل الذمّة في الوطن الاسلامي بناءً على العقد والشروط المقررة للذمّة، وذلك عندما لا يكون ثمّة مانع من ذلك. وفي الواقع فان بعض شرائط الذمّة التي بيّنها الامام في (تحرير الوسيلة) (44) وذكرها الفقهاء الآخرون في كتاب الجهاد(45) تطبق في الوقت الحاضر على أهل الذمّة.

فمن الشروط التي يجب على أهل الذمة مراعاتها والتي تُعتبر من شرائط الذمّة ما يلي:

1ـ عدم شن الحرب على المسلمين وعدم التعاون مع أعداء الدولة الاسلامية.

2ـ عدم التظاهر بالمنكرات التي لا يبيحها الشرع الاسلامي.

3ـ احترام الأحكام القضائية والقانونية الاسلامية.

4ـ عدم إيقاع الأذى بالمسلمين، وعدم ارتكاب الفحشاء مع النساء المسلمات، وعدم السرقة والتجسس (46).

والخلاصة هي أن المذاهب الرسمية والأديان السماوية الأصيلة ـ التي تشمل مصاديقها على ثلاثة أديان طبقاً لأقوال الامام ونص الدستور ـ تمتلك حرية العقيدة والعمل بما في مذاهبهم.

وينص الأصل الثالث عشر من الدستور على ما يلي:

الزردشتيون واليهود والمسيحيون الايرانيون هم الأقليات الدينية الوحيدة المعترف بها رسميّاً، والذين لهم الحرية في إقامة شعائرهم الدينية في إطار القانون، ولهم الحق في ممارسة أحوالهم الشخصية وتعاليمهم الدينية كل طبقاً لعقيدته.

ب ـ حرية العقائد اللادينية (المذاهب الإلحادية):

إن الحديث حول حرية العقائد اللادينية في عالم اليوم وفي ظروف المجتمع الراهنة هو حديث ذو شجون؛ فبعض هذه العقائد مخالف للأديان الابراهيمية، بل إنه أساساً يشكك في التوحيد، بينما البعض يمكن طرحه في قبال بعض الكليات بالمذهب أو حتى بالقضايا السياسية والاجتماعية؛ فالماركسية تعتبر من مصاديق حرية العقائد المخالفة للمذهب في إيران، وكذلك (البهائية) وإن اعتبرت نفسها مذهباً، فهي مخالفة أساساً للدين الاسلامي وتعتبر من مصاديق العقائد المخالفة للدين.

إن مما لا شك فيه أن مثل هذه العقائد لا قبول لها في نطاق الفكر الاسلامي، كما أنه لا يمكن التصالح بين التوحيد والإلحاد، وهناك من الآيات القرآنية الكريمة ما يدعو إلى قتال الكفار حتى القضاء عليهم أو اعتناق الاسلام. وقد أوضحنا فلسفة ذلك سابقاً وبشكل إجمالي عند الحديث عن الجهاد الابتدائي. ومع ذلك فان بحثنا ناظر إلى الظروف العالمية الراهنة وإلى رأي سماحة الامام في هذا الصدد.

فقد ثبّت سماحته حرية العقائد الإلحادية أيضاً في جوابه عن أسئلة الصحفيين:

سؤال: هل للماركسيين حق التمتع بحرية العقيدة وحرية الرأي في ظل الحكومة الاسلامية؟

جواب: إن الجميع يتمتعون بحرية العقيدة في ظل الحكومة الاسلامية ماعدا حرية التخريب (47).

وعندما سُئل حول اعتقال أعضاء حزب (توده) وبعض البهائيين بعد انتصار الثورة الاسلامية، أجاب قائلاً:

إننا نقول لكم إن حزب (توده) والبهائيين لم يحاكموا لأنهم حزب (توده) أو لأنهم بهائيون، بل بسبب ما اقترفوه من جرائم.

فأعضاء حزب (توده) اعترفوا بما اقترفوه وبسوء سابقتهم. وأما البهائيون فليسوا على مذهب ولا دين، بل إنهم حزب كان يدعمهم البريطانيون سابقاً والأميركيون حاليّاً؛ فهؤلاء جواسيس كحزب (توده). ولو لم يكونوا جواسيس لما حوكموا، فهناك سواهم الكثير من أصحاب العقائد المنحرفة كالشيوعيين وسواهم. ولم يحاكم البهائيون بسبب انحرافهم العقائدي. ولو لم يكن حزب (توده) متآمراً لما تعرّض له حراس الثورة الأعزّاء (48).

وفي الواقع فان دستور الجمهورية الاسلامية لا يعترف بهؤلاء كأقليات مذهبية رسمية، ولذا فإنهم ليسوا أحراراً في إقامة مراسمهم ـ لو كان عندهم مراسم ـ ولا يجري عليهم ما يجري على سائر الأديان المعترف بها رسميّاً. وكمثال على ذلك، فانهم لا يستطيعون أن يفتحوا مكاتب للزواج والطلاق طبقاً لما عندهم من تعاليم، أو أن يتعاملوا مع الارث خلافاً للقوانين الرسمية للبلاد، أو أن يؤسسوا مدارس بهائية وشيوعية، لأن الذين يتمتعون بالحرية على هذه الأمور وفي الأحوال الشخصية وفي الشعائر الدينية هم اتباع الأديان الرسمية.

ومفهوم الحرية على هذا النحو هو أنه لو تقبلنا الملحدين الآن في المجتمع الاسلامي انطلاقاً من المصالح السياسية ومع اظهارهم لعقيدتهم غير الاسلامية فانهم لا يُعتقلون لهذا السبب، ولكننا أساساً لا نعترف بمذهبهم رسميّاً.

وعدم الاعتراف رسميّاً بمذهبهم يستلزم الحرمان من الحقوق الاجتماعية إلى حد ما. فمع أن مجلس الشورى الاسلامي يضم بين أعضائه ممثلين عن الأديان المعترف بها رسميّاً، إلا أنه لا وجود لممثلين بهائيين أو شيوعيين.

وحتى أهل الكتاب الذين ينتمون للأديان الرسمية، فانهم لا يستطيعون بالضرورة أن يكون لهم دور في المناصب العليا لادارة المجتمع الاسلامي، لأنه من شروط المناصب الرفيعة في الجمهورية الاسلامية، كرئيس الجمهورية، الاعتقاد بالدين الاسلامي المبين (49).

والمثير للانتباه في هذا المجال هو أن أهل الكتاب وحتى أتباع العقائد اللامذهبية يتمتعون بالكثير من حقوقهم الفطرية، فلا يُعتقلون ولا يلاحقون ولا يحرمون من حق الحياة أو الاستفادة من الخدمات الحكومية أو التعلم أو اختيار العمل أو المسكن أو الملكية بسبب ما لديهم من عقيدة خاصة.

وثمة اختلاف كبير بين الفكر الديني والأفكار اللادينية، وهو أنه مع عدم تعرض الفكر الديني للعقائد الأخرى، إلا أن “اعتناق الناس للاسلام” هو صاحب الأولوية والجدير بالانتشار والذي يسعى لترويجه النظام الاسلامي. اما الأفكار المعاصرة في أوربا والتي تعتبر الدين وسيلة مناسبة لقضاء أوقات الفراغ ومجرد ارتباط بين اللّه والانسان بشكل عام، وكذلك الفكر الشرقي الذي يعتبر الدين ظاهرة سلبية في المجتمع، فانها لا تعير اهتماماً لوجود الدين أو عدمه.

ولهذا فان الفكر السياسي للامام الخميني لا يقبل بالمادة الثامنة عشرة من البيان العالمي لحقوق الانسان.

المادة الثامنة عشرة: لكل شخص حق الاستفادة من حرية الفكر، والضمير، والمذهب. وهذا الحق يتضمن حرية تغيير المذهب أو العقيدة كما يتضمن حرية إظهار العقيدة والايمان، ويشتمل كذلك على التعاليم المذهبية وإقامة الطقوس الدينية. ولكل شخص حق الاستفادة من هذه الحقوق بعضاً أو كلاًّ وبصورة خاصة أو عامة (50).

وبالطبع فان نفي حرية العقيدة ـ بمعناها الخاص ـ لا تعني بتاتاً جواز فرض الدين الاسلامي من وجهة النظر الدينية، ولهذا فان الاتهامات المزيفة التي يكيلها الغرب المستكبر ليس من شأنها أن تنال من الاسلام على أي وجه من الوجوه.

حرية الرأي

قيمة حرية الرأي من وجهة نظر الاسلام وفكر الإمام الخميني:

تعتبر حرية الرأي من أهم الصفات الملازمة للحياة البشرية. والمجتمع الذي لا يتمتع حرية الرأي ليس له طريق سوى الجمود والتقليد والتخلف. وإن الاختلاف الفكري الناتج عن الحرية يؤدي بدوره إلى ظهور الحق الحقيق والوصول إلى التقدم العلمي. وليس النظرية المؤسسة الحاكمة أن تدّعي لنفسها الحق المحض دون سواها. فالوقوف على آراء وعقائد السلف يسفر عن حقيقة صارخة هي أن معظم النظريات كان لها نصيب من الصحة وآخر من الخطأ، ذلك أن القمع واستلاب حرية الرأي كان يقف حائلاً دون ظهور الحقيقة الكاملة.

