
وبهذه الروح استطاع ان ينفذ الى اعماق المسلمين، فينجح كلالنجاح. وظل الائمه بعد الصادق يقودون الركب بقدر ما يسمح لهم الظرف،وظلت حركه التدريس والتاليف مستمره حتى بلغ ما الفه علماءالشيعه فى عهد الائمه، اى حتى سنه 260ه ما يزيد على سته آلافوستمائه كتاب. وامتاز من بين هذه الكتب اربعمائه كتاب عرفتبالاصول الاربعمائه. الشيعه فى الحكم تولى الشيعه الحكم فى فترات معينه، وقامت لهم دول فى المغربوالمشرق، فاذا بدنيا الاسلام تستقبل فى الحكم شيئا جديدا. فالناس الذين عرفوا الحاكمين طغاه سفاكين سلابين، فظلوا فىثورات متصله ونقمات متواليه عليهم، هولاء الناس تطلع عليهم فىالمغرب، فى شمال افريقيا دوله جديده مستمده اصولها من جوهرالاسلام ومن مثل على ومناهجه، فلا يستطيع الناس الا ان يسارعوااليها طائعين. فحين نجا ادريس بن عبداللّه بن الحسن المثنى بن الحسن بن علىبن ابى طالب، حين نجا من مجزره فخ ومضى الى المغرب، كانالمغرب لا يزال منذ العهد الاموى يعانى شر انواع الحكم، فظل فىثوره دائمه، وتوقف انتشار الاسلام فيه، واضطرمن به من المسلمين الى التمذهب بمذهب الخوارج غضبا علىالحكم. ويصل ادريس حفيد على، المتخلق بخلقه الاخذ بسبيله، فينجح فىاقامه حكم يرى فيه الشعب لونا جديدا لم يالفوه من قبل.. فيهرع الناس اليه ويقبلون عليه، وتذوب المعارضه الخوارجيه. والبربر الذين رفضوا الاسلام الممثل بالامويين والعباسيين اقبلواعلى الاسلام ممثلا بالعلويين وبعد عدائهم الشديد له عادوا على يدالادارسه حماته وذاده عنه. وكما يقول الدكتور حسين مونس: فان الدوله الادريسيه العلويه لاتزال تنتظر من يكتب تاريخها. ويقول: يفوت المورخين ان يتبينوامكانها كحجر الزاويه فى بناء اسلام المغرب وما قامت به من دورعظيم فى مد رقعه الاسلام فى شمال المغرب الاقصى وغربىالمغرب الاوسط، والقضاء على نزعات الخوارج، وما بذله امراوهامن جهد فى ارساء اسس الاسلام الصحيح فى بلد اصبح بفضلالادارسه الدرع الواقى للجناح العربى من مملكه الاسلام. ومن نسل هولاء الادارسه جاء الشريف الادريسى صاحب (نزههالمشتاق فى اختراق الافاق) الذى يعد من امتع ما الفه البلدانيونالمسلمون فى علم الجغرافيا. وله فوق ذلك كتاب علمى فىالنبات، سماه (جامع اشتات النبات) يورد فيه اسماء النباتات فىلغات عده شرقيه وغربيه. والكتاب - كما يقول الشبيبى -: يدل علىعلم واسع وتحقيق بالغ، ومنه يستنتج ان الادريسى حاذق فى علمالنبات وعلوم الطبيعه والطب اكثر من حذقه فى ناحيه الجغرافياوالبلدانيات. وهو من المخطوطات النادره. ومما يلفت النظر فى تاريخ الادارسه ما رواه المورخون من انه حينانتظم امر ادريس بن ادريس وبنى مدينه فاس، وفد عليه جماعه منالفرس فانزلهم بضيعه هناك كانت على العين المعروفه بعينعلوان. كما يقول صاحب (الاستقصاء). التجارب اللاحقه: التجربه الاولى للحكم الشيعى تجربه الادارسه دلت على ما يمكنان يعطيه هذا الحكم. فقد كان عهد الادارسه عهد نشر الاسلام، واقامه العمران وبث العلموالايمان كما كان كذلك عهد العلويين فى بلاد الديلم. ولم يات القرن الرابع الهجرى حتى كان جل العالم الاسلامىمحكوما من قبل الشيعه. فالفاطميون، والبويهيون، والحمدانيون كانوا هم ساده معظم الاقطارالاسلاميه. فماذا حدث خلال هذا الحكم الشيعى العريض؟ حدث ان القرن الرابع الهجرى اعتبر عصر النهضه الفكريهالاسلاميه، واعتبرت حضارته الحضاره الاسلاميه الجديره بالعنايهوالدرس. ولم يكن ذلك الا لان الحكم الشيعى كان يتميز بظاهرتين فذتين، هما: 1 - اطلاق الحريات العامه للمواطنين. 2 - تبنى الدوله للحركات العلميه والفكريه والفنيه والادبيه. الفاطميون: ففى ظلال الحكم الشيعى عرفت الشعوب حريه العقيده وحريهالاعراب عن هذه العقيده. عند ما نزل ابو عبداللّه الشيعى ارض المغرب وسيطر عليها باسمالفاطميين، اراده اخوه ابو العباس ان ينفى عن القيروان من يخالفمذهبه، فقال له ابو عبداللّه: (ان دولتنا دوله حجه وبيان، وليست دولهقهر، واستطاله، فاترك الناس على مذاهبهم). ولما امتدت هذه الدوله واصله الى مصر، وانشات الجامع الازهرمقرا لدعوتها، دعت المذاهب الاسلاميه كلها الى ان تتولى تدريسمبادئها فى الجامع الازهر. فكان للمالكيه خمس عشره حلقه،وللشافعيه مثلها ولاصحاب