
9
من الخطبة ( 145 ) وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا اَلرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي تَرَكَهُ وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ اَلْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَقَضَهُ وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَبَذَهُ فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ اَلْعِلْمِ وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لاَ يُخَالِفُونَ اَلدِّينَ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ أقول : رواه الكليني في ( روضته ) إلى قوله « نبذه » ، و زاد بعده : « و لن تتلوا الكتاب حقّ تلاوته حتّى تعرفوا الّذي حرّفه ، و لن تعرفوا الضّلالة حتّى تعرفوا الهدى ، و لن تعرفوا التّقوى حتّى تعرفوا الّذي تعدّي ، فإذا عرفتم ذلك ، عرفتم البدع و التكلّف ، و رأيتهم الفرية على اللَّه و على رسوله ، و التّحريف لكتابه ،
و رأيتم كيف هدى اللَّه من هدى ، فلا يجهلنّكم الّذين لا يعلمون ، إنّ علم القرآن ليس يعلم ما هو إلاّ من ذاق طعمه ، فعلّم بالعلم جهله ، و بصّر به عماه ، و سمّع به صممه ، و أدرك به ما قد فات ، و حيي به بعد إذ مات ، و أثبت عند اللَّه عزّ ذكره الحسنات و محابه السيّئات ، و أدرك به رضوانا من اللَّه تبارك و تعالى فاطلبوا
-----------
( 1 ) الأنفال : 42 .
-----------
( 2 ) مرّ نقل قول البراهمة و نقضه في عنوان [ 1 ] من الفصل الخامس .
[ 60 ]
ذلك من عند أهله و خاصّته ، فإنّهم خاصّة نور يستضاء به ، و أئمّة يقتدى بهم ،
و هم عيش العلم » . إلى آخر ما في المتن .
و زاد بعده : « فهم من شأنهم شهداء بالحقّ ، و مخبر صادق لا يخالفون الحق و لا يختلفون فيه ، قد خلت لهم من اللَّه سابقة ، و مضى فيهم من اللَّه عزّ و جلّ حكم صادق و في ذلك ذكرى للذّاكرين ، فاعقلوا الحقّ إذا سمعتموه عقل رعاية ، و لا تعقلوه عقل رواية ، فإنّ رواة الكتاب كثير ، و رعاته قليل و اللَّه المستعان » 1 .
« و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الّذي تركه إلى حتّى تعرفوا الّذي نبذه » قال ابن أبي الحديد و تبعه الخوئي : هذا الكلام كلّه تنبيه على وجوب البراءة من أهل الضّلال . . . 2 .
قلت : إنّ وجوب متابعة الرّشد و الهدى ، و لزوم مجانبة الضّلالة و الرّدى أمر عقلي لا يحتاج إلى التّنبيه عليه و لا الإشارة إليه ، بل ذكره سمج ركيك ،
نظير أن يقال : الحسن حسن ، و القبيح قبيح . لكونه توضيحا للواضح ، و كلّ عاقل يريد الهداية إلى سلوك الطّريق ، و يكره الضّلال عن المقصد ، إلاّ أنّ المهمّ تشخيصهما ، و كلّ يدّعي الهداية ، و يأنف أن يقال له : أنت على الغواية ، و لذا قال تعالى على لسان رسوله للكفّار : . . . و إنّا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين 3 . و الضالّ المضلّ يرى نفسه مهتديا هاديا ، قال تعالى حكاية عن فرعون إنّه قال لقومه : . . . ما اريكم إلاّ ما أرى و ما أهديكم إلاّ سبيل الرّشاد 4 .
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 8 : 386 ح 586 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 409 ، و شرح الخوئي 4 : 139 .
-----------
( 3 ) سبأ : 24 .
-----------
( 4 ) غافر : 29 .
[ 61 ]
و إنما غرضه عليه السّلام بالفقرات الثّلاث أنّ المتقدّمين عليه كانوا تاركي الرّشد و ناقضي الميثاق ، و نابذي الكتاب ، و حيث لم يعرفوهم بذلك لم يعرفوا الرّشد ، و لم يأخذوا بالميثاق ، و لم يمسكوا به ، و ما داموا كذلك لا ينتظر منهم عرفان الرّشد ، و الأخذ بالميثاق و التّمسّك بالكتاب .