ولقد اهتم القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بحرية الرأي، والأحكام والآيات التي أفردها القرآن لهذا الموضوع وكذلك سيرة المعصومين (ع) تدل على ذلك.

فالرأي في الاسلام ليس حرّاً فحسب ( طبقاً للقواعد التي سوف نشير إليها) بل إنه قد يكون واجباً في بعض الأحيان على “العالم” و “العارف”.

ويعتبر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من أوضح مصاديق حرية الرأي. فأمير المؤمنين (ع) يعدّ “الرأي” من مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

“فمنهم المنكر للمنكر بيده ولسانه وقلبه، فذلك المستكمل لخصال الخير” (51).

كما أن الأمر بالشورى والحث عليها يعتبر من الأحكام الأخرى الملازمة لحرية الرأي. فالرسول (الكامل) الذي كان على صلة بالوحي الالهي كان هو الآخر مأموراً بمشورة الناس مع كل ما له من درجة ومنزلة، أي أن الناس يتمتعون بحق حرية الرأي تجاهه، بل إن عليهم أن يعبّروا عن رأيهم.

وإن الذي يصرح بصورة خاصة بحرية الناس في التعبير عن رأيهم أمام الحاكم وإزاء سلوكه ووجهات نظره هو أحد حقوق الحكومة على الرعية، والتي يُعبر عنها بـ “النصيحة لأئمة المسلمين”.

يقول أمير المؤمنين (ع) في ذلك:

“وأما حقّي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب” (52).

ومع أن البعض فسّر النصيحة على أنها حب الخير والدعاء وحسن النية تجاه الأمير والقائد، مدللين على ذلك بمعناها اللغوي وبعض الوقائع، إلا أن سياقها مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومع الأخذ بالاعتبار أن بيان عيوب ولي الأمر يعني حب الخير له، حيث إن السكوت في مثل هذه الحالة لا يعني ذلك، فان كل ذلك يعدّ دليلاً على ما ذهبنا إليه.

وثمة أمور كثيرة تشير بوضوح إلى حق حرية الرأي في المجتمع الاسلامي، ومنها: الجدال بالتي هي أحسن {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (53). وكذلك {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (54). ومنها: الحث على استماع القول الحسن {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (55). ومنها: مطالبة القرآن للمخالفين بالإتيان بالدليل والبرهان {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}پ(56).

وأما الامام الخميني فقد طرح حرية الرأي على نطاق واسع، وكان يعتبر كثرة المطبوعات في الجمهورية الاسلامية في العام الاول لانتصار الثورة دليلاً على هذه الحرية، وقد أشار إلى هذه الحقيقة مرات ومرات. ومن ذلك:

سؤال: ما هي الحدود التي ترونها لحرية الرأي والعقيدة؟

جواب: كل شيء حرّ ما دام لا يضر بمصلحة الشعب. وما سوى ذلك فليس حرّاً. وحتى الماركسيون يتمتعون بحرية الرأي والعقيدة ما دام ذلك لا يمس بمصلحة الشعبپ(57).

كما جاء ايضاً في مقابلة أخرى:

سؤال: ما رأيكم في نشاط الأحزاب السياسية اليسارية التي لا تتمتع بدعم أجنبي، في إطار حكومة الجمهورية الاسلامية؟

جواب: الجميع يتمتعون بحق حرية الرأي والعقيدة في الجمهورية الاسلامية، ولكننا لا نجيز الخيانة من جانب أي فرد أو تنظيم ينتمي للقوى الأجنبية (58).

إن الذين يعارضون الرأي الآخر ويقمعون ما يخالف رأيهم من أفكار ونظريات هم أناس ضعفاء ولا يثقون بأنفسهم.

وإن الفكر الاسلامي الذي لا شك في حقانيته وقوة استدلاله يحض على الحجاج والمناظرة ومحاورة الآخرين والاستماع إلى ما يقوله المخالفون.

وإن الاحتجاجات الكثيرة التي أثارها الأئمة المعصومون (ع) إزاء الآخرين لدليل على صدق هذا الادعاء. وقد أشار الامام الخميني إلى هذه النقطة في بعض أقواله:

“وأما في المجتمع الذي نفكر باستقراره، فان الماركسيين سيكونون أحراراً في التعبير عن آرائهم، وذلك لأننا على ثقة بأن الاسلام لديه الجواب لكل ذي سؤال ويستجيب لمطالب الشعب”(59).

ولقد أشار الامام بشكل مطلق إلى معنى حرية الرأي في القول والكتابة والصحافة وسواها، ومصاديق ذلك في الكثير من أقواله (60).

حدود حرية الرأي:

ليس هناك شك في أصل ضرورة حرية الرأي وما لذلك من آثار إيجابية، وكذلك في الأضرار الناجمة عن الرقابة واستلاب الحريات. وتعد هذه النقطة من الضروريات عند علماء السياسة، وكما قال بعضهم: “حرية الرأي والقلم للكاتب هي بمثابة الهواء لتنفس الانسان الحي”. بيد أن السؤال المهم هو: هل لهذه الحرية حدود وقيود أو لا؟ وهل يستطيع كل إنسان أن يقول ما يريد؟ وهل يمكن نشر أي رأي أو فكرة أو فن أو رواية بحرية أو لا؟

هناك خلاف كبير بين المعنيين في هذا المجال؛ فالبعض يقولون بالحرية المطلقة للرأي بلا أي قيد أو شرط. وأما الذين يقولون بوجود قيود وحدود لحرية الرأي فقد اختلفوا في مفهوم ذلك ومصاديقه. يقول “جان استيوارت ميل” أحد أنصار حرية الرأي المطلقة:

“إذاً، فالمنطقة المناسبة للحرية البشرية تشتمل بالدرجة الأولى على محيط يقظة ضميره، وبوسع الضمير الانساني بكل ما له من معنى أن يكون حراً في هذه المنطقة. فحرية الأفكار والميول، والحرية المطلقة للعقائد والمشاعر تجاه شتى الأمور النظرية والعملية والأخلاقية أو الالهية تعتبر من الأشياء الضرورية. وأما حرية الرأي ونشر العقائد فمن الممكن أن يشتمل في الوهلة الأولى على أصل آخر على ما يبدو، حيث إن القول ونشر العقيدة يتعلق بذلك الجزء من سلوك الفرد المتعلق بالآخرين، ولكن نظراً لأن الرأي ونشر الفكر يعتبر تقريباً من الأهمية بمكان بالدرجة التي يعد فيها الفكر وإلى حد كبير قائماً على نفس الأدلة التي تؤدي إلى أن حرية الفكر لا يمكن تطبيقها عملياً، فهذا بحث آخر” (61).

والملاحظة المهمة في كلام “ميل” هي أنه على علم بالأضرار المحتملة الناجمة عن بعض الآراء والكتابات على الآخرين، وطبقاً لتعريفه للحرية المطلقة والمشروطة بعدم إلحاق الضرر بالآخرين، كان عليه هنا أن يعتبر أن حرية الرأي منوطة بعدم الاساءة الى الغير. ولكن دهشته الفائقة من اتساع نطاق الحرية المطلقة وعدم استطاعته تعيين حد مناسب للتفريق بين الرأي الحر والرأي الممنوع تجره إلى أنه من المستحيل وضع حد فاصل بين حرية الفكر وحرية الرأي، وبالتالي الإعلان عن أن كلتيهما حرية مطلقة وبلا حدود.

الأدلة الأساسية على حرية الرأي والقلم المطلقة:

يقيم القائلون بحرية الرأي المطلقة دعواهم هذه على أدلة ثلاثة رئيسية، هي:

1ـ إذا لم تكن هناك حرية في الرأي، فلن يكون بوسع المؤسسة الحاكمة معرفة آراء الرعية، ولن تكون هناك إمكانية للوقوف على أخطاء الحكام، كما أن الطاقات لن تنمو ولن تزدهر، وستعتري المجتمع حالة من الخمود.

2ـ أنه من الناحية التاريخية فان الكثير من العقائد التي كانت تعدّ في زمانها خاطئة وخطيرة وضد الأخلاق أو الدين ـ والتي لم يكن بوسعها أن تطرح وتمتد بدون حرية الرأي ـ قد أضحت جزءاً من المعتقدات العامة بعد فترة من الزمن. فهؤلاء لا يؤمنون حتى بالرقابة على نشر ما هو مخالف للأخلاق والدين ولا على انتشار المشاهد المستهجنة، وذلك لأن المجتمع يجب أن يكون على علم بشتى الحقائق والأحداث بلا مواربة، ولم يكن رجال الحكومة في أي من الأوقات على تلك الدرجة من العلم والمعرفة والتقوى حتى يستطيعوا إبداء رأيهم بصورة صحيحة في أفكار وأقوال وكتابات الناس ومن بينهم المفكرون وأولو الرأي في المجتمع، ولا توجد ثمة قاعدة ثابتة ولا ضابطة دقيقة تكون محل اتفاق الجميع بحيث يُعدّ تجاوزها مدعاة للضرر والخطورة. فحيثما كان هناك وفاق على حدود ما فإن هذا سيؤدي إلى التوقف عن انبعاث عادات وأساليب جديدة وسيخلع على الحكومة سطوة لن يكون من السهل التغلب عليها. فمثلاً إذا كان هناك منع لرواج ما هو خلاف الواقع والانصاف والعفة والأخلاق العامة، فسيكون بوسع الحكومة أن تحول دون كل ما يغضبها تحت عناوين وذرائع مختلفة.

