
12
من الخطبة ( 205 ) و من كلام له عليه السّلام في بعض أيام صفّين و قد رأى الحسن عليه السّلام يتسرّع إلى الحرب :
اِمْلِكُوا عَنِّي هَذَا اَلْغُلاَمَ لاَ يَهُدَّنِي فَإِنَّنِي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي ؟ اَلْحَسَنَ ؟ وَ ؟ اَلْحُسَيْنَ ع ؟ عَلَى اَلْمَوْتِ لِئَلاَّ يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ وَ قَوله عليه السلام امْلكوا عَنّى هَذَا الغُلاَمَ من أَعْلَى الْكَلاَم وَ أَفْصَحه أقول : رواه سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) عن ابن عبّاس قال : كان عليّ عليه السّلام يخاف انقطاع النّسل ، فقال يوم صفّين و قد رأى الحسن و الحسين عليهما السّلام يتسارعان إلى القتال ، و قيل : إنّما رأى الحسين عليه السّلام لا غير ،
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 490 ، شرح الحكمة 453 .
[ 211 ]
فقال : املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني ، فإنّي أنفس به على الموت . . . 1 .
و في ( الطبري ) في رجوع أمير المؤمنين عليه السّلام عن صفّين قال : فلقيه عبد اللَّه بن وديعة الأنصاري ، فدنا منه و سلّم عليه و سايره ، فقال له : ما سمعت النّاس يقولون في أمرنا ؟ قال : منهم المعجب به ، و منهم الكاره له ، كما قال عزّ و جلّ : . . . و لا يزالون مختلفين . إلاّ من رحم ربّك . . . 2 . فقال له عليه السّلام : فما قول ذوي الرّأي فيه ؟ قال : أمّا قولهم فيه فيقولون : إنّ عليّا كان له جمع عظيم ففرّقه ، و كان له حصن حصين فهدمه ، فحتى متى يبني ما هدم ؟ و حتى متى يجمع ما فرّق ؟ فلو أنّه كان مضى بمن أطاعه إذ عصاه من عصاه ، فقاتل حتّى يظفر أو يهلك ، إذن كان ذلك الحزم . فقال عليّ عليه السّلام : أنا هدمت أم هم هدموا ؟ أنا فرّقت أم هم فرّقوا ؟ أمّا قولهم : « إنّه لو كان مضى بمن أطاعه ، إذ عصاه من عصاه ، فقاتل حتّى يظفر أو يهلك ، إذن كان ذلك الحزم » فو اللَّه ما غبي عن رأيي ذلك ، و إن كنت لسخيّا بنفسي عن الدّنيا ، طيّب النفس بالموت ، و لقد هممت بالإقدام على القوم ، فنظرت إلى هذين قد ابتدراني يعني : الحسن و الحسين عليهما السّلام و نظرت إلى هذين قد استقدماني يعني : عبد اللَّه بن جعفر و محمّد بن عليّ فعلمت أنّ هذين إن هلكا انقطع نسل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله من هذه الامّة ، فكرهت ذلك و أشفقت على هذين أن يهلكا ، و قد علمت أن لو لا مكاني لم يستقدما يعني محمّد بن علي و عبد اللَّه بن جعفر و ايم اللَّه لئن لقيتهم بعد يومي هذا لألقينّهم و ليسوا معي في عسكر و لا دار 3 .
و رواه ( صفّين نصر بن مزاحم ) مفسرا كلامه عليه السّلام بالحسنين عليهما السّلام
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 324 .
-----------
( 2 ) هود : 118 119 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 44 سنة 37 .
[ 212 ]
فقط ، ففيه : لقد هممت بالإقدام ، فنظرت إلى هذين قد استقدماني ، فعلمت أنّ هذين ان هلكا انقطع نسل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله من هذه الامّة ، فكرهت ذلك و أشفقت على هذين أن يهلكا ، و قد علمت أن لو لا مكاني لم يستقدما يعني : محمّد بن عليّ و عبد اللَّه بن جعفر و ايم اللَّه لئن لقيتهم بعد يومي هذا ، لألقينّهم و ليس هما معي في عسكر و لا دار 1 .
قول المصنف : « و من كلام له عليه السّلام » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب أنّه :
( و قال عليه السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 2 ، فنقلهم هو الصحيح ، و ان كان مقتضى القاعدة أن يقول : « و من كلام له عليه السّلام » بعد كونه في الباب الأوّل ، ففيه يقول في عناوينه إمّا : « و من خطبة له عليه السّلام » و إمّا : « و من كلام له عليه السّلام » ، و أمّا : « و قال عليه السّلام » ، فتعبيره في الثالث ، مع أنّ المناسب كان نقله في الثّالث ، لكونه كلاما قصيرا يدخل في موضوعه ، دون الأوّل الّذي مبناه على الخطب و الكلم الطوال .
« في بعض أيّام صفّين » ليس هذا الكلام كلّه في نسخة ابن ميثم 3 .
« و قد رأى الحسن عليه السّلام يتسّرع إلى الحرب » كلمة ( ابنه ) انّما في ( ابن أبي الحديد ) دون ( ابن ميثم و الخطّيّة ) 4 .
روى الطبري في ( ذيله ) : عن عبد اللَّه بن شداد بن الهاد عن أبيه قال : خرج علينا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و هو حامل أحد ابني ابنته الحسن أو الحسين عليهما السّلام ، فتقدّم فوضعه عند قدمه اليمنى ، و سجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله بين ظهراني صلاته سجدة أطالها . قال أبي : فرفعت رأسي من بين النّاس فإذا النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ساجد و إذا الغلام
-----------
( 1 ) وقعة صفين لابن مزاحم : 530 .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن ميثم 4 : 14 ، لكن لفظ شرح ابن أبي الحديد 3 : 9 مثل المصرية .
-----------
( 3 ) يوجد هذا الكلام في شرح ابن ميثم 4 : 14 أيضا .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 9 و شرح ابن ميثم 4 : 14 .
[ 213 ]
على ظهره ، فعدت فسجدت ، فلمّا انصرف النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال النّاس : يا رسول اللَّه لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها ، أفشيء امرت به أو كان يوحى إليك ؟ قال : كلّ ذلك لم يكن ، و لكن ابني هذا ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته 1 .
و في ( نسب قريش مصعب الزبيري ) : ولد الحسن عليه السّلام في سنة ثلاث ،
في النصف من شهر رمضان ، و سمّاه النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله حسنا ، و كان يشبّه بالنّبيّ ،
و ذكر لي عن عبد اللَّه البهي مولى آل الزبير قال : تذاكرنا من أشبه النّاس بالنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ؟ فدخل علينا عبد اللَّه بن الزبير . فقال : أنا احدّثكم بأشبه أهله به و أحبّهم إليه : الحسن ، رأيته يجيء و هو ساجد فيركب رقبته أو قال : ظهره فما ينزّل حتّى يكون هو الّذي ينزل ، و لقد رأيته و هو راكع فيفرج بين رجليه ،
حتّى يخرج من الجانب الآخر ، و قال : إنّه ريحانتي من الدّنيا ، و إنّ ابني هذا السيّد ، و عسى أن يصلح اللَّه به فئتين من المسلمين ، و قال : اللّهمّ إنّي احبّه و احبّ من يحبّه 2 .
و فيه : و ذكر عن علي بن زيد بن جدعان التّيمي ، قال : حجّ الحسن عليه السّلام خمس عشرة مرّة ، و خرج من ماله للَّه مرّتين ، و قاسم اللَّه ثلاث مرّات ، حتّى أن كان ليعطي نعلا و يمسك نعلا ، و يعطي خفّا و يمسك خفّا 3 .
و روى الخطيب في ( سعيد الحصري ) : أنّ أبا هريرة لقي الحسن عليه السّلام فقال له : أرني الموضع الّذي قبّله النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . فرفع الحسن ثوبه فقبّل سرّته 4 .
و في ( مروج المسعودي ) : كان عليّ عليه السّلام اعتلّ ، فأمر ابنه الحسن عليه السّلام أن
-----------
( 1 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 63 ، و مرّ تخريجه في العنوان 2 من الفصل الثالث .
-----------
( 2 ) نسب قريش للزبيري : 23 و النقل بتصرف .
-----------
( 3 ) نسب قريش للزبيري : 24 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9 : 95 .
[ 214 ]
يصلّي بالنّاس يوم الجمعة ، فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه ، ثمّ قال : إنّ اللَّه لم يبعث نبيّا إلاّ اختار له نقيبا و رهطا و بيتا ، فو الّذي بعث محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله بالحقّ نبيّا لا ينتقص من حقّنا أهل البيت أحد إلاّ نقصه اللَّه من عمله مثله ، و لا تكون علينا دولة إلاّ و تكون لنا العاقبة و لتعلمنّ نبأه بعد حين 1 .
و في ( العقد ) : قال معاوية يوما لجلسائه : من أكرم النّاس أبا و امّا و جدّا و جدّة و عمّا و عمّة و خالا و خالة ؟ فقالوا : أمير المؤمنين أعلم . فأخذ بيد الحسن بن علي عليه السّلام و قال : هذا أبوه عليّ بن أبي طالب ، و امّه فاطمة ابنة محمّد ، و جدّه النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و جدّته خديجة ، و عمّه جعفر ، و عمّته امّ هاني بنت أبي طالب ، و خاله القاسم بن محمّد ، و خالته زينب بنت محمّد صلّى اللَّه عليه و آله 2 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) بأسانيد : أنّ الحسنّ عليه السّلام خطب بعد دفن أبيه فقال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل إلى أن قال ثمّ قال : أيّها النّاس من عرفني فقد عرفني ، و من لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد صلّى اللَّه عليه و آله ، أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الدّاعي إلى اللَّه عزّ و جلّ بإذنه ،
و أنا ابن السّراج المنير ، و أنا من أهل البيت الّذين أذهب اللَّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا ، و الّذين افترض اللَّه مودّتهم في كتابه . . . 3 .
و في ( الطبري ) : بايع النّاس الحسن عليه السّلام بالخلافة ، ثمّ خرج بالنّاس حتّى نزل المدائن ، و بعث قيس بن سعد على مقدّمته في اثني عشر ألفا ، و أقبل معاوية في أهل الشّام حتّى نزل مسكن ، فبينا الحسن عليه السّلام في المدائن إذ نادى مناد في العسكر : ألا إنّ قيس بن سعد قد قتل ، فانفروا . فنفروا و نهبوا سرادق
-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 431 ، و الآية 88 من سورة ص .
-----------
( 2 ) العقد الفريد لابن عبد ربه 5 : 313 و فيه « هالة » بدل « ام هاني » .
-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 33 .
[ 215 ]
الحسن عليه السّلام حتّى نازعوه بساطا كان تحته ، و خرج الحسن عليه السّلام حتّى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن ، و كان عمّ المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن ، و كان اسمه سعد بن مسعود ، فقال له المختار و هو غلام شاب : هل لك في الغنى و الشرف ؟ قال : و ما ذاك ؟ قال : توثق الحسن و تستأمن به إلى معاوية . فقال له سعد : عليك لعنة اللَّه أثب على ابن بنت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فأوثقه ؟ بئس الرجل أنت . فلمّا رأى الحسن عليه السّلام تفرّق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح إلى أن قال فقام الحسن عليه السّلام في أهل العراق فقال : يا أهل العراق إنّه سخا بنفسي عنكم ثلاث : قتلكم أبي ، و طعنكم إيّاي ، و انتها بكم متاعي . فلمّا قدم الكوفة و برأ من جراحته خرج إلى مسجد الكوفة فقال : يا أهل الكوفة اتقوا اللَّه في جيرانكم و ضيفانكم ، و في أهل بيت نبيّكم صلّى اللَّه عليه و آله الّذين أذهب اللَّه عنهم الرجس أهل البيت و طهّرهم تطهيرا . فجعل الناس يبكون ، ثمّ تحمّل عليه السّلام إلى المدينة 1 .
و قال أبو الفرج أيضا : و قيل : إنّ أوّل من بايعه قيس بن سعد ، قال له :
ابسط يدك ابايعك على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه و قتال المحلّين . فقال له الحسن عليه السّلام : بل على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله ، فإنّ ذلك يأتي من وراء كلّ شرط . فبايعه و سكت ، و بايعه النّاس 2 .
و روى أبو الفرج بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال : أتيت الحسن عليه السّلام حين بايع معاوية ، فوجدته بفناء داره و عنده رهط ، فقلت : السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين . فقال : عليك السّلام يا سفيان ، انزل . فنزلت فعقلت راحلتي ، ثمّ أتيته ،
فجلست إليه ، فقال : كيف قلت يا سفيان ؟ فقلت : السّلام عليك يا مذلّ رقاب
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 121 سنة 40 و 4 : 126 سنة 41 متفرّقا .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 121 سنة 40 ، و أمّا قول الشارح : « قال أبو الفرج أيضا » فهو من سهو قلمه الشريف .
[ 216 ]
المؤمنين . فقال : ما جرّ هذا منك إلينا ؟ فقلت : أنت و اللَّه بأبي و امي ، أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة ، و سلّمت الأمر إلى اللّعين ابن اللّعين ابن آكلة الأكباد ، و معك مائة ألف كلّهم يموت دونك ، و قد جمع اللَّه لك أمر الناس . فقال :
يا سفيان إنّا أهل بيت إذا علمنا الحقّ تمسّكنا به ، و إنّي سمعت عليّا عليه السّلام يقول :
سمعت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يقول : لا تذهب الليالي و الأيّام حتّى يجتمع أمر هذه الامّة على رجل واسع السّرم ، ضخم البلعوم ، يأكل و لا يشبع ، و لا ينظر اللَّه إليه ، و لا يموت حتّى لا يكون له في السّماء عاذر ، و لا في الأرض ناصر ، و إنّه لمعاوية ،
و إنّي عرفت أنّ اللَّه بالغ أمره . قال : ثمّ أذّن المؤذّن ، فقمنا على حالب يحلب ناقته ،
فتناول الإناء فشرب قائما ثمّ سقاني ، فخرجنا نمشي إلى المسجد ، فقال لي : ما جاءنا بك يا سفيان ؟ قلت : حبّكم ، و الّذي بعث محمّدا بالهدى و دين الحق . قال :
فأبشر يا سفيان فإنّي سمعت عليّا عليه السّلام يقول : سمعت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يقول : يرد عليّ الحوض أهل بيتي ، و من أحبّهم من امتي كهاتين يعني السبّابتين و لو شئت لقلت هاتين يعني السّبّابة و الوسطى إحداهما تفضّل على الاخرى .
أبشر يا سفيان ، فإنّ الدّنيا تسع البرّ و الفاجر ، حتّى يبعث اللَّه إمام الحقّ من آل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله 1 .
و روى ابن بابويه في ( إكماله ) مسندا عن أبي سعيد عقيصا ، قال : لمّا صالح الحسن بن عليّ عليه السّلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه النّاس ، فلامه بعضهم على بيعته . فقال عليه السّلام : و يحكم ما تدرون ما عملت ، و اللَّه الّذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشّمس أو غربت ، ألا تعلمون أنّني إمامكم مفترض الطّاعة عليكم ، و أحد سيّدي شباب أهل الجنّة بنصّ من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عليّ ؟ قالوا : بلى قال : أما علمتم أنّ الخضر لمّا خرق السفينة ، و أقام
-----------
( 1 ) المقاتل لأبي الفرج : 44 .
[ 217 ]
الجدار ، و قتل الغلام كان ذلك سخطا لموسى بن عمران عليه السّلام ، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك ، و كان ذلك عند اللَّه حكمة و صوابا ؟ أما علمتم أنّه ما منّا إلاّ و يقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، إلاّ القائم الّذي يصلّي روح اللَّه عيسى بن مريم عليه السّلام خلفه ، فإنّ اللَّه عزّ و جلّ يخفي ولادته و يغيّب شخصه لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة ، إذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين عليه السّلام ؟ . . . 1 و روى المدائني : أنّ سفيان بن أبي ليلى لمّا قال للحسن عليه السّلام : السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين ، قال له الحسن عليه السّلام : إنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله رفع له ملك بني امّية فنظر إليهم يعلون منبره واحدا فواحدا ، فشقّ ذلك عليه فأنزل تعالى في ذلك قرآنا : . . . و ما جعلنا الرّؤيا التي أريناك إلاّ فتنة للناس و الشّجرة الملعونة في القرآن و نخوّفهم فما يزيدهم إلاّ طغيانا كبيرا 2 و سمعت أبي عليه السّلام يقول :
سيلي أمر هذه الامّة رجل واسع البلعوم ، كبير البطن ، فسألته من هو ؟ فقال :
معاوية . و قال لي : إنّ القرآن قد نطق بملك بني امية و مدّتهم ، قال تعالى : ليلة القدر خير من ألف شهر 3 ، قال أبي عليه السّلام : هذه ملك بني اميّة 4 .
و قال أيضا : قال حجر بن عدي للحسن عليه السّلام لمّا صالح معاوية : لوددت أنّك متّ قبل هذا اليوم و لم يكن ما كان ، إنّا رجعنا راغمين بما كرهنا ، و رجعوا مسرورين بما أحبوا . فتغيّر وجه الحسن عليه السّلام ، و غمز الحسين عليه السّلام حجرا فسكت . فقال الحسن عليه السّلام : يا حجر ليس كلّ النّاس يحبّ ما تحبّ ، و لا رأيه رأيك ، و ما فعلت ما فعلت إلاّ إبقاء عليك ، و اللَّه كلّ يوم في شأن 5 .