« فالتمسوا ذلك من عند أهله » ذلك : إشارة إلى حصر ما هو علم القرآن في من ذاق طعمه ، مع ما عطف عليه في خبر الكليني الّذي اسقطه المصنّف ،
و المراد : أنّهم عليهم السّلام أهل خبرة هذه الامور بما ذكر لهم بعد من كونهم « عيش العلم » إلى آخر الكلام .
« فإنّهم عيش العلم و موت الجهل » قال ابن قتيبة في ( عيونه ) : إنّ هشام بن عبد الملك قال لزيد بن عليّ بن الحسين : ما فعل أخوك البقرة ؟ فقال له : سمّاه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله باقرا ، و أنت تسميّه بقرة لقد اختلفتما إذن 1 .
و قال الجاحظ في ( بيانه ) : جمع محمّد بن عليّ بن الحسين ( الباقر عليه السّلام ) صلاح شأن الدّنيا بحذافيرها في كلمتين ، فقال : « إصلاح شأن جميع التعايش و التّعاشر ملء مكيال ، ثلثاه فطنة و ثلثه تغافل » 2 .
« يخبركم حكمهم عن علمهم » روى محمّد بن يعقوب عن خلف بن حمّاد : أنّ رجلا منهم تزوّج جارية لم تطمث ، فلمّا افتضها سال الدّم لا ينقطع نحوا من عشرة ، فأروها القوابل ، فقال بعض : هذا من دم الحيض . و قال بعض : من دم العذرة . فسألوا أبا حنيفة و غيره ، فقالوا : هذا شيء قد اشكل و الصّلاة فريضة واجبة ، فلتتوضأ و لتصلّ ، و ليمسك عنها زوجها حتّى ترى البياض ، فإن كان دم الحيض لم تضرّها الصّلاة ، و إن كان دم العذرة قد أدّت الفريضة إلى أن
-----------
( 1 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 : 212 .
-----------
( 2 ) البيان و التبيين للجاحظ 1 : 107 .
[ 62 ]
قال : قال له موسى بن جعفر عليه السّلام : تستدخل القطنة ، ثمّ تدعها مليّا ثمّ تخرجها إخراجا رفيقا ، فان كان الدّم مطوّقا في القطنة فهو من العذرة ، و إن كان مستنقعا في القطنة فهو من الحيض . قال خلف : فاستخفّني الفرح فبكيت ،
و قلت : جعلت فداك من يحسن هذا غيرك ؟ فرفع يده إلى السّماء ، و قال : إنّي و اللَّه ما اخبرك إلاّ عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عن جبرئيل عليه السّلام عن اللَّه عزّ و جلّ 1 .
« و صمتهم عن منطقهم » أتى قوم الباقر عليه السّلام ، فوافقوا صبيّا له مريضا فرأوا منه اهتماما و غما ، و جعل لا يقرّ ، فقالوا : و اللَّه لئن أصابه شيء إنّا لنتخوّف أن نرى منه ما نكره ، فما لبثوا أن سمعوا الصّياح عليه ، فإذا هو قد خرج عليهم منبسط الوجه في غير الحالة الّتي كان عليها ، فقالوا له : جعلنا اللَّه فداك لقد كنّا نخاف ممّا نرى منك أن لو وقع أن نرى منك ما يغمّنا . فقال عليه السّلام لهم : إنّا لنحبّ أن نعافى في من نحبّ ، فإذا جاء أمر اللَّه سلّمنا في ما أحبّ 2 .
و نظيره ورد من الصّادق في موت إسماعيل 3 .
« و ظاهرهم عن باطنهم » ، و حيث إنّهم عليهم السّلام لم يكونوا متصنّعين ، و لا مستعملين للسّياسة الدّنيويّة يفهم كلّ عاقل أنّ باطنهم موافق لظاهرهم ، و قد أخبر عزّ و جلّ عن بواطنهم في قوله جلّ ثناؤه و يطعمون الطّعام على حبّه مسكينا و يتيما و أسيرا . إنّما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاء و لا شكورا . إنّا نخاف من ربّنا يوما عبوسا قمطريرا 4 .
« لا يخالفون الدّين » فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في المتواتر عنه فيهم عليهم السّلام : إنّهم لن
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 3 : 92 ح 1 .
-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 3 : 226 ح 14 .
-----------
( 3 ) أخرجه الصدوق في كمال الدين : 657 ح 2 ، و يأتي متن الحديث في العنوان 22 من هذا الفصل .
-----------
( 4 ) الإنسان : 8 10 .