3 ـ أن الوقوف أمام حرية رأي المفكرين سيصيب المجتمع بحالة من الاحباط واليأس وسيقلل من روح البحث وإبداء الرأي وحساسية أفراد المجتمع (62).

والذي يمكن استخلاصه من هذه الأدلة بوسعه دفع المنع المطلق لحرية الرأي. فلو أننا قبلنا أنه لا توجد واسطة بين الحرية المطلقة ومنع الحرية، أو أن قيود الحرية تعتبر سبباً للمنع المطلق لحرية الرأي بصورة عملية، فان النظرية السابقة يمكن تحملها مع وجود الأضرار المحتملة الناتجة عن الحرية المطلقة.

ولكن عندما نعتبر الحد الفاصل بين سلب وإيجاب حرية الرأي أمراً ممكناً، فان الاهتمام بمضرات حرية الرأي المطلقة لن تجعلنا نتردد في نفي الحرية المطلقة.

وكمثال على ذلك، فإنه لو أقدم أحد على هتك حرمة وكرامة الآخرين وتضليل أفكار العموم وجرّهم إلى الفساد تحت غطاء الحرية المطلقة، أو جاء من الباب الخلفي وأدى بالمجتمع إلى الخراب والدمار طمعاً في تحقيق مآربه الخاصة، فكيف يمكن تعويض هذه الخسارة؟

وبملاحظة هذا الإشكال، فاننا نجد أيضاً أن ثمة اختلافاً في وجهات النظر حول بيانات الحقوق في العصر الراهن. فالبيان العالمي لحقوق الانسان يدعم الحرية المطلقة، إذ ورد في المادة التاسعة عشرة من هذا البيان ما يلي:

لكل شخص حق حرية العقيدة والرأي، وهذا الحق يتضمن عدم القلق أو الخوف من اعتناقه العقيدة وأن يكون حراً في الحصول على المعلومات والأفكار وحراً في نشرها وترويجها بكل الوسائل الممكنة بلا قيود ولا حدود (63).

ولكن الحرية فقدت صفة الاطلاق في نصوص البيان الفرنسي لحقوق الانسان، وصارت مقيدة بالحدود القانونية. حيث جاء في المادة الحادية عشرة لهذا القانون ما نصه:

إن حرية التزود بالأفكار والعقائد لمن أثمن حقوق الانسان. ولهذا فان كل مواطن بوسعه أن يقول ما يريد بحرية وأن يكتب وينشر ما يريد إلا في الأحوال التي حددها القانون. وحينئذ فان تجاوز الحرية المذكورة سيستتبع تحمل المسؤولية (64).

حدود حرية الرأي من منظار الدين:

مع أن حرية الرأي ومطلق الحريات تحتل مكانة خاصة في الرؤية الدينية، الا أن حرية البيان هذه حرية مقيدة بالتأكيد. فلو لاحظنا أحكاماً كحرمة الغيبة والتهمة والكذب، فان ذلك دليل على أن الحرية المطلقة في القول لا وجود لها، بل إن القول ينبغي أن يكون صادقاً وأن لا يؤدي إلى أذى وإيلام الآخرين.

فمطلق الهتك والاهانة والسب أمر حرام، وفي خصوص النهي عن هتك حرمة مقدسات الآخرين جاء في القرآن الكريم:

{لا تسبّوا الذين يدعون من دون اللّه} (65).

ويقول آية اللّه النائيني مشيراً إلى الآية الشريفة: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}:

“ان حقيقة الدعوة إلى الحرية وكسر قيود الظالمين، هي الدعوة إلى التوحيد، وهو من واجبات وشؤون الانبياء والأولياء بنص الآيات والأخبار السابقة. فلو خطا أحد خطوة في هذا السبيل سواء كان صاحب جريدة أو من روّاد المنبر فعليه أن يتأسى بهذه السيرة المقدسة، وأن يجعل وصايا الآية المباركة نصب عينيه، وأن يتجنب الغمز واللمز المثير للشكوك. ولا تجدر أن تكون حرية القلم والرأي التي هي من مراتب الحرية الطبيعية والالهية وسيلة لهتك الأعراض المحترمة أو ابتزاز زيد أو عمرو أو الايقاع ببكر وما الى ذلك “ (66).

حرمة اقتناء كتب الضلال:

لقد جاءت مسألة حرمة اقتناء كتب الضلال ضمن العناوين الاستطرادية لبحث الشيخ الانصاري (ره) في باب المكاسب المحرمة. وهذا يستلزم أن الكتب المتضمنة للضلال فاقدة لحق النشر والتوزيع وليست لها قيمة تذكر. ولهذه النقطة ارتباط وثيق بقضية حرية الرأي والنشر والصحافة.

يقول الشيخ الأنصاري في أدلته على فتواه بحرمة اقتناء كتب الضلال “في الجملة”:

“ومن هنا نستنتج أن اقتناء كتب الضلال ليس محرماً في ذاته ما لم تترتب عليه مفسدة الضلال القطعي أو الاحتمال القريب لذلك؛ فلو لم تترتب مفسدة على اقتناء كتب الضلال أو كان معارَضاً بمصلحة أقوى أو بمفسدة محتملة وكانت هناك مصلحة موجودة بالفعل فلا دليل على الحرمة في هذه الصورة” (67).

إن ملاحظة إطلاق الكلام السابق توجب المنع من الأمور التي تؤدي إلى موجبات فساد المجتمع على ما يظهر.

يقول سماحة الامام أيضاً في فتواه في تحرير الوسيلة:

“يحرم اقتناء كتب الضلال واستنساخها وقراءتها وتعلمها وتعليمها ما لم يكن هناك غرض صحيح، كأن يقصد الرد عليها أو إبطالها مع صلاحيته لهذا الأمر. ولكن مجرد الاطلاع على المواضيع لا يعد من الأغراض الصحيحة التي تجوّز للعوام اقتناءها وهم ليسوا بمأمن من الضلال والتردد. فيجب على العوام الابتعاد عن الكتب المشتملة على العقائد المخالفة لعقائد المسلمين وخصوصاً المتضمنة للشبهات والمغالطات التي يعجز الناس عن حلها، كما يحرم عليهم شراؤها واقتناؤها والاحتفاظ بها، ويجب محوها”.

وبذلك تتضح فلسفة المنع من كتب الضلال. فحرية الرأي ليست مطلقة من وجهة النظر الدينية، بل إنها مقيدة بمصالح الفرد والمجتمع الاسلامي، ومن هنا فانه لا مكان لحرية الرأي هذه عند توقع الفساد أو إذا كانت مؤدية للانحراف العقائدي.

ان سماحة الامام أيضاً لم يناصر أبداً الحرية المطلقة، بل جعلها مقيدة بوجه من الوجوه. ولقد تكرر ذكر حدود الحرية في اقوال الامام، وفيما يلي بعضها حتى تستجمع لدينا حصيلة مناسبة.

حدود حرية الرأي من وجهة نظر الامام الخميني:

1ـ الحرية إلى حدّ الفساد:

لنلاحظ ما يلي من كلمات الامام في هذا المجال:

“إن الحرية هي في حدود القانون. فالاسلام حال دون المفاسد ومنح شتى الحريات التي هي دون الفساد. والآن هو وقت الوقوف بوجه المفاسد التي وقف الاسلام بوجهها، وما دمنا أحياءً فسنقف بكل ما لدينا في وجه تلك الحريات التي يبغونها ولن نسمح بتحققها” (68).

2ـ الحرية في إطار الاسلام وقوانين البلاد:

يقول سماحة الامام بهذا الصدد:

“لا شك وأنكم تدركون أن على الصحافة أن تكون دائماً في خدمة الاسلام العزيز والمواطنين، وسوف تتوفر الحريات في حدود الأحكام الاسلامية المقدسة والدستور على أفضل وجه” (69).

كما يقول سماحة الامام في موضع آخر:

“انهم يبغون حرية دون إسلام؛ وهذا على خلاف طريقتكم. انكم تريدون الاسلام، ونحن نريد الاسلام؛ الاسلام الذي يمنحنا الحرية لا الحرية بلا اسلام” (70).

3ـ الحرية حتى إلحاق الضرر بالناس:

سؤال: لو افترضنا أن حكومتكم أو أية حكومة أخرى تساندوها ستكون على سدة السلطة، أفلن يكون هناك أي تضييق سياسي؟

جواب: مطلقاً؛ فالحرية ستُمنح للجميع إلى الحد الذي لا تضر فيه بالشعب الايراني (71).

4ـ الحرية حتى التآمر على النظام:

لو ألقينا نظرة على الثورة الاسلامية في إيران وخط سير حرية الرأي على النحو الذي أسلفنا لوجدنا أنه لم يكن هناك أي نوع من الرقابة على الصحافة لعدة شهور بعد انتصار الثورة، حيث كان الكتاب يكتبون وينشرون بحرية تامة وبلا أدنى قيود، إلى أن مهدت سبل التآمر المسلح على النظام شيئاً فشيئاً، فما كان من سماحة الامام في هذه الحال إلا أن قام بتحديد هذه الحرية المطلقة نسبياً ووقف بوجه بعض الصحف .