و روى أيضا : أنّ الحسن عليه السّلام قال لرجل لامه على بيعته : خشيت أن
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق 1 : 315 ح 2 .
-----------
( 2 ) الإسراء : 60 .
-----------
( 3 ) القدر : 3 .
-----------
( 4 ) نقلها عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 6 ، 7 ، شرح الكتاب 31 .
-----------
( 5 ) نقلها عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 6 ، 7 ، شرح الكتاب 31 .
[ 218 ]
يأتي يوم القيامة سبعون ألفا أو ثمانون ألفا تشخب أوداجهم دما ، كلّهم يستعدي اللَّه فيم هريق دمه 1 ؟
و قال أيضا : إنّ عليّا عليه السّلام لمّا توفّي خرج ابن عبّاس فقال : إنّ أمير المؤمنين عليه السّلام توفّي و قد ترك خلفا ، فإن أحببتم خرج إليكم ، و إن كرهتم فلا أحد على أحد . فبكى الناس ، و قالوا : بل يخرج إلينا . فخرج الحسن عليه السّلام ، فخطبهم فقال : أيّها الناس اتّقوا اللَّه فإنّا امراؤكم و أولياؤكم ، و إنّا أهل البيت الّذين قال اللَّه فينا : إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 2 فبايعوه و كان خرج إليهم و عليه ثياب سود ، ثمّ وجّه عبد اللَّه بن عبّاس و معه قيس بن سعد مقدّمة له في اثني عشر ألفا إلى الشّام ، و خرج هو يريد المدائن ،
فطعن بساباط ، و انتهب متاعه ، و دخل المدائن ، و بلغ ذلك معاوية فأشاعه ،
و جعل أصحاب الحسن عليه السّلام الّذين وجّههم مع عبد اللَّه يتسلّلون إلى معاوية ،
الوجوه و أهل البيوتات ، فكتب عبد اللَّه بذلك إلى الحسن عليه السّلام ، فخطب النّاس و وبّخهم و قال : خالفتم أبي حتّى حكّم و هو كاره ، ثمّ دعاكم إلى قتال أهل الشام بعد التحكيم ، فأبيتم حتّى صار إلى كرامة اللَّه ، ثمّ بايعتموني على أن تسالموا من سالمني و تحاربوا من حاربني ، و قد أتاني أنّ أهل الشرف منكم قد أتوا معاوية و بايعوه ، فحسبي منكم لا تعرّوني من ديني و نفسي .
و أرسل عبد اللَّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب و امّه بنت أبي سفيان إلى معاوية يسأله المسالمة ، و اشترط عليه العمل بكتاب اللَّه و سنّة نبيّه ، و أن لا يبايع لأحد من بعده ، و أن يكون الأمر شورى ، و أن
-----------
( 1 ) نقلها عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 6 ، 7 ، شرح الكتاب 31 .
-----------
( 2 ) الأحزاب : 33 .
[ 219 ]
يكون النّاس أجمعون آمنين 1 .
و في ( مروج المسعودي ) : و من خطب الحسن عليه السّلام في أيّامه في بعض مقاماته : نحن حزب اللَّه المفلحون ، و عترة رسوله الأقربون ، و أهل بيته الطّاهرون الطّيّبون ، و أحد الثّقلين اللذين خلّفهما رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و الثّاني كتاب اللَّه فيه تفصيل كلّ شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه 2 و المعوّل عليه في كلّ شيء ، لا يخطئنا تأويله ، بل نتيقّن حقائقه ، فأطيعونا فإنّا طاعتنا مفروضة ، إذ كانت بطاعة اللَّه و الرّسول و اولي الأمر مقرونة فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى اللَّه و الرسول 3 ، و لو ردّوه إلى الرّسول و إلى اولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم 4 و احذّركم الإصغاء لهتاف الشّيطان إنّه لكم عدوّ مبين 5 ، فتكونون كأوليائه الّذين قال لهم : لا غالب لكم اليوم من النّاس و إنّي جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه ، و قال إنّي بريء منكم إنّي أرى ما لا ترون 6 . فتلقون للرماح أزرا و للسيوف جزرا ،
و للعمد خطأ ، و للسهام غرضا ، ثمّ . . . لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا . . . 7 .
و روى أبو الفرج عن الشّعبي قال : خطب معاوية بعد ما بويع له فقال : ما اختلفت امّة بعد نبيّها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها . ثمّ إنّه انتبه فندم .
-----------
( 1 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 8 ، شرح الكتاب 31 .
-----------
( 2 ) فصلت : 42 .
-----------
( 3 ) النساء : 59 .
-----------
( 4 ) النساء : 83 .
-----------
( 5 ) الأنعام : 142 .
-----------
( 6 ) الأنفال : 48 .
-----------
( 7 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 431 ، و الآية 158 من سورة الأنعام .
[ 220 ]
فقال : إلاّ هذه الامّة ، فإنّها و إنّها 1 .
و عن أبي إسحاق قال : سمعت معاوية بالنّخيلة يقول : ألا إنّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين ، لا أفي به . فقال : و كان و اللَّه غدّارا 2 .
و عن سعيد بن سويد قال : صلّى بنا معاوية بالنّخيلة الجمعة في الصحن ، ثم خطبنا ، فقال : إنّي و اللَّه ما قاتلتكم لتصلّوا و لا لتصوموا و لا لتحجّوا و لا لتزكّوا ، إنّكم لتفعلون ذلك ، و انّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، و قد أعطاني اللَّه ذلك و أنتم كارهون . قال شريك في حديثه : هذا هو التهتّك 3 .
و عن حبيب بن أبي ثابت قال : لمّا بويع معاوية خطب فذكر عليّا عليه السّلام فنال منه ، و نال من الحسن عليه السّلام ، فقام الحسين عليه السّلام ليرد عليه فأخذ الحسن عليه السّلام بيده فأجلسه ، ثمّ قال : أيّها الذاكر عليّا أنا الحسن و أبي عليّ ، و أنت معاوية و أبوك صخر ( أبو سفيان ) ، و امّي فاطمة ، و امّك هند ، و جدّي رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و جدّك حرب ، و جدّتي خديجة ، و جدّتك قتيلة ، فلعن اللَّه أخملنا ذكرا ،
و ألأمنا حسبا ، و شرّنا قدما ، و أقدمنا كفرا و نفاقا . فقال طوائف من أهل المسجد : آمين 4 .
و روى المدائني : أنّ معاوية سأل الحسن عليه السّلام بعد الصّلح أن يخطب النّاس فامتنع ، فناشده أن يفعل ، فوضع له كرسي فجلس عليه ، ثمّ قال :
الحمد للَّه الّذي توحّد في ملكه و تفرّد في ربوبيّته ، يؤتي الملك من يشاء ، و ينزعه عمّن يشاء ، و الحمد للَّه الّذي أكرم بنا مؤمنكم ، و أخرج من الشّرك أوّلكم ، و حقن دماء آخركم ، فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء ، إن شكرتم أو كفرتم أيّها النّاس إنّ ربّ عليّ كان أعلم به حين
-----------
( 1 ) المقاتل لأبي الفرج : 45 .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 45 .
-----------
( 3 ) المقاتل لأبي الفرج : 45 .
-----------
( 4 ) المقاتل لأبي الفرج : 46 .
[ 221 ]
قبضه اليه ، و لقد اختصّه بفضل لم تعتدوا بمثله ، و لم تجدوا مثل سابقته ،
فهيهات هيهات ، طالما قلّبتم له الامور حتّى أعلاه اللَّه عليكم ، و هو صاحبكم و عدوّكم في بدر و أخواتها ، جرّعكم رنقا ، و سقاكم علقا ، و أذلّ رقابكم ،
و أشرقكم بريقكم ، فلستم بملومين على بغضه ، و ايم اللَّه لا ترى امّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله خفضا ما كانت سادتهم و قادتهم بني امّية ، و لقد وجّه اللَّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتّى تهلكوا ، لطاعتكم طواغيتكم و انضوائكم إلى شياطينكم ، فعند اللَّه أحتسب ما مضى ، و ما ينتظر من سوء دعتكم ، و حيف حكمكم . ثمّ قال : يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي اللَّه ،
صائل على أعداء اللَّه ، نكال على فجّار قريش ، لم يزل آخذا بحناجرها ، جاثما على أنفاسها ، ليس بالملومة في أمر اللَّه ، و لا بالسّروقة لمال اللَّه ، و لا بالفروقة في حرب أعداء اللَّه ، أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه ، دعا فأجابه ، و قاده فاتّبعه ،
لا تأخذه في اللَّه لومة لائم ، فصلوات اللَّه عليه و رحمته . قال : ثم نزل ، فقال معاوية : أخطأ عجل أو كاد ، و أصاب متثبت أو كاد ، ماذا أردت من خطبة الحسن 1 ؟
و روى عن أبي الطفيل قال : قال الحسن عليه السّلام لمعاوية بن خديج : أنت الشاتم عليّا عليه السّلام عند ابن آكلة الأكباد ؟ أما و اللَّه لئن وردت الحوض ، و لن ترده لترينّه مشمّرا عن ساقيه ، حاسرا عن ذراعيه ، يذود عنه المنافقين 2 .
و عن الأسود بن قيس العبدي قال : قال الحسن عليه السّلام لحبيب بن مسلمة :
ربّ مسير لك في غير طاعة اللَّه . فقال : أمّا مسيري إلى أبيك فليس من ذلك . قال :
بلى و اللَّه ، و لكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائلة ، فلئن قام بك في دنياك لقد قعد بك في آخرتك ، و لو كنت إذا فعلت شرّا قلت خيرا ، كان ذلك كما قال
-----------
( 1 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 10 ، 7 شرح الكتاب 31 .
-----------
( 2 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 10 ، 7 شرح الكتاب 31 .
[ 222 ]
عزّ و جلّ : خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا 1 و لكنّك كما قال سبحانه : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون 2 .
و روى الزّبير بن بكار في ( مفاخراته ) : أنّه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص ، و الوليد بن عقبة ، و عتبة بن أبي سفيان ، و قد كان بلغهم عن الحسن عليه السّلام قوارص ، و بلغه عنه مثل ذلك ، فقالوا لمعاوية : إنّ الحسن قد أحيا أباه ذكره ، و قال فصدّق ، و أمر فاطيع ، و خفقت النّعال خلفه ، و أنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم ، و لا يزال يبلغنا عنه ما يسوؤنا .
قال معاوية : ما تريدون ؟ قالوا : ابعث إليه فأحضره ، لنسبّه و نسبّ أباه و نعيّره و نوبّخه ، و نخبره أنّ أباه قتل عثمان ، و نقرّره بذلك ، و لا يستطيع أن يغيّر علينا شيئا من ذلك . قال : إن بعثت إليه لأنصفنه منكم . فقال عمرو بن العاص : أتخشى أن يأتي باطله على حقّنا أو يربو قوله على قولنا ؟ قال : أمّا إنّي إن بعثت إليه لآمرنه أن يتكلّم بلسانه كلّه . قالوا : مره . قال : أمّا إذا عصيتموني و بعثتم إليه ، و أبيتم إلاّ ذلك فلا تمرّضوا له في القول ، و اعلموا أنّهم أهل بيت لا يعيبهم العائب ، و لا يلصق بهم العار ، و لكن اقذفوه بحجره ، و قولوا له : إنّ أباك قتل عثمان ، و كره خلافة الخلفاء قبله .
فبعث معاوية إليه . فقال لرسوله : من عنده ؟ فسمّاهم ، فقال الحسن عليه السّلام :
ما لهم خرّ عليهم السّقف من فوقهم و أتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ؟ ثمّ قال : يا جارية أبلغيني ثيابي ، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرورهم ، و أدرأ بك في نحورهم ، و أستعين بك عليهم ، فاكفنيهم كيف شئت ، و أنّى شئت بحول منك و قوّة ، يا أرحم الراحمين .
-----------
( 1 ) التوبة : 102 .
-----------
( 2 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 7 ، شرح الكتاب 31 و الآية 14 من سورة المطففين .
[ 223 ]
قال : فلمّا دخل على معاوية أعظمه و أجلسه إلى جانبه و قد ارتاد القوم ،
و خطروا خطران الفحول بغيا في أنفسهم و علوّا ، ثم قال : يا أبا محمّد إنّ هؤلاء بعثوا إليك و عصوني . فقال : سبحان اللَّه ، الدّار دارك و الإذن فيها إليك ، و اللَّه لئن كنت أجبتهم إلى ما أرادوا في أنفسهم إنّي لأستحيي لك من الفحش ، و إن كانوا غلبوك على رأيك إنّي لأستحيي لك من الضّعف ، فأيّهما تقرّ و أيّهما تنكر ؟ أما أني لو علمت بمكانهم جئت بمثلهم من بني عبد المطلب ، و ما لي أن أكون متوحّشا منك و لا منهم ، إنّ وليي اللَّه و هو يتولّى الصالحين 1 .
فقال معاوية : إنّي كرهت أن أدعوك و لكن حملوني على ذلك مع كراهتي له ، و أنّ لك منهم النّصف و منهم ، و إنّما دعوناك لنقرّرك أنّ عثمان قتل مظلوما ،
و أنّ أباك قتله ، فاستمع منهم ثمّ أجبهم ، و لا تمنعك وحدتك و اجتماعهم أن تتكلّم بكلّ لسانك .
فتكلّم عمرو بن العاص و ذكر عليّا فلم يترك شيئا يعيبه به إلاّ قاله ،
و قال : إنّه شتم أبا بكر و كره خلافته ، و امتنع من بيعته ، ثمّ بايعه مكرها ،
و شرك في دم عمر ، و قتل عثمان ظلما ، و ادّعى من الخلافة ما ليس له ، ثمّ ذكر الفتنة يعيّره بها ، و أضاف إليه مساويا ، و قال : إنّكم يا بني عبد المطّلب لم يكن اللَّه ليعطيكم الملك على قتلكم الخلفاء و استحلالكم ما حرّم اللَّه من الدّماء ،
و حرصكم على الملك ، و إتيانكم ما لا يحلّ ، ثمّ إنّك يا حسن تحدّث نفسك أنّ الخلافة صائرة إليك ، و ليس عندك عقل ذلك و لا لبّه ، كيف ترى اللَّه سلبك عقلك ،
و تركك أحمق قريش ، تسخر قريش منك و تهزؤك ، و ذلك لسوء عمل أبيك ،
و إنّما دعوناك لنسبّك و أباك ؟ فأمّا أبوك فقد تفرّد اللَّه به و كفانا أمره ، و أمّا أنت فإنّك في أيدينا نختار فيك الخصال ، و لو قتلناك ما كان علينا إثم من اللَّه ، و لا
-----------
( 1 ) الأعراف : 196 .
[ 224 ]
عيب من النّاس ، فهل تستطيع أن تردّ علينا و تكذّبنا ؟ فإن كنت ترى أنّا كذبنا في شيء فأردده علينا في ما قلنا ، و إلاّ فاعلم أنّك و أباك ظالمان .
ثمّ تكلّم الوليد بن عقبة فقال : يا بني هاشم إنّكم كنتم أخوال عثمان ،
فنعم الولد كان لكم ، فعرف حقّكم ، و كنتم أصهاره ، فنعم الصهر كان لكم ،
يكرمكم ، فكنتم أوّل من حسده ، فقتله أبوك ظلما لا عذر له و لا حجّة ، فكيف ترون أنّ اللَّه طلب بدمه و أنزلكم منزلتكم ؟ و اللَّه إنّ بني امية كانوا خيرا لبني هاشم من بني هاشم لبني اميّة ، و إنّ معاوية خير لك من نفسك .
ثمّ تكلّم عتبة بن أبي سفيان ، فقال : يا حسن كان أبوك شرّ قريش لقريش ، أسفكه لدمائها ، أقطعه لأرحامها ، طويل السّيف و اللّسان ، يقتل الحيّ و يعيب الميّت ، و إنّك ممّن قتل عثمان ، و نحن قاتلوك به ، و أمّا رجاؤك الخلافة فلست في زندها قادحا ، و لا في ميزانها راجحا ، و إنّكم يا بني هاشم قتلتم عثمان ، و إنّ في الحقّ أن نقتلك و أخاك به ، فأمّا أبوك فقد كفانا اللَّه أمره و أقاد منه ، و أما أنت فو اللَّه ما علينا لو قتلناك بعثمان إثم و لا عدوان .
ثمّ تكلّم المغيرة بن شعبة فشتم عليّا عليه السّلام و قال : و اللَّه ما أعيبه في قضية يخون ، و لا في حكم يميل ، و لكنّه قتل عثمان .
