
10
من الخطبة ( 237 ) و من خطبة له عليه السّلام يذكر فيها آل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله :
هُمْ عَيْشُ اَلْعِلْمِ وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ لاَ يُخَالِفُونَ اَلْحَقَّ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هُمْ دَعَائِمُ اَلْإِسْلاَمِ وَ وَلاَئِجُ اَلاِعْتِصَامِ بِهِمْ عَادَ اَلْحَقُّ فِي نِصَابِهِ وَ اِنْزَاحَ اَلْبَاطِلُ عَنْ مُقَامِهِ وَ اِنْقَطَعَ لِسَانُهُ عَنْ مَنْبِتِهِ عَقَلُوا
-----------
( 1 ) المناقب لابن شهر آشوب 1 : 254 .
[ 65 ]
اَلدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ سَمَاعٍ وَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ اَلْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ من الحكمة ( 98 ) و قال عليه السّلام :
اِعْقِلُوا اَلْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ لاَ عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ اَلْعِلْمِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ أقول : الأصل في الأوّل ، و في سابقه واحد كما لا يخفى ، إلاّ أنّ المصنّف ذهل لكثرة الفصل بينهما في النّقل إلاّ أن قوله : « هم دعائم الإسلام إلى و انقطع لسانه عن منبته » رواية أخرى و كلام زائد ، و كذلك الثّاني جزء السّابق على ما مرّ ثمة من رواية ( الرّوضة ) .
« هم عيش العلم » قال تعالى في شأنهم : بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين اوتوا العلم . . . 1 .
قال الباقر عليه السّلام : ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره و باطنه غير الأوصياء 2 .
و قال عليه السّلام : ما ينقم النّاس منّا ؟ فو اللَّه إنّا لشجرة النّبوّة ، و موضع الرّسالة ، و مختلف الملائكة ، و بيت الرّحمة ، و معدن العلم 3 .
و قال الصّادق عليه السّلام : في دارنا مهبط جبرائيل ، و نحن خزّان علم اللَّه تعالى 4 .
-----------
( 1 ) العنكبوت : 49 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 228 ح 2 ، و البصائر للصفار : 213 ح 1 ، 4 بطريقين .
-----------
( 3 ) البصائر للصفار : 77 ح 5 عن الباقر عليه السّلام و أخرجه هو في المصدر : 76 ، 78 ح 2 ، 9 ، و الكافي للكليني 1 : 221 ح 1 عن السجاد عليه السّلام .
-----------
( 4 ) أخرجه الصدوق في أماليه : 252 ح 15 المجلس 50 ضمن حديث .
[ 66 ]
« و موت الجهل » قال الباقر عليه السّلام لسلمة بن كهيل ، و الحكم بن عتيبة : شرّقا و غرّبا فلا تجدان علما صحيحا إلاّ شيئا خرج من عندنا أهل البيت 1 .
و في الخبر : أنّ الحسين عليه السّلام قال في الثّعلبية لكوفي : لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل عليه السّلام من دارنا ، و نزوله بالوحي على جدّي . يا أخا أهل الكوفة ، أفمستقى النّاس للعلم من عندنا فعلموا و جهلنا ؟ هذا ما لا يكون 2 .
و دخل عبّاد بن كثير عابد البصرة ، و ابن شريح فقيه مكّة ، على الصّادق عليه السّلام ، و عنده ميمون القدّاح مولى أبيه ، فسأله عبّاد عن مسألة فأجابه ،
فازورّ ، فقال عليه السّلام له : « إنّ نخلة مريم عليها السّلام كانت عجوة ، و نزلت من السّماء فما نبت من أصلها كان عجوة ، و ما كان من لقاط فهو لون » فخرجا مع ميمون فقال عبّاد لابن شريح : ما المثل الّذي ضربه لي ؟ قال له : سل هذا الغلام يعني ميمونا فإنّه منهم . فقال له ميمون : ضرب لك مثل نفسه ، فأخبرك أنّه من ولد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و علمه عندهم ، فما جاء من عندهم فهو صواب ، و ما جاء من عند غيرهم فهو لقاط 3 .