ابى حنيفه ثلاث حلقات. ثم اصبحت القاهره ملجا للعلماء والمفكرين يفرون اليها منالاضطهاد والفقر. هذا القاضى ابو الفضل محمد بن احمد بن عيسى البغدادى، امام الشافعيه يفد الى مصر الفاطميه فيملى من مذهبه فيها ما شاء انيملى، ويظل كذلك حتى يموت سنه 441ه ، وابو الفتح سلطان بنابراهيم الفلسطينى (518ه) يفد كذلك بين العلماء الوافدين. وابو الحجاج يوسف الميورقى (523). ومجلى بن جيع المخزومى (550). والقاضى ابو الحسن الموصلى الخلعى (448). وعبداللّه بن رفاعه السعدى (561). والقاضى القضاعى. هولاء الخمسه ممن وفد الى مصر وولى القضاءللفاطميين بالرغم من انهم كانوا شافعيى المذهب. ولقد حرصنا على ان نختار واحدا من كل فتره لنبين ان الامر قداستمر ولم ينقطع، ولو اردنا ان ندلى بعشرات الشواهد لكانتالاسماء تحت ايدينا. وعدا عن هولاء الشوافع، فمن فقهاء المالكيه لجا الى مصرالفاطميه، امثال محمد بن سليمان المعروف بابى بكر النعال، الذىكانت اليه امامه المالكيه واليه كانت الرحله بمصر، وكانت حلقته فىالازهر الفاطمى تدور على سبعه عشر عمودا لكثره الطلاب الذينكانوا يقصدونه (380). وهناك قصه الفقيه المالكى عبدالوهاب بن على، الذى وصفهالخطيب فى تاريخ بغداد بانه لم ير فى المالكيه افقه منه. هذا العالمتضيق به دنيا الاسلام فيكاد يموت من الجوع فى بغداد ويتطلع الىالبلد الذى يحفظ عليه رمقه ويقيه بوس العيش فلا يجد الا مصرالفاطميه، فما ان يصل الى مصر حتى تتلقاه الدوله بالترحاب،وتغدق عليه المال، وتامره بالانصراف الى عمله. ولكن الامر لايطول به فيمرض بالفالج، فيقول: لا اله الا اللّه عندما عشنا متنا(422). وعبدالجليل مخلوف الصقلى (499) وابو بكر الطرطوشى محمدبن الوليد الاندلسى نزيل الاسكندريه (525) وغيرهم. ويقول ابن ابى اصيبعه: انه لما وصل المهذب بن النقاش - وكانفاضلا فى صناعه الطب - الى الشام من بغداد، اقام بدمشق مده ولميحصل له بها ما يقوم بكفايته، وسمع بالديار المصريه انعام الخلفاءفيها وكرمهم واحسانهم الى من يقصدهم ولا سيما اربابالعلم والفضل، فتوجه الى مصر، فوهبت له الاموال واقام فيهامكرما. وبلغ الامر الى ان الغزالى الذى هاجم الشيعه بعامه والفاطميينبخاصه، والذى شحن كتبه بالتحامل عليهم والطعن فيهم، لم يجدآخر الامر الا مصر الفاطميه بلدا يوويه ويشجعه على مواصلهالبحث والدرس. وتناسى الفاطميون تعصب الغزالى واعتداءهعليهم ولم يذكروا الا انه عالم، وحق العالم عليهم حق كبير،وتجاهلوا ما نالهم منه فى كتبه (القسطاس) و (المنقذ من الضلال) و(المستظهر) وغيرها، فاحلوه فى دولتهم على الرحب والسعه، والفبعض كتبه ككتاب (مشكاه الانوار) فى رعايتهم وبين ظهرانيهم. الشيعه هم هم على اختلاف آرائهم: واننا ونحن نتحدث عن حريه الفكر والقول، التى اباحها الفاطميونلكل المواطنين، لا يفوتنا ان نشير الى ان التشيع ايا كانت آراوه قداتخذ من الحريه والتحرير وتشجيع العلم واحترامه طريقا لم يحدعنها ابدا، فهولاء الائمه الزيود (الزيديه) وقد استقوا من المنابعالشيعيه الاولى، لم يخرجوا عن هذا الطريق حين كانت لهمالسلطه المطلقه على اليمن. لقد حدث ان آل يعفر سجنوا الحسن بن احمد الهمدانى الشهير،صاحب كتاب (الاكليل) فتوهم الهمدانى ان ذلك كان براى الامامالناصر احمد بن الامام يحيى الهادى. فانتقم الهمدانى لهذا السجن بان ملا كتبه بالهجوم لا على من يتهمهبسجنه وحده، بل على الائمه الزيود كلهم، وعلى قومهم. ومع ذلك فان هولاء الائمه احترموا هذه الكتب وما فيها من علم،متغاضين عن نزوات الهمدانى متجاهلين انفسهم وقومهم. فحفظوا تلك الكتب ولم يمدوا اليها يدا بسوء فلم توجد الا فىخزائنهم وكان بعضها مستنسخا بخط الائمه انفسهم ومحفوظا فىمكاتبهم الخاصه، على حين كانوا يستطيعون احراقها. وحسبنا من ذلك كتاب (الدامغه) وشرحها، الذى الف للطعن بهموالانتقام منهم، ومع ذلك صانوه حتى وصل الينا من مكتباتهموحدها! الحمدانيون: وفى بلاد الشام حكم الحمدانيون، وتلالا بطلهم سيف الدوله علىبن حمدان المتوفى سنه 356ه ، فاذا بحلب عاصمتهم تصبح قطبالنهضه العلميه الفلسفيه الشعريه الادبيه، واذا بالعلماء والشعراءوالمولفين يفدون الى حلب، منتجعين سيف الدوله، فيجدون فىظله الحمايه والرعايه والتشجيع، فيلتقى