[ 63 ]
يفترقوا عن كتابه تعالى حتّى يردا عليه الحوض 1 .
و قال في أمير المؤمنين عليه السّلام في المتواتر أيضا : إنّه مع الحقّ ، و الحقّ معه يدور حيثما دار 2 .
« و لا يختلفون فيه » ، حيث إنّهم عليهم السّلام يقولون ما يقولون عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عن جبرئيل عليه السّلام عن اللَّه عزّ و جلّ ، فكيف يحصل بينهم اختلاف ؟ و إنّما يحصل الإختلاف بين الّذين يقولون بآرائهم ، و لقد أجاد من قال :
إذا شئت أن ترضى لنفسك مذهبا
و تعلم أنّ النّاس في نقل أخبار
فدع عنك قول الشّافعيّ و أحمد
و مالك و المروي عن كعب أحبار
و وال اناسا قولهم و حديثهم
روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري
و أمّا اختلاف الأخبار المرويّة عنهم حتّى صنّف محمّد بن الحسن الطّوسي فيها كتابا سمّاه الاستبصار في ما اختلف من الأخبار 3 فمن قبل الرّواة أو لصدورها تقيّة ، أو للافتراء عليهم عليهم السّلام و نحوها .
« فهو بينهم شاهد صادق ، و صامت ناطق » ، ظاهر السّياق رجوع الضمير في الكلام إلى الدّين ، و يمكن رجوعه إلى القرآن لاتّحادهما في الخارج ، قال السّروي : إنّهم عليهم السّلام خصّوا بالعلوم ، لأنّهم لم يدخلوا مكتبا و لا تعلّموا من معلّم ، و لا تلمّذوا لفقيه و لا تلقّنوا من راو ، و قد ظهرت في فرق العالمين منهم العلوم ، و لم يعرف إلاّ منهم لأنّهم أخذوا عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و كذلك كان حال جدّهم عليه و عليهم السّلام حين علم منشأه بين قريش لم يدخل مكتبا و لا
-----------
( 1 ) النظر إلى حديث الثقلين الّذي مرّ تخريجه في شرح فقرة « إليهم يفيء الغالي » في العنوان 4 من هذا الفصل .
-----------
( 2 ) أخرج هذا المعنى الترمذي في سننه 5 : 633 ح 3714 ، و غيره في ذيل حديث مرّ تخريجه في أواخر العنوان 5 من هذا الفصل .
-----------
( 3 ) هو رابع الكتب الأربعة في حديث الإمامية ، طبع لمرّات عديدة ، و طبعته بطهران بتحقيق حسن الموسوي الفرسان في دار الكتب الإسلامية في أربع مجلدات .
[ 64 ]
قرأ على معلّم ، و لا استفاد من حبر ، و أتى النّاس بالقرآن العظيم بما فيه من أسرار الأنبياء و أخبار المتقدّمين ، فعلم العقلاء أنّ ذلك من عند اللَّه تعالى ،
و ليس من تلقاء نفسه ، فأولاده قوم بنور الخلافة يشرقون ، و بلسان النّبوّة ينطقون ، و قد جمعوا ما رووا عنهم ، و سمّوا ذلك بالاصول ، سبعمائة أصل و يزيد على ذلك و يتضمّن علوم الدّين ، و الآداب و الحكم و المواعظ و غير ذلك إلى أن قال فإذا ثبت علوم هؤلاء الّتي لم يأخذوها عن رجال العامّة ، و لا رئي أحد منهم يختلف إلى متقدّم من أهل العلم ، و أنّ كثيرا من فتاويهم يخالف ما عليه العامّة ، و لم يدّع مدّع قطّ أنّهم اختلفوا إلى أحد من مخالفيهم ليتعلّموا منه ،
و الموافق لهم معلوم حاجته إليهم ، دلّ ذلك على أنّ اللَّه تعالى أفردهم ليكشف عن استحقاقهم الإمامة ، و أنّهم أحقّ بالتّقدّم لحاجة النّاس إليهم ، و غنائهم عنهم ، و جروا في ذلك مجرى الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله حين أغناه اللَّه بما علموا عنه من أخبار سوالف الامم . . . 1 قال الصّوري :
آل النّبيّ هم النّبيّ و إنّما
بالوحي فرّق بينهم فتفرّقوا
أبت الإمامة أن تليق بغيرهم
إنّ الرّسالة بالإمامة أليق