كتاب الأقسام في القرآن الكريم للأستاذ جعفر السبحاني ص 172 - ص 184
( 172 )

الفصل السابع عشر

القسم في سورة الليل


حلف سبحانه في سورة الليل بأُمور ثلاثة: (اللَّيل إِذا يَغْشى) ، (النَّهار إِذا تَجَلّى) و( ما خلق الذكر والاَُنثى) .
وقال سبحانه: (وَاللَّيل إِذا يَغْشى * وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى * وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالاَُنثى * إنَّ سَعْيَكُمْ لَشتّى). (1)

تفسير الآيات

1. (وَاللَّيل إِذا يَغْشى) أقسم بالليل إذا يغشى النهار، أو يغشى الاَرض، ويدل على الاَوّل، قوله: (يُغشِي اللَّيلَ النَّهار ) (2) بمعنى يأتي بأحدهما بعد الآخر ، فيجعل ظلمة الليل بمنزلة الغشاوة للنهار ويحتمل المعنى الثاني، كما في قوله في سورة الشمس:(وَاللَّيل إِذا يَغْشاها) .
2. ( وَالنَّهار إِذا تَجَلّى) عطف على الليل، والتجلّـي ظهور الشيء بعد خفائه، وقد جاء الفعل في الآية الاَُولى بصيغة المضارع وفي الآية الثانية بصورة الماضي وفقاً لسورة الشمس كما مرّ.
3. (وَما خَلَقَ الذَّكَر وَالاَُنثى) و«ما»موصولة كناية عن الخالق البارىَ للذكر
____________
1 ـ الليل:1ـ 4.
2 ـ الاَعراف:54.

( 173 )
والاَُنثى، سواء أكان من جنس الاِنسان أو من جنس الحيوان، وتطبيقه في بعض التفاسير على أبينا آدم وزوجه حوّاء من باب التمثيل لا التخصيص.
وأمّا جواب القسم: هو قوله: (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّى)، وشتى جمع شتيت، كمرضى جمع مريض، و المراد تشتت السعي، فانّ سعي الاِنسان لمختلف وليس منصبَّاً على اتجاه واحد، فمن ساع للدنيا ومن ساع للعقبى، ومن ساع للصلاح والفلاح، ومن ساع للهلاك والفساد.
ثمّ إنّه سبحانه صنّف المساعي إلى قسمين،وقال في الآيات التالية بأنّ الناس على صنفين: فصنف يصبُّ سعيه في طريق العطاء والتقى والتصديق بالحسنى، فيُيسّـر لليسري، وصنف آخر يصبُّ سعيه على ضدّما ذكر فيبخل ويستغني بما لديه، ويكذب بالحسنى، فيُيسر للعسرى.
قال: (فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى * وَصَدَّقَ بِالحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسرى * وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى). (1)
والصلة بين المقسم به والمقسم عليه: واضحة، وهي أنّه سبحانه أقسم بالمتفرقات خلقاً وأثراً على المساعي المتفرقة في أنفسها وآثارها، فأين التقوى والتصديق من البخل والتكذيب؟!

____________
1 ـ الليل: 5 ـ 10.

( 174 )

الفصل الثامن عشر

القسم في سورة الضحى


حلف سبحانه في تلك السورة بأمرين، أحدهما الضحى، والآخر: (اللَّيل إِذا سَجى) ، وقال: (وَالضُّحى * وَاللَّيلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وللآخِرةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الاَُولى * وَلَسوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى). (1)

تفسير الآيات

المراد من الضحى وقت الضحى، وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس وتلقي شعاعها، قال سبحانه: (وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحى) . (2)
وقوله: (وَالليلِ إذا سَجى) أي والليل إذا سكن، يقال: سجى البحر سجواً، أي سكنت أمواجه، ومنه استعير تسجية الميت، أي تغطيته بالثوب، والمراد إذا غطى الليلُ وجه الاَرض وعمّت ظلمتُه جميع أنحاء البسيطة.هذا هو المقسم به.
وأمّا المقسم عليه: فهو ما جاء عقبه، أي ما تركك يا محمد ربّك وما أبغضك منذ اصطفاك.(وللآخِرةُ خَيرٌ لَكَ من الاَُولى) أي ثواب الآخرة والنعيم الدائم فيها خير لك من الدنيا الفانية.(ولَسَوفَ يُعْطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى) أي سوف
____________
1 ـ الضحى:1 ـ 5.
2 ـ طه:59.