فى بلاطه امثال: الفارابى،وابى الفرج والمتنبى، وابن خالويه، وكل من حمل قلما واذكى فكرا الى معرفه. يقول شلمبوكر فى كتابه عن القائد البيزنطى نيكفورفوكاس متحدثاعن سيف الدوله: (هذا القائد المجاهد - سيف الدوله - لم تصرفهالمعارك عن ان يجعل من حلب بيئه خصبه للاداب والفنونوالعلوم، فقد فتح قصره لكل فنان موهوب واديب فذ فتوافدوا عليهمن جميع الاطراف: من العراق وايران والشام وبيزنطه وفينيسياوجنوى. وكان يستمع الى الشعراء ويتحبب الى الكتابوالمصورين، ويمنح المورخين الشىء الكثير من عطاياه فيعودهولاء الى بلادهم حاملين الى شعوبهم صوره رائعه من خلق الرجلالعلمى وشخصيته العجيبه). وفى الواقع فان كل شىء كان يصرف سيف الدوله الحمدانى عنالتفكير بالعلم والفكر والادب، فان الخطر البيزنطى كان خطرا مرعبايهدد الديار الاسلاميه بالاكتساح فتصدى له سيف الدوله وحدهبدولته الناشئه وجيشه الصغير وقوته القليله. لقد كان سيف الدوله يحكم رقعه ضيقه الحدود منكمشه الاطراف،هى جزء من شمال سوريا، ولكنه بوطنيته الشماء استطاع ان يولفمن هذا النطاق المحدود جيشا شجاعا صمد للسيول البيزنطيهالمتحدره صمود الابطال، فخاض به سيف الدوله اكثر من اربعينمعركه، واستطاع ان ينقل الحرب الى الارضالبيزنطيه نفسها، فحمى بذلك العالم الاسلامى الذى كان يحلمالبيزنطيون باستعاده سيطرتهم على الارض التى اخرجهم منها. كان لسيف الدوله شاغل بهمومه الحربيه ومتاعبه العسكريه عنالتفكير بالعلم والشعر والفلسفه والادب. ولكن لم يشغله عن ذلكشىء فشهدت البلاد ازهى نهضه عرفتها فى تاريخها، وجمعتمجد القلم الى مجد السيف. بنو عمار: وحكم بنو عمار دوله على الساحل السورى اللبنانى، عاصمتهامدينه طرابلس. وقد قالت عنها دائره المعارف الاسلاميه: كما كانت حلب فى عهدسيف الدوله مركزا للشعر، كذلك كانت طرابلس فى عهد الحسن بنعمار، وقد ازدهرت المدينه فى عهده واصبحت مركزا للحياهالفكريه فى بلاد الشام، وانشا مدرسه كبيره ومكتبه. وقالت مجله الثقافه: ومن هذه المكتبه انتشر العلم فى انحاءالمدينه، حتى قال المورخون: ان طرابلس صارت جميعها دار علم. وكان فى هذه المكتبه مائه وثمانون رجلا لا عمل لهم الا نسخالكتب، وشراوها لجمعها فى هذه المكتبه، والفضل الاعظم فى هذالابى طالب الحسن بن عمار. البويهيون وفى البويهيين يقول الغناوى: امتاز عهد آل بويه بالخصب العلمىبتاثيرهم الخاص وتاثير وزرائهم، ذلك انهم استوزروا ابرع الكتابواعتمدوا عليهم فى تدبير شوون الحرب وامور السياسه والاداره والمال جميعا. فلمعت اسماوهم وعظمت هيبتهم وطار صيتهم فى الافاق،فقصدهم اهل العلم والادب فافادوا منهم كثيرا، وانتجوا كثيرا فىميدان الادب والفلسفه والعلم، فكان اثرهم فى الحياه الفكريه قوياجدا. وقال المورخ الهندى السيد مير على: لقد شجع البويهيون الروحالادبيه، وعضدوا مدرسه بغداد التى كان قد اضمحل شانها فى اثناءتدهور الخلافه. ويقول آدم متز فى كتاب (الحضاره الاسلاميه فى القرن الرابعالهجرى) عن عضد الدوله: كان يحب العلم والعلماء، ويجرىالارزاق على الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين والنحاهوالشعراء والنسابين والاطباء والحساب والمهندسين، وافرد لاهلالاختصاص من العلماء والحكماء موضعا يقرب من مجلسه، وانشامكتبه تحتوى على كل كتاب صنف الى وقته من جميع انواعالعلوم. وقال عنه فى كتاب (الكنى والالقاب): كان عضد الدوله يعظم الشيخ المفيد، وقد الف له العلماء العديد من الكتب، وقصدهفحول الشعراء ومدحوه باحسن المدائح، ومنهم شاعر العرب الاكبرابو الطيب المتنبى الذى قال فيه: وقد رايت ملوك الارض قاطبه وسرت حتى رايت مولاها ويقول طه الراوى فى رسالته عن بغداد: فى عهد بنى بويه وصلالعلم والادب فى بغداد الى القمه العليا، فنشا اكابر المفسرينوالمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمورخين والكتاب والشعراءواساطين العلوم العربيه والحذاق فى المعارف الكونيه. دول اخرى: وقامت دول شيعيه اخرى، لم تبلغ فى اتساع الرقعه وقوه السلطان مابلغت هذه الدول، ولكن كان شانها فى نشر العلم والادب وتشجيعالعلماء والادباء والمفكرين نفس الشان. كالدوله المزيديه فىالعراق، والدوله المرداسيه فى سوريه.. نصير الدين الطوسى: وجاء وقت