ولقد قال سماحة الامام بهذا الصدد:

“لقد وفّرنا الحرية بعد الثورة بلا حدود ولا قيود لكل التيارات والأجنحة والصحف، ولكنه بدا بعد حين أنهم بصدد التآمر على البلاد ويسعون لإلحاق الدمار بها، حيث كان بعضهم يستمد العون من الأجانب، ولقد اتضح من ملفات وكر التجسس الأمريكي أن أمريكا واسرائيل كانتا وراء الموضوع. ولهذا فقد حجب القضاء عن الظهور تلك الصحف التي ثبت أنها كانت مدعومة من الخارج” (72).

ان تحديد حرية الرأي بالحدود السابقة يتلخص في الحقيقة بالحدود الاسلامية والقانونية، ومن هنا يتضح هذا التحديد.

كذلك فان البلدان الأخرى لا تمنح حرية النشر والرأي مطلقاً للمعارضين للقوانين المحلية. ولا يوجد بلد اليوم يضحي بأركان حكومته وكرامته بحجة توفيرالحريات. والوقوف على ما كان يُنشر في الأعوام الأولى للثورة وما جرّه من وبال على البلاد يعتبر دليلاً إن لكل دين هويته الخاصة كما لكل بلد هويته الخاصة، وإن المسلمين يعيرون أقصى أهمية لدينهم الاسلامي أكثر من البلاد نفسها. ولذا فان الحرية أمر مقبول مادامت في إطار الحفاظ على الاسلام.

يقول سماحة الامام في بيان جامع في هذا المقام:

“إنهم لا يوضّحون الحرية بالشكل الصحيح، أو انهم لا يعرفون، فالحرية في كل البلدان لا تكون إلا في حدود قوانينها، وليس الناس أحراراً في أن يخالفوا القانون. والحرية لا تعني أن يقول كل واحد ما يريد خلافاً للقوانين، وخلافاً لدستور الشعب وقوانينه. إن الحرية لا تكون إلا في حدود قوانين البلاد. وإيران دولة إسلامية وقوانينها قوانين اسلامية”.

ويبدو أنه لا خلاف في وجهات نظر الفكر الديني حول ضرورة تحديد الحرية بالقوانين الاسلامية وقوانين البلاد (التي لابد وأنها تتضمن منع التآمر على النظام وإهانة المقدسات والسعي لزلزلة كيان الدولة)، ولكن المثير للضجة والخلاف هو المصاديق التي قد تعتبر في دائرة الممنوعات من وجهة نظر الكاتب أو المتحدث.

وتتسع دائرة هذه القضية لدرجة أنه يمكن اعتبار أن الاساءة لأحد موظفي المؤسسات أو الحكومة بمثابة مؤامرة على النظام، وكذلك اعتبار أن الانقلاب المسلح ضد النظام يصب في مصلحة البلاد (لا في مصلحة المدراء).

ومن هنا فانه يستعان بهيئة المحلفين الخاصة بالمطبوعات والصحافة في الدستور في مورد جرائم وقضايا الصحافة. وينص الأصل 361 من دستور البلاد على هذا الامر، وطبقاً لهذا الأصل فان المحاكمات السياسية والصحافية لا بد وأن تكون علنية وبحضور هيئة المحلفين في قاعة المحكمة.

ومع ذلك فان هذه النقطة المظلمة ما زالت موجودة في المجتمعات البشرية، ولكن وجود هذه الاشكالية على أية حال لا يمكن أن يكون مجوزاً لتوفير الحرية بشكل مطلق. ولقد واجه دستور الجمهورية الاسلامية في ايران إبهاماً عند التصديق عليه فيما يخص القيود اللازمة لحرية الصحافة؛ فلقد كان الأصل الخاص بذلك عند تصديق اللجنة عليه كما يلي:

يسمح بحرية الرأي في ترويج الافكار والعقائد والمواضيع عن طريق الصحافة والسينما والمسرح والأشرطة ووسائل الاتصال الجمعي خدمةً للثقافة الاجتماعية وتفتح الأفكار والأذهان والنقد البناء، ويمنع ما يخالف الحياء العام، وإهانة المشاعر الدينية، وإذاعة الأسرار العسكرية أو التي تخل باستقلال أراضي البلاد وأمنها العام أو تؤدي إلى ضلال الناس. والقانون يحدد عقوبة مخالفة هذا الأصل (73).

ولكن بعد الطرح، كانت الاشكالات الأساسية متعلقة بالابهام في المفاهيم؛ فمثلاً اصطلاح “تؤدي إلى إضلال الناس”.. نجد من الواضح أن كل حكومة بوسعها اعتبار كل ما يخالف ميولها مؤدياً إلى إضلال الناس فتقوم بمنعه. غير أنه حصل بعض التعديل اثر مناقشات مطولة حول القيود اللازمة للحفاظ على حرية الرأي، فخرج نص الدستور كما يلي:

الأصل الرابع والعشرون:

الصحف والمطبوعات تتمتع بالحرية في نشر مواضيعها إلا أن تكون مخلّة بالمباني الاسلامية أو الحقوق العامة. والقانون يتولى تفصيل ذلك.

وما زلنا نلاحظ في هذا الأصل أن الابهامات القائمة أحيلت إلى ما بعد ذلك من قوانين.

ومع أن السيرة العملية لسماحة الامام في حرية الرأي تنتهج منحى التحديد قليلاً بالنسبة للتنظيمات المعارضة للحكومة، إلاّ أن سماحته كان يؤكد على النقد البنّاء الموجه للحكومة.

والنقطة التي كانت كثيراً ما تتكرر في أقواله تعود إلى الابهام السابق، حيث كان سماحته يضع فرقاً بين الرأي الناصح والانتقاد البناء وبين القدح والهتك، فكان يحذر المسؤولين من الثاني ويشجعهم على الأول. يقول الإمام مخاطباً الناس في ذلك:

“لو اقترف أحد عملاً لا يرضى به الناس ـ لا سمح اللّه ـ فعلى الناس أن يعارضوه على ما فعل؛ ففي صدر الاسلام سأل “عمر” الناس قائلاً: ماذا ستفعلون لو أخطأت؟ فجرد رجل سيفه وقال: نقومك بهذا السيف! فعلى الناس أن يكونوا هكذا، ويجب على المسلمين أن يقوموا بالسيف كل من يخطئ حتى لو كان خليفة المسلمين” (74).

ثم يقول سماحته:

“والأمر الآخر هو النقد؛ فللصحف ـ بالطبع ـ أن تبدي رأيها في الأحداث الجارية. وعندما يكون النقد صحيحاً يكون مفيداً، ولكن عندما يكون النقد انتقاماً، فهو مالا ينبغي أن يكون، لأنه مخالف للمعايير. فليس من الصحيح أن يقمع واحد الآخر على صفحات الجرائد بسبب ما بينهما من خلاف. ولكن يجب توجيه النصيحة لمن ارتكب خطأ. فالنقد هو الصحيح وليس التشهير”(75).

الحريات الفردية، حرية التصرف والعمل:

قد يعبر عن هذا النوع من الحريات أيضاً بالحرية الشخصية أو حرية الأعمال الفردية. وتقوم هذه الحريات على أساس حقوق الأشخاص في مجال الحريات الشخصية. فيجب توفير الأمن لأفراد المجتمع حتى لا يشعروا بالقلق والاضطراب من عمليات الاعتقال المفاجئة التي تجعلهم في معرض العذاب النفسي، إذ يحق لهم الذهاب حيثما يريدون والسكن أينما يرغبون والاحساس بالطمأنينة في ديارهم، ولا يحق لأحد مهما كان أن يقتحم حريم منازلهم بلا سبب قانوني أو معقول. فالانسان الحر هو الذي لا يكون محكوماً بقرار الآخرين، وله أن يتصرف كيفما شاء. وقد قسموا الحريات الشخصية إلى عدة أنواع، منها : الامان وحرية السكن وحرية المكاتبات وحرية التنقل وحرية اختيار العمل، وما إلى ذلك” (76).

ولقد أشار سماحة الامام إلى أنواع مختلفة من الحريات الشخصية، وأعلن رفضه لاستلابها إلا فيما يتعلق بأمن البلاد ومؤامرات أعداء الثورة.

وفيما يلي دليل مناسب على ذلك من أقوال الامام:

“لا يحق لأحد دخول بيت شخص أو دكانه أو محل عمله بدون إذنه، ولا يحق لأحد اعتقال آخر أو مطاردته أو مراقبته بحجة الكشف عن الجرائم أو ارتكاب الجنايات، ولا أن يهينه، أو يتصرف معه بشكل غير انساني أو غير إسلامي، أو أن يسجل له شريطاً صوتياً عن طريق الهاتف، أو أن يتنصت له ويتجسس ويهتك أسراره تحت عنوان البحث عن الجرائم أيّاً كان نوعها، أو أن يفشي للآخرين بأسراره. فكل هذه الأمور تعد جناية وجرماً” (77).

فهذا القول للامام يتضمن ضرورة توفير الامن للناس وإعطائهم حق حرية القول والعمل والسلوك في مساكنهم. غير أن الامام استثنى من الحرية المطلقة الشخصية ما يُتيقن أو يُحتمل مساسه بالتآمر على النظام الاسلامي.

حيث يقول الامام صراحة في موضع آخر:

“يجب الابتعاد عن تتبع مثالب الآخرين، وينبغي الحفاظ على كرامتهم في الجمهورية الاسلامية، سوى تلك التنظيمات التي تسعى لإلحاق الضرر والأذى بالاسلام والمسلمين” (78).