ثمّ سكتوا فتكلّم الحسن عليه السّلام فحمد اللَّه و أثنى عليه ، و صلّى على رسوله ،
ثمّ قال : أمّا بعد يا معاوية فما هؤلاء شتموني و لكنّك شتمتني ، فحشا ألفته ،
و سوء رأي عرفت به ، و خلقا سيّئا ثبتّ عليه ، و بغيا علينا ، و عداوة منك لمحمّد صلّى اللَّه عليه و آله و أهله ، و لكن اسمع يا معاوية و اسمعوا ، فلأقولنّ فيك و فيهم دون ما فيكم ، انشدكم اللَّه أيّها الرّهط أتعلمون أنّ الذي شتمتموه منذ اليوم صلّى القبلتين ، و أنت يا معاوية بهما كافر تراهما ضلالة ، و تعبد اللاّت و العزّى غواية ؟ و انشدكم اللَّه هل تعلمون أنّه بايع البيعتين : بيعة الفتح و بيعة الرضوان ، و أنت يا معاوية بإحداهما كافر ، و بالاخرى ناكث ؟ و انشدكم اللَّه هل
[ 225 ]
تعلمون أنّه أوّل النّاس إيمانا ، و أنّك يا معاويه و أباك من المؤلّفة قلوبهم تسرّون الكفر ، و تظهرون الإسلام ، و تستمالون بالأموال ؟ و انشدكم اللَّه ألستم تعلمون أنّ عليّا عليه السّلام كان صاحب راية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يوم بدر ، و أنّ راية المشركين كانت مع معاوية و أبيه ، ثمّ لقيكم يوم احد و يوم الأحزاب و معه راية رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و معك يا معاوية و مع أبيك راية الشرك ، و في كلّ ذلك يفتح اللَّه له ، و يفلج حجّته ، و ينصر دعوته ، و يصدّق حديثه ، و رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله في تلك المواطن كلّها عنه راض ، و عليك و على أبيك ساخط ؟ و انشدك اللَّه يا معاوية أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر ، و أنت تسوقه و أخوك عتبة هذا يقوده ، فرآكم النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقال : اللّهمّ العن الرّاكب و القائد و السّائق ؟ أتنسى يا معاوية الشعر الذي كتبته إلى أبيك لمّا همّ أن يسلم تنهاه عن ذلك ؟ و هو :
يا صخر لا تسلمن يوما فتفضحنا
بعد الّذين ببدر أصبحوا مزقا
خالي و عمّي و عمّ الام ثالثهم
و حنظل الخير قد أهدى لنا الأرقا
لا تركنن إلى أمر تكلفنا
و الرّاقصات به في مكّة الخرقا
فالموت أهون من قول العداة لقد
حار ابن حرب عن العزّى إذن فرقا
و و اللَّه لما أخفيت من أمرك أكبر ممّا أبديت ، و انشدكم اللَّه أيّها الرهط ألستم تعلمون أنّ عليّا عليه السّلام حرّم على نفسه الشّهوات بين أصحاب النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ،
فأنزل تعالى فيه : يا أيها الّذين آمنوا لا تحرّموا طيّبات ما أحلّ اللَّه لكم . . . 1 ؟
و أنّ النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة ، فنزلوا من حصنهم فهزموهم ، فبعث عليّا عليه السّلام بالرّاية ، فاستنزلهم على حكم اللَّه و حكم رسوله ،
و فعل في خيبر مثلها ؟
ثمّ قال : يا معاوية أظنّك لا تعلم أنّي أعلم ما دعا به عليك النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لمّا
-----------
( 1 ) المائدة : 87 .
[ 226 ]
أراد أن يكتب كتابا إلى بني خزيمة ، فبعث إليك و نهمك إلى أن تموت ؟ و أنتم أيّها الرّهط نشدتكم اللَّه ألا تعلمون أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن لا تستطيعون ردّها :
أوّلها : يوم لقي النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله خارجا من مكّة إلى الطّائف ، يدعو ثقيفا إلى الدّين ، فوقع فيه و سبّه و سفّهه و شتمه و كذّبه و توعّده و همّ أن يبطش به ،
فلعنه اللَّه و رسوله و صرف عنه .
و الثانية : يوم العير ، إذ عرض لها النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و هي جائية من الشّام ،
فطردها أبو سفيان و ساحل بها ، فلم يظفر المسلمون بها ، فلعنه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و دعا عليه ، فكانت وقعة بدر لأجلها .
و الثّالثة : يوم احد ، وقف أبو سفيان تحت الجبل و النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في أعلاه ،
و هو ينادي : « أعل هبل » مرارا فلعنه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عشر مرّات ، و لعنه المسلمون .
و الرّابعة : يوم جاء بالأحزاب و غطفان و اليهود ، فلعنه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و ابتهل .
و الخامسة : يوم جاء أبو سفيان في قريش ، فصدّوا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عن المسجد الحرام . . . و الهدي معكوفا أن يبلغ محلّه . . . 1 ، و ذلك يوم الحديبيّة ،
فلعن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أبا سفيان ، و لعن القادة و الأتباع ، و قال : ملعونون كلّهم و ليس فيهم من يؤمن . فقيل : يا رسول اللَّه أفما ترجو الإسلام لأحد منهم ، فكيف باللّعنة ؟ فقال : لا تصيب اللعنة أحدا من الأتباع ، و أمّا القادة فلا يفلح منهم أحد .
و السادسة : يوم الجمل الأحمر .
و السابعة : يوم وقفوا للنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في العقبة ، ليستنفروا ناقته ، و كانوا اثني عشر رجلا ، منهم : أبو سفيان . فهذا لك يا معاوية .
-----------
( 1 ) الفتح : 25 .
[ 227 ]
و أمّا أنت يابن العاص فإنّ أمرك شبرك ، و ضعتك امّك مجهولا من عهر و سفاح ، فتحاكم فيك أربعة من قريش ، فغلب عليك جزارها ألأمها حسبا ،
و أخسّهم منصبا ، ثمّ قام أبوك فقال : أنا شانىء محمّد الأبتر ، فأنزل عزّ و جلّ فيه ما أنزل ، و قاتلت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله في جميع المشاهد و هجوته ، و آذيته بمكّة و كدته كيدك كلّه ، و كنت من أشدّ النّاس عداوة له ، و تكذيبا ، ثمّ خرجت مع أصحاب السّفينة تريد النّجاشي ، لتأتي بجعفر و أصحابه إلى أهل مكّة ، فلمّا أخطاك ما رجوت ، و رجعك اللَّه خائبا ، و أكذبك واشيا جعلت حدّك على صاحبك عمارة بن الوليد ، فوشيت به إلى النجاشي حسدا لما ارتكب من حليلتك ، ففضحك اللَّه و فضح صاحبك ، فإنّك عدوّ بني هاشم في الجاهليّة و الإسلام ، ثمّ إنّك تعلم و كلّ هؤلاء الرّهط يعلمون أنّك هجوت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بسبعين بيتا من الشّعر ، فقال : اللّهمّ إنّي لا أقول الشّعر ، و لا ينبغي لي ، اللّهمّ العنه بكلّ حرف ألف لعنة . فعليك إذن من اللَّه ما لا يحصى من اللعن ، و أمّا ما ذكرت من أمر عثمان فأنت شغرت عليه الدّنيا ، ثمّ لحقت بفلسطين ، فلمّا أتاك قتله قلت : أنا أبو عبد اللَّه إذا نكأت قرحة أدميتها ، ما نصرت عثمان حيّا و لا غضبت له مقتولا . ويحك يابن العاص ألست القائل في بني هاشم لمّا خرجت من مكّة إلى النجاشي :
تقول ابنتي أين هذا الرّحيل
و ما السّتر منّي بمستنكر
فقلت ذريني فإنّي امرؤ
اريد النّجاشي في جعفر
لأكويه عنده كيّة
اقيم بها نخوة الأصغر
و شانىء أحمد من بينهم
و أقولهم فيه بالمنكر
و أجري إلى عتبة 1 جاهدا
و لو كان كالذّهب الأحمر
-----------
( 1 ) قلت : و مراده بعتبة النّجاشي .
[ 228 ]
و لا أنثني عن بني هاشم
و ما اسطعت في الغيب و المحضر
فإن قبل العتب منّي له
و إلاّ لويت له مشفري
فهذا جوابك يا عمرو ، هل سمعته ؟
و أمّا أنت يا وليد ، فو اللَّه ما ألومك على بغض عليّ عليه السّلام و قد جلدك في الخمر ثمانين ، و قتل أباك بين يدي النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله صبرا ، و أنت الّذي سمّاه اللَّه الفاسق ، و سمّى عليّا عليه السّلام المؤمن حيث تفاخرتما ، فقلت له : اسكت يا عليّ ، فأنا أشجع منك جنانا ، و أطول منك لسانا . فقال لك عليّ عليه السّلام : اسكت يا وليد فأنا مؤمن و أنت فاسق . فأنزل تعالى في موافقة قوله عليه السّلام : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون 1 . ثمّ أنزل فيك على موافقة قوله عليه السّلام أيضا : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا 2 و يحك يا وليد مهما نسيت فلا تنس قول الشاعر فيك و فيه :
أنزل اللَّه و الكتاب عزيز
في عليّ و في الوليد قرآنا
فتبّوى الوليد إذ ذاك فسقا
و عليّ مبوّأ إيمانا
ليس من كان مؤمنا عمرك اللّه
كمن كان فاسقا خوّانا
سوف يدعى الوليد بعد قليل
و عليّ إلى الحساب عيانا
فعليّ يجزى بذاك جنانا
و وليد يجزى بذاك هوانا
و ما أنت و قريش ؟ إنّما أنت علج من أهل صفورية ، و اقسم باللَّه لأنت أكبر في الميلاد ، و أسنّ عمّن تدعى إليه .
قال : و أما أنت يا عتبة ، فو اللَّه ما أنت بحصيف فاجيبك ، و لا عاقل فاحاورك ، و اعاتبك ، و ما عندك خير يرجى و لا شرّ يتّقى ، و ما عقلك و عقل أمتك
-----------
( 1 ) السجدة : 18 .
-----------
( 2 ) الحجرات : 6 .
[ 229 ]
إلاّ سواء ، و ما تضرّ عليّا عليه السّلام لو سببته على رؤوس الأشهاد ؟ و أمّا و عيدك إيّاي بالقتل ، فهلا قتلت اللحياني إذ وجدته على فراشك ؟ أما تستحي من قول نصر بن حجاج فيك :
يا للرجال و حادث الأزمان
و لسبّة تخزي أبا سفيان
نبّئت عتبة خانه في عرسه
جنس لئيم الأصل من لحيان
و بعد هذا ما ارتاع لذكره لفحشه ، فكيف يخاف أحد سيفك و لم تقتل فاضحك ؟ و كيف ألومك على بغض عليّ عليه السّلام و قد قتل خالك الوليد مبارزة يوم بدر ، و شرك حمزة في قتل جدّك عتبة ، و أوجدك من أخيك حنظلة في مقام واحد ؟
و أمّا أنت يا مغيرة فلم تكن بخليق إن تقع في هذا و شبهه ، و إنّما مثلك مثل البعوض إذ قالت للنخلة : استمسكي فإنّي طائرة عنك . فقالت النخلة : فهل علمت بك واقعة عليّ ، فأعلم بك طائرة عنّي ؟ و اللَّه ما نشعر بعد اوتك إيّانا ، و لا اغتممنا إذ علمنا بها ، و لا يشقّ علينا كلامك ، و أنّ حدّ اللَّه في الزّنا لثابت عليك ،
و لقد درأ عمر عنك حقّا اللَّه سائله عنه ، و لقد سألت النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : هل ينظر الرّجل إلى المرأة يريد أن يتزوّجها ؟ فقال : لا بأس بذلك يا مغيرة ما لم ينو الزّنا ، لعلمه بأنّك زان .
و أمّا فخركم علينا بالإمارة فإنّه تعالى يقول : و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمّرناها تدميرا 1 .
ثمّ قام الحسن عليه السّلام فنفض ثوبه و انصرف ، فتعلّق المغيرة بثوبه ، و قال لمعاوية : قد شهدت قوله فيّ و قذفه إيّاي بالزنا ، و أنا مطالب له بحدّ القذف . فقال معاوية : خلّ عنه لا جزاك اللَّه خيرا فتركه . فقال معاوية : قد أنبأتكم أنّه ممّن لا
-----------
( 1 ) الإسراء : 16 .
[ 230 ]
يطاق عارضته ، و نهيتكم أن تسبّوه ، فعصيتموني ، و اللَّه ما قام حتّى أظلم عليّ البيت ، قوموا عنّي ، فلقد فضحكم اللَّه و أخزاكم بترككم الحزم ، و عدو لكم عن رأي الناصح المشفق 1 .
و رواه سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) ، و فيه : أنّ الحسن عليه السّلام قال لمعاوية : « و قد علمت الفراش الّذي ولدت عليه » . و قال السّبط في تفسير كلامه عليه السّلام : قال هاشم الكلبي في ( مثالبه ) : إنّ معاوية كان يقال إنّه من أربعة :
عمارة بن الوليد ، و مسافر بن أبي عمرو ، و العبّاس ، و أبي سفيان 2 .
و روى السّبط أيضا عن هشام الكلبي : أنّ مروان لمّا كان واليا على المدينة بعث رسولا إلى الحسن عليه السّلام و قال : قل له يقول لك مروان : أبوك الّذي فرّق الجماعة ، و قتل أمير المؤمنين عثمان ، و أباد العلماء و الزّهاد يعني الخوارج و أنت تفخر بغيرك فإذا قيل لك من أبوك ؟ تقول خالي الفرس . فجاء الرسول إلى الحسن ، فقال له : يا أبا محمّد إنّي أتيتك برسالة ممّن يخاف سطوته و يحذر سيفه ، فإن كرهت لم أبلّغك إيّاها و وقيتك بنفسي ؟ فقال الحسن عليه السّلام : لا بل تؤدّيها و نستعين عليه باللَّه ، فأدّاها ، فقال له عليه السّلام : تقول لمروان : إن كنت صادقا فاللَّه يجزيك بصدقك ، و إن كنت كاذبا فاللَّه أشدّ نقمة .
فخرج الرّسول من عنده فلقيه الحسين عليه السّلام فقال : من أين أقبلت ؟ فقال : من عند أخيك الحسن . فقال : و ما كنت تصنع ؟ قال : أتيت برسالة من عند مروان . فقال :
و ما هي ؟ فامتنع الرّسول من ادائها . فقال : لتخبرني أو لأقتلنّك . فسمع الحسن عليه السّلام فخرج ، و قال لأخيه : خلّ عن الرّجل . فقال : لا و اللَّه حتّى أسمعها .
فأعادها الرسول عليه . فقال عليه السّلام : قل له يقول لك الحسين بن علي بن فاطمة :
-----------
( 1 ) نقله عن الزبير بن بكار في المفاخرات ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 101 ، شرح الخطبة 82 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 202 ، و النقل بالمعنى .
[ 231 ]
يابن الزرقاء الدّاعية إلى نفسها بسوق ذي المجاز صاحبة الرّاية بسوق عكّاظ و يابن طريد رسول اللَّه و لعينه اعرف من أنت و من امّك و من أبوك . قال : فجاء الرّسول إلى مروان فأعاد عليه ما قالا ، فقال له : ارجع إلى الحسن ، و قل له :
أشهد أنّك ابن رسول اللَّه . و قل للحسين : أشهد أنّك ابن عليّ بن أبي طالب . فقال ( الحسين ) عليه السّلام للرّسول : قل له : كلاهما لي و رغما .
قال : قال الأصمعي : أمّا قول الحسين عليه السّلام : « يابن الدّاعية إلى نفسها » فذكر ابن إسحاق أنّ امّ مروان اسمها اميّة ، و كانت من البغايا في الجاهليّة ،
و كان لها راية مثل راية البيطار تعرف بها ، و كانت تسمّى امّ حنبل الزّرقاء ،
و كان مروان لا يعرف له أب ، و إنّما نسب إلى الحكم كما نسب عمرو إلى العاص . و أمّا قوله : « يابن طريد رسول اللَّه » فيشير إلى الحكم بن أبي العاص ،
أسلم الحكم يوم الفتح و سكن المدينة ، و كان ينقل أخبار النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى الكفار من الأعراب و غيرهم ، و يتجسّس عليه . قال الشّعبي : و ما أسلم إلاّ لهذا ، و لم يحسن إسلامه ، و رآه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يوما و هو يمشي و يتخالج في مشيته يحاكي النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقال له : كن كذلك . فمازال يمشي كأنّه يقع على وجهه ،
و نفاه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى الطائف و لعنه إلى أن قال فلمّا مات عمر ، و ولّي عثمان ردّه في اليوم الّذي ولّي فيه ، و قرّبه و أدناه ، و دفع له مالا عظيما و رفع منزلته ،
فقام المسلمون على عثمان و أنكروا عليه ، و هو أوّل ما أنكروا عليه ، و قالوا له :
رددت عدوّ اللَّه و رسوله ، و خالفت اللَّه و رسوله . فقال : إنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و عدني بردّه . فامتنع جماعة من الصّحابة عن الصلاة خلف عثمان لذلك ،
ثمّ توفّي الحكم في خلافته ، فصلّى عليه ( عثمان ) و مشى خلفه ، فشقّ ذلك على المسلمين ، و قالوا : ما كفاك ما فعلت حتّى تصلّي على منافق ملعون لعنه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و نفاه . فخلعوه و قتلوه . قال : و أعطى ابنه مروان خمس غنائم إفريقيّة خمسمائة ألف دينار . ثم قال : و بهذا السّبب قالت ( عائشة ) :
[ 232 ]
اقتلوا نعثلا قتله اللَّه فقد كفر 1 .
