وفي ختام البحث نود أن ننقل شيئاً عن عظمة الرياح والسحاب والتي كشف عنها العلم الحديث.

فالرياح هي حركة الهواء الموجود في الطبقات السفلى من الجو، إذا سارت متوازية مع سطح الاَرض، وتختلف سرعة الرياح حتى تصل إلى مائة كيلومتر في الساعة فتسمى زوبعة، وإذا زادت على مائة سمّيت إعصاراً، وقد تصل سرعة الاَعصار إلى 240 كيلومتراً في الساعة، والرياح هي العامل المهم في نقل بخار الماء وتوزيعه، ومن تكاثف هذا البخار في الهواء بالتبريد،بعد أن تصل حالته إلى ما فوق التشبع تتكون السحب. ويختلف ارتفاع السحب على حسب نوعها،فمنها ما يكون على سطح الاَرض كالضباب، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداًإلى أكثر من 12 كيلومتراً. كسحاب السيرس الرقيق.

وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة، لا يمكن نزول قطرات المطر المتكون، وذلك بالنسبة لمقاومة هذا الريح لها،ورفعها معه إلى أعلى، حيث ينموحجمها، ويزداد قطرها. ومتى بلغت أقطار النقط نصف سنتيمتر، تتناثر إلى نقط صغيرة لا تلبث أن تكبر بدورها، ثمّ تتجزأ بالطريقة السابقة وهكذا... وكلما تناثرت هذه النقط، تشحن بالكهرباء الموجبة وتنفصل الكهرباء
( 96 )السالبة التي تحمل الرياح...وبعد مدة تصير السحب مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء. فعندما تقترب الشحنتان بعضهما من بعض بواسطة الرياح كذلك يتم التفريغ الكهربائي وذلك بمرور شرارة بينهما،ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة وبعده يسمع الرعد، و هو عبارة عن الموجات الصوتية التي يحدثها الهواء،وما هي إلاّبرهة حتى تخيّم على السماء سحابة المطر القاتمة اللون، ثمّ تظهر نقط كبيرة من الماء تسقط على الاَرض، وفجأة يشتد المطر ويستمر حتى تأخذ الاَرض ما قدر اللّه لها من الماء.
(1)

____________

1 ـ اللّه والعلم الحديث:135ـ 136.

( 97 )الفصل الثالث

القسم في سورة الطور

حلف سبحانه في سورة الطور بأُمور ستة، وقال:

(
وَالطُّور * وَكِتابٍ مَسْطُور * في رقٍّ مَنْشُور *وَالْبَيتِ المَعْمُور * وَالسَّقْفِ المَرْفُوع * وَالْبَحْرِ المَسْجُور * إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِع * ما لَهُ مِنْ دافِع) . (1)

تفسير الآيات

الطور: اسم جبل خاص، بل اسم لكلّ جبل، ولو قلنا بصحّة الاِطلاق الثاني، فالمراد الجبل المخصوص بهذه التسمية لا كلّ جبل بشهادة كونه مقروناً بالاَلف واللام.

ومسطور: من السطر وهو الصف من الكتابة، يقال: سطَّر فلان كذا، أي كتب سطراً سطراً.

والظاهر انّ المراد من «مسطور» هنا هو المثبّت بالكتابة، قال سبحانه (
كانَذلِكَ في الكِتابِمَسْطُوراً) ( أي مثبّتاً ومحفوظاً).

و رقّ: ما يكتب فيه شبه الكاغد.

____________

1 ـ الطور:1ـ 8.

( 98 )ومنشور: من النشر، وهو البسط والتفريق، يقال: نشر الثوب والصحيفة وبسطهما، يقال: (
وَإِذا الصُّحُف نُشرت) وقال سبحانه: (وَإِلَيْهِ النُّشور ) .

والمسجور: من السجر وهي تهييج النار، يقال: سجرت التنور، ومنه البحر المسجور، وقوله: (
وإِذَا البِحارُ سُجِّرت) وربما يفسر المسجور بالمملوء.

والمراد من الطور ـ كما تشهد به القرائن ـ: هو الجبل المعروف الذي كلّم اللّه فيه موسى
(عليه السلام) ، ولعلّه هو جبل طور سينين، قال سبحانه: (
وَطُورِ سِينِين) . (1)
وقال سبحانه: (وَنادَيْناهُمِنْ جانِبِالطُّورِالاََيْمَن) (2) وقال في خطابه لموسى (عليه السلام) : (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالواد المُقدَّس طُوىً) . (3)

وقال سبحانه: (
نُودي مِنْ شاطىَ الوادِ الاََيْمَنِ فِي البُقْعَةِ المُبارَكةِ مِنَ الشَّجَرة) . (4) حك وهذه الآيات تثبت انّ المقسم به جبل معين، ومع الوصف يحتمل أن يراد مطلق الجبل لما اودع فيه من أنواع نعمه، قال تعالى: (وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوقِها وَبارَك فِيها) . (5)

والمراد من كتاب مسطور: هو القرآن الكريم الذي كان يكتب في الورق المأخوذ من الجلد.

وأمّا وصفه بكونه منشوراً مع أنّ عظمة الكتاب بلفظه ومعناه لا بخطه وورقه، هو الاِشارة إلى الوضوح، لاَنّ الكتاب المطوي لا يعلم ما فيه، فقال هو في
____________

1 ـ التين:2.

2 ـ مريم:52.

3 ـ طه:12.

4 ـ القصص:30.

5 ـ فصلت:10.

( 99 )رق منشور وليس كالكتب المطوية، ومع ذلك يحتمل أن يراد منه صحائف الاَعمال، وقد وصفه سبحانه بكونه منشوراً، وقال: (
وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتاباً يَلقاهُ مَنْشُوراً) (1) كما يحتمل أن يراد منه اللوح المحفوظ الذي كتب اللّه فيه ما كان وما يكون و ما هو كائن تقرأه ملائكة السماء.

وهناك احتمال رابع،وهو انّ المراد هو التوراة، وكانت تكتب بالرق وتنشر للقراءة، ويوَيده اقترانه بالحلف بالطور.

وامّا البيت المعمور: فيحتمل أن يراد منه الكعبة المشرفة، فانّها أوّل بيت وضع للناس، ولم يزل معموراً منذ أن وضع إلى يومنا هذا، قال تعالى: (
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذي بِبَكَّة مُباركاً وَهُدى لِلْعالَمين) . (2)

ولعل وصفه بالعمارة لكونه معموراً بالحجاج الطائفين به والعاكفين حوله.

وقد فسر في الروايات ببيت في السماء إزاء الكعبة تزوره الملائكة، فوصفه بالعمارة لكثرة الطائفين به.

والسقف المرفوع: والمراد منه هو السماء، قال سبحانه: (
والسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعََ الْمِيزان ). (3)

وقال: (
اللّهُالّذي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْر عَمَدٍ تَرَونَها) . (4)

قال سبحانه: (
وَجَعَلْنَا السَّماءَسَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعرِضُون) (5)

ولعلّ المراد هو البحر المحيط بالاَرض الذي سيلتهب قبل يوم القيامة ثمّ ينفجر،
____________