2 ـ الشورى:32.

( 138 )والكنوس، وكأنّه قال: فلا أقسم بالجوار الخنس والكنس، فقد ذهب أكثر المفسرين أنّ المراد من الجواري التي لها هذان الوصفان هي الكواكب الخمسة السيارة التي في منظومتنا الشمسية، والتي يمكن روَيتها بالعين المجردة، وهي عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل و يطلق عليها السيارات المتغيرة.

وتسمية هذه الخمسة بالسيارات والبواقي بالثابتات لا يعني نفي الجري والحركة عن غيرها، إذ لاشك انّ الكواكب جميعها متحركات، ولكن الفواصل والثوابت بين النجوم لو كانت ثابتة غير متغيرة فتطلق عليها الثابتات، ولو كانت متغيرة فتطلق عليها السيارات، فهذه السيارات الخمسة تتغير فواصلها عن سائر الكواكب.

إذا عرفت ذلك: فهذه الجواري الخمس لها خنوس وكنوس، وقد فسرا بأحد وجهين:

الاَوّل: أنّها تختفي بالنهار، وهو المراد من الخنّس، وتظهر بالليل وهو المراد من الكنّس.

يلاحظ عليه:أنّتفسير خنس بالاختفاء لا يناسب معناها اللغوي، أعني: الانقباض والتأخر إلاّ أن يكون كناية عن الاختفاء.

كما أنّتفسير الكنس بالظهور خلاف ما عليه أهل اللغة في تفسيره بالاختفاء، وما ربما يقال : من أنّـها تظهر في أفلاكها كما تظهر الظبـاء في كنسها
(1)
لا يخلو من إشكال، فأنّ الظباء لا تظهر في كنسها بل تختفي فيها.

ولو سلمنا ذلك فالاَولى أن يفسر الجواري بمطلق الكواكب لا الخمسة المتغيرة .

____________

1 ـ تفسير المراغي:30|57.

( 139 )
الثاني: أن يقال: انّ خنوسها وانقباضها كناية عن قرب فواصلها ثمّ هي تجري وتستمر في مجاريها، وكنوسهاعبارة عن قربها و تراجعها

قال في اللسان: «وكنست النجوم كنساً، كنوساً: استمرت من مجاريها ثم انصرفت راجعة.
(1)
وعلى ذلك فاللّه سبحانه يحلف بهذه الاَنجم الخمسة بحالاتها الثلاث المترتبة في الليل، وهي انّها على أحوال ثلاثة.

منقبضات حينما تقرب فواصلها ثمّ إنّها بالجري يبتعد بعضها عن بعض، ثمّ ترجع بالتدريج إلى حالتها الاَُولى فهي بين الانقباض والابتعاد بالجري ثمّ الرجوع إلى حالتها الاَُولى.

(
واللّيل إِذا عَسْعَس) :وقد فسر عسعس بإدبار الليل وإقباله، فإقبالها في أوّله وإدبارها في آخره.

والظاهر انّ المراد هو إقبالها.

قال الزجاج: عسعس الليل إذا أقبل وعسعس إذا أدبر، ولعل المراد هو الثاني بقرينة الحلف الثالث أعني (
وَالصُّبح إِذا تَنَفَّس) ،والمراد من تنفس الصبح هو انبساط ضوئه على الاَُفق ودفعه الظلمة التي غشيته، وكأنّ الصبح موجود حيوي يغشاه السواد عند قبض النفس ويعلوه الضوء والانبساط عند التنفس قال الشاعر:
حتى إذا الصبـح لهـا تنفسـا * وانجاب عنها ليلها وعسعسا
هذا كلّه حول المقسم به، وأمّا المقسم عليه فهو قوله:(
إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ
____________

1 ـ لسان العرب: مادة كنس.

( 140 )كَريم) .

الضمير في قوله: (
إِنَّهُ لَقَولُ رَسُولٍ كَريم) يرجع إلى القرآن بدليل قوله: (لقولُ رَسُولٍ) والمراد من «رسول هو جبرئيل وكون القرآن قوله لا ينافي كونه قول اللّه إذ يكفي في النسبة أدنى مناسبة وهي انّه أنزله على قلب سيد المرسلين. قال سبحانه: (قُلْ مَنْ كانَ عَدُوّاً لِجِبْريلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه) (1) وقال : (نَزلَ بِهِ الرُّوحُ الاََمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِين) . (2)

ثمّ إنّه سبحانه وصفه بصفات ست:

1. رسول: يدل على وساطته في نزول الوحي إلى النبي.