و روى الزّبير بن بكار : أنّ عمرو بن العاص لقي الحسن عليه السّلام في الطّواف ، فقال له : يا حسن زعمت أنّ الدين لا يقوم إلاّ بك و بأبيك ، فقد رأيت اللَّه أقامه بمعاوية ، فجعله راسيا بعد ميله ، و بيّنا بعد خفائه ، أفرضي اللَّه بقتل عثمان ؟ أو من الحقّ أن تطوّف بالبيت كما يدور الجمل بالطّحن ، عليك ثياب كغرقى البيض ، و أنت قاتل عثمان ؟ و اللَّه إنّه لألمّ للشّعث و أسهل للوعث أن يوردك معاوية حياض أبيك . فقال الحسن عليه السّلام : إنّ لأهل النّار لعلامات يعرفون بها : إلحادا لأولياء اللَّه ، و موالاة لأعداء اللَّه ، و اللَّه إنّك لتعلم أنّ عليّا لم يرتب في الدين ، و لم يشكّ في اللَّه ساعة ، و لا طرفة عين قطّ ، و ايم اللَّه لتنتهين يابن امّ عمرو أو لأنفذن حضنيك بنو افذ أشدّ من القعضبية ، فإيّاك و التهجّم عليّ ، فإنّي من قد عرفت ، لست بضعيف الغمزة ، و لا هشّ المشاشة ، و لا مريء المأكلة ، و إنّي من قريش كواسطة القلادة ، يعرف حسبي ، و لا ادعى لغير أبي ،
و أنت من تعلم و يعلم النّاس ، تحاكمت فيك رجال قريش ، فغلب عليك جزّارها ،
ألأمهم حسبا ، و أعظمهم لؤما ، فإيّاك عنّي فإنّك رجس ، و نحن أهل بيت الطهارة أذهب اللَّه عنّا الرّجس و طهّرنا تطهيرا . قال : فأفحم عمرو و انصرف كئيبا 2 .
و روى أبو الفرج و المدائني ، و اللّفظ للأوّل : أنّ الحسن عليه السّلام كتب إلى معاوية إلى أن قال : فلمّا توفّي النبيّ صلّى اللَّه عليه و آله تنازعت سلطانه العرب ، فقالت قريش : نحن قبيلته و اسرته و أولياؤه ، و لا يحلّ لكم أن تنازعونا سلطان محمّد في النّاس و حقّه ، فرأت العرب أنّ القول كما قالت قريش ، و أنّ الحجّة لهم في
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 207 .
-----------
( 2 ) لم أظفر على من نقله عن الزبير بن بكار بل رواه المدائني كما نقل ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 10 ، و نقله الشارح نفسه عن المدائني في العنوان 5 من هذا الفصل .
[ 233 ]
ذلك على من نازعهم أمر محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فأنعمت لهم العرب ، و سلّمت ذلك ، ثمّ حاججنا نحن قريشا بمثل ما حاجّت به العرب ، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها ، إنّهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف و الاحتجاج ، فلمّا صرنا أهل بيت محمّد و أولياؤه إلى محاجّتهم و طلب النّصف منهم باعدونا ،
و استولوا بالاجتماع على ظلمنا و مراغمتنا ، و العنت منهم لنا ، فالموعد اللَّه و هو الولي النّصير ، و قد تعجبنا لتوثّب المتوثّبين علينا في حقّنا و سلطان نبيّنا صلّى اللَّه عليه و آله و إن كانوا ذوي فضيلة و سابقة في الإسلام ، فأمسكنا عن منازعتهم ، مخافة على الدّين أن يجد المنافقون و الأحزاب بذلك مغمزا يثلمونه به ، أو يكون لهم بذلك سبب لما أرادوا به من فساده ، فاليوم فليعجب المتعجّب من توثّبك يا معاوية على أمر لست من أهله ، لا بفضل في الدين معروف ، و لا أثر في الإسلام محمود ، و أنت ابن حزب من الأحزاب ، و ابن أعدى قريش للنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ،
و لكنّ اللَّه خيبك ، و سترد فتعلم لمن عقبى الدّار ، تاللَّه لتلقينّ عن قليل ربّك ، ثمّ ليجزينّك بما قدّمت يداك ، و ما اللَّه بظلاّم للعبيد .
إنّ عليّا رضوان اللَّه عليه لمّا مضى لسبيله رحمة اللَّه عليه يوم قبض و يوم منّ اللَّه عليه بالإسلام ، و يوم يبعث حيّا ولاّني المسلمون الأمر بعده ،
فأسأل اللَّه أن لا يزيدنا في الدّنيا الزّائلة شيئا ، ينقصنا به في الآخرة ممّا عنده من كرامته ، و إنّما حملني على الكتاب إليك الإعذار في ما بيني و بين اللَّه سبحانه و تعالى في أمرك ، و لك في ذلك إن فعلت الحظّ الجسيم ، و للمسلمين فيه صلاح ، فدع التمادي في الباطل ، و ادخل في ما دخل فيه النّاس من بيعتي ،
فإنّك تعلم أنّي أحقّ بهذا الأمر منك عند اللَّه و عند كلّ أوّاب حفيظ ، و من له قلب منيب ، و اتّق اللَّه ودع البغي ، و احقن دماء المسلمين ، فو اللَّه مالك من خير في أن تلقى اللَّه من دمائهم بأكثر ممّا أنت لاقيه به إلى أن قال في جواب معاوية لكتابه عليه السّلام : و ذكرت وفاة النّبيّ و تنازع المسلمين من بعده ، فرأيتك صرّحت
[ 234 ]
بتهمة أبي بكر الصّديق و عمر الفاروق ، و أبي عبيدة الأمين ، و حواري رسول اللَّه ، و صلحاء المهاجرين و الأنصار ، فكرهت ذلك لك ، فإنّك امرؤ عندنا و عند النّاس غير ظنين ، و لا المسيء و لا اللئيم ، و أنا احبّ لك القول السّديد و الذكر الجميل ، إنّ هذه الامّة لمّا اختلفت بعد نبيّها لم تجهل فضلكم ، و لا سابقتكم و لا قرابتكم من النّبيّ ، و لا مكانتكم في الإسلام و أهله ، فرأت الامّة أن تخرج من هذا الأمر لقريش لمكانها من نبيّها ، و رأى صلحاء النّاس من قريش و الأنصار و غيرهم ، من سائر النّاس و عامّتهم أن يولّوا هذا الأمر من قريش : أقدمها إسلاما و أعلمها باللَّه ، و أحبّها له ، و أقواها على أمر اللَّه ، فاختاروا أبا بكر ، و كان ذلك رأي ذوي الحجى و الدّين و الفضيلة و النّاظرين للامّة ، فأوقع ذلك في صدوركم لهم التّهمة ، و لم يكونوا متّهمين ، و لا في ما أتوا بالمخطئين ، و لو رأى المسلمون فيكم من يغني غناءه ، أو يقوم مقامه أو يذبّ عن حريم الإسلام ذبّه ما عدلوا بالأمر إلى غيره إلى أن قال و الحال في ما بيني و بينك اليوم مثل الحال الّتي كنتم عليها أنتم و أبو بكر بعد وفاة النّبيّ ، فلو علمت أنّك أضبط منّي للرّعيّة ، و أحوط على هذه الامّة و أحسن سياسة ، و أقوى على جمع الأموال ، و أكيد للعدّو ، لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ، و رأيتك لذلك أهلا . . . 1 .
و من هذا الكتاب و الجواب تعرف حقيقة الأمر في الباب ، و يكفيان في إتمام الحجّة لاولي الألباب .
و عن ( كامل المبرد ) : أنّ شاميّا رأى الحسن عليه السّلام فجعل يلعنه ،
و الحسن عليه السّلام لا يردّ ، فلمّا فرغ أقبل الحسن عليه السّلام إليه فسلّم عليه و ضحك ، فقال :
أيّها الشّيخ أظنّك غريبا ، و لعلّك شبّهت فلو استعتبتنا أعتبناك ، و لو سألتنا أعطيناك ، و لو استرشدتنا أرشدناك ، و لو استحملتنا حملناك ، و إن كنت جائعا
-----------
( 1 ) رواه أبو الفرج في المقاتل : 35 37 ، و المدائني عنه شرح ابن أبي الحديد 4 : 9 ، شرح الكتاب 31 .
[ 235 ]
أشبعناك ، و إن كنت عريانا كسوناك ، و إن كنت محتاجا أغنيناك ، و إن كنت طريدا آويناك ، و إن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حرّكت رحلك إلينا و كنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأنّ لنا موضعا رحبا ، و جاها عريضا ، و مالا كبيرا . فلمّا سمع الرّجل كلامه عليه السّلام بكى ثمّ قال : أشهد أنّك خليفة اللَّه في أرضه ، اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته 1 ، و كنت أنت و أبوك أبغض خلق اللَّه إليّ ، و الآن أنت أحبّ خلق اللَّه إليّ 2 .
« املكوا عنّي هذا الغلام لا يهدّني » روى المدائني عن زيد بن أرقم قال :
خرج الحسن عليه السّلام و هو صغير ، و عليه برد ، و النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يخطب ، فعثر فسقط ،
فقطع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله الخطبة و نزل مسرعا إليه و قد حمله النّاس ، فتسلمه و أخذه على كتفه و قال : إنّ الولد لفتنة ، لقد نزلت إليه و ما أدري ، ثمّ صعد فأتمّ الخطبة 3 .
و روى أبو نعيم في ( حليته ) عن أبي بكرة قال : كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يصلّي بنا ، فيجيء الحسن عليه السّلام و هو ساجد صبي صغير ، حتّى يصير على ظهره ،
فيرفعه رفعا رفيقا ، فلمّا صلّى صلاته قالوا : يا رسول اللَّه إنّك لتصنع بهذا الصّبي شيئا لا تصنعه بأحد . فقال : إنّ هذا ريحانتي . . . 4 .
و عن البراء قال : رأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله واضعا الحسن عليه السّلام على عاتقه ، فقال :
من أحبّني فليحبّه 5 .
و عن أبي هريرة قال : أتى الحسن عليه السّلام يوما يشتدّ حتّى قعد في حجر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، فجعل يقول بيديه هكذا في لحية النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يفتح فمه ،
-----------
( 1 ) الأنعام : 124 .
-----------
( 2 ) رواه عن كامل المبرد بهذا اللفظ ابن شهر آشوب في مناقبه 4 : 19 ، و رواية المبرد في الكامل 4 : 105 بلفظ أخصر .
-----------
( 3 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 10 ، شرح الكتاب 31 .
( 4 و 5 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 2 : 35 .
[ 236 ]
ثم يدخل فمه في فمه و يقول : اللّهمّ إنّي احبّه فأحبّه و أحبّ من يحبّه . يقولها ثلاث مرّات 1 .
و قال المسعودي : لمّا دفن الحسن عليه السّلام وقف محمّد بن الحنفية أخوه على قبره فقال : لئن عزّت حياتك ، لقد هدّت وفاتك ، و لنعم الرّوح روح تضمّنه كفنك ، و لنعم الكفن كفن تضمّن بدنك ، و كيف لا تكون هكذا و أنت عقبة الهدى ،
و خلف أهل التّقوى و خامس أصحاب الكساء ، غذتك بالتّقوى أكفّ الحقّ ،
و أرضعتك ثدي الإيمان ، و ربيّت في حجر الإسلام ، فطبت حيّا و ميّتا 2 .
و نقل أبو الفرج عن عمر بن بشير قال : قلت لأبي إسحاق : متى ذلّ النّاس ؟ قال : حين مات الحسن عليه السّلام ، و ادّعي زياد ، و قتل حجر بن عدي 3 .
« فإنّني أنفس » أي أضنّ و أبخل .
« بهذين يعني الحسن و الحسين عليهما السّلام » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب :
( الحسنين عليهما السّلام ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّيّة ) 4 .
« على الموت » روى الخطيب في ( نصر بن عليّ الجهضمي ) عن نصر عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى عن آبائه : أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أخذ بيد الحسن و الحسين ، فقال : من أحبّني ، و أحبّ هذين و أباهما و امّهما كان معي في درجتي يوم القيامة .
و قال : لمّا حدّث نصر بهذا الحديث أمر المتوكّل بضربه ألف سوط ، و كلّمه جعفر بن عبد الواحد ، و جعل يقول له : هذا الرّجل من أهل
-----------
( 1 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 2 : 35 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 428 .
-----------
( 3 ) المقاتل لأبي الفرج : 50 .
-----------
( 4 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3 : 9 ، و شرح ابن ميثم 4 : 14 مثل المصرية أيضا .
[ 237 ]
السنّة و لم يزل به حتّى تركه 1 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) عن ( صحيح البخاري ) : كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يعوّذ الحسن و الحسين فيقول : اعيذكما بكلمات اللَّه التّامة من كلّ شيطان و هامة ، و من كلّ عين لامة . و يقول : إنّ أباكما إبراهيم عليه السّلام كان يعوّذ بها إسماعيل و إسحاق 2 .
و عن ( فضائل أحمد بن حنبل ) : عن واثلة بن أسقع قال : أتيت فاطمة عليها السّلام أسألها عن عليّ عليه السّلام ، فقالت : توجّه إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . فجلست انتظره و إذا بالنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قد أقبل و معه عليّ و الحسن و الحسين عليهم السّلام ، قد أخذ بيد كلّ واحد منهما حتّى دخل الحجرة ، فأجلس الحسن عليه السّلام على فخذه اليمنى ،
و الحسين عليه السّلام على فخذه اليسرى ، و أجلس عليّا و فاطمة عليهما السّلام بين يديه ، ثمّ لفّ عليهم كساه أو ثوبه ، ثمّ قرأ : إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا ثم قال : اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي حقّا 3 .
و عن ( تفسير الثعلبي ) في قوله تعالى : مرج البحرين يلتقيان . بينهما برزخ لا يبغيان . فبأيّ آلاء ربّكما تكذّبان . يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان 4 . البحرين : عليّ و فاطمة عليهما السّلام و البرزخ : محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و اللّؤلؤ و المرجان : الحسن و الحسين عليهما السّلام 5 .
و في ( أمالي محمّد بن محمّد بن النّعمان ) : عن الجعابي مسندا عن جابر الأنصاري قال : خرج علينا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله آخذا بيد الحسن و الحسين عليهما السّلام ، فقال :
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 287 .
-----------
( 2 ) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 194 ، و أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 239 و غيره .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 223 ، 234 ، و نقل الأخير بتصرف ، و الآية 33 من سورة الأحزاب .
-----------
( 4 ) الرحمن : 19 22 .
-----------
( 5 ) تذكرة الخواص : 233 ، 234 ، و نقل الأخير بتصرف .
[ 238 ]
إنّ ابني هذين ربيتهما صغيرين ، و دعوت لهما كبيرين ، و سألت اللَّه تعالى لهما ثلاثا ، فأعطاني اثنتين و منعني واحدة : سألت اللَّه لهما أن يجعلهما طاهرين مطهّرين زكيّين ، فأجابني إلى ذلك ، و سألت اللَّه أن يقيهما و ذرّيتهما و شيعتهما النّار فأعطاني ذلك ، و سألت اللَّه أن يجمع الامّة على محبتهما فقال : يا محمّد إنّي قضيت قضاء ، و قدرت قدرا ، و إنّ طائفة من امّتك ستفي لك بذمّتك في اليهود و النّصارى و المجوس ، و سيخفرون ذمّتك في ولدك ، و إنّي أوجبت على نفسي لمن فعل ذلك ألاّ احلّه محلّ كرامتي ، و لا أسكنه جنّتي ، و لا أنظر إليه بعين رحمتي ، إلى يوم القيامة 1 .
و روى ابن ديزيل في ( صفّينه ) مسندا عن زيد بن أرقم قال : كنّا مع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و هو في الحجرة يوحى إليه ، و نحن ننتظره حتّى اشتدّ الحرّ ،
فجاء عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، و معه فاطمة و حسن و حسين عليهم السّلام ، فقعدوا في ظلّ حائط ينتظرونه ، فلمّا خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله رآهم فأتاهم ، و وقفنا نحن مكاننا ، ثمّ جاء إلينا و هو يظلّهم بثوبه ممسكا بطرف من الثّوب و عليّ ممسك بطرفه الآخر ، و هو يقول : اللّهمّ إنّي احبّهم فأحبّهم ، اللّهمّ إنّي سلم لمن سالمهم و حرب لمن حاربهم . فقال ذلك ثلاث مرّات 2 .
و روى الخطيب في ( طي بن اسماعيل ) : أنّ رجلا جاء إلى الحسن و الحسين فسألهما فقالا : إنّ المسألة لا تصلح إلاّ لثلاثة : لحاجة مجحفة ، أو لحمالة مثقلة ، أو دين فادح ، فأعطياه . ثمّ أتى ابن عمر فأعطاه و لم يسأله . فقال له الرجل : أتيت ابني عمّك فسألاني و أنت لم تسألني . فقال ابن عمر : أنبأنا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّهما كانا يغرّان العلم غرّا 3 .
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 78 ح 3 المجلس 9 .
-----------
( 2 ) نقله عن ابن ديزل في صفين ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 289 ، شرح الخطبة 48 .
-----------
( 3 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 9 : 366 .
[ 239 ]
و في ( المعجم ) : بينما ابن السّكّيت مع المتوكّل يوما جاء المعتزّ و المؤيّد ،
فقال له المتوكّل : أيّهما أحبّ إليك : ابناي هذان أم الحسن و الحسين عليهما السّلام ، فذكر ابن السّكّيت الحسن و الحسين عليهما السّلام بما هما أهله ، و سكت عن ابنيه ، و قيل : قال له : إنّ قنبرا خادم عليّ عليه السّلام أحبّ إليّ من ابنيك . فأمر المتوكّل الأتراك فسلّوا لسانه و داسوا بطنه ، و حمل إلى بيته ، فعاش يوما و بعض آخر ، و مات في سنة ( 243 ) 1 .