عاد فيه العالم الاسلامى شلوا ممزقا، وبدا للناس انالجذوه الاسلاميه قد انطفات، وذلك حين تدفقت جحافل المغولبقياده هولاكو حامله الدمار والفناء، ومضت متجاوزه من قطر الىقطر، تستهدف اول ما تستهدف قتل العلماء وحرق الكتب وهدمالمدارس، حتى خيل للناس ان الوثنيه قد طغت والشرك قد تركزوالجهل قد عم. ومن بين هذا الهلع المريع والياس القاتل والخيبه الشاملهوالاستسلام الكامل، من بين كل ذلك يبرز نصير الدين الطوسىفيكون بطل الاسلام فى عصره، البطل الذى يقاتل بالعقل والعلمحين يعز عليه ان يقاتل بغيرهما. يبرز نصير الدين فيدرك ان النصر العسكرى على المغول امل لايتحقق، ويعلم انه اذا كتبت على الاسلام الهزيمه الفكريه بعدالهزيمه الحربيه كان فى ذلك القضاء المبرم على الاسلام. فيتجرد للمعركه الحاسمه بكل ما اوتى من ايمان واخلاصوتضحيه، وبكل ما تفرد به من ذكاء ومرونه ومعرفه فيخطط وينظم،فيكون اول ما يفعل ان يحفظ الكتب ويحفظ العلماء، ثم يستولىعلى عقل الطاغيه ويروض شارب الدماء، ويسوقه دون ان يدركالى تحقيق اهدافه، فيقيم فى مراغه اعظم جامعه علميه عرفها العالمالاسلامى، وينشىء فيها اكبر مكتبه، ويحشد لها العلماء و المفكرين و الحكماء من كل مكان، ويستحضرهم من الشرق الاسلامى ومنالغرب الاسلامى، فيلتقى فى مراغه ابن الشام مويد الدين العرضى،مع ابن افريقيا يحيى بن محمد بن ابى الشكر المغربى، مع ابناءالموصل وبغداد والجزيره وقزوين وتفليس وكل بلد اسلامى. يلتقون بدعوه من نصير الدين الطوسى ويجتمعون برعايته فيخططلهم للمعركه الكبرى، معركه حمايه الاسلام، المعركه التى لا سلاحفيها الا القلم والفكر والكتاب، ولا ميدان لها الا المدرسه والمسجدوالبيت. فيمضون بقيادته الحكيمه الباسله ويمشون من نصر الى نصر، حتىتكون قمه النصر اسلام الدوله المغوليه التى جاءت لهدم الاسلام. كانت مخططات نصير الدين فريده فى التاريخ، وكان نصير الدينواحدا من عمالقه الكون فكرا وعلما واخلاصا. والامم فىمحنها الطاغيه اذا لم يقيض اللّه لها رجلا مثل نصير الدين فانها هالكهفى الهالكين. تطلع الطوسى فاذا المسلمون قد مزقتهم العصبيات الحمقاءوخدرهم الجهل، ولم يبق فى ايديهم من العلم الا قشور لا لبابفيها. كانوا والمغول على ابوابهم يسفكون دماءهم بايديهم، فيهاجمابن الخليفه المستعصم بجنوده محله الكرخ البغداديه، فيذبح فيهارجال الشيعه ويسبى نساءهم ويعتبر ان ذلك هو النصر الاكبر. والشوافع والاحناف يتذابحون فى اصفهان والمغول يحاصرونها، ويستنصر الشوافع بالمغول ويفتحون لهم ابواب المدينه فيقضى المغول على الفريقين. والقاضى شمس الدين القزوينى لم يرعه ان المغول بقياده جنكيزقد اجتاحوا بلاد المسلمين حرقا وقتلا ونهبا، ولم يسره ان قلاعالاسماعيليين فى آلموت وغيرها قد صمدت لجنكيز فلم يقو علىاجتياحها. بل كان كل هم هذا القاضى الاسف على ان سلمت تلكالقلاع ومن فيها! فراح يحرض حفيد جنكيز على تحطيمها وقتلالاسماعيليين لانهم يخالفونه فى المذهب. ومضى يشجعه حتىمشى هولاكو، وشعار حملته: محو الاسماعيليين وقلاعهم! فكان منه الذى كان ولم يقض على الاسماعيليين وحدهم، بل قضىمعهم على الخلافه القائمه. تطلع الطوسى الى هذا الماضى المثقل بالرزايا، والحاضر المشلولبالنكبات، فاذا بالطوسى اكبر من عصره واكبر من الرزايا والنكبات،واذا به يرتفع الى القمه التى تليق برجل الساعه فما زال حتىاستخلص اوقف المسلمين من ايدى الباغى العاتى وتفرد بادارتها،فاجتمع له المال الوفير الى العقل الكبير والاخلاص الغزير، فاستنقذالكتب، وفتح معاهد العلم، وبذل المال للطلاب، وحمى العلماء منالقتل باساليب غايه فى البراعه وحسن التدبير. وارسل تلميذه فخر الدين المراغى الى اقصى البلاد يومن المروعالشارد من العلماء ليعود الى بلاده، ويغرى علماء البلاد الاخرىبالقدوم اليه، غير ناظر الى مذهب او مشرب او نحله،مترفعاعماكانقداجتاح اهل عصره من ادواء مذهبيه وعلل طائفيه،واضعا نصب عينيه الاسلام ونجاه هذا الاسلام، وفاز بما اراد. ان نصير الدين الطوسى واحد من انضر وجوه التشيع فى التاريخ،ومثل على ما كانت عليه تلك الوجوه من تناسى الاحقاد، والصفحعن الجرائر حين تدلهم الخطوب وينزل البلاء. جمال الدين الافغانى - الاسد آبادى: ويقظه العالم الاسلامى فى