( 175 )
يعطيك ربّك في الآخرة ما يرضيك من الشفاعة والحوض وسائر أنواع الكرامة.
وروي أنّ محمد بن علي بن الحنفية، قال: يا أهل العراق، تزعمون أنّأرجى آية في كتاب اللّه عزّوجلّ هو قوله تعالى: (قُلْ يا عِبادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللّه) (1) إنّا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب اللّه، هو قوله: (وَلَسَوفَيُعطيكَ رَبُّكَ فَتَرضى) وهي واللّه الشفاعة، ليعطينّها في أهل لاإله إلاّاللّه حتى يقول: ربّي رضيت. (2)
وقد ذكر المفسرون في شأن نزول الآية: انّه احتبس الوحي عنه خمسة عشر يوماً، فقال المشركون: إنّمحمداً قد ودّعه ربّه وقلاه، ولو كان أمره من اللّه تعالى لتتابع عليه، فنزلت هذه السورة.
هذا ما يذكره المفسرون، ولكن الحقّ انّه لم يكن هناك أيُّ احتباس وتأخير في نزول الوحي، وذلك لاَنّه جرت سنّة اللّه تعالى على نزول الوحي تدريجاً لغايات معنوية واجتماعية، وقد أشار الذكر الحكيم إلى حكمة نزوله نجوماً في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه:(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَولا نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرآن ُجُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُوَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً).(3)
فالآية تعكس فكرة المشركين حول نزول القرآن وكانوا يتصورون أنّ القرآن كالتوراة، يجب أن ينزل جملة واحدة لا نجوماً وعلى سبيل التدريج، فأجاب عنه الوحي، بأنّ في نزوله التدريجي تثبيتاً لفوَاد النبي «صلى الله عليه وآله
____________
1 ـ الزمر:53.
2 ـ مجمع البيان:5|505.
3 ـ الفرقان:32.

( 176 )
وسلم» ، لتداوم الصلة بين الموحي والموحى إليه بين الحين والحين.
وهذا بخلاف ما لو نزل جملة واحدة وأوصد فيها باب الوحي، وانقطعت صلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسماء، ففي صورة استدامة الوحي والصلة بينه وبين اللّه سبحانه يعيش النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت ظل إمدادات غيبية تعقبه إزالة الصدأ العالق على قلبه من خلال مجابهة المشركين والكافرين، بخلاف الثاني، ففيه إيماء إلى انقطاع الصلة حينها يجد النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» نفسه وحيداً دون من يعضده ويسلّيه ويذهب عنه همّ القلب.
ففي الحقيقة لم يكن هناك طارئة باسم احتباس الوحي أو تأخيره، وإن زعم المشركون نزول الوحي نجوماً احتباساً وتأخيراً له.
وأمّا الصلة بين المقسم به والمقسم عليه، فلا تخلو من وضوح:
1. لاَنّ نزول الوحي يناسب الضحى، كما أنّ انقطاعه يناسب الليل.
2. لاَنّ عماد الحياة هو مجيىَ الليل عقب النهار، لا استدامة النهار ولا استدامة الليل، فهكذا الحال في عماد الحياة النبوية الذي هو نزول الوحي نجوماً تثبيتاً لقلب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
3. ولاَنّ الضحى والليل نعمة من نعم اللّه سبحانه منّ بها على عباده لما لهما من تأثير مباشر في استقرار الحياة وهكذا الحال في نزول الوحي نجوماً.

( 177 )

الفصل التاسع عشر

القسم في سورة التين


حلف سبحانه في سورة التين، بأُمور أربعة: التين، الزيتون، طور سينين، البلد الاَمين، قال سبحانه: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينينَ * وَهذَا الْبَلَدِ الاََمين * لَقَدْ خَلَقْنَا الاِِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويمٍ * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلينَ * إِلاّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) . (1)

تفسير الآيات

(التين والزَّيتُون) فاكهتان معروفتان، حلف بهما سبحانه لما فيهما من فوائد جمّة وخواص نافعة، فالتين فاكهة خالصة من شآئب التنغيص، وفيه أعظم عبرة لاَنّه عزّ اسمه جعلها على مقدار اللقمة، وهيّأها على تلك الصورة إنعاماً على عِباده بها.
وقد روى أبو ذر الغفاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنّه قال: «لو قلت انّ فاكهة نزلت من الجنة، لقلت: هذه هي، لاَنّ فاكهة الجنة بلا عَجَمْ (2) فانّها تقطع البواسير، وتنفع من النقرص». (3)
وأمّا الزيتون فانّه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الاَطعمة، وهو إدام، والتين فاكهة فيها منافع جمّة.