و روى ( أمالي ابن الشيخ ) عن الحسين بن زيد قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن سنّ جدّنا عليّ بن الحسين عليهما السّلام فقال : أخبرني أبي عن أبيه قال :
كنت أمشي خلف عمّي الحسن و أبي الحسين عليهما السّلام في بعض طرقات المدينة ،
في العام الّذي قبض فيه عمّي ، و أنا يومئذ غلام لم اراهق أو كدت ، فلقيهما جابر بن عبد اللَّه ، و أنس بن مالك في جماعة من قريش و الأنصار ، فما تمالك جابر حتّى أكبّ على أيديهما و أرجلهما يقبّلها . فقال رجل من قريش كان نسيبا لمروان لجابر : أتصنع هذا و أنت في سنّك هذا ، و موضعك من صحبة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ؟ و كان جابر شهد بدرا فقال له : إليك عنّي ، فلو علمت يا أخا قريش من فضلهما ما أعلم لقبّلت ما تحت أقدامهما من التراب . ثمّ أقبل جابر على أنس فقال له : أخبرني النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيهما بأمر ما ظننت أنّه يكون في بشر .
قال له أنس : و بماذا أخبرك ؟ قال عليّ بن الحسين عليه السّلام : فانطلق الحسن و الحسين عليهما السّلام ، و بقيت أنا أسمع محاورة القوم ، فأنشأ جابر يحدّث ، قال :
بينما النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ذات يوم في المسجد ، و قد حفّ بمن حوله إذ قال لي : ادع لي حسنا و حسينا . و كان شديد الكلف بهما ، فانطلقت فدعوتهما ، و أقبلت أحمل هذا مرّة ، و هذا اخرى ، حتّى جئت بهما إليه ، فقال لي و أنا أعرف السّرور في
-----------
( 1 ) معجم الأدباء للحموي 20 : 50 بفرق يسير .
[ 240 ]
وجهه لما رأى من تكريمي لهما أتحبّهما ؟ قلت : و ما يمنعني من ذلك ، و أنا أعرف مكانهما منك ؟ قال : أفلا اخبرك عن فضلهما ؟ قلت : بلى بأبي أنت و امّي .
قال : إنّ اللَّه تعالى لمّا أحبّ أن يخلقني خلقني نطفة بيضاء طيّبة ، فأودعها صلب أبي آدم عليه السّلام ، فلم يزل ينقلها من صلب طاهر إلى رحم طاهر إلى عبد المطّلب ،
ثمّ افترقت تلك النطفة شطرين إلى عبد اللَّه و أبي طالب ، فولدني أبي ، فختم اللَّه بي النبوّة ، و ولد عليّ فختم اللَّه به الوصيّة ، ثمّ اجتمعت النّطفتان منّي و من عليّ فولدنا الجهر و الجهير الحسنان ، فختم بهما أسباط النّبوّة ، و جعل ذريّتي منهما ، و من ذريّة هذا و أشار إلى الحسين عليه السّلام رجل يخرج في آخر الزّمان ،
يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما و جورا ، فهما طاهران مطهّران ، و هما سيّدا شباب أهل الجنّة ، طوبى لمن أحبّهما و أباهما و امهما ، و ويل لمن حاربهم و أبغضهم 1 .
قلت : و من هو ان الدّنيا أن يقتل مثلهما يزيد السكّير القمّير ، أمّا الحسين عليه السّلام فمعلوم ، و أمّا الحسن عليه السّلام ففي ( مقاتل أبي الفرج ) : أنّ معاوية لمّا أراد البيعة لابنه يزيد لم يكن شيء أثقل عليه من أمر الحسن عليه السّلام و سعد بن أبي وقاص ، فدسّ إليهما سمّا فماتا منه 2 .
قلت : و وجه ثقل سعد عليه أنّه لو كان بايع لابنه في حياته كان سعد يقول له : أنا من ستّة شورى عمر ، و أنا أحقّ من ابنك بالبيعة لي . و أمّا الحسن عليه السّلام فمع أنّه كانت خلافة جدّه حقّه كان معاوية عاهده عليه السّلام على أن يردّ الأمر بعده إليه .
و في ( مقاتل أبي الفرج ) أيضا : أنّ معاوية أرسل إلى ابنة الأشعث زوجة
-----------
( 1 ) أمالي أبي علي الطوسي 2 : 113 المجلس 18 .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 47 .
[ 241 ]
الحسن عليه السّلام : أنّي مزوّجك بيزيد ابني ، على أن تسمّي الحسن بن علي . و بعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت و سمّت الحسن عليه السّلام ، فسوّغها المال و لم يزوّجها منه ، فخلّف عليها رجل من آل طلحة فأولدها ، فكان إذا وقع بينهم و بين بطون قريش كلام عيّروهم ، و قالوا : يا بني مسمّة الأزواج 1 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا كتب عامل المدينة إلى معاوية بموت الحسن عليه السّلام أظهر فرحا و سرورا حتّى سجد ، و سجد من كان معه ، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن عباس و كان بالشّام يومئذ فدخل على معاوية ، فلمّا جلس قال معاوية : يابن عباس هلك الحسن بن علي . فقال ابن عبّاس : نعم هلك ، . . . إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون 2 ترجيعا مكرّرا ، و قد بلغني الّذي أظهرت من الفرح و السّرور بوفاته ، أما و اللَّه ما سدّ جسده حفرتك ، و لا زاد نقصان أجله في عمرك ، و لقد مات و هو خير منك ، و لئن اصبنا به لقد اصبنا بمن كان خيرا منه :
جدّه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، فجبر اللَّه مصيبته ، و خلّف علينا من بعده أحسن الخلافة .
ثمّ شهق ابن عبّاس و بكى ، و بكى من حضر في المجلس ، و بكى معاوية . قال الرّاوي : فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم . فقال معاوية : بلغني أنّه ترك بنين صغارا . فقال ابن عبّاس : كلّنا كان صغيرا فكبر . قال معاوية : كم أتى له من العمر ؟ فقال ابن عبّاس : أمر الحسن عليه السّلام أعظم من أن يجهل أحد مولده .
فسكت معاوية يسيرا ، ثم قال : يابن عباس أصبحت سيّد قومك من بعده . فقال ابن عبّاس : أما ما أبقى اللَّه أبا عبد اللَّه الحسين فلا 3 .
و روى الطبري عن عائشة بنت سعد ، قالت : حدّ نساء بني هاشم على
-----------
( 1 ) المقاتل لأبي الفرج : 48 .
-----------
( 2 ) البقرة : 156 .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 175 .
[ 242 ]
الحسن بن علي عليه السّلام سنة . و عن ام بكر بنت المسور : أقام نساء بني هاشم النّوح عليه عليه السّلام شهرا . و روي عن أبي جعفر عليه السّلام ، قال : مكث النّاس يبكون على الحسن بن علي عليه السّلام سبعا ما تقوم الأسواق . و روي عن ثعلبة بن أبي مالك .
قال : دفنّاه عليه السّلام بالبقيع ، و لقد رأيت البقيع و لو طرحت فيها إبرة ما وقع إلاّ على رأس إنسان 1 .
و روى أبو الفرج عن الحسن عليه السّلام قال : لقد سقيت السمّ مرارا ، ما سقيته مثل هذه المرّة ، و لقد لفظت قطعة من كبدي ، فجعلت اقلّبها بعود معي إلى أن قال و قد كان أوصى أن يدفن مع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فمنع مروان بن الحكم من ذلك ،
و ركبت بنو امية في السّلاح ، و جعل مروان يقول : « يا ربّ هيجاء هي خير من دعة » أ يدفن عثمان في أقصى البقيع ، و يدفن الحسن في بيت النّبيّ ؟ و اللَّه لا يكون ذلك أبدا و أنا أحمل السيف إلى أن قال قال يحيى بن الحسن : و سمعت عليّ بن طاهر بن زيد يقول : لمّا أرادوا دفنه ركبت عايشة بغلا ، و استنفرت بني امية : مروان بن الحكم و من كان هناك منهم و من حشمهم ، و هو قول القائل :
فيوما على بغل و يوما على جمل 2
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) قال الواقدي : إنّ مروان لمّا منع من دفن الحسن عليه السّلام مع جدّه قال أبو هريرة : لو مات ابن لموسى أما كان يدفن مع أبيه 3 ؟
و روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) عن زيد بن بدر قال : بعث عبيد اللَّه بن عمر إلى الحسن عليه السّلام فقال : إنّ لي إليك حاجة فالقني . فلقيه ، فقال له عبيد اللَّه :
-----------
( 1 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 19 ، و النقل بتقديم و تأخير .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 48 ، 49 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص لابن الجوزي : 213 .
[ 243 ]
إنّ أباك قد وتر قريشا أوّلا و آخرا ، و قد شنؤوه ، فهل لك أن تخلفه ، و نوليّك هذا الأمر ؟ قال : كلاّ و اللَّه لا يكون ذلك . ثم قال له الحسن عليه السّلام : لكأنّي أنظر إليك مقتولا في يومك أو غدك ، أما إنّ الشيطان قد زيّن لك و خدعك حتّى أخرجك مخلّقا بالخلوق ، ترى نساء أهل الشّام موقفك ، و سيصرعك اللَّه و يبطحك لوجهك قتيلا . قال : فو اللَّه ما كان إلاّ كيومه أو كالغد و كان القتال ، فخرج عبيد اللَّه في كتيبة رقطاء و هي الخضرية ، كانوا أربعة آلاف عليهم ثياب خضر و نظر الحسن عليه السّلام فإذا هو برجل متوسد رجل قتيل ، قد ركز رمحه في عينه ، و ربط فرسه برجله . فقال الحسن لمن معه : انظروا من هذا ، فاذا هو برجل من همدان ،
و إذا القتيل عبيد اللَّه ، قد قتله و بات عليه حتّى أصبح 1 .
و روى ( ذيل الطبري ) عن أبي المهزّم قال : كنّا مع أبي هريرة في جنازة ،
فلمّا رجعنا أعيى الحسين عليه السّلام صعد ، فجعل أبو هريرة ينفض التّراب عن قدميه بثوبه ، فقال له الحسين عليه السّلام : أنت يا أبا هريرة تفعل هذا ؟ قال : دعني منك ، فلو يعلم النّاس منك ما أعلم لحملوك على عواتقهم 2 .
و روى ( الاستيعاب ) عن أبي هريرة قال : أبصرت عيناي هاتان و سمعت اذناي النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و هو آخذ بكفّيّ الحسين عليه السّلام ، و قدماه على قدم النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و هو يقول : ترقّ عين بقة فرقى الغلام ، حتّى وضع قدميه على صدر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، ثمّ قال له النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : افتح فاك . ثمّ قبّله ، ثمّ قال : اللّهمّ أحبّه فإنّي احبّه 3 .
و عن ابن عبّاس قال : رأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في ما يرى النّائم نصف النّهار ،
-----------
( 1 ) وقعة صفين لابن مزاحم : 297 .
-----------
( 2 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 25 .
-----------
( 3 ) الاستيعاب لابن عبد البر 1 : 380 ، 382 .
[ 244 ]
و هو قائم أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم ، فقلت : بأبي أنت و امّي يا رسول اللَّه ما هذا ؟ قال : هذا دم الحسين عليه السّلام لم أزل ألتقطه منذ اليوم . فوجد قد قتل في ذلك اليوم 1 .
و روى ( اسد الغابة ) بأسانيد عن إسماعيل بن رجاء عن أبيه قال : كنت في مسجد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، في حلقة فيها أبو سعيد الخدري و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فمرّ بنا حسين بن علي عليه السّلام فسلّم ، فردّ القوم السّلام ، فسكت عبد اللَّه حتّى فرغوا فرفع صوته و قال : و عليك السّلام و رحمة اللَّه و بركاته . ثمّ أقبل على القوم فقال : ألا اخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء ؟ قالوا : بلى . قال :
هو هذا الماشي ، ما كلّمني كلمة منذ ليالي صفّين ، و لأن يرضى عنّي أحبّ إليّ من أن يكون لي حمر النّعم . فقال أبو سعيد : ألا تعتذر إليه . قال : بلى . إلى أن قال فقال له الحسين عليه السّلام : أعلمت يا عبد اللَّه أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السّماء ؟ قال : أي و ربّ الكعبة . قال : فما حملك على أن تقاتلني و أبي يوم صفّين ؟ فو اللَّه لأبي كان خيرا منّي . قال : أجل و لكن عمرا أي : أباه شكاني إلى النّبيّ الخبر 2 في عذره الباطل .
و روى مصعب الزّبيري في ( نسب قريشه ) : أنّ ابن عمر قال في رجل من أهل العراق سأله عن دم البعوض في ثوبه : انظروا هذا يسألني عن دم البعوض ، و قد قتلوا ابن رسول اللَّه ، و قد سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : الحسن و الحسين هما ريحانتي من الدّنيا . قال مصعب : و حجّ الحسين عليه السّلام خمسا و عشرين حجّة ماشيا 3 .
-----------
( 1 ) الاستيعاب لابن عبد البر 1 : 380 ، 382 .
-----------
( 2 ) اسد الغابة لابن الأثير 3 : 234 .
-----------
( 3 ) نسب قريش للزبيري : 25 .
[ 245 ]
أهل العراق سأله عن دم البعوض في ثوبه : انظروا هذا يسألني عن دم البعوض ، و قد قتلوا ابن رسول اللَّه ، و قد سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : الحسن و الحسين هما ريحانتي من الدّنيا . قال مصعب : و حجّ الحسين عليه السّلام خمسا و عشرين حجّة ماشيا 1 .
و روى ( تاريخ الطبري ) عن حميد بن مسلم قال : دخلت على ابن زياد فإذا رأس الحسين عليه السّلام موضوع بين يديه ، و إذا هو ينكت بقضيب بين ثنيتيه ساعة ، فلمّا رآه زيد بن أرقم لا ينجم عن نكته بالقضيب قال له : اعل بهذا القضيب عن هاتين الثنيتين ، فو اللَّه الّذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول اللَّه على هاتين الشّفتين يقبّلهما . ثم انفضخ الشّيخ يبكي . فقال له ابن زياد : أبكى اللَّه عينيك ، فو اللَّه لو لا أنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك لضربت عنقك 2 .
و رواه سبط ابن الجوزي و زاد : فقال زيد لابن زياد : لأحدّثنك حديثا أغلظ من هذا ، رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أقعد حسنا على فخذه اليمنى ، و حسينا على فخذه اليسرى ، ثمّ وضع يده على يافوخيهما ثم قال : اللّهمّ إنّي أستودعك إيّاهما و صالح المؤمنين . فكيف كانت وديعة رسول اللَّه عندك يابن زياد ؟ 3 .
و روى الطّبري أيضا عن القاسم بن بخيت قال : أذن يزيد للنّاس فدخلوا و الرّأس بين يديه ، و مع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره ، ثمّ قال : إنّ هذا و إيّانا كما قال الحصين بن حمّام المرّي :
يفلّقن هاما من رجال أحبّة
إلينا و هم كانوا أعقّ و أظلما
فقال رجل من أصحاب النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يقال له : أبو برزة الأسلمي : أتنكت
-----------
( 1 ) نسب قريش للزبيري : 25 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 439 السنة 61 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص لابن الجوزي : 257 .
[ 246 ]
بقضيبك في ثغر الحسين عليه السّلام ؟ أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذا لربما رأيت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يرشفه 1 .
و روى الطّبري عن حصين بن عبد الرّحمن قال : لمّا قتل الحسين عليه السّلام لبثوا شهرين أو ثلاثة ، كأنّما تلطخ الحوائط بالدّماء ساعة تطلع الشّمس حتّى ترتفع 2 .
و روى في ( ذيل تاريخه ) عن شيخ من النّخع قال : قال الحجاج : من كان له بلاء فليقم . فقام قوم فذكروا ، و قام سنان بن أنس فقال : أنا قاتل الحسين .
فقال : بلاء حسن ، و رجع إلى منزله ، فاعتقل لسانه و ذهب عقله ، فكان يأكل و يحدث مكانه 3 .
و روى ثعلب في أوّل الثاني من ( مجالسه ) عن أبي جناب الكلبي قال :
أتيت كربلا ، فقلت لرجل من أشراف العرب بها : بلغنا أنّكم تسمعون نوح الجنّ ؟ قال : ما تلقى حرّا و لا عبدا إلاّ أخبرك أنّه سمع ذلك . قلت : فأخبرني ما سمعت أنت ؟ قال : سمعتهم يقولون :
مسح الرّسول جبينه
فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش
جدّه خير الجدود 4
و عن السّدي قال : أتيت كربلا أبيع البرّ بها ، فعمل لنا شيخ من طي طعاما فتعشينا عنده ، فذكرنا قتل الحسين عليه السّلام ، فقلت : ما شرك في قتله أحد إلاّ مات بأسوأ ميتة . فقال : ما أكذبكم يا أهل العراق فأنا فيمن شرك في ذلك . فلم يبرح حتّى دنا من المصباح و هو يتّقد بنفط ، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه ، فأخذت
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 356 سنة 61 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 296 سنة 60 ، و أنساب البلاذري 3 : 209 ح 53 و غيرهما .
-----------
( 3 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 25 .
-----------
( 4 ) مجالس ثعلب 2 : 407 .
[ 247 ]
النّار فيها ، فأخذ يطفئها بريقه ، فأخذت النار في لحيته ، فعدا فألقى نفسه في الماء ، فرأيته كأنّه حممة 1 .
و روى الطبري عن حميد بن مسلم قال : قال عبد اللَّه بن أبي حصين الأزدي للحسين عليه السّلام : ألا تنظر إلى الماء كأنّه كبد السّماء ، و اللَّه لا تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا . فقال الحسين عليه السّلام : اللّهمّ اقتله عطشا ، و لا تغفر له أبدا . قال حميد بن مسلم : و اللَّه لعدته بعد ذلك في مرضه ، فو اللَّه الّذي لا إله إلاّ هو لقد رأيته يشرب حتّى يبغر ثمّ يقيء ، ثمّ يعود فيشرب حتّى يبغر ، فما يروى ،
فما زال ذلك دأبه حتّى لفظ غصّته . يعني نفسه 2 .