2. كريم: عزيز بإعزاز اللّه.

3. ذي قوة: «ذي قدرة وشدة بالغة، كما قال سبحانه: (
عَلَّمَهُ شَديدُ القُوى * ذُو مِرّةٍ فَاسْتَوى) . (3)

4.(
عِنْدَ ذِي الْعَرش مَكين) : أي صاحب مكانة ومنزلة عند اللّه،وهي كونه مقرباً عند اللّه.

5. مطاع:عند الملائكة فله أعوان يأمرهم وينهاهم.

6. أمين: لا يخون بما أمر بتبليغه ما تحمّل من الوحي.

وعطف على جواب القسم قوله: (
وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُون) (4) والمراد هو
____________

1 ـ البقرة:97.

2 ـ الشعراء:193 ـ 194.

3 ـ النجم:5 ـ 6.

4 ـ التكوير:22.

( 141 )نبيّنا محمد
(صلى الله عليه وآله وسلم)، وكأنّ صاحبه حلف بما حلف، للتأكيد على أمرين:

أ: القرآن نزل به جبرئيل.

ب: انّ محمّداً ليس بمجنون.

ثمّ إنّ الصلة بين المقسم به والمقسم عليه: هو انّالقرآن ـ المقسم عليه ـ حاله كحال هذه الكواكب الثوابت لديكم، فكما أنّ لهذه الكواكب، انقباض وجري، وتراجع، فهكذا حال الناس مع هذا القرآن فهم بين منقبض من سماع القرآن، وجار وسار مع هداه، ومدبر عن هديه إلى العصر الجاهلي.

ثمّ إنّ القرآن أمام المستعدّين للهداية كالصبح في إسفاره، فهو لهم نور وهداية، كما أنّ للمدبرين عنه، كالليل المظلم،وهو عليهم عمى ،واللّه العالم.

ثمّ إنّ في اتهام أمين الوحي بالخيانة، والنبي الاَعظم بالجنون، دلالة واضحة على بلوغ القوم القسوة والشقاء حتى سوّغت لهم أنفسهم هذا العمل، فزين لهم الشيطان أعمالهم.

وأخيراً نود الاِشارة إلى كلمة قيمة لاَحد علماء الفلك تكشف من خلالها عظمة تلك الكواكب والنجوم، حيث يقول: لا يستطيع المرء أن يرفع بصره نحو السماوات العلى إلاّويغضي إجلالاً ووقاراً، إذ يرى ملايين من النجوم الزاهرة الساطعة، ويراقب سيرها في أفلاكها وتنقلها في أبراجها، وكلّنجم و أي كوكب، وكل سديم وأي سيار، إنّما هو دنياً قائمة بذاتها، أكبر من الاَرض وما فيها وما عليها وما حولها.
(1)

____________

1 ـ اللّه والعلم الحديث:25.

( 142 )الفصل الحادي عشر
القسم في سورة الانشقاق
حلف سبحانه تبارك و تعالى بأُمور أربعة: الشفق ، والليل، وما وسق، و القمر، فقال: (
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ *وَاللَّيلِ وَما وَسَقَ * وَالقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ * لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ * فَما لَهُمْ لا يُوَْمِنُونَ *وَإِذا قُرِىََ عَلَيْهِمُ الْقُرآنَ لا يَسْجُدُون) . (1)

تفسير الآيات

الشفق: هو الحمرة بين المغرب والعشاء الآخرة، والمراد منه في الآية الحمرة التي تبقى عند المغرب في الاَُفق، وقيل: البياض فيه.

والوسق: جمع المتفرق، يقال: وسقت الشيء إذا جمعته، ويسمي القدر المعلوم من الحمل كحمل البعير وسقاً، فيكون المعنى والليل و ما جمع وضمّ ممّا كان منتشراً بالنهار، وذلك انّ الليل إذا أقبل آوى كلّ شيء إلى مأواه،وربما يقال: بمعنى «ما ساق» لاَنّ ظلمة الليل تسوق كلّ شيء إلى مسكنه.

واتسق: من الاتساق بمعنى الاجتماع والتكامل فيكون المراد امتلاء القمر.

والطبق: الحال، والمراد لتركبنّ حالاً بعد حال، ومنزلاً بعد منزل،وأمراً بعد أمر.

____________

1 ـ الانشقاق:16 ـ 21.