« يخبركم حلمهم عن علمهم » في ( ذيل الطّبري ) : كان هشام بن إسماعيل يؤذي عليّ بن الحسين عليهما السّلام و أهل بيته ، يخطب بذلك على المنبر و ينال من عليّ عليه السّلام ، فلمّا ولّي الوليد بن عبد الملك عزله و أمر به أن يوقف للنّاس و كان يقول : لا و اللَّه ما كان أحد من النّاس أهمّ إليّ من عليّ بن الحسين ، كنت أقول :
رجل صالح يسمع قوله ، فوقف للنّاس ، فجمع علي بن الحسين عليهما السّلام ولده و خاصّته و نهاههم عن التعرّض له ، و غدا عليّ بن الحسين عليه السّلام مارّا لحاجة ،
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 399 ح 3 ، و البصائر للصفار : 30 ح 4 ، و الكشي في معرفة الرجال اختياره : 209 ح 369 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 398 ح 2 ، و الصفار في البصائر : 31 ح 1 ضمن حديث .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 400 ح 6 .
[ 67 ]
فما عرض له فناداه هشام بن إسماعيل : اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته 1 .
و في ( مقاتل أبي الفرج ) : أنّ رجلا من آل عمر كان يشتمّ عليّا عليه السّلام إذا رأى موسى بن جعفر و يؤذيه إذا لقيه ، فقال له بعض مواليه : دعنا نقتله . فقال :
لا . ثمّ مضى راكبا حتّى قصده في مزرعة له فتوطأ بحماره ، فصاح : لا تدس زرعنا . فلم يصغ إليه ، و أقبل حتّى نزل عنده و جعل يضاحكه ، و قال له : كم غرمت على زرعك هذا ؟ قال : مائة دينار . قال : فكم ترجو أن تربح ؟ قال : لا أدري . قال : سألتك كم ترجو ؟ قال : مائة اخرى . فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له ، فقام فقبّل رأسه ، فلمّا كان موسى بعد ذلك يدخل المسجد وثب العمري فسلّم عليه و جعل يقول : اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته 2 فوثب أصحابه عليه و قالوا : ما هذا ؟ فشاتمهم 3 . و للحسن عليه السّلام نظير ذلك مع شامي 4 .
« و صمتهم عن حكم منطقهم » في خبر ( الصّحيفة ) : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : يا متوكّل كيف قال لك يحيى بن زيد : إنّ عمّي محمّد بن عليّ و ابنه جعفرا دعيا النّاس إلى الحياة ، و نحن دعوناهم إلى الموت ؟ قلت : نعم أصلحك اللَّه ، قال ذلك .
فقال : رحم اللَّه يحيى ، إن أبي حدّثني عن أبيه عن جدّه عن عليّ عليه السّلام أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أخذته نعسة و هو على منبره ، فرأى في منامه رجالا ينزون على منبره نزو القردة ، يردّون النّاس على أعقابهم القهقرى ، فاستوى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله جالسا و الحزن يعرف في وجهه ، فأتاه جبرئيل عليه السّلام بهذه الآية و ما جعلنا الرّؤيا الّتي أريناك إلاّ فتنة للنّاس و الشّجرة الملعونة في القرآن و نخوّفهم فما
-----------
( 1 ) أخرجه الطبري في ذيل المذيل منتخبه : 120 ، و الآية 124 من سورة الأنعام .
-----------
( 2 ) الأنعام : 124 .
-----------
( 3 ) المقاتل لأبي الفرج : 332 .
-----------
( 4 ) الكامل للمبرد 4 : 105 و المناقب لابن شهر آشوب 4 : 19 .
[ 68 ]
يزيدهم إلاّ طغيانا كبيرا 1 يعني بني أميّة .
قال : يا جبرئيل أعلى عهدي يكونون ؟ قال : لا ، و لكن يدور رحى الإسلام من مهاجرك ، فتلبث بذلك عشرا ، ثمّ يدور رحى الإسلام على رأس خمسة و ثلاثين من مهاجرك فتلبث بذلك خمسا ، ثمّ لا بدّ من رحى ضلالة هي قائمة على قطبها ، ثمّ ملك الفراعنة ، و أنزل تعالى في ذلك : إنّا أنزلناه في ليلة القدر .
و ما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر 2 أي : يملكها بنو أميّة ليس فيها ليلة القدر . فأطلع اللَّه نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله أنّ بني اميّة يملكون سلطان هذه الامّة و ملكها طول هذه المدّة ، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها حتى يأذن اللَّه بزوال ملكهم ، و هم في ذلك يستشعرون عداوتنا إلى أن قال : قال عليه السّلام : ما خرج و لا يخرج منّا أهل البيت إلى قيام قائمنا عليه السّلام أحد ليدفع ظلما أو ينعش حقّا إلاّ اصطلمته البليّة ، و كان قيامه زيادة في مكروهنا و مكروه شيعتنا . . . 3 .