هذه العصور الاخيره مدينه الى شيعى منهذه البلاد، وهو جمال الدين الحسينى، الذى اشتهر بالافغانى. هذا الرجل الذى خرج من بلدته (اسد آباد) فطوف فى البلاد،واستقر حينا فى مصر داعيا الى الاصلاح والنهوض، فكانت دعوتهالنداء الاول الذى استفاق اليه المسلمون بعامه، والعرب منهمبخاصه، بعد طول رقاد. الشيعه يتولون نشر الاسلام راينا ان الادارسه هم الذين نشروا الاسلام فى شمال افريقيا وادخلوافيه القبائل البربريه العظيمه التى قدر لها بعد ذلك ان تكون من اكبرالدعائم الاسلاميه. فى الديلم: وكما حال الحكم الغاشم دون انتشار الاسلام فى المغرب فقد حالكذلك دون انتشاره فى المشرق ففى كل العهود الامويه والعباسيه لميستطع الاسلام ان ينفذ الى قلوب الشعوب. يقول فاضل الخالدى متحدثا عن الديلم: (ان الديلم قاوموا الفتحالاسلامى، وعلى الرغم من ان قسما من بلادهم قد فتح عنوه منقبل الجيوش الاسلاميه، الا انهم لم يدخلوا الاسلام، كما اخفقت كلالمحاولات العسكريه التى بذلها الامويون والعباسيون لحملهم علىاعتناق الاسلام). اجل، لقد اخفق القواد واخفق الحكام فى ادخال الديلم فىالاسلام، لان اوليك القواد واولئك الحكام كانوا آخر من يحق لهالتكلم باسم الاسلام ويدعو اليه. ثم يفر بعد ذلك الى بلاد الديلم ثائر علوى، فيصل اليهم شريداطريدا خائفا، ذلك هو يحيى بن عبداللّه بن الحسن المثنى بنالحسن السبط بن على بن ابى طالب الذى لاذ بالديلم فرارا منهارون الرشيد. فلم يشغله الذعر والخوف والحرمان عن واجبه،ولم ينسه ذلك انه سبط محمد وحفيد على، وان من كان كذلك فهومسوول عن الاسلام مهما كانت الظروف، فعمل على نشر الاسلامفى الديلم فبدووا يدخلون فيه، ثم تتابع لجوء العلويين اليهموتتابعت دعوتهم لهم الى الاسلام، حتى توج ذلك كله بقدومالحسين بن على الاطروش، هذا الثائر العلوى الذى دخل بلادالديلم سنه 301ه واقام بينهم ثلاث عشره سنه يدعوهم الى الاسلامحتى لبوا دعوته واسلموا بمجموعهم. فى اندونيسيا: واذا كان الشيعه قد حملوا الاسلام الى المغرب الاقصى والادنى، ثمحملوه الى المشرق الادنى، فانهم كذلك حملوه الى المشرقالاقصى، والذين حملوه الى هناك هذه المره كان الكثير منهم منالايرانيين، فانتشر فى اندونيسيا وعم الاكثريه من سكانها. يقول العالم الاندونيسى حسين جاجاد ننغراث: نعتقد بان الاسلامبصورته التى كان معروفا بها فى جاوه جاء عن طريقفارس، ومن هناك عبر الهند الغربيه وسومطرا. وعلى سبيل المثال - يقول العالم الاندونيسى - نذكر انه فى اليومالعاشر من المحرم - وهو الذى يحتفل فيه الشيعه بذكرى استشهادالحسين - تقوم عائلات عديده باعداد طعام خاص، يدعونه ب (برسورا) وهى كلمه ماخوذه من عاشوراء التى تعنى العاشر منالمحرم وكذلك يدعى شهر المحرم بالجاويه (سورا)، ونجد ايضاآثار نفوذ الشيعه فى (اتجه) شمالى سومطرا، اذ يدعى شهر المحرمباسم (شهر الحسن والحسين). وفى (مينانج كابو) على الساحلالغربى لسومطرا يدعى شهر المحرم (شهر النعش) اشاره لعادهالشيعه واحتفالها بذكرى وفاه الحسين عندما يحملون نعشا رمزيايسيرون به فى الشوارع، ثم يلقونه فى نهر او مجرى مائى. وثمه دليل آخر على ان الاسلام جاء الى اندونيسيا عن طريقفارس، وهو العاده المتبعه فى استعمال الاسماء الفارسيه لا العربيهلتسميه حروف العله فى اللغه الغربيه عند تعلم الطريقه الصحيحهفى تلاوه القرآن. وهناك ادله اخرى من السهل تمييزها تثبت التاثير الفارسى فى لغهالكتابه المستعمله فى الدراسات الاسلاميه. ويقول الكاتب الاندونيسى محمد اسد شهاب: ان الاضطهاد المتوالى للعلويين حملهم على الهجره البعيده، فهاجر احمد بنعيسى بن محمد بن على بن جعفر الصادق الى جنوب الجزيرهالعربيه عام 313 واستقر هناك، ثم واصل ابناوه واحفاده الهجرهللدعوه الى الاسلام، فكانت الهند اولى وجهاتهم، فمنهم من استقرفى مدينه ملبار، ومنهم من واصل الهجره الى هذه الجزر المعروفهاليوم باسم مالايا، واندونيسيا، والفلپين، وسائر جزر سليمان. ولاتزال سلالاتهم معروفه فيها الى اليوم، ومن احمد هذا تحدر سلطانموزمبيق محمد الذى حاربه البرتغاليون وتغلبوا عليه. ثم يقول: ان اول الدعاه المسلمين الذين وصلوا لنشر الاسلام الىهذه الديار هم من الشيعه، وهذا امر معروف مسلم به، فهذه الاثارمن شواهد