____________
1 ـ التين:1 ـ 6.
2 ـ العجم: نوى التمر، أو كل ما كان في جوف مأكول كالزبيب.
3 ـ مجمع البيان: 5|510.

( 178 )
ذكر علماء الاَغذية أنّه يمكن الاستفادة من التين كسكر طبيعي للاَطفال، ويمكن للرياضيين ولمن يعانون ضعف كبر السنّأن ينتفعوا منه للتغذية، حتى ذكروا أنّ الشخص إن أراد توفير الصحة والسلامة لنفسه فلابد له أن يتناول هذه الفاكهة، كما أنّ زيت الزيتون هو الآخر له تأثير بالغ في معالجة عوارض الكُلَـى، حتي وصفها سبحانه بأنّه مأخوذ من شجرة مباركة، ولا نطيل الكلام في سرد فوائدهما. (1)

هذا وربما يفسر التين بالجبل الذي عليه دمشق، والزيتون بالجبل الذي عليه بيت المقدس.
وهذا التفسير وإن كان بعيداً عن ظاهر الآيات، ولكن الذي يدعمه هو القسم الثالث والرابع ـ أعني: الحلف بـ (طور سينين * والبلد الاَمين) ـ إذ على ذلك يكون بين الاَُمور الاَربعة السالفة الذكر صلة واضحة، ولعل إطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما منبتيهما، والاِقسام بهما، لاَنّهما مبعثي جمّ غفير من الاَنبياء.
ثمّ إنّ المراد من طور سينين، هو الجبل الذي كلّم اللّه فيه موسى (عليه السلام) ، وقال: (إِنَّي أَنَا رَبّكَ فَاخْلََعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالوادِ المُقدَّسِ طُوى) (2) وقال: (إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ المُقَدَّسِ طُوى) (3) وقال سبحانه مخاطباً موسى (عليه السلام) : (وَلكِنِ انْظُر إِلى الْجَبَل فَإِن اسْتَقَرَ مَكانَهُ فَسَوفَ تَراني فَلَمّا تَجلّـى رَبّه لِلجَبَل جَعَلهُ دَكّاً وخَرّ مُوسى صَعِقاً) . (4)

____________
1 ـ فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب علماء الاَغذية وما أُلّف في هذا المضمار.
2 ـ طه:12.
3 ـ النازعات:16.
4 ـ الاَعراف:143.

( 179 )

البلد الاَمين

وقد ذكر لفظ البلد في دعاء إبراهيم، حيث قال: (وَإِذْقالَإِبْراهيم رَبِّ اجْعَل هذا بَلَداً آمِناً وَارزُق أَهْلهُ مِنَ الثَّمراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللّهِ وَاليَومِ الآخر ) (1) وقال أيضاً: (رَبِّ اجْعَل هذا البلد آمناً وَاجْنُبْني وَبَنيّ أن نَعْبُد الاََصْنام) . (2)
وقد أمر سبحانه نبيّه الخاتم، أن يقول: (إِنَّما أُمرت أن أَعبُدَ ربَّ هذه البَلْدة الّذي حرّمها ولَهُ كُلّ شيء وَأُمرت أن أكون من المُسلمين) . (3)
وقد جاء ذكر البلد في بعض الآيات كناية، قال سبحانه: (انَّ الّذي فَرَضَعَلَيْكَ القُرآن لَرادّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَم مَنْ جاءَبِالهُدى وَمَنْهُوَفي ضَلالٍ مُبين) . (4)
والمراد من قوله (إلى معاد) هو موطنه الذي نشأ فيه.
وقد روى المفسرون في تفسير الآية انّه لما نزل النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» بالجحفة في مسيره إلى المدينة لما هاجر إليها اشتاق إلى مكة فأتاه جبرئيل (عليه السلام) ، فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال: نعم. قال جبرئيل: فإنّ اللّه، يقول:(إنَّ الّذي فَرَضَعَلَيْكَ القُرآن لَرادّكَ إِلى مَعاد) يعني مكة ظاهراً عليها، فنزلت الآية بالجحفة، وليست بمكية ولا مدنية، وسمّيت مكة معاداً لعوده إليها. عن ابن عباس. (5)
كما ذكر أيضاً في آية أُخرى بوصفه وقال: (أَوَ لَمْ يَرَوا انّا جَعَلْنا حَرماً آمِناً
____________
1 ـ البقرة:126.
2 ـ إبراهيم:35.
3 ـ النمل:91.
4 ـ القصص:85.
5 ـ مجمع البيان:7|268.