و عن القاسم بن أصبغ بن نباتة ، قال : حدّثني من شهد الحسين عليه السّلام في عسكره : أنّ حسينا حين غلب على عسكره ركب المسناة يريد الفرات ، فقال رجل من بني أبان بن دارم : ويلكم حولوا بينه و بين الماء لا تتامّ إليه شيعته .
و ضرب فرسه ، و اتبعه النّاس حتّى حالوا بينه و بين الفرات ، فقال الحسين عليه السّلام : اللهمّ أظمه إلى أن قال فو اللَّه إن مكث الرّجل إلاّ يسيرا حتّى صبّ اللَّه عليه الظّمأ ، فجعل لا يروى . قال القاسم بن الأصبغ : لقد رأيتني في من يروّح عنه ، و الماء يبرّد له فيه السّكر ، و عساس فيها اللبن ، و قلال فيها الماء ،
و إنّه ليقول : ويلكم اسقوني قتلني الظمأ فيعطى القلّة أو العسّ كان مرويا أهل بيت فيشربه ، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة ، ثمّ يقول : ويلكم اسقوني قتلني الظمأ . فو اللَّه ما لبث إلاّ يسيرا حتّى انقدّ بطنه ، انقداد بطن البعير 3 .
و روى عن مسروق بن وائل قال : كنت في أوائل الخيل ممّن سار إلى الحسين عليه السّلام ، فقلت : أكون في أوائلها لعلّي اصيب رأس الحسين ،
-----------
( 1 ) مجالس ثعلب 2 : 407 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 312 ، 343 سنة 61 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 312 ، 343 سنة 61 .
[ 248 ]
فاصيب به منزلة عند عبيد اللَّه بن زياد ، فلمّا انتهينا إلى الحسين تقدّم رجل من القوم يقال له : ابن حوزة فقال : أفيكم حسين ؟ فسكت الحسين ،
فقالها ثانية ، فسكت حتّى إذا كانت الثّالثة قال : قولوا : نعم ، هذا حسين ،
فما حاجتك ؟ قال : يا حسين أبشر بالنّار . قال : كذبت ، بل أقدم على ربّ غفور ،
و شفيع مطاع ، فمن أنت ؟ قال : ابن حوزة . فرفع الحسين يديه حتّى رأينا بياض إبطيه من فوق الثّياب ، ثمّ قال : اللّهمّ حزه إلى النّار . فغضب ابن حوزة ،
فذهب ليقحم إليه الفرس و بينه و بينه نهر فعلقت قدمه بالرّكاب ، و جالت به الفرس فسقط عنها ، فانقطعت قدمه و ساقه و فخذه ، و بقي جانبه الآخر متعلّقا بالرّكاب . قال عبد الجار أخو مسروق فرجع مسروق و ترك الخيل من ورائه ، فسألته فقال : لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئا لا اقاتلهم أبدا 1 .
و عن عفيف بن زهير و كان قد شهد مقتل الحسين عليه السّلام قال : و خرج يزيد بن معقل فقال يا برير بن حضير : كيف ترى اللَّه صنع بك ؟ قال : صنع اللَّه و اللَّه بي خيرا ، و صنع اللَّه بك شرّا . قال : كذبت ، و قبل اليوم ما كنت كذّابا ، هل تذكر و أنا اماشيك في بني لو ذان و أنت تقول : إنّ عثمان بن عفان كان على نفسه مسرفا ، و إنّ معاوية بن أبي سفيان ضالّ مضلّ ، و إنّ إمام الهدى و الحقّ عليّ بن أبي طالب ؟ فقال له برير : أشهد أنّ هذا رأيي و قولي . فقال له يزيد : فإنّي أشهد أنّك من الضّالّين . فقال له برير : هل لك فلاباهلك ، و لندع اللَّه أن يلعن الكاذب ، و أن يقتل المبطل إلى أن قال ثمّ برز كلّ واحد منهما لصاحبه ،
فاختلفا ضربتين ، فضرب يزيد بريرا ضربة خفيفة لم تضرّه شيئا ، و ضربه برير ضربة قدّت المغفر و بلغت الدّماغ ، فخرّ كأنّما هوى من حالق ، و إنّ سيف
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 328 سنة 61 .
[ 249 ]
بن حضير لثابت في رأسه ، فكأنّي أنظر إليه ينضنضه من رأسه 1 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) عن مورع بن سعيد بن قيس قال : حدّثنا من شهد الحسين عليه السّلام ، قال : كان معه ابنه الصّغير ، فجاء سهم فوقع في نحره ،
فجعل الحسين عليه السّلام يأخذ الدّم من نحره و لبّته فيرمي به إلى السّماء ، فما يرجع منه شيء و يقول : اللّهم لا يكون أهون عليك من فصيل . . . 2 و عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة قال : رأيت رجلا من بني أبان بن دارم أسود الوجه ، و كنت أعرفه جميلا شديد البياض ، فقلت له : ما كدت أعرفك قال :
إنّي قتلت شابّا أمرد مع الحسين عليه السّلام ، بين عينيه أثر السّجود ، فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني ، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم ، فيدفعني فيها ، فأصيح فما يبقى أحد في الحيّ إلاّ سمع صياحي . قال : و المقتول العبّاس بن عليّ 3 .
و روى الطبري عن حميد بن مسلم قال : لمّا بقي الحسين عليه السّلام في ثلاثة رهط أو أربعة دعا بسراويل محققة ، يلمع فيها البصر يماني محقق ففرزه و نكثه لكيلا يسلبه . قال : فلمّا قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إيّاه فتركه مجرّدا إلى أن قال : إنّ يديه كانتا في الشّتاء ينضحان الماء ، و في الصيف ييبسان كأنّهما عود 4 .
و روى عن حميد بن مسلم أنّ الحسين عليه السّلام مكث طويلا من النّهار ، كلّما انتهى إليه رجل من النّاس انصرف عنه و كره أن يتولّى قتله و عظيم إثمه عليه ،
و إنّ رجلا من كندة يقال له : مالك بن النّسير من بني بدّاء ، أتاه فضربه على رأسه بالسيف و عليه برنس له فقطع البرنس ، و أصاب السّيف رأسه فأدمى
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 328 سنة 61 .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 59 .
-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 78 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 4 : 245 ، 342 ، 347 سنة 61 و النقل بتقطيع .
[ 250 ]
رأسه ، فامتلأ البرنس دما ، فقال له الحسين عليه السّلام : لا أكلت بها و لا شربت ،
و حشرك اللَّه مع الظالمين . قال : فذكر أنّه لم يزل فقيرا بشرّ حتى مات 1 .
و روى عن حميد أيضا أنّ عمر بن سعد لمّا نادى من ينتدب للحسين انتدب عشرة ، منهم إسحاق بن حياة الحضرمي و هو الّذي سلب قميص الحسين عليه السّلام فبرص بعد و أحبش بن مرثد بن علقمة بن سلامة الحضرمي ،
فأتوا فداسوا الحسين عليه السّلام بخيولهم ، حتّى رضوا ظهره و صدره ، فبلغني أنّ أحبش بن مرثد أتاه بعد ذلك بزمان ، أتاه سهم غرب و هو واقف في قتال ، ففلق قلبه فمات 2 .
و روى عن نوار بنت مالك بن عقرب الحضرميّة امرأة خولى و كانت ليلتها منه قالت : أقبل خولى برأس الحسين عليه السّلام ، فوضعه تحت إجّانة في منزله لمّا وجد باب القصر مغلقا ، قلت له : جئت برأس ابن رسول اللَّه ؟ لا و اللَّه لا يجمع رأسي و رأسك ببيت أبدا . فقمت من فراشي ، فخرجت إلى الدّار ، فدعا الأسدية امرأته الاخرى ، و جلست أنظر ، فو اللَّه ما زلت أنظر إلى نور يسطع مثل العمود من السّماء إلى الإجّانة ، و رأيت طيرا بيضا ترفرف حولها 3 .
و روى عن عمرو بن عكرمة قال : أصبحنا صبيحة قتل الحسين عليه السّلام بالمدينة ، فإذا مولى لنا يحدّثنا ، قال : سمعت البارحة مناديا و هو يقول :
أيها القاتلون جهلا حسينا
أبشروا بالعذاب و التّنكيل
كلّ أهل السّماء يدعو عليكم
من نبيّ و ملك و قبيل
قد لعنتم على لسان ابن داو
د و موسى و حامل الإنجيل 4
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 245 ، 342 ، 347 سنة 61 و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 245 ، 342 ، 347 سنة 61 و النقل بتقطيع .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 348 سنة 61 ، و مقتل الحسين لأبي مخنف : 142 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 4 : 358 سنة 61 .
[ 251 ]
و رواه السّبط عن هشام الكلبي ، و زاد : فكانوا يرون أنّه بعض الملائكة ،
و قد أكثر النّاس فيها 1 .
و في ( تذكرة السّبط ) عن ( سيرة ابن هشام ) مسندا قال : لمّا أنفذ ابن زياد رأس الحسين عليه السّلام إلى يزيد مع الاسارى موثقين في الحبال ، منهم نساء و صبيان و صبيات من بنات الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله على أقتاب الجمال ، موثقين مكشفات الوجوه و الرّؤوس ، كلّما نزلوا منزلا أخرجوا الرأس من صندوق أعدّوه له ، فوضعوه على رمح و حرسوه طول الليل إلى وقت الرّحيل ، ثمّ يعيدونه إلى الصندوق و يرحلون ، فنزلوا بعض المنازل ، و في ذلك المنزل دير فيه راهب ، فأخرجوا الرّأس على عادتهم ، و وضعوه على الرّمح ، و حرسه الحرس على عادته ، و أسندوا الرّمح إلى الدّير ، فلمّا كان في نصف الليل رأى الرّاهب نورا من مكان الرّأس إلى عنان السماء ، فأشرف على القوم ، و قال : من أنتم ؟ قالوا : نحن أصحاب ابن زياد . قال : و هذا رأس من ؟ قالوا : رأس الحسين بن علي بن أبي طالب بن فاطمة بنت الرّسول . قال : نبيّكم ؟ قالوا : نعم . قال : بئس القوم أنتم ، لو كان للمسيح ولد لأسكنّاه أحداقنا . ثمّ قال : هل لكم في شيء ؟
قالوا : و ما هو ؟ قال : عندي عشرة آلاف دينار تأخذونها و تعطوني الرّأس يكون عندي تمام اللّيلة ، و إذا رحلتم تأخذونه . قالوا : و ما يضرّنا ؟ قال : فناولوه الرّأس و ناولهم الدّنانير ، فأخذه الرّاهب فغسله و طيّبه و تركه على فخذه ، و قعد يبكي اللّيل كلّه ، فلمّا أسفر الصّبح قال : يا رأس لا أملك إلاّ نفسي ، و أنا أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه ، و أنّ جدّك محمّدا رسول اللَّه ، و اشهد اللَّه أنّني مولاك و عبدك . ثمّ خرج عن الدّير و ما فيه ، و صار يخدم أهل البيت ، ثمّ إنّهم أخذوا الرّأس و ساروا فلمّا قربوا من دمشق قال بعضهم لبعض : تعالوا حتّى نقسّم الدّنانير ، لا يراها
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 207 .
[ 252 ]
يزيد فيأخذها منّا ، فأخذوا الأكياس و فتحوها ، فإذا الدّنانير قد تحوّلت خزفا ،
و على أحد جانبي الدّينار مكتوب : و لا تحسبنّ اللَّه غافلا عمّا يعمل الظالمون . . . 1 ، و على الجانب الآخر . . . و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون 2 . فرموها في بردى ( نهر بدمشق ) 3 .
و فيه مسندا عن مروان بن الوضين ، قال : نحرت الإبل الّتي حمل عليها رأس الحسين عليه السّلام و أصحابه ، فلم يستطيعوا أكل لحومها ، كانت أمرّ من الصّبر 4 .
و فيه حكى الزّهري عن امّ سلمة قالت : ما سمعت نواح الجنّ إلاّ في الليلة الّتي قتل فيها الحسين عليه السّلام ، سمعت قائلا يقول :
ألا يا عين فاختلفي بجهد
و من يبكي على الشّهداء بعدي
على رهط تقودهم المنايا
إلى متجبّر في ثوب عبد
فعلمت أنّ قد قتل الحسين عليه السّلام .
و قال الشّعبي : سمع أهل الكوفة قائلا يقول في الليل :
أبكي قتيلا بكربلا
مضرّج الجسم بالدّماء
أبكي قتيل الطّغاة ظلما
بغير جرم سوى الوفاء
أبكي قتيلا بكى عليه
من ساكن الأرض و السّماء
هتك أهلوه و استحلّوا
ما حرّم اللَّه في الإماء
يا بأبي جسمه المعرّى
إلاّ من الدّين و الحياء
-----------
( 1 ) إبراهيم : 42 .
-----------
( 2 ) الشعراء : 227 .
-----------
( 3 ) نقله سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 263 عن سيرة ابن هشام ، و لكنه لم يوجد في السيرة ، و يبعد جدّا كونه فيه ، إذ لم يتعلق موضوعه بسيرة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .
-----------
( 4 ) تذكرة الخواص : 267 ، 269 ، 273 ، 274 .
[ 253 ]
كلّ الرزايا لها عزاء
و ما لهذا الرزا عزاء
و قال الزّهري : ناحت عليه الجنّ فقالت :
خير نساء الجن يبكين شجيات
و يلطمن خدودا كالدّنانير نقيّات
و يلبسن ثياب السود بعد القصبيات 1
و قال : ذكر ابن سعد في ( الطبقات ) : أنّ هذه الحمرة لم تر في السّماء قبل أن يقتل الحسين عليه السّلام 2 . و قال ابن سيرين : لمّا قتل الحسين أظلمت الدّنيا ثلاثة أيّام ، ثمّ ظهرت هذه الحمرة 3 .
و روى مسندا عن هلال بن ذكوان قال : لمّا قتل الحسين عليه السّلام مكثنا شهرين أو ثلاثة كأنّما لطخت الحيطان بالدّم ، من صلاة الفجر إلى غروب الشمس ، و خرجنا في سفر فمطرنا مطرا بقي أثره في ثيابنا مثل الدّم 4 .
و قال ابن سعد : ما رفع حجر في الدّنيا إلاّ و تحته دم عبيط ، و لقد مطرت السّماء دما ، بقي أثره في الثّياب مدّة حتّى تقطّعت 5 .
و قال ابن سيرين : وجد حجر قبل مبعث النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بخمسمائة سنة عليه مكتوب بالسّريانية ، فنقلوه إلى العربية ، فإذا هو :
أ ترجو امّة قتلت حسينا
شفاعة جدّه يوم الحساب 6
و قال سليمان بن يسار : وجد حجر عليه مكتوب :
لا بد أن ترد القيامة فاطمه
و قميصها بدم الحسين ملطّخ
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه
و الصّور في يوم القيامة ينفخ 7
و قال الزّهري : ما بقي منهم ( ظالميه و قاتليه ) أحد إلاّ و عوقب في الدّنيا ،
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 267 ، 269 ، 273 ، 274 .
( 2 و 3 و 4 ) تذكرة الخواص : 267 ، 269 ، 273 ، 274 .
( 5 و 6 و 7 ) تذكرة الخواص : 274 .
[ 254 ]
إمّا بالقتل ، أو العمى ، أو سواد الوجه ، أو زوال الملك في مدّة يسيرة 1 .
و حكى الواقدي عن ابن الرّماح قال : كان بالكوفة شيخ أعمى قد شهد قتل الحسين عليه السّلام ، فسألناه يوما عن ذهاب بصره ، فقال : كنت في القوم و كنّا عشرة ، غير أنّي لم أضرب بسيف ، و لم أطعن برمح ، و لا رميت بسهم ، فلمّا قتل الحسين عليه السّلام و حمل رأسه رجعت إلى منزلي ، و أنا صحيح و عيناي كأنّهما كوكبان ، فنمت تلك الليلة فأتاني آت في المنام ، فقال : أجب رسول اللَّه . قلت :
مالي و لرسول اللَّه ؟ فأخذ بيدي و انتهرني و لزم تلبابي ، و انطلق بي إلى مكان فيه جماعة ، و النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله جالس و هو مغتمّ متحيّر حاسر عن ذراعيه ، و بيده سيف ، و بين يديه نطع ، و إذا أصحابي العشرة مذبّحين بين يديه ، فسلّمت عليه ،
فقال : لا سلّم اللَّه عليك ، و لا حيّاك يا عدوّ اللَّه الملعون ، أما استحييت منّي تهتك حرمتي ، و تقتل عترتي ، و لم ترع حقّي ؟ قلت : يا رسول اللَّه ما قاتلت . قال : نعم ،
و لكنّك كثّرت السّواد . قال : و أذن بطست عن يمينه فيه دم الحسين عليه السّلام ، فقال :
اقعد . فجثوت بين يديه ، فأخذ مرودا و أحماه ، ثمّ كحل به عيني ، فأصبحت أعمى كما ترون 2 .
و حكى هشام بن محمّد عن القاسم بن الأصبغ المجاشي قال : لمّا اتي بالرّؤوس إلى الكوفة ، إذا بفارس أحسن النّاس وجها ، قد علق في لبب فرسه رأس غلام أمرد كأنّه القمر ليلة تمامه ، و الفرس يمرح ، فإذا طأطأ رأسه لحق الرّأس بالأرض . فقلت له : رأس من هذا ؟ فقال : هذا رأس العبّاس بن عليّ . قلت :
و من أنت ؟ قال : حرملة بن كاهل الأسدي . فلبثت أيّاما و إذا بحرملة و وجهه أشد سوادا من القار . فقلت له : لقد رأيتك يوم حملت الرّأس ، و ما في العرب أنضر
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 280 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 281 .