القبور والكتابات عليها والوثائق تدل دلاله صريحه علىذلك، كما ان عادات الشيعه لا تزال معمولا بها الى اليوم فى كثير منالبلدان، على الرغم مما طرا على هذه العادات والطقوس منتغييرات بمرور الزمن وانقطاع الصلات بين مسلمى هذه الدياروالعالم الخارجى عده قرون، لا سيما ايام الاستعمار الهولندى الذىاستمر ثلاثه قرون ونصف قرن فى اندونيسيا. وحتى اليوم لا يزال شهر المحرم وشهر صفر محترمين عندالكثيرين من الاندونيسيين، فلا يقيمون فيهما افراحا ولا يعقدونزواجا ولا يجرون زفافا. ويوجد حتى اليوم مدفع قديم فى مدينه بانتن القديمه بجاوا الغربيهمكتوب عليه (لا فتى الا على ولا سيف الا ذو الفقار). كما ان كلالسيوف القديمه المحفوظه تحمل تلك العباره، وعلى كثير منالقبور القديمه منقوش كلمات: (اللّه، محمد، على). وعلى بعضها:(لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه على ولى اللّه). ويزيد البحاثه الاندونيسى قائلا: وحل الاستعمار الهولندى فاذاقالشيعه انواعا من التعذيب واهوالا من التنكيل بسبب مقاومتهم لهذاالاستعمار. وبلغ التنكيل اوجه عام 1642 ميلاديه، ففى هذا العامشردت هولندا الشيعه تشريدا بعد ان عذبتهم تعذيبا. وابادالاستعمار الهولندى الكتب والوثائق التاريخيه، بل كل ما له علاقهبالشيعه. وقد امتدت هذه المرحله ثلاثه قرون ونصف القرن. ويقول المورخ الاندونيسى محمد تمين ابراهيم فى محاضره له: اناول مملكه اسلاميه هنا يراسها شخص بلقب (شيخ) كانت بايدىالعرب من الهاشميين، فهم روساء الدين والدنيا. وعدا هذا فقد ذكر هجره العلويين الى جزر الشرق الاقصى كل من:فن دن بيرخ الهولندى، وفرين ميس فى كتاب (سيجاره تانه جاوا)،وبيخمان، ونور الدين محمود عوفى. ويقول فن دن بيرخ فى كتابه (حضرموت والمستوطناتالعربيه فى الجزائر الهنديه) الصادر باللغه الفرنسيه: ان نجاح الدعوهالاسلاميه فى جاوا كان لان الدعاه من ذريه النبى. ويقول المورخ الهولندى سبات فى كتابه (الاسلام فى الهندالهولنديه): ان حمله الاسلام الى هذه البلاد هم (الاسره العلويه) آلعلى. فى الصين وكامبوجا وسيام: يقول نور الدين عوفى عن انتشار الاسلام فى الصين: ان الاشرافالعلويين هربوا من الامويين الى بلاد الصين ونشروا الاسلام فيها. ويذكر محمد تمين فى محاضرته : ان الاشراف العلويين انتشروا فىكامبوجا والصين وسيام وغيرها، ومن الواصلين الى كامبوجا:الحسين، الملقب بجمال الدين الاكبر. وكان للحسين هذا ولدان، احدهما ابراهيم، وتقول الرواياتالجاويه: ان ابراهيم هذا قد وصل مع ابيه الحسين الى سيام وجاوا،وانه تزوج اميره من جامبا اسمها بالد، او ولاق، فولدت له ابنين:عليا واسحاق، كانا من انجح العاملين على نشر الاسلام، وان اعظمنجاح لاسحاق كان فى بانيو، وانغى. ومما يذكر ان سلالات الدعاه العلويين امتزجوا بالشعب واندمجوابه وتسموا باسمائه، وبقيت منهم بقيه محتفظه بانسابها، فنرى مثلا اسم كياهى احمد بن كياهى ماس مجيد وهكذا الى انتنتهى السلسله الى السيد الشريف على بن السيد الشريف عبداللّهابن السيد الشريف احمد بن عيسى المهاجر. فى الفلپين: وقدم العلويون الى الفيليپين التى كانت تعرف باسم (صولو)فاستوطنوا بها ونشرو الاسلام وتناسلوا، ثم اقاموا بها ملكا. واستمرحكم العلويين حتى سنه 885ه - 1465م، وقيل الى عام 1521محين هاجم الاسبان المسلمين وفشل السلطان عبدالقاهر فى صدهجومهم. وفى تاريخ الفيليپين ذكر مجىء اولياء بسفينه طافت فى تلك الجزرلنشر الاسلام. وجاء فى كتاب (دراسات عن المسلمين المورو وتاريخهم)المطبوع بمانيلا سنه 1905: ان مجىء الاسلام الى الفيلپين كانبواسطه شريف اسمه حسن بن على، من ذريه احمد بن عيسىالمهاجر، وقد عمل هذا الشريف العلوى على نشر الاسلام اولالامر فى جزائر (بوايان) الفلپينيه فاسلم ملكها على يديه. وانتشر الاسلام فى مينداناو، ومافيندانا، وسبيو، وسولو، وكوتابارو،وتمبارا، وليبونغان، وباكمبايان. وجاء فى ذلك الكتاب: ان هولاء الاشراف كانوا اول من علمالاهلين الكتابه العربيه. فى افريقيا الشرقيه: ومن آسيا الى افريقيه مره ثانيه، فالشيعه هم الذى نشروا الاسلام فىمشرق افريقيا بالذات، ويرى السيد سعيد اختر، فى بحث له نشرباللغه الانكليزيه، ان التشيع وصل الى افريقيا الشرقيه فى