( 143 )وحاصل معنى الآيات:

لا أُقسم بالشفق،وقد ذكرنا حديث «لا» و انّ معنى الجملة هو الحلف ومعناه أقسم بالحمرة التي تظهر في الاَُفق الغربي عند بداية الليل وما يظهر بعد الحمرة من بياض والمعروف في الشفق في لسان الاَُدباء هو الحمرة ولذلك يشبهون دماء الشهداء بالشفق غير انّه ربما يستعمل في البياض الطارىَ على الحمرة الذي هو آية ضعف الشفق ونهايته.

وأقسم بالليل لما فيه من آثار و أسرار عظيمة، فلولا الليل لما كان هناك حياة كالضياء، فكلّ من الليل والنهار دعامتا الحياة، قال سبحانه: (
قُلْأَرَأَيْتُمْ إِنْ جعلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمداً إِلى يَوْمِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُون * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرمداً إِلى يَومِ القِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيرُ اللّهِ يَأتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُون فيهِ أَفَلا تبصِرُون) . (1)

ثمّ إنّه سبحانه أشار إلى ما يترتب على الليل والنهار من البركات، فقال: (
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُاللَّيلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) (2)ز، فخلق النهار لطلب الرزق والمعاش، كم
البدن بالنوم فيه والسكن إليه وسيوافيك التفصيل في الفصول القادمة إن شاء اللّه.

وأقسم بما وسق، أي بما جمع الليل، ولعلّه إشارة إلى عودة الاِنسان والحيوانات والطيور إلى أوكارها عند حلول الليل، فيكون الليل سكناً عاماً للكائنات الحيّة.

____________

1 ـ القصص:71 ـ 72.

2 ـ القصص:73.

( 144 )حلف بالقمر عند اتساقه واكتماله في الليالي الاَربع لما فيه من روعة وجمال، ولذلك يُشبَّه الجميل بالقمر، مضافاً إلى نوره الهادىَ الرقيق الذي يغطّي سطح الاَرض. وهو من الرقة واللطافة بمكان لا يكسر ظلمة الليل وفي الوقت نفسه ينير الطرق و الصحاري.

فهذه أقسام أربعة بينها ترتب خاص، فانّالشفق أوّل الليل يطلع بعده القمر في حالة البدر، فهذه الموضوعات الاَربع أُمور كونية يقع كلّ بعد الآخر حاكية عن عظمة الخالق.

وأمّا المقسم عليه فهو قوله سبحانه: (
لَتَرْكَبُنَّ طَبقاً عَنْ طَبَق) وهي إشارة إلى المراحل التي يمرّ بها الاِنسان في حياته وأوضحها هي الحياة الدنيوية ثمّ الموت ثمّالحياة البرزخية ثمّالانتقال إلى الآخرة ثمّ الحياة الاَُخروية ثمّ الحساب والجزاء.

وفي هذه الآية إلماع إلى ما تقدّم في الآية السادسة من هذه السورة، أعني قوله سبحانه:(
يا أَيُّهَا الاِِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ) . (1)

والكدح بمعنى السعي والعناء يتضمن معنى السير.

فالآية تشير إلى أنّ الحياة البشرية تتزامن مع التعب والعناء، ولكن الغاية منها هو لقاء اللّه سبحانه، وكأنّ هذا الكدح باق إلى حصول الغاية ، أي لقاء جزائه من ثواب وعقاب أو لقاء اللّه بالشهود.

وأمّا وجه الصلة وهو بيان انّ الاَشواط التي يمرّ بها الاِنسان أُمور مترتبة متعاقبة كما هو الحال في المقسم به أعني الشفق الذي يعقبه الليل الدامس ويليه ظهور القمر.

____________

1 ـ الانشقاق: 6.

( 145 )توضيحه: انّ القرآن يحدّث عن أُمور متتابعة الوقوع وبذات تسلسل خاص فعندما تغيب الشمس يظهر الشفق معلناً عن بداية حلول الليل الذي تتجه الكائنات الحية إلى بيوتها وأوكارها ثمّ يخرج القمر بدراً تاماً، فإذا كان المقسم به ذات أُمور متسلسلة يأتي كلّ بعد الآخر فالطبقات التي يركبها الاِنسان مثل المقسم به مترتبة متتالية فيبدأ بالدنيا ثمّ إلى عالم البرزخ ومنه إلى يوم القيامة ومنه إلى يوم الحساب.