و قال أبو زبيد الطّائي :
صمت عظام الحلوم أن سكتوا
من غير عيّ بهم و لا خرس
« لا يخالفون الحقّ » لعصمتهم من اللَّه تعالى فلا يتّبعون أهواءهم .
« و لا يختلفون فيه » لانكشاف الحقّ عندهم ، و الحقّ واحد ، قال الباقر عليه السّلام في قوله تعالى : . . . و لا يزالون مختلفين . إلاّ من رحم ربّك . . . 4 : يعني بمن رحم آل محمّد و أتباعهم ، فإنّهم لا يختلفون في الدّين 5 .
و قال الصّادق عليه السّلام : حديثي حديث أبي ، و حديث أبي حديث جدّي ،
-----------
( 1 ) الإسراء : 60 .
-----------
( 2 ) القدر : 1 3 .
-----------
( 3 ) الصحيفة السجادية : 14 ، المقدمة .
-----------
( 4 ) هود : 118 119 .
-----------
( 5 ) تفسير القمي 1 : 338 ، و أخرج معناه الكليني في الكافي 1 : 429 ح 83 و النقل بتصرف .
[ 69 ]
و حديث جدّي حديث الحسين ، و حديث الحسين حديث الحسن ، و حديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السّلام ، و حديث أمير المؤمنين عليه السّلام حديث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و حديث رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله قول اللَّه تعالى 1 .
و قالوا عليهم السّلام : يجوز أن يسند ما قاله أحدنا إلى جميعنا ، و ما قاله آخرنا إلى أوّلنا 2 .
و قلنا : في ما مرّ وجه اختلاف كتب حديث شيعتهم . و نزيد هنا أنّ العمدة فيه أمران :
أحدهما دسّ الكذابين موضوعاتهم في أخبارهم ، كان المغيرة بن سعيد يدسّ في أحاديث الباقر عليه السّلام ، و أبو الخطّاب في أحاديث الصّادق عليه السّلام .
قيل ليونس بن عبد الرّحمن : ما أشدّك في الحديث و أكثر إنكارك لما يرويه أصحابنا ، فما الّذي يحملك على ردّ الأحاديث ؟ فقال : حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع الصّادق عليه السّلام يقول : لا تقبلوا علينا حديثا إلاّ ما وافق القرآن و السّنّة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدّمة ، فإنّ المغيرة بن سعيد لعنه اللَّه دسّ في كتب أصحاب أبي عليه السّلام أحاديث لم يحدّث بها أبي ، فاتّقوا اللَّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى و سنّة نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله ، فإنّا إذا حدّثنا قلنا : قال اللَّه عزّ و جلّ ، و قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله 3 . و كان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي ، فيدفعونها إلى المغيرة ، فكان يدسّ فيها الكفر و الزّندقة و يسندها إلى أبي ، ثمّ يدفعها إلى أصحابه ، فيأمرهم أن يبثّوها
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 53 ح 14 .
-----------
( 2 ) هذا المعنى أخرجه المفيد في أماليه : 42 ح 10 المجلس 5 عن الباقر عليه السّلام ، و الاجازات لابن طاووس عنه البحار 2 :
161 ح 16 عن الصادق عليه السّلام .
-----------
( 3 ) معرفة الرجال للكشي ، اختياره : 224 ، 225 ، 228 ، 224 ح 401 ، 402 ، 407 على الترتيب .
[ 70 ]
في الشيعة 1 .
و قال عليه السّلام أيضا : كان المغيرة يكذب على أبي . و قال : إنّ أبي حدّثه : أنّ نساء آل محمّد إذا حضن قضين الصّلاة ، كذب و اللَّه عليه لعنة اللَّه ما كان من ذلك شيء و لا حدّثه أبي .
و أمّا أبو الخطّاب فكذب عليّ و قال : إنّي أمرته أن لا يصلّي هو و أصحابه المغرب حتّى يروا كوكب كذا يقال له : القنداني و اللَّه إنّ ذلك لكوكب ما أعرفه 2 .