القرنالاول للهجره حين فشا الظلم وسفك الدماء فى البلاد الاسلاميهعلى يد الحجاج بن يوسف فاضطر فريق من الشيعه الى الهجرهالبعيده، فكان من الاماكن التى وصلوا اليها: افريقيا الشرقيه. ويذكر ان زعيمين: احدهما يسمى سليمان، والاخر سعيد، كانا هماطلائع هذه الهجره، ولكن التفاصيل عنهما وعن رحلتهما مجهوله. ويستند السيد سعيد، فيما يستند، الى ما جاء فى كتاب (المتكلمونبالسواحليه من اهل زنجبار وساحل افريقيا الشرقى) الذى نصعلى ان هذين الزعيمين جاءا مصحوبين باتباعهما فى السنه السابعهوالسبعين من الهجره 695م. ويقول المستر پرنس، مولف الكتاب المذكور: (ومن الممكن انهجرات مماثله حدثت، ولكننا لم نسمع عنها). ويقول ايضا: (وهكذا نجد اعتقادا فى جزيره كيوايو بانالاسلام دخل الى تلك الديار على يد رجل يسمى حمزه، ورجليسمى جعفر) ثم يقول: انه يظن ان الاول هو ابن عبدالملك بنمروان، والثانى اخو عبدالملك، ولكن المولف پرنس يعود فيردعلى هذا الظن قائلا: (ولكن ذلك يشير الى تقليد شيعى بقدر مايوحى هذان الاسمان). ويضيف السيد سعيد اختر الى ذلك قائلا: (لم يكن لعبدالملك ابنيسمى حمزه، ولا اخ يسمى جعفر، ويمكن ان يكون صاحبا هذينالاسمين من الشيعه اللاجئين الى تلك البلاد). ويتاكد وصول الشيعه الى افريقيا الشرقيه فى وقت مبكر وتاثيرهمالتاثير العميق فى الحياه الافريقيه بما ورد فى الملحمه السواحليهالمسماه (النظم فى احوال سيدنا الحسين بن على) التى نشرها سنه1960 الاديب الافريقى (بورو) مع تعليقات وترجمه (الن). وهذه الملحمه كتبها فى القرن التاسع عشر محمد عبداللّه البحرى،ويظهر انها اعاده لكتاب سابق، وتحتوى هذه الملحمه على الفومائتى بيت وتسع مقطوعات شعريه. ويشير برنس بعد ذلك الى تاثير وصول الشيرازيين الاقدمين الىالسواحل الافريقيه الشرقيه، وكيف انطبع الشعب بالطابع الشيعىحتى الان فهو يقول: (اثر هولاء لا يزال ظاهرا فى قالب منالموده العميقه لاهل البيت التى تعد من مميزات المسلمينالافريقيين). ويضيف الى ذلك: (ان هولاء الافريقيين يضيفون الى اسماءسلالات الرسول كلمه (شريف) التى انقلبت فى اللغه السواحليه الىكلمه (شريفو) كما انهم يكرمون الصالحين من اموات هولاءالاشراف. ويقول: (على طول هذه الشواطىء تقوم مزارات هولاء الاشرافالصالحين. وفى لامو اهم مركز للزياره، حيث يومها فى اسبوعالزياره عشرات الالوف كل عام. وتعتبر زياره الشريف صالح بنعبداللّه العيدروس فى لامو افخم الزيارات واهمها). ويقول السيد سعيد اختر: (وهذه الدرجه من الاكرام لاهل بيتالرسول لايوجد لها مثيل فى بلد من البلاد الاخرى). الى ان يقول: (واننى اعرف كثيرا من الشيوخ فى لاموا وزنجبار ممنيصرحون باعتقادات تعتبر فى البلاد الاخرى من اعتقاداتالشيعه). التشيع واللغات الاسلاميه اغنى التشيع اللغه العربيه بالشعر والنثر وحمى ملوكه آدابهاوعلماءها وشعراءها، ونهضوا بهم الى حيث ينبغى لهم ان ينهضوا. وكان فحول شعراء اللغه العربيه من الشيعه، منذ الفرزدق، الى ابىتمام، والبحترى والمتنبى، وابى فراس، والرضى، وابن هانىالاندلسى، ولايشذ عن ذلك المعرى، القائل: اليس قريشكم قتلت حسينا وصار على خلافتكم يزيد والقائل: وعلى الدهر من دماء الشهي دين على ونجله شاهدان ثم ان الشعراء الشيعه اوجدوا الشعر الملحمى والشعر القصصى فىالادب العربى. ولا يزال مورخو هذا الادب ومدرسوه يتجاهلونذلك، وياسفون ان لا ملاحم فى الشعر العربى ولا قصص، فى حينانهم لو رجعوا الى الشعر الشيعى لوجدوا فيهالقصه والملحمه. فشعر السيد الحميرى هو الشعر القصصىالعربى، وقصيدته البائيه هى القصه بعينها. وشعر كاظم الازرى هو الشعر الملحمى العربى، وقصيدته الهائيهالمعروفه بالازريه هى كذلك الملحمه بعينها. وفى ايران نشا فى اصفهان شاعر باللغه العربيه، هو احمد بن علويهالاصفهانى المتوفى سنه 320ه، نظم باللغه العربيه فى سيره اميرالمومنين ملحمه شعريه فى الف بيت. واذا كنا نحتاج لدراسه هذا الموضوع الى الكثير من البحث والكثيرمن الوقت فاننا نجتزىء ذلك الى ظاهره اخرى فى تاريخ التشيع،هى تاثيره فى آداب الامم الاسلاميه غير العربيه، وما خلقه فيها منتيارات لم تكن لتعرفها لولا التشيع. وقد كان من اثر ذلك ان نهض بتلك اللغات ومشى بها فى اساليبوفنون رفيعه، بل لقد