[ 255 ]
وجها منك ، و ما أرى اليوم أقبح و أسود وجها منك ؟ فبكى ، و قال : و اللَّه منذ حملت الرّأس إلى اليوم ، ما تمرّ عليّ ليلة إلاّ و اثنان يأخذان بضبعي ، ثمّ ينتهيان بي إلى نار تأجج فيدفعاني فيها ، و أنا أنكص فتسعفني كما ترى . ثمّ مات على أقبح حال 1 .
و في ( يتيمة الدهر ) للثعالبي في أبي القاسم عليّ بن بشر : قال لي محمّد بن عمر الزّاهر : أخبرني ابن بشر أنّه كان له جدّ لام يعرف بكولان ، و كان هو من أهل الأدب و الكتابة و حسن الشعر و الخطابة ، قال لي : حججت سنة من السّنين و جاورت بمكّة حرسها اللَّه فاعتللت علّة تطاولت بي وضاق معها خلقي ، ثمّ صلحت منها بعض الصّلاح ، ففكّرت في أنّني عملت في أهل البيت تسعا و أربعين قصيدة مدحا فقلت : أكملها خمسين . ثمّ ابتدأت فقلت :
بني أحمد يا بني أحمد
ثمّ ارتج عليّ ، فلم أقدر على زيادة ، فعظم ذلك عليّ ، و اجتهدت في أن أكمل البيت فلم أقدر ، فحدث لي من الغمّ بهذه الحالة ما زاد على غمّي بإضاقتي و علّتي ، فنمت اهتماما بالحال ، فرأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، فجئت إليه فشكوت إليه ممّا أنا فيه من الإضاقة و ما أجده من العلّة ، و اخرى من القلّة ، فقال لي : تصدّق يوسّع عليك ، و صم يصحّ جسمك . فقلت له : يا رسول اللَّه و أعظم ممّا شكوته إليك أنّني رجل شاعر أتشيّع ، و أخصّ بالمحبّة ولدك الحسين عليه السّلام ، و تداخلني له رحمة لما جرى عليه من القتل ، و كنت قد عملت في أهل بيتك تسعا و أربعين قصيدة ، فلمّا خلوت بنفسي في هذا الموضع حاولت أن أكملها خمسين ، فبدأت قصيدة قلت فيها مصراعا و ارتج عليّ إجازته ، و نفر عنّي كلّ ما كنت أعرفه ،
فما أقدر على قول حرف . قال : فقال لي قولا نحا فيه إلى أنّه ليس هذا إلي ، لقول
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 281 .
[ 256 ]
اللَّه تعالى : و ما علّمناه الشعر و ما ينبغي له . . . 1 . ثمّ قال لي : اذهب إلى صاحبك و أومأ بيده الشريفة إلى ناحية من نواحي المسجد و أمر رسولا أن يمضي بي إلى حيث أومأ ، فمضى بي الرّسول على ناس معهم عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فقال له الرّسول : أخوك وجّه إليك بهذا الرّجل فاسمع ما يقوله . قال :
فسلّمت عليه و قصصت عليه قصّتي كما قصصت على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم فقال لي :
فما المصراع ؟ قلت :
بني أحمد يا بني أحمد
فقال للوقت قل :
بكت لكم عمد المسجد
بيثرب و اهتزّ قبر النّبيّ
أبي القاسم السّيد الأصيد
و أظلمت الافق افق البلاد
و ذرّ على الأرض كالأثمد
و مكّة مادت ببطحائها
لإعظام فعل بني الأعبد
و مال الحطيم بأركانه
و ما بالبنيّة من جلمد
و كان وليّكم خاذلا
و لو شاء كان طويل اليد 2
و روى ( أمالي الشيخ ) قبل مجلسه الأخير عن جارية بني محلم ، قالت :
كان عندنا رجل خرج على الحسين عليه السّلام ، ثمّ جاء بجمل و زعفران ، فلمّا دقّوا الزعفران صار نارا ، فجعلت المرأة تأخذ منه الشّيء فتلطخه على يدها فيصير منه برص ، و نحروا البعير ، فكلّما جزّوا بالسّكين صار مكانها نارا ، فجعلوا يسلخونه فيصير مكانه نارا ، فقطّعوه فخرج منه النّار ، و كلّما جعلوا في القدر فارت القدر نارا ، فجعلوه في الجفنة فصار نارا ، و كنت صبية يومئذ فأخذت
-----------
( 1 ) يس : 69 .
-----------
( 2 ) يتيمة الدهر 1 : 406 .
[ 257 ]
عظما منه ، فطيّنت عليه فسقط فاخترناه نصنع منه اللّعب ، فلمّا جززناه بالسّكّين خرج عن مكانه نار ، فعرفنا أنّه ذلك العظم فدفناه 1 .
و في ( تذكرة السبط ) أيضا : جاء ابن زياد منزل الموصل في ثلاثين ألفا ،
فجهّز إليه المختار إبراهيم بن الأشتر في ثلاثة آلاف و قيل في سبعة آلاف ،
و ذلك في سنة سبع و ستّين ، فالتقى بابن زياد فقتله على الزّاب ، و كان من غرق من أصحابه أكثر ممّن قتل 2 .
و ذكر ابن جرير عن إبراهيم بن الأشتر أنّه قال : قتلت رجلا شممت منه رائحة المسك على شاطي نهر جاذر ، ضربته فقددته نصفين ، و بعث ابن الأشتر برأس ابن زياد إلى المختار ، فجلس في القصر و القيت الرؤوس بين يديه ، فألقاها في المكان الّذي وضع فيه رأس الحسين عليه السّلام و أصحابه ، و نصب المختار رأس ابن زياد في المكان الّذي نصب فيه رأس الحسين عليه السّلام ، ثمّ ألقاه في اليوم الثّاني في الرّحبة مع الرؤوس 3 .
قال عمّار بن عمير : فبينا أنا واقف عند الرؤوس بالكناسة إذ قال النّاس :
قد جاءت ، قد جاءت ، فإذا حيّة عظيمة تتخلّل الرّؤوس ، حتّى دخلت في منخري ابن زياد و خرجت فغابت ساعة ، ثمّ عادت ففعلت كذلك . و قيل : إنّما فعلت الحيّة ذلك بالقصر بين يدي المختار ، فقال المختار : دعوها ، دعوها . و في رواية فعلت ذلك ثلاثة أيّام 4 .
و في ( معارف الصّاحب بن عبّاد ) : كان سبب موت يزيد أنّه سكر فقام يرقص ، فسقط على رأسه فبدا دماغه 5 .
-----------
( 1 ) أمالي الطوسي 2 : 336 المجلس 25 .
-----------
( 2 ) تذكرة ابن الجوزي : 286 ، و روى الأخير الطبري في تاريخه 4 : 555 سنة 67 .
-----------
( 3 ) تذكرة ابن الجوزي : 286 ، و روى الأخير الطبري في تاريخه 4 : 555 سنة 67 .
-----------
( 4 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 286 .
-----------
( 5 ) لم أظفر بمصدر نقله .
[ 258 ]
و في ( حياة الحيوان ) للدّميري : قال أبو القاسم الإصبهاني في ( الترغيب و التّرهيب ) : قال قيس بن عبادة : بلغني أنّ الوحش كانت تصوم عاشوراء .
و قال الفتح بن سخرب و كان من الزّهاد : كنت افتّت للنمل خبزا في كلّ يوم فإذا كان يوم عاشوراء لم تأكله 1 .
و من عظم مصيبته سمّي يوم التاسع من محرم بتاسوعاء ، لأنّه اليوم الّذي حوصر عليه السّلام فيه ، و سمّي يوم عاشره بعاشوراء ، لأنّه اليوم الّذي قتل فيه ،
قال ابن دريد في ( جمهرته ) : و عاشوراء يوم سمّي في الإسلام و لم يعرف في الجاهليّة 2 .
و قال الفيروز آبادي في ( قاموسه ) : إنّ تاسوعاء محدث 3 .
و في ( مناقب الكنجي الشّافعي ) عن أبي قبيل قال : لمّا قتل الحسين عليه السّلام انكسفت الشّمس كسفة ، حتّى بدت الكواكب نصف النّهار ، حتّى ظننّا أنّها هي 4 .
و عن الزّهري : قال عبد الملك لي : أي واحد أنت إن أخبرتني أيّ علامة كانت يوم قتل الحسين بن عليّ ؟ قلت : لم ترفع حصاة في بيت المقدس إلاّ وجد تحتها دم عبيط . فقال لي عبد الملك : إنّي و إيّاك في هذا الحديث قرينان 5 .
و روى : أنّه لمّا اجتزوا رأس الحسين عليه السّلام قعدوا في أوّل مرحلة يشربون و يتبجّحون بالرّأس ، فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب بسطر دم :
-----------
( 1 ) حياة الحيوان للدميري 2 : 392 مادة ( وحش ) .
-----------
( 2 ) جمهرة اللغة لابن دريد 2 : 343 مادة ( عشر ) .
-----------
( 3 ) القاموس المحيط 3 : 9 مادة ( تسع ) ، و نصه : « و التاسوعاء قبل يوم عاشوراء مولّد » .
-----------
( 4 ) كفاية الطالب للكنجي : 296 .
-----------
( 5 ) كفاية الطالب للكنجي : 296 .
[ 259 ]
أ ترجو امّة قتلت حسينا
شفاعة جدّه يوم الحساب 1
و روى عن ابن سيرين أنّه قال : لم تبك السّماء على أحد بعد يحيى إلاّ على الحسين عليه السّلام 2 .
و روى : أنّه لمّا اجري الماء على قبر الحسين عليه السّلام نضب الماء بعد أربعين يوما ، و امتحى أثر القبر ، فجاء أعرابي من بني أسد ، فجعل يأخذ قبضة قبضة من التّراب و يشمّه ، حتّى وقع على القبر ، فبكى و قال : بأبي أنت و امّي ،
ما كان أطيبك حيّا و أطيب تربتك ميّتا . ثمّ أنشأ يقول :
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّه
و طيب تراب القبر دلّ على القبر 3
و في ( مقاتل أبي الفرج ) : كان السّبب في كرب ( المتوكّل ) قبر الحسين عليه السّلام : أنّ بعض المغنّيات كانت تبعث بجواريها إليه قبل الخلافة يغنّين له إذا شرب ، فلمّا وليها بعث إلى تلك المغنية فعرف أنّها غائبة ، و كانت قد زارت قبر الحسين عليه السّلام ، و بلغها خبره فأسرعت الرّجوع ، و بعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها ، فقال لها : أين كنتم ؟ قالت : خرجت مولاتي إلى الحجّ ،
و أخرجتنا معها و كان ذلك في شعبان فقال : إلى أين حججتم في شعبان ؟
قالت : إلى قبر الحسين عليه السّلام . فاستطير غضبا ، و أتى بمولاتها فحبست و استصفى أملاكها ، و بعث برجل من أصحابه يقال له : الدّيزج و كان يهوديّا فأسلم إلى قبر الحسين عليه السّلام ، و أمره بكرب قبره و محوه ، و إخراب كلّ ما حوله ، فمضى لذلك و خرب ما حوله و هدم البناء ، و كرب ما حوله نحو مائتي جريب ، فلمّا بلغ إلى قبره لم يتقدّم إليه أحد ، فأحضر قوما من اليهود فكربوه ،
-----------
( 1 ) كفاية الطالب للكنجي : 291 .
-----------
( 2 ) كفاية الطالب للكنجي : 289 .
-----------
( 3 ) كفاية الطالب للكنجي : 293 .
[ 260 ]
و أجرى الماء حوله ، و وكّل به مسالح ، بين كلّ مسلحتين ميل ، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ، و وجّه به إليه .
فحدّثني محمّد بن الحسين الأشناني قال : بعد عهدي بالزّيارة في تلك الأيّام خوفا ، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي فيها ، و ساعدني رجل من العطّارين على ذلك ، فخرجنا زائرين نكمن بالنّهار و نسير الليل ، حتّى أتينا نواحي الغاضرية ، و خرجنا منها نصف الليل ، فسرنا بين مسلحتين و قد ناموا حتّى أتينا القبر ، فخفي علينا فجعلنا نشمّه و نتحرّى جهته ، حتّى أتيناه و قد قلع الصّندوق الّذي كان حواليه ، و احرق و اجري الماء عليه ، فانخسف موضع اللّبن و صار كالخندق ، فزرناه و أكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها كشيء من الطّيب ، فقلت للعطّار الّذي كان معي : أيّ رائحة هذه ؟ فقال : بلى و اللَّه ما شممت مثلها كشيء من العطر . فودّعناه ، و جعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع ، فلمّا قتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيّين و الشّيعة ،
حتّى صرنا إلى القبر ، فأخرجنا تلك العلامات و أعدناه إلى ما كان عليه 1 .
و روى ( أمالي ابن الشّيخ ) عن يوحنا المتطبب النّصراني قال : وجّه إليّ سابور الكبير الخادم الرّشيدي في الليل ، فصرت إليه ، فمضى و أنا معه حتّى دخلنا على موسى بن عيسى الهاشمي ، فوجدناه زائل العقل متّكئا على و سادة ، و إذا بين يديه طست فيه حشو جوفه ، و كان الرّشيد أحضره من الكوفة ، فقال سابور لخادم له : ما خبره ؟ قال : كان من ساعته جالسا و حوله ندماؤه ، و هو من أصحّ النّاس جسما ، إذ جرى ذكر الحسين عليه السّلام فقال موسى :
إنّ الرّافضة لتغلو فيه حتّى إنّهم في ما عرفت يجعلون تربته دواء . فقال له رجل هاشمي : قد كان لي علّة غليظة فتعالجت بكلّ علاج ، فما نفعني حتّى
-----------
( 1 ) المقاتل لأبي الفرج : 395 .
[ 261 ]
وصف لي كاتبي أن آخذ من هذه التّربة ، فأخذت فنفعني اللَّه بها . قال موسى :
فبقي عندك منها شيء ؟ قال : نعم . فوجّه من جاء منها بقطعة ، فناولها موسى ،
فأخذها و استدخلها دبره استهزاء ، فما هو إلاّ أن استدخلها حتّى صاح : النّار النّار ، الطّست الطّست . فجئناه بطست فأخرج فيها ما ترى . فقال لي سابور :
انظر هل ترى من حيلة . فدعوت بشمعة ، فإذا كبده و طحاله و ريته و فؤاده خرج منه في الطّست . فقال : ما لأحد حيلة إلاّ أن يكون عيسى الّذي كان يحيي الموت .
فمات في السّحر . و كان يوحنّا يزور قبر الحسين عليه السّلام ، و هو على دينه ، ثمّ أسلم و حسن إسلامه 1 .
هذا ، و في معنى قوله عليه السّلام : « فإنّني أنفس بهذين على الموت » قول الشاعر :
فإنّي بالجموح و ام بكر
و دولح فاعلموا حجؤضنين
« لئلا ينقطع بها نسل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله » قال ابن أبي الحديد : فإن قلت : أ يجوز أن يقال للحسن و الحسين و ولدهما أبناء رسول اللَّه ؟ قلت : نعم ، لأنّ اللَّه تعالى سمّاهم أبناءه في قوله : . . . ندع أبناءنا و أبناءكم . . . 2 . و إنّما عنى الحسن و الحسين إلى أن قال فإن قلت : أتقول : إنّ ابن البنت ابن على الحقيقة الأصلية أم على سبيل المجاز ؟ قلت : لذاهب أن يذهب إلى أنّه حقيقة أصلية ، لأنّ أصل الإطلاق الحقيقة ، و قد يكون اللّفظ مشتركا بين مفهومين ، و هو في أحدهما أشهر ، و لا يلزم من كونه أشهر في أحدهما ألاّ يكون حقيقة في الآخر . و لذاهب أن يذهب إلى كونه مجازا قد استعمله الشّارع ، فجاز إطلاقه في كلّ حال ،
و استعماله كساير المجازات المستعملة . و ممّا يدل على اختصاص ولد
-----------
( 1 ) أمالي الطوسي 1 : 327 المجلس 11 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
[ 262 ]
فاطمة عليها السّلام دون بني هاشم كافّة بالنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّه ما كان يحلّ له أن ينكح بنات الحسن و الحسين عليهما السّلام إلى أن قال فإن قلت : قال الشاعر :
بنونا بنو أبنائنا و بناتنا
بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد
و قال حكيم العرب أكثم بن صيفي : « البنات يلدن الأعداء ، و يورثن البعداء » قلت : إنّما قال الشّاعر ما قاله على المفهوم الأشهر ، و ليس في قول أكثم ما يدلّ على نفي بنوّتهم 1 .
قلت : تحقيق المقام أنّ كون الحسن و الحسين عليهما السّلام ابني الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله ممّا شهد به الكتاب و السّنة و إجماع الامّة . أمّا الكتاب فقوله تعالى : . . . أبناءنا و أبناءكم . . . 2 ، و أمّا السنّة فالأخبار المتواترة الّتي مرّ بعضها من قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لكلّ منهما « ابني » و « هما ابناي » 3 ، و أمّا إجماع الامّة فخطاب المؤالف و المخالف لهما بابن رسول اللَّه ، حتّى إنّ يزيد لمّا كان ينكت بقضيبه على ثنايا الحسين عليه السّلام قال بعد تمثله بأبيات ابن الزبعرى في يوم احد في قتلهم سبعين من أصحاب النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، في قبال سبعين منهم قتلوا ببدر :
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
إنشاء من نفسه :
لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل
و حتّى إنّ هارون الرّشيد لم يستطع الرّد على الكاظم عليه السّلام في كونه ابن الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله ، مع كونه في مقام الرّد ، ففي ( مقاتل أبي الفرج الإصبهاني ) : لمّا حجّ الرّشيد و نزل المدينة اجتمع بنو هاشم و أبناء المهاجرين و الأنصار
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 9 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 3 ) مرّ في مواضع في هذا العنوان .
