4 ـ
الاَنعام:23.

( 12 )وثمة نكتة جديرة بالاِشارة وهي أنّأكثر
المفسرين حينما تطرّقوا إلى الاَقسام الواردة في القرآن الكريم
ركّزوا جهودهم لبيان ما للمقسم به من أسرار و رموز كالشمس والقمر
في قوله سبحانه: (
والشَّمْسِ وَضُحاها * وَالْقَمرِ إِذا
تَلاها) (1) أو قوله: (
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون)
(2) ولكنّهم غفلوالعلاقة بين المقسم به والمقسم
عليه لاحظ مثلاً قوله سبحانه: (
وَالضُّحى* وَالليلِ إِذا سَجى*
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)
(3) فالضحى والليل
مقسم بهما وقوله: (
ما ودَّعك ربّك وما قلى) هو جواب القسم
الذي نعبّر عنه بالمقسم عليه، فهناك صلة في الواقع بين المقسم به
والمقسم عليه، وهو أنّه لماذا لم يقسم بالشمس ولا بالقمر ولا
بالتين ولا بالزيتون بل حلف بالضحى والليل لاَجل المقسم عليه أعني
قوله: ( ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)؟

وصفوة القول: إنّ كلّ قسم جدير لتحقيق الخبر، ولكن يقع الكلام في
كلّقسم ورد في القرآن الكريم أنّه لماذا اختار المقسم به الخاص دون
سائر الاَُمور الكثيرة التي يقسم بها؟ فمثلاً: لماذا حلف في تحقيق
قوله: (
ما ودّعك) بقوله: (
والضحى والليل) ولم يقسم
بالشمس والقمر؟ وهذا هو المهم في بيان أقسام القرآن، ولم يتعرّض له
أكثر المفسرين ولا سيما ابن قيم الجوزية في كتابه «التبيان في
أقسام القرآن» إلاّ نزراً يسيراً.

ثمّإنّ الغالب هو ذكر جواب القسم، وربما يحذف كما يحذف جواب لو
كثيراً، أمّا الثاني فكقوله سبحانه: (
وَلَو أَنَّ قُرآناً
سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ____________

1 ـ الشمس:
1ـ2.

2 ـ التين:1.

3 ـ الضحى: 1ـ3.

( 13 )الاََرْضُ أَوْكُلِّمَ بِهِ الْمَوتى)
(1) فانّ الجواب محذوف، وهو نظير قوله: «لما آمنوا».

وأمّا الاَوّل، فكقوله سبحانه: (
ص والقُرآنِ ذِي الذِّكر )
(2)، فانّ الحلف بالقرآن الكريم المعرب عن تعظيمه ووصفه
بأنّه مذكِّر للعباد يدل على جوابه وهو انّه منزّل من عنده سبحانه
غير مفترى، وما أشبه ذلك.

وعلى كلّحال، فالغالب هو الاَوّل أي الاِتيان بالجواب.

إلى هنا تمّ بيان أركان القسم الثلاثة، وثمة ركن رابع، وهو الغاية
المتوخّاة من القسم، فنقول: إنّ الغاية إمّا هي تحقيق الخبر ودعوة
المخاطب إلى الاِيمان والاِذعان به، كما هو الغالب، أو إلفات النظر
إلى عظمة المقسم به، وما يكمن فيه من أسرار ورموز، أو لبيان قداسته
وكرامته، كما في قوله:(
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ
يَعْمَهُون) .
(3)
ومن خلال هذا البيان، يتضح الجواب على ما ربما يقال من أنّحلفه
سبحانه إن كان لاَجل الموَمن فهو يصدقه بلا حلف، وإن كان لاَجل
الكافر فلا يفيده.

والجواب: انّ إيمان الموَمن بصدق إخباره سبحانه لا ينافي تأكيده
بالحلف، مضافاً إلى ما عرفت من أنّ حلفه سبحانه بشيء إشارة إلى
كرامته وقداسته أو إلى عظمته وما يكمن فيه من أسرار ورموز.

____________

1 ـ الرعد:31.

2 ـ ص:1.