وبذلك يعلم وجه استعجابه سبحانه عن عدم إيمانهم، حيث قال: (
فَما لَهُمْ لا يُوَْمِنُون) فانّ هذا النظام الرائع في الكون وحياة الاِنسان من صباه إلى شبابه ومن ثمّ إلى هرمه لدليل واضح على أنّ عالم الخلقة يدبر تحت نظر خالق مدبر عارف بخصوصيات الكون.

يقول أحد علماء الطبيعة في هذا الصدد: إنّ جميع ما في الكون يشهد على وجود اللّه سبحانه ويدل على قدرته وعظمته، وعندما نقوم ـ نحن العلماء ـ بتحليل ظواهر هذا الكون ودراستها، حتى باستخدام الطريقة الاستدلالية، فانّنا لا نفعل أكثر من ملاحظة آثار أيادي اللّه وعظمته. ذلك هو اللّه الذي لا نستطيع أن نصل إليه بالوسائل العلمية المادية وحدها، ولكننا نرى آياته في أنفسنا وفي كلّذرة من ذرات هذا الوجود.
(1)

____________

1 ـ اللّه يتجلى في عصر العلم: 26.

( 146 )الفصل الثاني عشر
القسم في سورة البروج
حلف سبحانه في سورة البروج بأُمور أربعة:

أ: (
السَّماءُذات البُرُوج) : المنازل.

ب: (
اليَوم المَوعُود) : القيامة.

ج: شاهد

د: مشهود.

قال سبحانه:(
وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ *وَاليَومِ المَوعُودِ *وشاهدٍ وَمَشْهُودٍ * قُتِلَ أَصحابُالاَُخدُودِ * النارِ ذاتِ الوَقُودِ *إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ *وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمْوَمِنينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّأَنْ يُوَْمِنُوا بِاللّهِ العَزيزِالحَمِيد) . (1)

فأقسم سبحانه بالعالم العلوي وهو السماء وما فيها من المنازل التي هي أعظم الاَمكنة وأوسعها ثمّ أقسم بأعظم الاَيّام وأجلّها الذي هو مظهر ملكه وأمره ونهيه وثوابه وعقابه، ومجمع أوليائه وأعدائه والحكم بينهم بعلمه وعدل.

ثم أقسم بكلّ شاهد ومشهود ـ إذا كان اللام للجنس ـ فيكون المراد كلّ مدرِك ومدرَك وراع ومرعي، والمصداق البارز له هو النبيالذي سمّي شاهداً كما سيوافيك، كما أنّ المصداق البارز للمشهود هو يوم القيامة، فلنرجع إلى تفسير الآيات.

____________

1 ـ البروج:1 ـ 8.

( 147 )تفسير الآيات

أمّا السماء: فكلّ شيء علاك فهو سماء، قال الشاعر في وصف فرسه:
واحمر كالديباج أمّا سمـاوَه * فريّاً وأمّا أرضـه فمحـول
وقال بعضهم كلّ سماء بالاِضافة إلى ما دونها فسماء، وبالاِضافة إلى ما فوقها فأرض وسمي المطر سماءً لخروجه منها.

وأمّا البروج واحدها برج ويطلق على الاَمر الظاهر وغلب استعماله في القصر العالي لظهوره على الناظرين، ويسمّى البناء المعمول على سور البلد للدفاع برجاً، والمراد هنا مواضع الكواكب من السماء.

وربما يفسر بالمنازل الاثنى عشر للقمر، لاَنّ القمر يصير في كلّبرج يومين وثلث يوم، وذلك ثمانية وعشرون يوماً، ثمّ يستتر ليلتين ثمّ يظهر.

وربما يفسر بمنازل الشمس في الشمال والجنوب، ولكن الاَولى ما ذكرناه منازل النجوم على وجه الاِطلاق.

واليوم الموعود عطف على السماء وهو يوم القيامة الذي وعد اللّه سبحانه أن يجمع فيه الناس ويوم الفصل والجزاء الذي وعد اللّه به على ألسنة رسله وفيه يتفرد ربّنا بالملك والحكم.

وقد وعد اللّه سبحانه به في القرآن الكريم غير مرّة وقال:

(
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقين) . (1)

____________

1 ـ يونس:48.

( 148 )وقال: (
أَلا إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلكِنّ أَكْثَرهُمْ لا يََعْلَمُون) . (1)

وقال تعالى: (
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنّوَعْدَ اللّهِ حَقّ) . (2)

إلى غير ذلك من الآيات التي سمّى اللّه سبحانه فيها ذلك اليوم بوعد اللّه.