( 180 )
وَيُتَخَطَّف النّاسُ منْ حَولهِم أَفَبالباطِل يُوَْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللّه يكْفُرون) . (1)
وقد وصف سبحانه البلد بالاَمن وأصل الاَمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، وقد جعله وصفاً في بعض الآيات للحرم، قال سبحانه: (أَوَ لَمْ نُمَكِّن لَهُمْ حَرماً آمناً يجبى إليهِ ثَمرات كلّ شَيْءٍ رِزْقاً من لَدُنّا وَلكِنّ أَكثَرهم لا يَعْلَمُون) (2)
وفي آية أُخرى يقول:(أَوَ لَمْ يَرَوا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمناً وَيُتَخَطَّف النّاسُ من حَولهِمْ أَفَبالباطل يوَمنون وبنعمة اللّه يكفرون) . (3)
والمراد من هذا الاَمن هو الاَمن التشريعي، بمعنى أنّه سبحانه حرم فيه القتل والحرب حتى قطع الاَشجار والنباتات إلاّ بعض الاَنواع مما تحتاج إليه الناس، والذي يوضح أنّ المراد من الاَمن هو الاَمن التشريعي لا التكويني قوله سبحانه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِلَلَّذي بِبَكّة مُباركاً وَهُدىً لِلْعالَمين * فِيه آياتٌ بَيِّنات مَقامُ إِبراهيم وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَللّه عَلى النّاسِحِجُّ الْبَيْت مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً وَمَنْ كَفَرَ فإِنَّ اللّه غَنِيٌّ عَن الْعالَمين) . (4)
فالآية الاَُولى تحكي عن تشريع خاص، وهو أنّ الكعبة أوّل بيت وضعت لعبادة الناس، ويدل على ذلك أنّ فيه مقام إبراهيم، كما أنّ الآية الثانية تبيّن تشريعاً آخر، وهو وجوب حجّ البيت لمن استطاع إليه، وبين هذين التشريعين جاء قوله: (وَمَنْ دَخَلَهُ كانَآمِناً) وهذا دليل على أنّ المراد من الاَمن هو الاَمن التشريعي لا التكويني، ولذلك كان الطغاة يسلبون الاَمن عن هذا البلد بين آونة وأُخرى.

____________
1 ـ العنكبوت:67.
2 ـ القصص:57.
3 ـ العنكبوت:67.
4 ـ آل عمران:96ـ 97.

( 181 )
ويشير إلى الاَمن بقوله سبحانه: (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الحَرام قِياماً لِلنّاسِوَالشَّهْرَ الحَرامَ) (1) وصف البيت بالحرام، حيث حرّم في مكانه القتال، وجعل الناس فيه في أمن من حيث دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
فهذه الآيات تشير إلى مكانة البلد الذي احتضن البيت الحرام، ذلك المكان المقدس الذي حاز على أهمية بالغة عند المسلمين على اختلاف نحلهم، فإليه يوجِّه الناس وجوههم في صلواتهم وفي ذبائحهم وعند احتضار أمواتهم.
وفضلاً عن ذلك فانّه يعد ملتقىً عبادياً وسياسياً لحشود كبيرة من المسلمين، وما يترتب عليه من نتائج بناءة على صعيد مدِّ جسور الثقة بين كافة النحل الاِسلامية. وبتبعه حاز البلد على مكانة مقدسة جعلته صالحاً للقسم به.

المقسم عليه

المقسم عليه للاَقسام الاَربعة ـ أعني: التين، الزيتون، طور سينين، البلد الاَمين ـ هو قوله سبحانه: (لَقَدْخَلَقْنَا الاِِنْسانَ في أَحْسَنِ تَقْويم * ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلين) فيقع الكلام في أمرين:
أ: ما هو المراد من خلق الاِنسان في أحسن تقويم ثمّ ردّه إلى أسفل سافلين؟
ب: ما هي الصلة بين الاَقسام الاَربعة وهاتين الآيتين اللتين هما المقسم عليه للاَقسام الاَربعة.
أمّا الاَوّل فربّما يقال: انّ المراد من خلق الاِنسان في أحسن تقويم هو جودة
____________
1 ـ المائدة:97.