و قال أيضا يونس بن عبد الرّحمن : وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السّلام ، و وجدت أصحاب أبي عبد اللَّه عليه السّلام متوافرين فسمعت منهم و أخذت كتبهم ، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرّضا عليه السّلام ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن يكون من أحاديث أبي عبد اللَّه عليه السّلام ، و قال لي : إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد اللَّه عليه السّلام لعن اللَّه أبا الخطّاب ، و كذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد اللَّه عليه السّلام ، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن فإنّا إن تحدّثنا ، حدّثنا بموافقة القرآن و موافقة السّنّة ، إنّا عن اللَّه و رسوله نحدّث و لا نقول : قال فلان و فلان ،
فيتناقض كلامنا ، إنّ كلام آخرنا مثل كلام أوّلنا ، و كلام أوّلنا مصدّق لكلام آخرنا ، فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك ، فردّوه عليه و قولوا : أنت أعلم و ما جئت به ، فإنّ مع كلّ قول منّا حقيقة و عليه نور ، فما لا حقيقة معه و لا نور عليه فذلك من قول الشّيطان 3 .
-----------
( 1 ) معرفة الرجال للكشي ، اختياره : 224 ، 225 ، 228 ، 224 ح 401 ، 402 ، 407 على الترتيب .
-----------
( 2 ) معرفة الرجال للكشي ، اختياره : 224 ، 225 ، 228 ، 224 ح 401 ، 402 ، 407 ، 401 على الترتيب .
-----------
( 3 ) المصدر نفسه .
[ 71 ]
و ثانيهما : أنّهم عليهم السّلام أجابوا في بعض المواضع تقيّة ، و لو كانوا لا يتّقون و لا يأمرون شيعتهم بالتّقيّة لما أبقت الأعداء منهم و من شيعتهم أثرا ،
قال زرارة : سألت أبا جعفر الباقر عليه السّلام عن مسألة فأجابني ، ثمّ جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني ، ثمّ جاءه رجل آخر ( فسأله عنها ) ،
فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي ، فلمّا خرج الرّجلان ، قلت : يابن رسول اللَّه رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ؟ فقال : يا زرارة إنّ هذا خير لنا ، و أبقى لنا و لكم ، و لو اجتمعتم على أمر واحد لصدّقكم النّاس علينا ، و لكان أقلّ لبقائنا و لبقائكم . قال زرارة : ثمّ قلت لأبي عبد اللَّه الصّادق عليه السّلام : شيعتكم لو حملتموهم على الأسنّة أو على النّار لمضوا ، و هم يخرجون من عندكم مختلفين ، فأجابني بمثل جواب أبيه 1 .
و بالجملة ، اختلاف أحاديثهم عارضي ، و إلاّ فأصل أقوالهم واحد ، قال ابن الصّبّاغ المالكي في ( فصوله ) : قال بعض أهل العلم : علوم أهل البيت عليهم السّلام لا تتوقّف على التّكرار و الدّرس ، و لا يزيد يومهم فيها على ما كان في الأمس ،
لأنّهم المخاطبون في أسرارهم ، و المحدّثون في النّفس ، و سماء معارفهم بعيدة عن الإدراك و اللّمس ، و من أراد سترها كمن أراد ستر وجه الشّمس ،
و هذا ممّا يجب أن يكون ثابتا مقرّرا في النّفس ، فهم يرون عالم الغيب في عالم الشهادة ، و يقفون على حقائق المعارف في خلوات العبادة ، و تناجيهم ثواقب أفكارهم ، في أوقات أذكارهم ، بما تسنّموا به غارب الشّرف و السّيادة ،
و حصلوا بصدق توجيهم إلى جناب القدس ، فبلغوا به منتهى السّؤال و الإرادة ،
فهم كما في نفوس أوليائهم و محبيهم و زيادة ، فما تزيد معارفهم في زمان
-----------
( 1 ) الكافي 1 : 65 ح 5 .
[ 72 ]
الشّيخوخة على معارفهم في زمن الولادة 1 .
« هم دعائم الاسلام » و الدّعائم : جمع الدّعامة عماد البيت ، و بني الإسلام على خمسة أشدّها ولايتهم عليه السّلام 2 .
و قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في المتّفق عليه : من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية 3 .
« و ولائج » جمع وليجة ، و وليجة الرّجل : خاصته و بطانته .
« الاعتصام » أي : التّمسك ، فإنّهم عليهم السّلام أحد الثّقلين اللّذين تركهما النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و قال : إن تمسّكتم بهما لن تضّلوا أبدا 4 .
« بهم عاد الحقّ في نصابه » قال الجواهري : النّصاب و المنصب : الأصل 5 .
ثمّ تقديم الظّرف للحصر ، فمفاده : أنّ بغير أهل البيت لا يمكن رجوع الحقّ في محلّه .
« و انزاح » أي : بعد .