كان التشيع سببا فى تدوين لغات ما كانتلتدون لولا التشيع وكان مقدورا لها ان تظل لغه تخاطب فقط. ومن امثله ذلك: اللغه الارديه، لغه الباكستان الرسميه، واللغه التىتتكلمها مئات الملايين فى غير الباكستان. فقد تجمعت هذه اللغهمن لغات المعسكر (اوردى) الذى اقامه الامبراطور محمد اكبرلجيوشه المولفه من الترك والفرس والهنود، مضافا الى لغه الدينالعربيه. اذ كان من اثر اختلاط تلك العناصر ان تكلمت لغه كانتمزيجا من مجموع لغاتها. وظلت هذه اللغه لغه تخاطب لا لغهتدوين، شانها فى ذلك شان الكثير من اللغات الافريقيه. ولكنلطول العهد اخذ الموهوبون من الشيعه ينظمون الشعر بتلك اللغه فتتداوله الاسماع دون تدوين، وما كان ذلك ليستمر طويلا اذ كانلابد من بروز من يفكر بتدوين هذا الشعر الذى صار مدار اعجابالناس وزينه محافلهم. وهكذا دون اول كتاب فى اللغه الارديه،وكان هذا الكتاب كتاب (ده مجلس) فى مدح امير المومنين على(ع)، ثم تتابع التدوين ومشى من جيلالى جيل فاذا باللغه الارديه تصبح لغه ادب حى وشعر خالد. واذا بهاتنجب من الشعراء امثال: غالب، وانيس، ودبير، ممن سموا بها الىاعلى منزله بمنظوماتهم الحسينيه والعلويه. وما يقال فى اللغه الارديه يقال مثله فى غيرها من اللغات الباكستانيهالتى تزيد على عشر لغات، كاللغه المولتانيه مثلا، التى يتكلم بهاالملايين، والتى كان اول ما دون فيها مدائح على(ع) ومراثىالحسين(ع). ومن اعلام شعرائها: غلام حيدر فدا، صاحب ملحمه(ذو الفقار) المولفه من خمسمائه وخمسين بيتا، والشاعرانالاخوان: فداء حسين جهندير ونذر حسين جهندير، والثانى منهمانظم باللغه الملتانيه خطبه زينب بدمشق فى مائه وعشرين بيتا. ويعتبر الشاعر سيد على شاه مجددا للشعر الحسينى فى هذه اللغه،ومن اشهر شعرائها. ومن مدينه سركودها الى ديره اسماعيل خان الى ما قبل مدينهمولتان بعشرين ميلا على ضفه نهر السند تسكن جموع منالمتكلمين باللغه المولتانيه ومنهم خرج كبار شعراء المراثىالحسينيه والمدائح العلويه الذين يبلغ شعرهم المدون ما يقرب منثلثى شعر اللغه المولتانيه عدا الشعر غير المدون. وقد كان هولاءالشعراء السبب فى تدوين هذه اللغه وجعلها لغه ادب حى.وشعرهم فى على والحسين وآل البيت عامه يجعل الادب المولتانىفى مصاف الاداب العالميه بما فيه من روعه التعبير وعمق المعنىوتدفق العاطفه وسرد القصص. وكذلك القول عن بقيه اللغات الباكستانيه كاللغه السنديه وغيرها. الخاتمه: ولعل خير ما يختتم به حديثنا هذا هو السوال التالى: اذا كانت هذه حقيقه التاريخ الاسلامى وتاريخ التشيع، فهل هىكذلك فى اذهان الناس، العامه منهم والخاصه؟ وهل دونت واوضح واقعها فى سجلات الحضاره كما هى فعلا؟ وهل تقيم، حركه واشخاصا، على اسس صحيحه مستمده منالحقيقه بالذات؟ ولا يحتاج المرء الى كبير جهد وعظيم معرفه للتاكيد بان ما كتبويكتب عن الشيعه باقلام غير شيعيه، وحتى فى بعضالاحيان ببعض اقلامها، وما يزعم انه تاريخهم وانه عقيدتهم وانهسير رجالاتهم واعلامهم، ان كل ذلك لايعدو كونه بابسط التعابيرتشويها وطمسا للحقيقه وصرفا للاذهان والفكر عنها الى ما لا يمتبصله اليها. ونحن نجزم ان التصميم القديم الذى اعتمده الذين انحرفوا عنالاسلام فى مطلع الاسلام للنيل من التشيع وتشويهه لما يزل هوهو، وتكاد اكاذيبه تصبح من المسلمات! ذكرت الانسكلوبيديا الاميركيه فى طبعتها الاخيره تحت عنوان(شيعه) ما ترجمته حرفيا: (انقسم المسلمون بعد موت محمد الىفرقتين: الاولى، وهى المسماه الشيعه، تضع عليا على مستوى واحدمع محمد...). هذا نموذج مما يكتب عن الشيعه، ولست اغالى مطلقا اذا قلت انالغالبيه الساحقه لما يكتب عن المسلمين والاسلام وفيما يتعلقمنهم بشكل خاص بالشيعه، انما هو مجرد تحريف وتشويهوطمس للحقائق. وامام هذا الواقع لابد من اعاده كتابه التاريخ الاسلامى بشكل عام،والتاريخ الشيعى بشكل خاص، لكى يستطاع جلو الصدا الذىتراكم على الحقائق حتى كاد يقضى عليها. لقد آن الاوان لكى تقال الحقائق وتعرف على مستوى عالمى وانسانى، ولابد من عمل طويل وشاق، باساليب جديه وحديثه،بايد امينه وضليعه، للكشف عن وجه الحقيقه واظهارها للعالم لكىتقيم على اساسه، ولا يسوغ فى اى حال من الاحوال ان يتركالظلام يسطو على الحقيقه فى وضح النهار..

 |