ومن مصاديق الحريات الفردية حرية اتباع الأديان والمذاهب الرسمية في إقامة طقوسهم الدينية أو التقليدية والقيام بأعمالهم العبادية. وقد اعتبر سماحة الامام هذا النوع من الحرية من خصوصيات وبديهيات الجمهورية الاسلامية في ايران وقد كان مصرّاً على تحقيقه عملياً.

وكان سماحته يرى أن على الجمهورية الاسلامية أن تحافظ على الحريات الفردية لهذه الجماعات:

“إن لكافة الأقليات المذهبية في إيران الحرية في إقامة شعائرهم الدينية والاجتماعية. ويجب على الحكومة الاسلامية الدفاع عن حقوقهم وأمنهم، فهم يتمتعون بالمواطنة والاحترام كسائر المسلمين في إيران”(79) ملاحظة ما كان يبثه نظام الشاه المستبد وزمرته من دعايات مزيفة حول تحديد حرية الأقليات الدينية تحت ظل الحكومة الاسلامية سعياً لضمهم إلى صفوفه، فقد قال سماحة الامام مفنداً كل ذلك:

“إن كل ما أثير أخيراً ليس سوى دعايات يبثها الشاه ضد هذه النهضة؛ فالاسلام يحترم هذه الأقليات، والشاه هو الذي يريد أن يسيء الى نهضتنا بمثل هذه الأقاويل. وعلى الغرب أن يعلم بأن الأسلام يتعامل باحترام كامل مع الأقليات المذهبية.

لقد قلت مراراً بأنهم أحرار في ايران ولهم أن يقيموا مراسمهم، ونحن مسؤولون عن الحفاظ عليهم” (80).

حدود الحريات الفردية من وجهة نظر المفكرين:

وخلافاً لكل ما قيل حول حرية الرأي، حيث يؤمن البعض كـپ”استيوارت ميل” إيماناً كاملاً بالحرية المطلقة واللامحدودة، فان الجميع تقريباً يؤمنون ببعض الحدود فيما يخص حرية العمل والسلوك الفردي، ويعتبرون أن الحرية المطلقة في سلوك وتصرفات الأشخاص أمراً غير مناسب بل وشيئاً مستحيلاً.

ولقد ورد ذلك في طيات آراء فلاسفة اليونان القدماء، والكلام الآتي جدير بالتأمل في هذا المجال:

“يرى افلاطون أن على أنصار الحرية أن يشحذوا هممهم للحفاظ على أساس الحكومة الديمقراطية، وأن يتوسلوا في ذلك بشتى الوسائل الممكنة، وأن يحولوا دون هبوطها وسقوطها بكل ما أوتوا من قوة، وأن يحذروا دائماً من أن تغير الحرية ماهيتها فتقطع لجام المحذور وتقلب الأمور، وبعبارة أخرى عليهم اجتناب الافراط واستغلال الحرية” (81).

كما يقول المؤرخ الأمريكي في القرن الاخير “ويل ديورانت” مدللاً على ذلك:

“بما أن الانسان محب للحرية، وبما أن حرية الأفراد في المجتمع لا تنفك عن عدد من قواعد السلوك، فان شرطها الأول هو أن تكون محدودة، وكونها بلا قيود يعني زيفها في كل الأحوال. وعلى هذا فان وجود قوة مركزية ومنسجمة في قبال القوى المجهولة والمتفرقة والمخالفة للنظام يعتبر حلاً فريداً”(82).

ويبدو أن تحديد حرية العمل بوسيلة القانون يعتبر أمراً واضحاً، بحيث لا يتطلب توضيحاً آخر فيما يخص أصله.

يقول “آيزايا برلين” حول اختلاف الآراء في هذا الموضوع:

“سوى أنهم اتفقوا على أن هذا المجال لا يمكن أن يكون غير محدود مع ملاحظة طبيعة الأمر، حتى لا يحدث في هذه الحالة أن يتطاول شخص على الآخرين ويتدخل في شؤون حياتهم، فتتحول الحرية الطبيعية إلى هرج ومرج اجتماعي، بحيث يستحيل توفير الحد الأدنى من متطلبات الانسان وتذهب حرية الضعفاء ضحية لسلوك الاقوياء” (83).

وبعد كل ما تقدم، علينا أن نجيب فقط عن سؤال واحد، وهو: ما هي حدود الحرية الفردية؟ وبأي شيء يجب أن تقيد حرية الأفراد؟ هل تقيد بالمصالح الاجتماعية، أو الفردية، أو بعدم إلحاق الضرر بالغير...أو بماذا؟

تختلف الآراء في الجواب عن هذا السؤال؛ فمثلاً ها هو “ميل” الذي يقول بحرية الرأي المطلقة، نجده يقيد هنا حرية الفرد إذا كانت تمسّ بمصالح الآخرين بقوله:

“عندما يرتكب فرد ما يغضب الآخرين، فانه ليس للمجتمع أن يوظف ضده كل قواه القانونية والاجتماعية متعللاً بهذا الفعل. وكم هي كثيرة تلك الأفعال والأساليب التي لا يمكن لنا أن نستسيغها، ولكنه يحق لنا مواجهتها فقط فيما إذا كانت مؤثرة على مصالح الآخرين، أو بعبارة أخرى أن تخرج هذه الأفعال عن المحيط المتعلقة فيه بمصالح ذلك الشخص” (84).

وأما في موضع آخر فانه يعتبر هذه المحدودية من مقتضيات العدالة” (85).

أما “جان لوك” فانه يحدد الحرية الفردية بالقانون، فيقول بصراحة عمّا يراه من تلازم بين الحرية والقانون:

“حيثما لا يوجد قانون فليس ثمة حرية، وذلك لأن القوانين العقلانية تحدد مسير المصلحة العامة والخير العام... ولا يجدر بنا أن نطلق لفظ المحدودية على هذه القوانين لأنها تحول بيننا وبين السقوط في المستنقعات والمنحدرات. إنه يعتبر التهرب من مثل هذه القوانين حرباً مع الذات ويعده من مقولات الراعوية والبهيمية” (86).

حدود الحرية الفردية من وجهة نظر الامام الخميني:

ان الامام الخميني هو الآخر لا يقول أبداً بالحرية الفردية المطلقة، بل يراها مقيدة. وقد جاء ذلك في الكثير من أقواله. ومن ذلك ما يلي:

“يقولون إن الناس أحرار، فهل يعني ذلك أن الواحد حر في أن يشج رأس الآخر؟ أو أن يخالف القانون؟ أو أن يتصرف خلاف ما يراه الشعب؟ أو أن يتآمر على الأمة؟!

إن هذه ليست حرية؛ فالحرية لا تكون إلا في نطاق القانون وفي إطار السلوك العقلاني” (87).

“هل نحن أحرار في أن نبيع الهيروئين؟ أو الترياك؟ أو أن نلعب القمار؟ أو أن نشرب الخمر؟ أو أن نبيع المسكرات؟ ليست هذه حرية؛ فالحرية في الاسلام هي التي تكون في إطار الأحكام الاسلامية. فالذي نهى اللّه عنه لا يكون الانسان حرّاً في عمله أو ارتكابه. ولا تعني الحرية أن يلعب أحد القمار ثم نقول بأنه حر وأنه يعرف ما يريد. فلو كان الأمر هكذا لكانت حرية ديمقراطية، وكانت الجمهورية جمهورية ديمقراطية؛ والحريات لا تكون إلا حسب قواعدها” (88).

ويتضح مما مضى أن الحريات الفردية مقيدة بالقانون الاسلامي وقوانين البلاد والأمور العقلانية. وذكر الأمور العقلانية يتطابق إلى حد ما مع الحريم العرفي للمجتمع. فبعض الاشياء ربما لا يكون قد نص القانون عليها، لأنه لا يستطيع ضبطها أساساً، ومع ذلك فينبغي مراعاتها.

إن التقيد بالقوانين الاسلامية يعتبر أيضاً من ضروريات الحكومة الدينية، ولا معنى للحرية دون الاهتمام بحدود الدين، وذلك لأن الحفاظ على الدين في المجتمع هو من خصائص الحرية في ضوء الدين.

يقول سماحة الامام مشيراً إلى محدودية القانون في كل مكان:

“ان للحرية حدوداً، فالحرية في حدود القانون؛ ففي كل مكان في الدنيا تكون حرية أية أمة ضمن حدود القانون، ولا يحق لأحد أن يخالف القانون باسم الحرية. إن الحرية لا تعني أن يقف الانسان على قارعة الطريق ثم يسبّ المارة ـ لا سمح اللّه ـ أو أن يقرعهم بالعصا لأنه حر، كما أن الحرية لا تعني أن يتناول الواحد قلماً ثم يكتب ما يشاء حتى لو كان ضد الاسلام وضد القانون” (89).

وهكذا فان الحفاظ على النظام والثورة الاسلامية وعدم التآمر على الأجهزة القانونية تعد من محددات الحرية الفردية(90). ومن الواضح أن احترام الدستور وقوانين البلاد يتضمن بذاته ما تقدم من أمور.