« الباطل عن مقامه » و حيث إنّ ( و انزاح ) عطف على ( عاد ) يصير المعنى : أنّ بغيرهم لا يمكن اضمحلال الباطل .
« و انقطع لسانه عن منبته » و أصله و هو أيضا مفيد للحصر في أنّ عدم
-----------
( 1 ) الفصول المهمّة لابن الصباغ : 173 .
-----------
( 2 ) النظر إلى حديث « بني الاسلام على خمس على الصّلاة و الزّكاة و الصّوم و الحجّ و الولاية و لم يناد بشيء كما نودي بالولاية » أخرجه الكليني بأربع طرق في الكافي 2 : 18 ، 21 ح 1 ، 3 ، 5 ، 8 و غيره عن الباقر عليه السّلام و للحديث طرق و الفاظ غير ذلك .
-----------
( 3 ) أخرجه باختلاف في الألفاظ جمع كثير منهم البخاري في صحيحه 4 : 234 و مسلم بطريقين في صحيحه 3 :
1477 1478 ح 55 56 ، و غيرهما عن ابن عبّاس و أخرجه البرقي في المحاسن : 155 ح 82 و غيره عن عليّ عليه السّلام و في الباب عن سلمان و أبي ذر و المقداد و جابر و ابن عمر و أبي هريرة و عامر بن ربيعة و غيرهم .
-----------
( 4 ) انظر حديث الثقلين الّذي مرّ تخريجه في شرح فقرة « إليهم يفيء الغالي » في العنوان 4 من هذا الفصل .
-----------
( 5 ) صحاح اللغة للجوهري 1 : 225 مادة ( نصب ) .
[ 73 ]
استطاعة الباطل للتّكلّم لا يحصل بغيرهم عليهم السّلام ، روى الشّيخ في أواخر ( غيبته ) عن أبي جعفر عليه السّلام قال : دولتنا آخر الدّول ، و لن يبقى أهل بيت لهم دولة إلاّ ملكوا قبلنا ، لئلاّ يقولوا إذا رأوا سيرتنا : إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء ،
و هو قول اللَّه عزّ و جلّ . . . و العاقبة للمتّقين 1 .
و نظير كلامه عليه السّلام قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « بنا يختم اللَّه الدّين كما بنا فتحه » 2 .
و حينئذ فيمكن أن يقال : إنّ مراده عليه السّلام بقوله « بهم عاد الحق . . . و انقطع لسانه عن منبته » ليس أيّام تصدّيه للأمر ، لأنّه لم يحصل في قيامه عليه السّلام تلك الامور كاملة ، كيف و هو عليه السّلام في أيّامه لم يستطع تغيير بدع الأوّلين ، و كان معاوية في قباله ملجأ المنافقين ، و لم يطل الوقت حتّى صار الأمر مثل أيّام عثمان ، إلى بني اميّة اللاّعبين بالدين ، المعتقدين أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كان في قيامه لاعبا بالملك بدون وحي و نبوّة ، بل أيّام قيام قائمهم عليه السّلام الّتي لا يبقى فيها في الشّرق و الغرب أثر من باطل .
« عقلوا الدّين عقل وعاية و رعاية » روى الحاكم في ( مستدركه ) ، و الكنجي الشّافعي في ( مناقبه ) مسندا عن بريدة الأسلمي عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال لعلي عليه السّلام :
إنّ اللَّه تعالى أمرني أن أدنيك و لا أقصيك ، و أن اعلّمك و أن تعى ، و حقّ على اللَّه تعالى أن تعى ، فنزل قوله تعالى : . . . و تعيها اذن واعية 3 .
و فيهم عليه السّلام نزل قوله تعالى : . . . فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون 4 ، و قوله تعالى : بل هو آيات بيّنات في صدور الّذين أوتوا
-----------
( 1 ) الغيبة للطوسي : 282 ، و الآية 83 من سورة القصص .
-----------
( 2 ) أمالي الطوسي 1 : 20 المجلس 1 ، و الإمامة و التبصرة لابن بابويه : 92 ح 81 ، كمال الدّين للصدوق : 230 ح 31 .
-----------
( 3 ) كفاية الطالب للكنجي : 40 ، و الآية 12 من سورة الحاقة .
-----------
( 4 ) الأنبياء : 7 .
[ 74 ]
العلم . . . 1 ، و قوله تعالى : . . . و الرّاسخون في العلم . . . 2 ، و قوله تعالى :
شهد اللَّه أنّه لا إله إلاّ هو و الملائكة و اولو العلم . . . 3 .
