فاذاً المراد من تسويتها إعطاوَها القوى الكثيرة الظاهرة والباطنة، فتسوية النفس هو تعديل قواها من الظاهرة والباطنة، ولو أُريد من النفس الروح والجسم فتسوية الجسم هو إيجادها بصورة متكاملة.

وأمّا تنكير النفس، فلاَنّه أراد كلّنفس من النفوس من دون أن يختص بنفس دون نفس، وربما يحتمل أن يكون التنكير إشارة إلى نفس خاصة، وهي نفس النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعنى الاَوّل هو الاَوضح بقرينة انّه أخذ يحلف بالكائنات الحيّة وغير الحيّة.

إلى هنا تمّ بيان الحلف بأحد عشر أمراً، وهذه الآيات تشتمل على أكثر الاَقسام الواردة في القرآن الكريم.

ثمّ إنّبعض من ينكمش من الحلف بغير اللّه سبحانه يرى نفسه أمام هذه الآيات، ويحس عجزاً في المنطق، ويقول: المراد هو ربّ الشمس والقمر وهكذا، ولكنّه غافل انّه لا يمكن تقديره في الآيتين الاَخيرتين أي :(
وَالسَّماء وَما بَناها *
____________

1 ـ اللّه والعلم الحديث:25.

2 ـ الاَنعام:93.

3 ـ البقرة:235.

4 ـ المائدة:116.

( 170 )وَالاََرض وما طَحاها) إذ ينقلب معنى الآيتين أقسم بربّ السماء وربّ ما بناها أي ربّبانيها، وهكذا الحلف بربّ الاَرض وما طحاها، أي ربّ طاحيها.

إلى هنا تمّ الحلف بهذه الموجودات السماوية والاَرضية والحية وغير الحية.

أخبر سبحانه بأنّه بعد ما خلق النفس وسوّاها واكتملت خلقتها ظاهراً وباطناً، علّمها سبحانه التقوى والفجور، وفهم من صحيح الذات ما هو الحسن والقبيح، وقد تعلّم ذلك في منهج الفطرة، وقد استعمل كلمة «ألهم» لاَنّه بمعنى إلقاء الشيء في روع الاِنسان من دون أن يعلم الملهم من أين أتى، والاِنسان يعلم من صميم ذاته الحسن والسيّء من دون أن يتعلّم عند أحد.

وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الهداية الباطنية في آيات أُخرى، وقال: (
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَين). (1)

ولما حلف بالموجودات السماوية والاَرضية غير الحيّة والحيّة، وانّه قد ألهم النفس الاِنسانية طرق الصلاح والفلاح، أو طرق الشر والضلال، أتى بجواب القسم، وهو قوله: (
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْخابَمَنْ دَسّاها) ، فجعل «زكاها» مقابل «دساها» فيعلم معنى الثاني من الاَوّل، فقال: (وَقَدْخابَمَنْ دَسّاها) .

والتزكية هو التطهير من الآثام، مقابل التدسيس، وهي إخفاء الرذائل والذنوب.

انّ قوله: (
دسّاها) مشتق من التدسيس، وهو إخفاء الشيء من الشيء، والتدسيس مصدر دسّس، وهو من دسس يدسس تدسيساً، ومعنى الآية فالاِنسان
____________

1 ـ البلد:10.

( 171 )هو فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما، والتزكية هي الاِتمام والاِعلاء بالتقوى، لاَنّ لازم التطهير هو الاِنماء كما أنّ التدسية النقص والاِخفاء بالفجور.

والمقسم عليه: هو قوله: (
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْخابَمَنْ دَسّاها)، وربّما يتصوّر أنّ جواب القسم محذوف.

قال الزمخشري: إنّ جوابه محذوف تقديره ليدمدمنّ اللّه على أهل مكة لتكذيبهم رسول اللّه كما دمدم على ثمود لاَنّهم قد كذبوا صالحاً.

وأمّا قوله: (
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها) فكلام تابع لقوله: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء. (1)

يلاحظ عليه: أنّه لو كان جواب القسم هو ما قدّره، يفقد الجواب الصلة اللازمة بينه و بين الاَقسام الكثيرة الواردة في سورة الشمس، ولا مانع من أن يكون قوله: (
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها) جواب القسم، بأن يكون تابعاً لقوله: (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها).

وعلى ما ذكرنا فالصلة بين الاَمرين واضحة، وهي أنّه سبحانه يذكر نعمه الهائلة في هذه الآيات التي لو فقد البشر واحداً منها لتوقفت عجلة الحياة عن السير نحو الاَمام، فمقتضى إفاضة هذه النعم وإنارة الروح بإلهام الفجور والتقوى هو المشي على درب الطاعة، وتزكية النفس دون الولوج في طريق الفجور وإخفاء الدسائس الشيطانية.

____________