وأما القضية المهمة الأخرى في موضوع الحرية، فهي هل الحرية الفردية ـ وبعيداً عن القيود الاجتماعية ـ مقيدة أيضاً بمصلحة الفرد نفسه أو لا؟

ان سماحة الامام يرى أن الحرية في الاسلام مقيدة أيضاً بمصلحة الفرد، وذلك في بيانه لوجوه الاختلاف بين الحرية في الاسلام والحرية في الغرب؛ فالإضرار بالنفس والمال والانتحار أمور لا يجوزها الاسلام. ولا يعني هذا أنه يجوز للفرد أن يتدخل في الحياة الشخصية للآخرين. ولكن إذا اطّلع الآخرون على عمل شخص بحكم مكان أو موقع عادة يطلع عليه الناس وجدوه متناقضاً مع مصلحته الشخصية، فان عليهم وعلى الحكومة الاسلامية أن ينهوه عن ذلك. فلو قبلنا أن مصالح اتباع الأحكام الشرعية ليست تماماً في دائرة نطاق الشؤون الاجتماعية، وأن هذه الأحكام تصب من بعض أبعادها في المصلحة الشخصية للأفراد، فان فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تساعدنا على فهم هذا المعنى، وهو أن الشخص ليس حراً في أن يتصرف خلاف مصلحته الشخصية. يقول الشهيد المطهري في ذلك:

“ما الذي يحدد الحرية؟ لا شيء في نظر “ميل” إلا إذا ادّت الى ضرر فرد آخر أو مجتمع. ولكن “لوك” يرى أن مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع تعني مصلحة الاكثرية، أو مصلحة الانسانية جمعاء حسبما نرى نحن” (91).

ان تحديد الحرية بالمصلحة الشخصية للانسان لا يمهد السبيل للتدخل في الأمور الشخصية، وفي الواقع فان هناك فرقاً بين حدود الحرية وحدود الاجراءات الحكومية بوسيلة قواها الخارجية إزاء الناس الآخرين. فالاسلام لا يجيز التدخل في شؤون الآخرين ولا التجسس عليهم، والامام قد ركّز على ذلك أيضاً فيما نقلناه عنه من أقوال.

وبملاحظة منع التدخل في الشؤون الشخصية، فان فائدة تحديد الحرية بالمصالح الشخصية تتبدى في أمرين:

أولاً: مع الاخذ بالاعتبار أن ثمة مانعاً من وراء قوانين البلاد وإلزامات الحكومة حسب الرؤية الاسلامية، فان تحديد الحرية الفردية بمراعاة المصلحة الشخصية تجعل المؤمن لا يقدم على ممارسة هذه التصرفات، حتى لو استطاع أن يظهر نفسه على أنه صاحب الحق فيما لم يراع فيه هذه المصالح في المحاكمات العادية.

ثانياً: لو اتفق أن اطلع الحاكم أو الأشخاص العاديون على تصرف خلاف المصلحة الشخصية يأتي به الانسان، فانه يجب عليهم نهيه عن ذلك، أي أن تصرفه لا مشروعية له في الواقع.

وبملاحظة الأصول السابقة فان أموراً من قبيل التصرفات المنافية للشرف العام، حتى أثناء الخلوة، تعد حراماً وعلى الحاكم أن يقوم بواجبه عند علمه بذلك. بينما ان أولئك الذين يرون أن المصلحة لا علاقة لها بالأمور الشخصية، وأن مصلحة المجتمع هي فقط في حدود الحرية، فانهم يقولون بالحرية المطلقة في مثل هذه الحالات.

والنقطة التي يجدر الاهتمام بها هي أن المصلحة الفردية أيضاً تمثل محور الحرية لدى أنصار أصالة الفرد، غير أن هناك بوناً شاسعاً بين مفهوم هؤلاء وبين ما ذكرناه تحت عنوان مصلحة الفرد.

إن القائلين بأصالة الفرد لا يجدون مانعاً لحرية الأفراد سوى مصلحة الأفراد الآخرين، ولا يعتبرون للمجتمع قيمة كبيرة في مقابل الأفراد، ولهذا فانهم يحددون الحرية على قدر مصلحة الآخرين (لا بحدود مصلحتهم)، في حين أن القائلين بالأصالة الجمعية، مع ملاحظة ما يعيرونه من قيمة للمجتمع ويعتبرونه مقدماً على الفرد، يعدون مصلحة المجتمع هي حد الحرية.

إن مصلحة الأفراد الآخرين ومصلحة المجتمع تتمتعان معاً بالأصالة في الرؤية الدينية، ولا يمكن أبداً التضحية بكافة الحقوق الفردية لصالح المجتمع، كما أنه لا يمكن مطلقاً التضحية بكافة الحقوق الاجتماعية من أجل ميول أفراد المجتمع.

ومن أجل هذه الميزة الاسلامية، فان سماحة الامام يعتبر أن حدود الحرية هي المصالح الشخصية للأفراد ومصالح المجتمع.

وبملاحظة ما نقل عن الامام في هذا الصدد، فان الحرية الفردية مقيدة بالأمور الآتية:

1 ـ أحكام الاسلام .

2 ـ قوانين البلاد .

3 ـ عدم انحراف المجتمع وسوء التربية.

4 ـ عدم التآمر على النظام.

5 ـ عدم إلحاق الضرر بالوطن الاسلامي.

ويمكن تلخيص جميع أقوال الامام في كلمتين:

حرية الأعمال الفردية مقيدة بـ “أحكام الاسلام” و “قوانين البلاد”. وفي دستور الجمهورية الاسلامية في ايران أشير إلى الأمور المتعلقة بحرية الأفراد:

الأصل الثاني والعشرون:

كرامة وحياة ومال وحقوق ومسكن وعمل الأشخاص محفوظة من التعرض إلا فيما يبيحه القانون.

الأصل الثالث والعشرون:

يمنع تفتيش العقائد ولا يجوز التعرض لأحد بسبب اعتناقه لعقيدة ما.

الأصل الخامس والعشرون:

يمنع تفتيش الرسائل وعدم إيصالها وتسجيل وإفشاء المكالمات الهاتفية والاتصالات التلغرافية والتلكس أو مراقبتها أو عدم إيصالها إلى ذويها والتنصت وشتى أنواع التجسس إلا بحكم القانون.

الأصل الثامن والعشرون:

لكل شخص حق الاشتغال بأي عمل شاء بشرط أن لا يكون مخالفاً للاسلام وللمصالح العامة ولحقوق الآخرين.

كما أن هناك أصولاً أخرى من القانون تعلقت بهذا الموضوع.

مرجع تشخيص استغلال الحرية:

ان مرجع تشخيص الحرية المشروعة وغير المشروعة لمن النقاط المثارة حول شتى أنواع الحريات من وجهة النظر الدينية. ومع أن الحرية على كافة أنواعها لها محدودية من وجهة نظر الامام، إلا أن هذا السؤال يبقى مثاراً حول جميع الحالات المذكورة.

وكما أسلفنا فان قضية تشخيص الحريات المشروعة من سواها هي قضية من الأهمية بمكان، وذلك لأن كل دولة بإمكانها أن تلغي الحريات المشروعة بحجة عدم قانونيتها. ولهذا فان البعض قد رفضوا محدودية حرية الرأي بشكل مطلق.

يقول سماحة الامام حول مرجع تشخيص الحريات:

“لا يحق لأحد في ظل الجمهورية الاسلامية أن يجبر آخر على رأيه إلا في حالات نادرة من شأنها أن تعرض الاسلام وكرامة النظام للخطر، ولا يكون ذلك إلا بتشخيص “الخبراء الضالعين، ولا قدّر اللّه أن يأتي ذلك اليوم الذي تسير فيه الأمور على خلاف ذلك “ (92).

ولعل هذه القضية لم يكن من الممكن طرحها في الدستور وذلك بسبب شموليته وكلّياته أو أن هذا الأمر لم يكن ميسوراً أساساً في ذلك الوقت بسبب أوضاع ما بعد الثورة. ومع ذلك فقد ورد في القانون الحديث حول هيئة المحلّفين الصحافيين فيما يخص قضايا الصحافة والمطبوعات وتشخيص جرائمها.

وبالطبع فان هذه الهيئة التي أوكلت طريقة انتخابها الى القوانين العادية لم يكن من واجبها سوى الاشراف على المحاكم القضائية دون التنفيذ أو اتخاذ القرار.

وعلى أية حال، فانه يبدو أن مثل هذا الابهام يمكن أن يمهد السبيل للدكتاتورية في المجتمعات المريضة ولدى السلطات المستبدة.

ولهذا السبب فان سماحة الإمام في كلامه السابق قد أسند التشخيص لحدّ ما الى الخبراء والمتخصصين لا الى المسؤولين، إلا أن حدود “الخبراء الضالعين”، وأسلوب اختيارهم لا يخلو من الابهام في كلام الإمام الذي لم يعط توضيحات أكثر حول هذا الأمر. ومن المعروف بالطبع أن ثمة مراجع تشخيص متعددين في القوانين المختلفة، إلا ان المهم هو كيف يقدم المرجع الحقيقي نفسه في الحالات الحساسة والمهمة. ومع أنه توجد قوانين في بعض هذه الحالات، كما حدث مثلاً في وزارة الداخلية وأسلوب تعاملها مع النشاطات الحزبية لحزب “نهضة الحرية” في السنوات الأخيرة من حياة الإمام، حيث حصلت من سماحته على التعليمات اللازمة بخصوص ذلك، إلا انها في الواقع ألقت بمسؤوليتها على عاتق الإمام نفسه. ورغم أن سماحة الإمام لم يُبدِ رأيه بصراحة حول بعض القضايا، غير أنه لم يكن يرى على الاطلاق وجود قانون أو أي شيء آخر يحول دون التعبير عن الرأي.