« لا عقل سماع و رواية » كباقي النّاس ، و لمّا زوج المأمون ابنته من الجواد عليه السّلام قال له عليه السّلام يحيى بن أكثم في مجلس المأمون : يابن رسول اللَّه ما تقول في الخبر الّذي روى أنّه نزل جبرئيل على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و قال له : سل أبا بكر ، هل هو عنّي راض ، فإنّي عنه راض ؟
فقال عليه السّلام : يجب أن نأخذه مثال الخبر الّذي قاله النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في حجّة الوداع : قد كثرت عليّ الكذابة ، و ستكثر فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبّوأ مقعده من النّار ، فإذا أتاكم الحديث فأعرضوه على كتاب اللَّه و سنّتي فما وافق كتاب اللَّه و سنّتي ، فخذوا به و ما خالف كتاب اللَّه و سنّتي فلا تأخذوا به ، قال عليه السّلام :
و ليس يوافق هذا الحديث كتاب اللَّه تعالى قال جلّ و علا : و لقد خلقنا الإنسان و نعلم ما توسوس به نفسه و نحن أقرب إليه من حبل الوريد 4 ، فاللَّه تعالى خفي عليه رضاء أبي بكر من سخطه حتّى سأل عن مكنون سرّه ؟ هذا مستحيل في العقول .
قال يحيى : و قد روي : أنّ مثل أبي بكر و عمر في الأرض مثل جبرئيل و ميكائيل في السّماء .
فقال عليه السّلام : و هذا يجب أن ينظر فيه ، لأنّ جبرئيل و ميكائيل ملكان مقرّبان لم يعصيا اللَّه قطّ ، و لم يفارقا طاعته لحظة واحدة ، و هما قد أشركا باللَّه تعالى ،
و إن أسلما بعد الشّرك ، فكان أكثر أيّامهما الشّرك باللَّه ، فمحال أن يشبها بهما .
-----------
( 1 ) العنكبوت : 49 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 7 .
-----------
( 3 ) آل عمران : 18 .
-----------
( 4 ) ق : 16 .
[ 75 ]
قال يحيى : و قد روي أيضا : أنّهما سيّدا كهول أهل الجنّة .
فقال عليه السّلام : و هذا الخبر أيضا محال ، لأنّ أهل الجنّة كلّهم يكونون شبّانا ،
و لا يكون فيهم كهل ، و هذا الخبر وضعه بنو أميّة ، لمضادّة الخبر الّذي قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في الحسن و الحسين : إنّهما سيّدا شباب أهل الجنّة .
قال يحيى : و روى أيضا : أنّ عمر سراج أهل الجنّة .
فقال عليه السّلام : هذا أيضا محال ، لأّنّ في الجنّة ملائكة اللَّه المقرّبين ،
و آدم عليه السّلام و محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله و جميع الأنبياء و المرسلين ، فلا تضيء بأنوارهم حتّى تضيء بنور عمر ؟ قال يحيى : و قد روي : أنّ السّكينة تنطق على لسان عمر .
فقال عليه السّلام أبو بكر كان أفضل من عمر ، و قال على رأس المنبر : إنّ لي شيطانا يعتريني فإذا ملت فسدّدوني .
قال يحيى : و روي : أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : لو لم أبعث لبعث عمر .
فقال عليه السّلام : كتاب اللَّه أصدق من هذا الحديث يقول اللَّه تعالى : و إذ أخذنا من النبيّين ميثاقهم و منك و من نوح . . . 1 قد أخذ اللَّه ميثاق النبيّين ، فكيف يمكن أن يبدّل ميثاقه ؟ و كذلك الأنبياء لم يشركوا باللَّه طرفة عين ، فكيف يبعث من أشرك و كان أكثر أيّامه الشّرك باللَّه ؟ قال يحيى : و قد روي أيضا : أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : ما احتبس عنّي الوحي قطّ إلاّ ظننته قد نزل على آل الخطاب .
فقال عليه السّلام : و هذا أيضا محال ، لأنّه لا يجوز أن يشكّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في نبوّته ،
قال تعالى : اللَّه يصطفي من الملائكة رسلا و من النّاس . . . 2 . فكيف يمكن أن
-----------
( 1 ) الأحزاب : 7 .
-----------
( 2 ) الحج : 75 .
[ 76 ]
ينتقل النّبوّة ممّن اصطفاه اللَّه تعالى إلى من أشرك به ؟
قال يحيى : و قد روي : أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : لو نزل العذاب ، لما نجا منه إلاّ عمر بن الخطّاب .
