2 ـ الكشاف:3|338.

( 161 )مستباح العرض لا تحترم، فلم يبق للبلد حرمة حيث هتكت حرمتك ، قال وهو المروي عن أبي مسلم كما روي عن أبي عبد اللّه
(عليه السلام) ، قال: كانت قريش تعظم البلد وتستحل محمداً فيه، فقال: لا أُقسم بهذا البلد وأنت حلّ بهذا البلد يريد انّهم استحلوك فكذبوك وشتموك، وكان لا يأخذ الرجل منهم قاتل أبيه فيه ويتقلدون لحاء شجر الحرم فيأمنون بتقليده إيّاه فاستحلوا من رسول اللّه مالم يستحلوا من غيره فعاب اللّه ذلك عليهم.
(1)
ثمّ حلف بوالد وما ولد وللمفسرين في تفسيره أقوال أوضحها بأنّ الوالد هو إبراهيم الخليل والولد إسماعيل الذبيح وهذا يتناسب مع القسم بمكة، لاَنّ الوالد والولد هما رفعا قواعد البيت.

وأمّا تفسيرها بآدم وذريته، أو آدم والاَنبياء، أو آدم وكلّ من ولد عبر القرون تفسير بعيد.

هذا كلّه حول القسم، وأمّا المقسم عليه، فقوله سبحانه:(
لَقَدْخَلَقْنَا الاِِنْسانَ في كَبَد). (2)

والكبد في اللغة شدّة الاَمر ومنه تكبد البلد إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد للاِنسان ،لاَنّه دم يغلظ ويشتد، وتكبّد البلد: إذا صار كالكبد، ومعنى الآية واضح، فانّ الاِنسان منذ خلق إلى أن أدرج في أكفانه لم يزل يكابد أمراً فأمراً، فمن حمله وولادته ورضاعه وفطامه وشبابه وكماله وهرمه كلّذلك محفوف بالتعب والوصب، يقول الشاعر:

____________

1 ـ مجمع البيان:5|493.

2 ـ البلد:4.

( 162 )يا خاطب الدنيا الدَّنيـّ * ـة إنّها شَـرَكُ الرَّدى

دارٌ متى ما أضحكت * في يومها أبكت غدا

وإذا أظلَّ سحابها * لم ينتقع منه صدى

غاراتُها ما تنقضى * وأسيرها لا يُفتدى
(1)
ويرثي التهامي ولده في قصيدة معروفة مبتدئاً بوصف الدنيا، ويقول:
حكم المنية في البرية جار * ما هذه الدنيا بدار قرار

بينا يُرى الاِنسان فيها مخبراً * حتى يرى خبراً من الاخبار

طُبعتْ على كدر وأنت تريدها * صفوا من الاقدار والاكدار

ومكلِّف الاَيام ضدَّ طباعها * متطلب في الماء جذوةَ نار

وإذا رجوت المستحيل فإنّما * تبني الرجاء على شفير هار

فالعيش نوم والمنية يقظة * والمرء بينهما خيال سار
(2)
____________

1 ـ مقامات الحريري:225، المقامة الثالثة والعشرون الشعرية.

2 ـ شهداء الفضيلة: 26.

( 163 )رحم اللّه شيخنا الوالد آية اللّه الشيخ محمد حسين السبحاني (1299ـ1392هـ) فقد كان في أواخر أيام عمره طريح الفراش فزارته ابنته «فاطمة» وكنت أرافقها فسألناه عن حاله فأنشدَ بيتاً من لامية العجم للطغرائي وقال:
ترجو البقاء بدار لا ثبـات لها * فهل سمعت بظل غير منتقل
أمّا الكلام حول الدنيا ومصاعبها وما احتضنت من التعب والوصب، فيكفي في ذلك قراءة خطب الاِمام أمير الموَمنين
(عليه السلام) ، ننقل منها هذه الشذرات:

«أمّا بعد، فإنّي أُحذركم الدنيا، فإنّها حلوة خضرة، حفّت بالشهوات، وتحبّبت بالعاجلة. وراقت بالقليل، وتحلّت بالآمال، وتزيّنت بالغرور، لا تدوم حبرتها، ولا توَمن فجعتها، غرّارة ضرّارة، حائلة زائلة، نافدة بائدة، أكّالة غوّالة، لا تعدو ـ إذا تناهت إلى أُمنية أهل الرغبة فيها والرضاء(الرضى) بها ـ أن تكون كما قال اللّه تعالى سبحانه: (
كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الاََرْض فَأَصْبَحَهَشيماً تَذروهُ الرياح وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقتدراً) (1) لم يكن امروٌَ ومنها في حبرة إلاّ أعقبته بعدها عبرة، ولم يلق في سرّائها بطناً، إلاّمنحته من ضرّائها ظهراً.
(2) ُاًوقال
(عليه السلام) في خطبة أُخرى:

«ألا وإنّ الدنيا قد تصرَّمت، وآذنت بانقضاء، وتنكَّر معروفها، وأدبرت حذّاء، فهي تحفز بالفناء سكّانها(ساكنيها)، وتحدو بالموت جيرانها، وقد أمرّ فيها ما كان حلواً، وكدر منها ما كان صفواً، فلم يبق (تبق) منها إلاّسملة كسملة الاِداوة أو جرعة كجرعة المقلة، لو تمزّزها الصّديان لم ينقع. فأزمعوا عباد اللّه الرحيل عن
____________

1 ـ الكهف:45.

2 ـ نهج البلاغة، الخطبة: 111.

( 164 )هذه الدار المقدور على أهلها الزّوال، ولا يغلبنّكم فيها الاَمل، ولا يطولنّ عليكم فيها الاَمد».
(1)
يقول العلاّمة الطباطبائي: فليس يقصد نعمة من نعم الدنيا إلاّخالصة في طيبها، محضة في هنائها، ولا ينال شيئاً منها إلاّ مشوبة بما ينغص العيش مقرونة بمقاساة ومكابدة، مضافاً إلى ما يصيبه من نوائب الدهر ويفاجئه من طوارق الحدثان.
(2)
وربّما ينظر الاِنسان إلى من هو فوقه لا سيما الذين يتمتعون بالغنى والرفاه، فيخطر على باله أنّ حياة هوَلاء غيرمشوبة بالكد والتعب، ولكنّ هذا التصوّر غير صائب إذ أنّ تعبهم وكدَّهم أكثر بمراتب من الذين هم دونهم.

وأمّا الصلة بين المقسم به(
والد وما ولد) والمقسم عليه (لقد خلقنا الاِنسان في كبد)، واضحة، إذ لم تزل حياة إبراهيم وولده مقرونة بالتعب والوصب، إذ ولد وقد أمضى صباه في الغاب خوفاً من بطش الجهاز الحاكم، وبعد ما خرج منها وله من العمر 13 سنة أخذ يكافح الوثنيين وعبّاد الاَجرام السماوية، إلى ان حكم عليه بالرمي في النار والاِحراق، فنجّاه اللّه سبحانه، فلم يجد بداً من مغادرة الوطن والهجرة إلى فلسطين ولم يزل بها حتى أُمر بإيداع زوجه وابنه في بيداء قاحلة لا ماء فيها ولا زرع، يحكي سبحانه تلك الحالة عن لسان إبراهيم (عليه السلام) ويقول: (رَبَّنا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتي بِوادٍغَيْر ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْأَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). (3)

____________

1 ـ نهج البلاغة، الخطبة: 52.

2 ـ الميزان:20|291.