( 182 )
خلقه واستقامة وجوده من صباه إلى شبابه إلى كماله فيتمتع بكمال الصورة وجمال الهيئة وشدة القوة، فلم يزل على تلك الحال حتى يواجه بالنزول أي رده إلى الهرم والشيخوخة والكهولة فتأخذ قواه الظاهرة والباطنة بالضعف، وتنكس خلقته، قال سبحانه: (وَمَنْنُعَمِّرهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ) (1) لكن هذا التفسير لا يناسبه الاستثناء الوارد بعده قال سبحانه: (إِلاّالّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُون) أي غير مقطوع.
فلو كان المراد من الآية ما جرت عليه سنّة اللّه تعالى في خلق الاِنسان فهي سنّة عامة تعم الموَمن والكافر والصالح والطالح، مع أنّه يستثني الموَمن الصالح من تلك الضابطة.
فالاَولى تفسير الآيتين بالتقويم المعنوي، وردّه إلى أسفل سافلين هو انحطاطه إلى الشقاء والخسران بأن يقال: انّ التقويم جعل الشيء ذا قوام، وقوام الشيء ما يقوم به ويثبت، فالاِنسان بما هو إنسان صالح حسب الخلقة للعروج إلى الرفيق الاَعلى، والفوز بحياة خالدة عند ربه سعيدة لا شقوة فيها، قال سبحانه: (وَنَفْسٍ وَما سَوّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها) (2) فإذا آمن بما علم ومارس صالح الاَعمال رفعه اللّه إليه، كما قال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ) (3)يس، وقال عزّاسمه: (يَرفَعِ اللّهُ الّذينَآمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات)(4) ، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ارتفاع مقام الاِنسان وارتقائه بالاِيمان والعمل الصالح مقاماً عالياً ذا عطاء من اللّه غير مجذوذ، وقد أشار في آخر
____________
1 ـ يس:68.
2 ـ الشمس:7ـ 8.
3 ـ فاطر:10.
4 ـ المجادلة:11.

( 183 )
هذه السورة إلى العطاء الدائم، بقوله: (فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيرُ مَمْنُون) .
وعلى ذلك يكون المراد من أسفل سافلين هو تردّي الاِنسان إلى الشقوة والخسران. (1)
وأمّا وجه الصلة فلو قلنا بأنّ المراد من التين الجبل الذي عليه دمشق، وبالزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس وهما مبعثا جمّ غفير من الاَنبياء، فالصلة واضحة، لاَنّهذه الاَراضي أراضي الوحي والنبوة فقد أوحى اللّه سبحانه إلى أنبيائه في هذه الاَمكنة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى أحسن تقويم، ويصدهم عن التردي إلى أسفل سافلين.
وبعبارة أُخرى: إنّ هذه الاَماكن مبعث الاَنبياء ومهبط الوحي، فهوَلاء بفضل الوحي يهدون المجتمع الاِنساني إلى الرقي والسعادة التي يعبر عنها القرآن بأحسن تقويم،ويحذرونه من الانحطاط والسقوط في الهاوية التي يعبر عنها سبحانه بـ(أَسْفَلَ سافِلين) .
إنّما الكلام فيما إذا كان المراد من التين والزيتون، الفاكهتان المعروفتان اللتين أقسم اللّه بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، فعندئذٍلاتخلو الصلة من غموض، فليتدبر.
ولا يخفى انّ كلّالمخلوقات، من حيوان ونبات توحي بالجلال و الاحترام لها وبالجمال وكمال الخلق، وهي تبدو مبرمجة أو مخلوقة هكذا لا تحيد عن ذلك، فهل رأيت طيراً لا يبني عشه أو لا يُطعمُ فراخه؟ أم رأيت حيواناً لم يهبه اللّه الذكاء والمقدرة على تحصيل رزقه، أو الدفاع عن نفسه؟ حقاً انّهذه المخلوقات لا تعرف الهزل، فهي جدّيّة ولكن في وداعة، غريبة ولكن في جمال، وبسيطة
____________
1 ـ الميزان:20|319ـ 320.

( 184 )
ولكن في جلال آسر. إن كلاً منها تسير على الطريق التي اختطها الخالق لها طائعة ملبّية، وهي تسبّح بحمد ربّـها كلّها. إنّها لا تعرف الكذب أو المصانعة، بل هي متّسقة مع نفسها ومع ما حولها، بل و مع الكون جميعاً. في تناغم عجيب وجمال بديع. فتعالى اللّه الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين والباطن بجلال عزّته عن فكرة المتوهمين. (1)



____________
1 ـ أسرار الكون في القرآن:283.