
إنّ الشهادة من الحضور ولم يكن النبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) ظاهراً مع جميع الاَُمة بل كان بمعزل عنهم إلاّ شيئاً لا يذكر، فكيف يشهد وهولم يحضر الواقعة أي أفعال أُمّته قاطبة؟

وهناك إشكال آخر أكثر غموضاً وهو: انّ الشهادة على ظاهر الاَعمال ليست مفيدة يوم القيامة،بل الشهادة على باطن الاَعمال من كون الصلاة للّه أو للرياء
____________

1 ـ النساء:41.

2 ـ النحل:84.

3 ـ الزمر:69.

4 ـ الاَعراف:6.

5 ـ المائدة:117.

( 55 )وللسمعة، وانّ إيمانه هل كان إيماناً نابعاً من صميم ذاته، أو نفاقاً لاَجل حطام الدنيا، فهذا النوع من الاَعمال لا يمكن الشهادة عليها حتى بنفس الحضور عند المشهود عليه؟

وهذا يدفعنا إلى القول بأنّ لشهداء الاَعمال عامة والنبي الخاتم خاصة قدرة غيبية خارقة يطّلع من خلالها على أعمال العباد ظاهرها وباطنها وذلك بقدرة من اللّه سبحانه، وعلى ذلك فهذه الشهادة عبارة عن الاطلاع على أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء،وانقياد وتمرّد، وإيمان وكفر، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد اللّه من كلّ شيء حتى من أعضاء الاِنسان، وعند ذلك يقوم النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ويقول: (
يا رَبِّ إِنَّ قَوْمي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرآن مَهْجُوراً) .

فإذا كانت الشهادة بهذا المعنى فلا ينالها إلاّ الاَمثل فالاَمثل من الاَُمّة، لا الاَُمة بأسرها،وعلى ضوء ذلك فيكون المراد من قوله سبحانه:(
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَعَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً) (1) هم الكاملين من الاَُمّة لا المتوسطين وما دونهم.

وأمّا نسبة الشهادة إلى قاطبة أُمّة النبي، في قوله تعالى:(
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسطاً) فليس بشيء بديع، إذ ربّما يكون الوصف لبعض الاَُمّة وينسب الحكم إلى جميعهم، كما في قوله سبحانه في حقّ بني إسرائيل:(وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) على الرغم من أنّ الملوك فيهم لم يكن يتجاوز عددهم عدد الاَصابع.

وثمة حديث منقول عن الاِمام الصادق
(عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (
لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وَيَكونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهيداً ) يوَيد هذا
____________

1 ـ البقرة:143.

( 56 )المعنى«الشهادة للاَمثل» :«فإن ظننت أنّاللّه عني بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحدين، أفترى انّمن لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر يطلب اللّه شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الاَُمم الماضية؟ كلا: لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه، يعني الاَُمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم ( كنتم خير أُمّة أُخرجت للناس) وهم الاَُمّة الوسطى، وهم خير أُمّة أُخرجت للنّاس».
(1)الحلف بالنبي كناية

ربّما يحلف القرآن الكريم بالنبي
(صلى الله عليه وآله وسلم) كناية، قال سبحانه: (
لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَد *وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَد * وَوالدٍ وَما وَلَد * لَقَدْخَلَقْنَا الاِنْسانَ في كَبَد) . (2)

والحِلُّ بمعنى المقيم وكأنّه سبحانه يقول: وأنت يا محمد مقيم به، وهو محلك وهذا تنبيه على شرف البلد بشرف من حلّبه وهو الرسول الداعي إلى توحيده، وإخلاص عبادته، وبيان أنّ تعظيمه له وقسمه به لاَجله ولكونه حالاً فيه، كما سميت المدينة طيبة لاَنّها طابت به حيّاً وميتاً.
(3)
وكأنّ الآية تشير إلى المثل المعروف شرف المكان بالمكين، وانّقداسة مكة والداعي إلى الحلف بها هو احتضانها للنبييقول العلاّمة الطباطبائي: والحل مصدر كالحلول بمعنى الاِفاضة والاستقرار في مكان، والمصدر بمعنى الفاعل، والمعنى: أقسم بهذا البلد، والحال انّك حال به مقيم فيه، وفي ذلك تنبيه على تشرّف مكة بحلوله فيها وكونها مولده ومقامه.
(4)____________

1 ـ الميزان:1|332.

2 ـ البلد:1ـ4.

3 ـ مجمع البيان:10|492.