إن الذي نستخلصه من السيرة العملية للإمام بشكل عام هو أنه لا يمكن وجود مرجع تشخيص وحيد. ومع أنه كان يحيل بعض الأمور أحياناً الى الخبراء أو المسؤولين (كما حدث عندما أوكل أمر تشخيص موضوع الأحكام الثانوية الى ثلثي أعضاء مجلس الشورى) إلا أنه كان يعطي رأيه شخصياً في العديد من الحالات.

المقارنة بين وجهة نظر الإمام والمفكرين الغربيين حول الحرية:

إذا لاحظنا ما بين الفكر الديني والغربي من تباين في الأسس الفكرية، فلا بد وأن يكون ثمة اختلاف بينهما حول مفهوم الحرية. ولقد تحدثنا حول مظاهر هذا الاختلاف باختصار فيما مضى، وعلى أية حال، فاننا إذا قلنا إن الاسلام أوكل الشؤون الاجتماعية إلى الطرق العقلانية السائدة في كل عصر، ولكن حفاظاً على أصول القيم الاسلامية فان بعض القيم السائدة في الغرب ربما تكون ضد القيم الانسانية في الرؤية الدينية.

لقد كان الامام دائماً يعتبر أن مراده هو الحرية في كنف الاسلام واستلهاماً منه، وكان يضع فرقاً بين هذه الحرية وبين الحرية الديمقراطية:

“إن الحرية التي نريدها هي الحرية في كنف القرآن، وإن الاستقلال الذي نطمح إليه هو الاستقلال الذي يهبنا إيّاه الاسلام، والذي يستمد ضمانته من الاسلام. إن كل همّنا هو الاسلام، كل الاسلام، وذلك لأن الاسلام هو منبع كل سعادة، وهو الذي يخرج الناس من الظلمات الى النور”(93).

كما يقول سماحته في موضع آخر:

“إن أولئك يريدون حرية بلا إسلام، وهو غير ما تريدون، فأنتم تريدون الاسلام، ونحن نريد الاسلام الذي يهبنا الحرية، لا الحرية بلا إسلام. إنهم يريدون استقلالاً بلا قرآن، ولكننا نريد القرآن. فلو أعطونا كافة الحريات وشتى أنواع الاستقلال في مقابل أن يأخذوا القرآن منا، لرفضنا ذلك” (94).

وبناءً على هذا القول، فاننا نجد أن هناك مفهوماً للحرية في الاسلام، وأن الانسان له أن يكون حراً في ظل الاسلام، سوى أن هذه الحرية ليست كسائر الحريات في البلدان الاخرى.

يقول بعض النقاد في تحليلاتهم حول نظريات الامام وأهدافه التي كان يعلن عنها قبل انتصار الثورة:

“لقد لعبت لقاءات وأحاديث الامام (في باريس) دوراً مشهوداً في التعريف بشخصيته وبالنهضة الوطنية والاسلامية في إيران، ولا سيما في إبرازه لظلم وفساد الشاه وحديثه حول الحرية والديمقراطية، وأن الحكومة الاسلامية حكومة العدل والحرية، وأنها شرقية وإنسانية وديمقراطية نموذجية. كما كان يبدي شيئاً من المرونة في حديثه حول الدول الغربية وحتى حول أمريكا بشرط الاحترام المتبادل، ولم يكن هناك شيء من مشاعر الخصومة في كلامه، وكان هدفه الأساس إظهار ما يمارسه الشاه من عنف وخيانة، وأن “الحرية” و”الاستقلال” لابد منهما لتحقيق آمال الشعب والقضاء على حكم الشاه واستقرار الجمهورية الديمقراطية الاسلامية التي ستكون أفضل من ديمقراطية الغرب” (95).

ويقول سماحة الامام في توضيحه لمعنى الحرية واختلاف مفهومها مع مفهوم الحرية الغربية والحرية في الأنظمة الديمقراطية، وذلك بعد انتصار الثورة وطرح مشروع الديمقراطية من قبل بعض التنظيمات الوطنية وحزب نهضة الحرية في إيران:

“إننا لا نريد حرية لا تتضمن الاسلام، ولا استقلالاً لا يحتوي على الاسلام، فنحن نريد الاسلام، ونريد حرية واستقلالاً في كنف الاسلام. إنه لا فائدة لنا من حرية واستقلال بلا اسلام. فعندما لا يكون هناك إسلام، ولا اهتمام برسول الاسلام ولا بقرآنه، فلن تنفعنا آلاف الحريات. إن هناك أيضاً حرية في البلدان الأخرى، ولكننا لا نريد ذلك” (96).

إن الفارق الاساس بين الحرية الدينية والحرية الغربية يكمن في ما تراه الرؤية الدينية للحرية من قيود وحدود وإضافات.

وهناك في الغرب من يرى أيضاً قيوداً للحرية، غير أن هذه القيود لا تذهب بعيداً في أعلى مستوياتها عن القانون والعرف ومصالح الغير.

ومع ملاحظة هذا الحد الأعلى، فها نحن نورد رأي الامام حول نقاط الاختلاف بين الحرية في الغرب والحرية في الاسلام:

1ـ الاهتمام بالمصالح الفردية في الحرية الاسلامية:

يقول الامام في كلام صريح له حول ذلك:

“إن هناك بوناً شاسعاً بين الحكومات الالهية والحكومات الدنيوية. فما تعطيه الحكومات الدنيوية ــپمثلاً ـ من حريات لا يتجاوز كونه غير مضر لها ولنظامها الاجتماعي، في حين أن الحرية التي تمنحها الحكومة الاسلامية تأخذ باعتبارها مصلحة الشخص ذاته وصلاحه وتربيته وألا تكون مضرة بكل ذلك. فالحكومة الاسلامية وقوانينها تنظر إلى كافة أبعاد الانسان وتفكر في مصلحته الدنيوية والاخروية، والهدف الأسمى للاسلام من الحكومة هو تربية وبناء الانسان، ولهذا فأن ثمة قانوناً لكل مرحلة من مراحل حياته، بما في ذلك الأبعاد الفردية. بينما نجد أن سائر الحكومات الأخرى وقوانينها لا تهتم إلا ببعد واحد من أبعاد الكيان الانساني ولا تهدف إلا إلى إيجاد النظام الاجتماعي” (97).

كما يقول المرحوم الشهيد المطهري في ذلك:

“عندما نقول بأن هناك ديمقراطية في الاسلام، فاننا نعني أن الاسلام يريد أن يمنح الانسان حريته الحقيقية وذلك بتقييد حيوانيته وإطلاق إنسانيته؛ فتحطيم إبراهيمپ(ع) للاصنام يعد أمراً مغايراً لمبادئ الحرية والديمقراطية في الموازين الغربية. لماذا؟ لأنهم يقولون دعوا كل شخص يفعل ما يريد، فهذه هي الحرية. ولكن منطق الأنبياء هو غير منطق الانسان الغربي اليوم” (98).

إن هذا الاختلاف الأساسي كما أوضحنا مرده إلى المذهب، فالمدارس الانسانية في الغرب لا تعير اهتماماً لحياة الانسان الأبدية، وهذا مردّه إلى عدم الايمان بالدين، ولهذا فانهم لا يستطيعون القبول بالمحدودية التي منشأها من ذلك، والحد الأكثر الذي يرونه ضرورياً في مثل هذه الحالة هو تقييد الحرية بالضمير والفطرة، وهو ما لا يخفى إبهامه على أحد.

ومن هنا فان سماحة الامام يقول حول النظرية الماركسية:

“إن الشيوعية ليست سوى تلاعب بالناس. فهل من المعقول أن أحداً لا يؤمن بالمبادئ الغيبية ثم يفكر في مصالح الناس؟! إنه لهو ولعب كلّه” (99).

2 ـ المنع من الفحشاء والانحلال في الحرية الاسلامية:

وأمّا الفارق الآخر بين الحرية في الاسلام والحرية في الغرب فيتعلق بأمر الفحشاء والمنكرات. فشريعتنا بالتأكيد لا تقرّ المسلك الغربي في هذا الموضوع. إن الحرية في إطار الاسلام لا يمكن أن تكون مقارنة للفحشاء والمنكر والزنا والقمار وشرب الخمر وسواها، بينما نجد أن الحرية في الغرب توأم لهذه الامور.

ولا يعني هذا عدم إعطاء قيمة لحرية الرأي والمشاركة في الحكومة وما إلى ذلك، فهو ما تتضمنه أيضاً الحرية الدينية، ولكننا نشير فقط إلى الفرق بين هذين النوعين:

يقول سماحة الامام في هذا المجال:

“إن الحرية التي يريدها الغرب حرية بلا قيد ولا شرط، فكل من أراد شيئاً فعله، وهم هناك لا يريدون تلك الحرية القائمة على أساس المبادئ وفي نطاق القوانين. فالجمهورية الديمقراطية التي يريدها هؤلاء السادة هي تلك الجمهورية التي تكون على غرار الجمهوريات في الغرب”(100).