فقال عليه السّلام : و هذا أيضا محال ، لأنّ اللَّه تعالى يقول : و ما كان اللَّه ليعذّبهم و أنت فيهم و ما كان اللَّه معذّبهم و هم يستغفرون 1 . فأخبر سبحانه : أنّه لا يعذّب أحدا ما دام فيهم النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و ما داموا يستغفرون اللَّه 2 .
« فإنّ رواة العلم كثير و رعاته قليل » في الخبر : جاء رجل إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقال : يا رسول اللَّه ما العلم ؟ قال صلّى اللَّه عليه و آله : الإنصات . قال : ثمّ مه ؟ قال : الاستماع .
قال : ثمّ مه ؟ قال : الحفظ . قال : ثمّ مه ؟ قال : العمل به . قال : ثمّ مه يا رسول اللَّه ؟
قال نشره 3 .
و عن الصّادق عليه السّلام : إنّ رواة الكتاب كثير ، و إنّ رعاته قليل ، فكم من مستنصح للحديث مستغش للكتاب ، فالعلماء يحزنهم ترك الرّعاية ، و الجهّال يجزيهم حفظ الرّواية ، فراع يرعى حياته ، وراع يرعى هلكته ، فعند ذلك اختلف الرّاعيان ، و تغاير الفريقان 4 .
و عنه عليه السّلام : خبر تدريه خير من ألف ترويه 5 .
هذا ، و في ( مستطرفات السّرائر ) كان المفيد أيّام اشتغاله على أبي عبد اللَّه المعروف بالجعل في مجلس عليّ بن عيسى الرّماني ، فسأل الرّمّاني بصريّ عن يوم الغدير و الغار ، فقال الرّمّاني : خبر الغار دراية ، و خبر الغدير
-----------
( 1 ) الأنفال : 33 .
-----------
( 2 ) الاحتجاج للطوسي : 446 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 48 ح 4 .
-----------
( 4 ) الكافي للكليني 1 : 49 ح 6 ، و رواه الصفواني في انس العالم عنه البحار 2 : 206 ح 98 .
-----------
( 5 ) رواه الصفواني في انس العالم عنه البحار 2 : 206 ح 96 ، و معاني الأخبار للصدوق : 2 ح 3 .
[ 77 ]
رواية و الرّواية ما توجب ما توجبه الدّراية . ثمّ انصرف البصري ، فقال المفيد للرّمّاني : ما تقول في من قاتل الإمام العادل ؟ قال : كافر . ثمّ استدرك و قال :
فاسق . فقال له : ما تقول في أمير المؤمنين عليّ ؟ قال : إمام . قال : ما تقول في طلحة و الزّبير و يوم الجمل ؟ قال : تابا . قال : أمّا خبر الجمل فدراية ، و أمّا خبر التّوبة فرواية . فقال له : أو كنت حاضرا حين سألني البصري ؟ قال : نعم . فدخل الرّمّاني منزله ، و أخرج معه ورقة قد ألصقها ، و قال : أوصلها إلى شيخك أبي عبد اللَّه . فجاء بها إليه فقرأها ، و لم يزل يضحك هو و نفسه ، و قال : قد أخبرني بما جرى لك في مجلسه و لقبك المفيد 1 .
و قيل أيضا : بينما القاضي عبد الجبّار شيخ المعتزلة ذات يوم في بغداد ، و مجلسه مملو من علماء الفريقين ، إذ حضر المفيد و جلس في صفّ النّعال ، إذ قال للقاضي : إنّ لي سؤالا فإن أجزت بحضور هؤلاء الأئمّة . قال :
سل . قال : ما تقول في الخبر الّذي يرويه طائفة من الشّيعة : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » أهو مسلّم صحيح عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يوم الغدير ؟ فقال : نعم خبر صحيح . فقال : ما المراد بلفظ المولى ؟ قال : هو بمعنى أولى . قال : فما هذا الخلاف و الخصومة بين الشّيعة و السّنّة ؟ قال : أيّها الأخ هذه رواية ، و خلافة أبي بكر دراية ، و العاقل لا يعادل الرّواية بالدّراية . فقال : ما تقول في قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام : « حربك حربي و سلمك سلمي » ؟ قال : الحديث صحيح . فقال : ما تقول في أصحاب الجمل ؟ فقال : أيّها الأخ إنّهم تابوا . فقال :
أيّها القاضي الحرب دراية ، و التّوبة رواية ، و أنت قررّت في حديث الغدير أنّ الرّواية لا تعارض الدّراية فبهت القاضي و لم يحر جوابا ، و وضع رأسه ساعة ثمّ رفعه و قال : من أنت ؟ قال : محمّد بن محمّد بن النّعمان الحارثي . فقام
-----------
( 1 ) مستطرفات السرائر لابن ادريس : 493 ، و التنبيه للورام 2 : 302 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
[ 78 ]
القاضي و أجلسه مجلسه ، و قال : أنت المفيد حقّا . فانقبض فرق المخالفين و همهموا ، فقال القاضي : هذا الرّجل أسكتني ، فإن كان عندكم جواب فقولوا حتّى أجلس في مجلسي الأوّل ، فسكتوا و تفرّقوا ، فوصل خبر المناظرة إلى عضد الدّولة فأحضر المفيد ، و سأله عمّا جرى ، فأخبره فأكرمه غاية الاكرام 1 .