وشاهد ومشهود، اللفظان معطوفان على السماء والجميع قسم بعد قسم، وأمّا ما هو المقصود؟ فالظاهر انّ الشاهد هو من عاين الاَشياء وحضرها،وأوضحه مصداقاً هو النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) لاَنّه سبحانه وصفه بكونه شاهداً، قال: (
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَداعِياً إِلى اللّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنيراً) . (3)

نعم تفسيره بالنبي الخاتم
(صلى الله عليه وآله وسلم) من باب الجري والتطبيق على أفضل المصاديق وإلاّ فله معنى أوسع، يقول سبحانه: (
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللّه عَمَلكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُوَْمِنونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهادةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُون) (4) فقد عدّ الموَمنين شهوداً على الاَعمال، فإنّ الغاية من الروَية هو الشهود.

وتدل الآيات على أنّ نبي كلّأُمّة شاهد على أُمّته، قال سبحانه:(
وَإِنْ مِنْ أَهْلِالكِتابِ إِلاّليُوَْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَومَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) . (5)

وأمّا المشهود فالمراد منه يوم القيامة، لاَنّه من صفات يومها، قال سبحانه:
____________

1 ـ يونس:55.

2 ـ الكهف:21.

3 ـ الاَحزاب:45.

4 ـ التوبة:105.

5 ـ النساء:159.

( 149 )(
ذلِكَ يَومٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَومٌ مَشْهُود) (1) والمراد به ( ذلك يوم مجموع له الناس) أي يجمع فيه الناس كلّهم الاَوّلون والآخرون منهم للجزاء والحساب والهاء في له راجعة إلى اليوم (وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُود) أي يشهده الخلائق كلّهم من الجن والاِنس وأهل السماء وأهل الاَرض أي يحضره ولا يوصف بهذه الصفة يوم سواه وفي هذا دلالة على إثبات المعاد وحشر الخلق. (2)

هذا كلّه حول المقسم به، وأمّا المقسم عليه فيحتمل أن يكون أحد أمرين:

أ: (
قُتِلَ أَصحابُالاَُخْدُود) وفسره بقوله:(النّارِ ذات الوقُود) أي أصحاب الاَُخدود هم أصحاب النّار التي لها من الحطب الكثير ما يشتد به لهيبها، ويكون حريقها عظيماً، ولهيبها متطايراً.

ثمّأشار إلى وصف آخر لهم(
إِذْ هُمْ عَلَيها قُعُود) أي أحرقوا الموَمنين بالنار وهم قاعدون حولها يشرفون عليهم وهم يعذبون بها ويوضحه قوله في الآية اللاحقة: (وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُوَْمِنينَ شُهُود) أي أُولئك الجبابرة الذين أحرقوا الموَمنين كانوا حضوراً عند تعذيبهم يشاهدون ما يُفعل بهم، وفي هذا إيماء إلى قسوة قلوبهم، كما فيه إيماء إلى قوة اصطبار الموَمنين وشدّة جلدهم ورباطة جأشهم.

وأمّا الصلة بين ما حلف به من السماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود وجواب القسم فهي انّه سبحانه حلف بالسماء ذات البروج والبروج آية الدفاع حيث كان أهل البلد يدافعون من البروج المبنية على سور البلد عن بلدهم، قال سبحانه: (
وَلَقَدْجَعَلْنا فِي السَّماءِبُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظرين *وَحَفِظْناها مِنْ كُلّ
____________

1 ـ هود:103.

2 ـ مجمع البيان:5|191.

( 150 )شَيطانٍ رَجِيم) . (1)

فحلف سبحانه بالسماء ذات البروج في المقام مبيناً بأنّ اللّه الذي كما يدفع بالبروج عن السماء كيد الشياطين كذلك يدفع عن إيمان الموَمنين كيد الشياطين وأوليائهم من الكافرين.

ثمّ أقسم باليوم الموعود الذي يجزي فيها الناس بأعمالهم فهو يجزي أصحاب الاَُخدود بأعمالهم، وأقسم بالشاهد الذي يشاهد أعمال الآخرين، وأقسم بمشهود أي كل ما يشهده الشاهد وهو انّه سبحانه تبارك وتعالى يعاين أعمالهم ويشاهدها.