ويوضح العلامة المطهري مبنى الموضوع السابق فيقول:

“إن الانسان عند فلاسفة الغرب كائن يتمتع بالعديد من الرغبات، ويريد أن يعيش هكذا. وهذا الميل سيكون مصدر حريته في السلوك. فكل ما يقيد حرية الفرد يقيد حرية ميول الآخرين. وليس ثمة ضابطة أو إطار آخر بوسعه تحديد حرية الانسان وميوله”(101).

وبالطبع فان بعض المدافعين عن الحرية الغربية لا يعتبرونها ملازمة للتسيّب والانحلال، وقد حاولوا في تعريف الحرية، انطلاقاً من ظهور أول بحث حول مشاركة الناس في الحكومة والحريات الفردية من قبيل حرية اختيار العمل والسكن وسواها وعدم الخضوع لجور الاستبداد والاستعمار، أن يعطوا هذه الأمور مفهوماً مساوياً لمفهوم الحرية. غير أن هذه المحاولات لا تتوافق مع إطلاق الكلام عند مفكري الغرب والسلوك الظاهري لعدد كبير من البلدان الغربية التي تبيح حتى المثلية الجنسية.

3ـ عدم تلقي الدعم من الرأسماليين والمستبدين:

يقول سماحة الامام في ذلك:

“لا يوجد تضييق في الاسلام؛ ففي الاسلام حرية لكل الفئات، للمرأة والرجل والأبيض والاسود، وللجميع ديمقراطية اسلامية صحيحة، لا أن هذا غني ومن أنصار الرأسمالية الكبرى، أو أن ذلك يملك كل شيء ومن أتباع القوى العظمى، وقد تركوا الناس جميعاً رهن العوز والضيق الشديد” (102).

لقد أشار الامام هنا إلى الفرق بين القول والعمل في ممارسات أنصار الديمقراطية في العالم. ومع أنه لم يرد مطلقاً الدفاع عن مصالح فئة خاصة في أقوال المدعين للديمقراطية والحرية، إلا أن ما يبغونه من حرية لا يتجاوز عملياً حدود مصالحهم الشخصية. وإن نظرة عابرة على ما حدث في الجزائر في السنوات الأخيرة (1991 وما بعدها) وإلغاء الانتخابات التي انتهت لصالح الاسلاميين يكشف القناع عن وجه حماة العسكر في الجزائر. كما أن الصدامات الوحشية للشرطة الأمريكية مع السود في داخل أمريكا وفي مدن مثل لوس انجلوس وما أسفرت عنه من أحداث دامية يدل بوضوح على مدى ضيق مساحة ممارسة الديمقراطية في نظر مدعي الحرية في الغرب.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحجرات : 13.

(2) غافر: 26.

(3) غافر: 28.

(4) تنبيه الأمة وتنزيه الملة: ص 35.

(5) بحار الأنوار: ج21، ص 160.

(6) نهج البلاغة: الخطبة 216.

(7) ومن أمثال ذلك قبول رأي الأنصار في تغيير مكان القتال في معركة أحد. انظر السيرة النبوية: ج3، ص66.

(8) حسن بن الحراني، تحف العقول: صفحة 612.

(9) الأعراف: 571 .

(10) الميزان: ج8، ص280 .

(11) نهج البلاغة: الكتاب 31 الذي يخاطب به الامام الحسن (ع).

(12) تنبيه الأمة وتنزيه الملة: ص121.

(13) صحيفة النور: ج9، ص88 .

(14) صحيفة النور: ج9، ص88 .

(15) روح القوانين (النسخة الفارسية) ترجمة علي أكبر مهتدي: ص292.

(16) نظام حقوق زن در اسلام، ص15.

(17) محمود صناعي، آزادي وتربيت: ص11 .

(18) صحيفة النور: ج3، ص702 .

(19) صحيفة النور: ج2، ص031، 131 .

(20) صحيفة النور: ج4، ص661 .

(21) صحيفة النور: ج2، ص76 .

(22) بيرامون انقلاب اسلامي: ص100.

(23) جامعه سالم، العدد الأول: ص28.

(24) صحيفة النور: ج3، ص48 .

(25) در جستجوي راه از كلام امام، ج 17، ص 103 .

(26) الأعراف: 571 .

(27) سفينة البحار: ص 783 .

(28) صحيفة النور: ج4، ص641 .

(29) صحيفة النور: ج6، ص332 .

(30) صحيفة النور: ج6، ص702 .

(31) دراسات في ولاية الفقيه: ج1، ص514 .

(32) حديث “الناس مسلطون على أموالهم” نقلا ًعن بحار الأنوار: ج2، ص227. ورواية “إن لصاحب المال أن يعمل بماله ما شاء مادام حيّاً”. وسائل الشيعة: ج13، ص 183 .

(33) الأعراف: 179.

(34) مثنوي، ج2 / 38، طبعة رمضاني.

(35) صحيفة النور، ج 4، ص 991 .

(36) صحيفة النور، ج 18، ص 232 .

(37) صحيفة النور: ج4، ص161 .

(38) صحيفة النور: ج6، ص 561 .

(39) المجلة القضائية والحقوقية، العدد 5، خريف 1731، ص 42 .

(40) صحيفة النور: ج17، ص97 .

(41) نهج البلاغة: الخطبة 27.

(42) نهج البلاغة: الكتاب 53.

(34) تحرير الوسيلة: ج2، ص 794 .

(44) تحرير الوسيلة: ج2، ص 505 ـ 705 .

(45) محمد حسن النجفي، جواهر الكلام: ج 21، ص 562 ـ 572 .

(46) تحرير الوسيلة، ج2، ص 505 .

(47) صحيفة النور: ج3، ص 100 .

(48) صحيفة النور: ج71، ص 762 .

(49) الأصل الخامس عشر بعد المائة: يجب انتخاب رئيس الحمهورية من بين الرجال الدين والسياسيين الذين تتوفر فيهم الشروط الآتية:

أن يكون إيراني الأصل، مديراً، مدبراً، متمتعاً بحسن السيرة والسلوك والأمانة والتقوى، مؤمناً ومعتقداً بمباني الجمهورية الاسلامية والمذهب الرسمي للبلاد.

(50) الحقوق الأساسية في الجمهورية الاسلامية الايرانية، الملاحق: ص 371 .

(51) نهج البلاغة: الحكمة 663 .

(52) نهج البلاغة: الخطبة 34 .

(53) النحل: 521 .

(54) العنكبوت: 62 .

(55) الزمر: 20 .

(56) النمل: 64، والبقرة: 111 .

(57) صحيفة النور: ج 4، ص 592 .

(58) صحيفة النور: ج 3، ص871 .

(59) صحيفة النور: ج 2، ص45 .

(60) صحيفة النور: ج 4، ص952 .

(61) جان استوارت ميل، رسالة حول الحرية: ص 49 .

(62) سيد جلال الدين مدني. الحقوق الأساسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية: ج7، ص90، 91، 92 .

(63) المصدر السابق: ص 371 .

(64) المصدر السابق: ص 03 .

(65) سورة الانعام: 801 .

(66) تنبيه الامة وتنزية الملة: ص 121 .

(67) المكاسب: ج1، ص 83 .

(68) صحيفة النور: ج7، ص 232 .

(69) المصدر السابق: ج 22، ص 382 .

(70) المصدر السابق: ج 6، ص 072 .

(71) المصدر السابق: ج 22، ص 961 .

(72) المصدر السابق: ج 01، ص 642، (ملخص).

(73) صورت مشروح مذاكرات مجلس بررسي نهائي قانون اساسي جمهوري اسلامي ايران: ج1، ص 546 .

(74) صحيفة النور: ج7، ص 34 .

(75) صحيفة النور: ج91، ص612 .

(76) أبو الفضل قاضي، حقوق أساسي ونهادهاي سياسي: ص 456 .

(77) صحيفة النور: ج 17، ص601 .

(78) صحيفة النور: ج17، ص741 .

(79) صحيفة النور: ج3، ص 103 .

(80) صحيفة النور: ج3، ص 95 .

(81) تاريخ عقائد سياسي: ص 86 .

(82) ويل ديورانت، درسهاي تاريخ: ص 97 .

(83) آيزايا برلين، جهاد فعال در باره آزادي: ص 932، 042 .

(84) ميل، رساله در باره آزادي: ص 303 .

(85) جهار مقاله در باره آزادي: ص 441 .

(86) المصدر السابق: ص 172 .

(87) صحيفة النور: ج6، ص 291 .

(88) صحيفة النور: ج 7، ص 29 .

(89) المصدر السابق: ج7، ص 19، 29 .

(90) المصدر السابق: ج 21، ص 301 .

(91) بيرامون جمهوري اسلامي: ص 551 .

(92) صحيفة النور: ج 21، ص 21.

(93) صحيفة النور:ج7، ص 26 .

(94) صحيفة النور: ج6، ص 072 .

(95) مهدي بازركان، انقلاب در دو حركت: ص 05 .

(96) صحيفة النور: ج 6، ص 852 .

(97) المصدر السابق: ج 21، ص 022، 122 .

(98) بيرامون انقلاب اسلامي: ص 301 .

(99) صحيفة النور: ج 2، ص 6 .

(100) صحيفة النور: ج 7، ص 38 .

(101) بيرامون انقلاب اسلامي: ص 100 .

(102 ) صحيفة النور: ج5، ص 832 .