قلت : يقال للرّمّاني : نعم ، خبر الغار دراية ، لكنّه دراية عار و شنار ، حيث أوجب حزنه سلب الرّاحة عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله حتّى نهاه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و خص اللَّه تعالى إنزال السّكينة بنبيّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و أخرج صاحبه إشعارا بعدم إيمانه ، حيث إنّه تعالى في آيات اخر أشرك المؤمنين مع نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله في إنزال السّكينة عليهم .
و أمّا كون خبر الغدير رواية فيقال له و للقاضي : أهل العالم حتّى غير الملّيين المتواتر عندهم دراية ، و أيّ تواتر فوق هذا الخبر ؟ و قد صنّف في طرقه مجلّدات ضخام و رواه الخصم . و يقال للقاضي : كون خلافة أبي بكر دراية بمعنى : تصديه للأمر أمر لا ينكره أحد ، إلاّ أنّ الكلام في حقّه و باطله ،
و خلافة حصلت بإرادة إحراق جمع ، قال تعالى فيهم : . . . فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم . . . 2 . لو لم يسلّموا الأمر إليهم معلوم حالها ، إلاّ أنّ إخواننا مثلهم مثل من سأل فقيها : هل تصير امّ الزّوجة زوجة ؟ فقال : لا . قال : نحن فعلناها فصارت . جعلوه خليفة لكن مع تلك الشّنائع و الفظائع .
و أمّا توبة طلحة و الزّبير ، فطلحة لعمر اللَّه كان إلى إزهاق روحه مجدّا في قتال أمير المؤمنين عليه السّلام ، بل مريدا لقتله لو يسّر له ، و الزّبير و إن ترك القتال
-----------
( 1 ) نقله النوري في خاتمة المستدرك : 520 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
[ 79 ]
لما ذكّره أمير المؤمنين عليه السّلام قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في عمله ، لكنّه لو كان تاب كان الواجب عليه أن يلحق به عليه السّلام و يقاتل معه عليه السّلام ، كما كان الحرّ لمّا تاب من خروجه على الحسين عليه السّلام ، ترك عسكر ابن سعد و لحق به عليه السّلام ، و قاتل معه حتّى قتل . ثمّ ما يقولون في امّهم ، فإنّها أيّ وقت تابت ؟ فكما أنّها لمّا سمعت ببيعة النّاس مع أمير المؤمنين عليه السّلام قالت : ليت السّماء أطبقت على الأرض . و لم يبايع النّاس عليّا و سجدت شكرا لمّا بلغها قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و قالت :
فالقت عصاها و استقرّ بها النّوى
كما قرّ عينا بالإياب المسافر
و رحّب بابن ملجم قاتله .
و لعلّهم يقولون : تابت يوم أمرت برمي جنازة سيّد شباب أهل الجنّة الحسن عليه السّلام لئلاّ يدفنوه عند جدّه ؟ قوله عليه السّلام على المتن الأخير : « اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية فإنّ رواة العلم كثير و رعاته قليل » قد عرفت في العنوان السابق أنّ رواية الكليني جعلت هذا الكلام مع اختلاف يسير ، ففي ذاك : « اعقلوا الحقّ » جزء الكلام السّابق هنا على قوله : « هم دعائم الإسلام » ، و أمّا جعل المصنّف قوله : « عقلوا الدّين . . . » . . . جزأه ، فلعلّه في رواية أخرى ، ثمّ بعد اتّحاد مفاده لا يحتاج إلى تكرار شرحه .