[ 263 ]
و باقي الوجوه و كان فيهم موسى بن جعفر عليه السّلام فقال لهم الرّشيد : قوموا إلى زيارة الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله . ثمّ نهض معتمدا على يد أبي الحسن موسى عليه السّلام حتّى انتهى إلى القبر ، فقال : السّلام عليك يا رسول اللَّه ، السّلام عليك يابن عمّ .
افتخارا على قبائل العرب الّذين حضروا معه ، و استطالة عليهم بالنّسب . فنزع أبو الحسن موسى عليه السّلام يده من يده ، ثمّ تقدّم فقال : السّلام عليك يا رسول اللَّه ،
السّلام عليك يا أبتاه . فتغيّر وجه الرّشيد ثمّ قال : يا أبا الحسن إنّ هذا لهو الفخر الجسيم 1 .
و أمّا وجه كونهما ابنيه صلّى اللَّه عليه و آله فهو خصوصيّة تتفرّع على كون أمير المؤمنين عليه السّلام بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، كما أفصح عنه قوله تعالى :
و أنفسنا و أنفسكم . . . 2 ، قال المأمون كما روى المرتضى في ( فصوله ) للرضا عليه السّلام : أخبرني بأكبر فضيلة لأمير المؤمنين عليه السّلام يدلّ عليها القرآن .
فقال عليه السّلام : فضيلته في المباهلة ، قال جلّ جلاله : فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة اللَّه على الكاذبين 3 . فدعا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله الحسن و الحسين عليهما السّلام فكانا ابنيه ، و دعا فاطمة عليها السّلام فكانت في هذا الموضع نساءه ،
و دعا أمير المؤمنين عليه السّلام فكان نفسه بحكم اللَّه عزّ و جلّ . فقال له المأمون :
أ ليس قد ذكر اللَّه الأبناء بلفظ الجمع ، و انّما دعا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ابنيه خاصة ، و ذكر النساء بلفظ الجمع ، و إنّما دعا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ابنته وحدها ، فلم لا جاز أن يذكر الدّعاء لمن هو نفسه ، و يكون المراد نفسه في الحقيقة دون غيره ، فلا يكون لأمير المؤمنين عليه السّلام ما ذكرت من الفضل ؟ فقال له الرّضا عليه السّلام : ليس بصحيح
-----------
( 1 ) لم يوجد في مظانّه من مقاتل الطالبيين ، لكن الحديث مشهور رواه المدائني عنه تذكرة الخواص : 350 ، و غيره .
-----------
( 2 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 3 ) آل عمران : 61 .
[ 264 ]
ما ذكرت ، و ذلك أنّ الدّاعي إنّما يكون داعيا لغيره ، كما يكون الآمر آمرا لغيره ،
و لا يصحّ أن يكون داعيا لنفسه في الحقيقة ، كما لا يكون آمرا لها في الحقيقة ،
و إذ لم يدع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله رجلا في المباهلة إلاّ أمير المؤمنين عليه السّلام ، فقد ثبت أنّه نفسه الّتي عناها تعالى في كتابه ، و جعل حكمه ذلك في تنزيله . فقال المأمون :
إذا ورد الجواب سقط السؤال 1 ، فإذا كان أمير المؤمنين عليه السّلام بمنزلة نفس النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بنصّ القرآن ، يكون ابنا أمير المؤمنين عليه السّلام ابني النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .
و يشهد لما قلنا ما رواه المسعودي في ( مروجه ) في أخبار الحسن عليه السّلام ،
مسندا عن عبّاس بن عبد المطلب ، قال : كنت عند النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إذ أقبل عليّ عليه السّلام فلمّا رآه أسفر في وجهه ، فقلت : يا رسول اللَّه إنّك لتسفر في وجه هذا الغلام .
فقال : يا عمّ رسول اللَّه و اللَّه للَّه أشدّ حبّا له منّي ، إنّه لم يكن نبيّ إلاّ و ذريّته الباقية بعده من صلبه ، و إنّ ذريتي بعدي من صلب هذا ، إنّه إذا كان يوم القيامة دعي النّاس بأسمائهم و أسماء امّهاتهم سترا من اللَّه عليهم ، إلاّ هذا و شيعته فإنّهم يدعون بأسمائهم و أسماء آبائهم لصحّة ولادتهم 2 .
و روى ( الكافي ) : أنّ ابن غيلان المدائني قال للرّضا عليه السّلام : بلغني أنّه من كان له حمل فنوى أن يسمّيه محمّدا ولد له غلام . فقال عليه السّلام : من كان له حمل فنوى أن يسمّيه عليّا ولد له غلام . ثم قال : ( عليّ محمّد ) و ( محمّد عليّ ) شيئا واحدا 3 .
و ما رواه الخطيب في ( تاريخه ) في عنوان ( عثمان بن محمّد بن إبراهيم المعروف بابن أبي شيبة ) في أسناد عن فاطمة عليها السّلام ، قالت : قال رسول
-----------
( 1 ) الفصول المختارة للمرتضى : 17 و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 428 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 6 : 11 ح 2 ضمن حديث .
[ 265 ]
اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : كلّ بني آدم ينتمون إلى عصبتهم إلاّ ولد فاطمة ، فأني أنا أبوهم ، و أنا عصبتهم .
و في خبر آخر عنها أيضا ، قالت : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : كل بني آدم ينتمون إلى عصبته غير ولد فاطمة ، فأنا أبوهم و أنا عصبتهم 1 .
و إلاّ فالانتساب إنّما هو إلى الأب ، فالهاشمي و الاموي من كان منتسبا بالأب إلى هاشم و اميّة لا ريب في ذلك ، و يشهد له أخبار الخاصّة و العامّة فضلا عن العرف ، روى ابن عبد البرّ في ( استيعابه ) : أنّ وفد كندة لمّا قدموا على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال له أبو الخير و اسمه جفشيش : أنتم منّا يا بني هاشم .
فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : كذبتم ، نحن بنو النّضر بن كنانة ، لا نقفو امنّا و لا ننتفى من أبينا 2 .
هذا ، و نسل النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من الحسن و الحسين عليهما السّلام ابني أمير المؤمنين عليه السّلام بعدد أسباط بني إسرائيل ، ستّة من الحسن عليه السّلام : واحد من ابنه زيد ، و خمسة من ابنه الحسن المثنّى ، و ستّة من الحسين عليه السّلام من ابنه السجّاد عليه السّلام .
روى الحسن بن سعيد العسكري كما في ( الخصال ) عن الرّضا عليه السّلام قال : إنّ اللَّه تعالى أخرج من إسرائيل و هو يعقوب اثني عشر سبطا ، و نشر من الحسن و الحسين عليهما السّلام اثني عشر سبطا إلى أن قال بعد عدّ الاثني عشر من ولد يعقوب أمّا الحسن عليه السّلام فانتشر منه ستّة أبطن : بنو الحسن بن زيد بن الحسن ، و بنو عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن ، و بنو إبراهيم بن الحسن بن الحسن ، و بنو الحسن بن الحسن بن الحسن ، و بنو داود بن الحسن بن
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 11 : 285 .
-----------
( 2 ) الاستيعاب لابن عبد البر 1 : 266 .
[ 266 ]
الحسن ، و بنو جعفر بن الحسن بن الحسن إلى أن قال في بني الحسين عليه السّلام بنو محمّد بن عليّ الباقر عليه السّلام بطن ، و بنو عبد اللَّه بن عليّ الباهر ، و بنو زيد بن علي ، و بنو الحسين بن علي ، و بنو عمر بن عليّ ، و بنو عليّ بن عليّ 1 .
و في ( عمدة الطالب ) : قد روي عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّه قال : سيكون من ولدي عدد نقباء بني إسرائيل 2 . و من ولد زيد بن الحسن : عبد العظيم الجليل المدفون بالرّي ، و منهم الدّاعي الكبير ، و الدّاعي الصّغير ، و منهم الملقب ب ( گيسو دراز ) و الملقّب ب ( گلستانه ) ، ذكر تفصيلهم في ( عمدة الطالب ) 3 .
و من بني عبد اللَّه بن الحسن المثنى و يقال لعبد اللَّه : المحض محمّد و إبراهيم اللذان خرجا على المنصور ، و يحيى صاحب الديلم الّذي خرج على الرّشيد ، و موسى الجون ، و في ( تاريخ بغداد ) : خرج يوما من عند الرّشيد فعثر بالبساط ، فضحك الخدم و ضحك الجند . فالتفت إلى هارون و قال : إنّه ضعف صوم لا ضعف سكر 4 .
و في موسى الجون في الحسنيّين العدد ، كما في موسى الكاظم عليه السّلام في الحسينيّين ، و من بنيه الأمير أبو جعفر محمّد بن محمّد الثّائر ، أوّل من ملك مكّة من بني موسى ، و هم مبدأ تمكن الأشراف من حكومتها ، و كان ذلك بعد سنة ( 340 ) قتل حاكم مكّة انكجوار التركي من قبل العزيز الفاطمي .
و من بني إبراهيم بن الحسن المثنى و يقال لإبراهيم : الغمر محمّد بن إبراهيم الّذي يقال له الدّيباج الأصفر ، و لمّا اتى به المنصور قال له : أنت ديباج الأصفر ؟ قال : نعم . قال : أما و اللَّه لأقتلنّك قتلة ما قتلتها أحدا من أهل بيتك . ثمّ
-----------
( 1 ) الخصال للصدوق : 465 ح 5 و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) عمدة الطالب للحسني : 68 .
-----------
( 3 ) عمدة الطالب : 69 ، 173 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 27 و النقل بتصرف .
[ 267 ]
أمر باسطوانة مبنية ففرّغت ، ثم ادخل فيها ، فبنيت عليه و هو حي .
و من ولده إبراهيم طباطبا ، و من ولد طباطبا محمّد بن الحسين بن جعفر بن محمّد بن إبراهيم طباطبا ، الّذي قال فيه ( عمدة الطالب ) : قتله الشّراة بكرمان و صلب ، فأخذتهم الزلزلة أربعين يوما ، حتّى انزل عن الخشبة فسكنت 1 .
و من بني الحسن المثلّث الحسين بن علي ، صاحب فخ المعروف صاحب القضية الفاجعة ، و من ولد جعفر بن الحسن المثنى ابن الشّجري النّحوي صاحب ( الأمالي ) .
و من بني داود بن الحسن المثنى و داود هو الّذي ورد فيه دعاء الاستفتاح ، المعروف بدعاء امّ داود عليّ بن طاووس رضي الدّين المعروف ،
صاحب الكرامات ، و صاحب المصنّفات الكثيرة في الأدعية و غيرها ، و منها ( الإقبال ) ، و ( المهج ) ، و أخوه أحمد بن طاووس جمال الدّين صاحب ( الرّجال ) ،
و ابن أخيه أحمد بن عبد الكريم بن طاووس غياث الدّين النسّابة ، و ابن أخيه الحسن مجد الدّين بن طاووس الّذي خرج إلى السّلطان هولاكوخان ، قال في ( عمدة الطالب ) : و صنّف له كتاب ( البشارة ) و سلم بواسطته الحلّة و النيل و المشهدين الشّريفين المشهد العلوي ، و المشهد الحسيني على ساكنيهما السّلام من القتل و النّهب 2 .
و أمّا الأسباط الحسينيّة فمن ولد الباهر أخي الباقر عليه السّلام محمّد الأرقط ،
قال في ( عمدة الطالب ) : قال أبو نصر البخاري : من يطعن في الأرقط فلا يطعن من حيث النّسب و العقب ، و إنّما يطعنون لشيء جرى بينه و بين الصّادق جعفر بن محمّد عليه السّلام ، يقال : إنّه بصق في وجه الصادق عليه السّلام ، فدعا عليه ، فصار أرقط
-----------
( 1 ) عمدة الطالب : 69 ، 173 .
-----------
( 2 ) عمدة الطالب : 190 .
[ 268 ]
الوجه ، به نمش كريه المنظر 1 .
و منهم عبد اللَّه بن أحمد الرّخي الّذي ظهر في أيّام المستعين ، فاخذ و حمل إلى سامراء مع عياله فمات ، و صار عياله الى الحسن العسكري عليه السّلام فبارك عليهم ، و مسح يده على رأس زينب بنته و وهب لها خاتمه ، و كان فضّة فصاغت منه حلقة ، و ماتت و الحلقة في اذنها ، و بلغت مائة سنة ، و كانت سوداء الشعر .
و عدّ منهم نقيب النّقباء ببغداد ، أيّام معزّ الدّولة أحمد بن عليّ بن محمّد الكوكبي ، و الشّريف النّسابة المصنّف الحسين بن جعفر ، المعروف بابن خداع .
و من ولد زيد الشهيد و كان زيد خرج على هشام و كان هشام ، قال له :
ما أنت و الخلافة و أنت ابن أمة ؟ فقال له : و ما يقصرك برجل أبوه رسول اللَّه و هو ابن عليّ بن أبي طالب ؟ فقتل و صلب ، و في ( العمدة ) : وجدت عن بعضهم أنّه قال : لمّا قتل زيد بن علي و صلب رأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله تلك اللّيلة مستندا إلى خشبته و هو يقول : إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون ، أتفعلون هذا بولدي ؟ و روى غير واحد أنّهم صلبوه مجرّدا ، فنسجت العنكبوت على عورته من يومه 2 يحيى بن زيد صاحب الصّحيفة الّذي خرج أيّام الوليد بن يزيد ، فقتل .
و منهم يحيى بن عمر الّذي خرج أيّام المستعين ، فقتل و حمل رأسه إلى محمّد بن عبد اللَّه بن طاهر ، فجلس للتّهنئة ، فدخل عليه أبو هاشم الجعفري و قال له : إنّك لتهنّأ بقتيل لو كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله حيّا لعزّي فيه . فخرج و هو يقول :
يا بني طاهر كلوه مريئا
إنّ لحم النّبيّ غير مريء
-----------
( 1 ) عمدة الطالب : 252 .
-----------
( 2 ) عمدة الطالب : 258 .
[ 269 ]
و من ولد عمر بن عليّ و هو عمر الأشرف النّاصر الكبير ملك الدّيلم ،
و النّاصر الصّغير جدّ المرتضى و الرّضي لامّهما ، صاحب ( النّاصريات في الفقه ) الّذي شرحه المرتضى 1 .
و من ولد الحسين بن علي و هو الحسين الأصغر عليّ المرعش ابن عبيد اللَّه بن محمّد بن الحسن بن الحسين الأصغر ، جدّ السّادات المرعشية .
و من ولده المنقديّون ملوك الرّي ، و من ولده العقيقيّون ، و من العقيقيين عليّ بن أحمد بن عليّ العقيقي ، و أبوه أحمد بن عليّ العقيقي صاحبا كتاب رجال .
و من ولده الجوانيّون ، و الأصل فيهم محمّد بن عبيد اللَّه بن الحسين الأصغر ، و ابنه الحسين بن محمّد الجواني ، خرج مع الرّضا عليه السّلام إلى خراسان كما رواه الكشي 2 ، و روى عن الجواد عليه السّلام النصّ على الهادي عليه السّلام كما رواه ( الكافي ) 3 .
و من ولد عليّ بن عليّ و هو عليّ الأصغر الحسن الأفطس ، قال في ( العمدة ) : قال أبو نصر البخاري : كان بين الأفطس و بين الصادق عليه السّلام كلام ،
فتوجّه الطّعن عليه لذلك لا لشيء في نسبه 4 .
و قال أبو الحسن العمري : كان صاحب راية محمّد بن عبد اللَّه ، و لمّا قتل النّفس الزّكية محمّد بن عبد اللَّه اختفى الحسن الأفطس ، فلمّا دخل جعفر
-----------
( 1 ) المسائل الناصريات أحد تأليفات الشريف المرتضى ، مطبوع بالحجر ضمن الجوامع الفقهية بإيران ، لكن ليس للناصر كتاب مسمّى بالناصريات كما يظهر من مقدّمة ناصريات المرتضى .
-----------
( 2 ) معرفة الرجال للكشي ، اختياره : 506 ح 973 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 325 ح 3 ، و الظاهر أنّ هذا الحديث لم يوجد في نسخ الكافي إلاّ في نسخة الصفواني ، فراجع ذيل الحديث في الكافي ، و جامع الرواة للأردبيلي 2 : 441 .
-----------
( 4 ) عمدة الطالب : 339 .
[ 270 ]
الصّادق عليه السّلام العراق و لقي أبا جعفر المنصور قال له : تريد أن تسدي إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يدا ؟ قال : نعم يا أبا عبد اللَّه . قال : تعفو عن ابنه الحسن بن عليّ بن عليّ . فعفا عنه 1 .
و قال أبو نصر البخاري : سمعت جماعة يقولون : إنّ الصادق عليه السّلام كان يوصي لجماعة من عشيرته عند موته ، فأوصى للأفطس الحسن بن علي بن علي بثمانين دينارا ، فقالت له عجوز في البيت : أتأمر له بذلك و قد قعد لك بخنجر في البيت يريد أن يقتلك ؟ فقال : أتريدين أن أكون ممّن قال اللَّه تعالى :
و يقطعون ما أمر اللَّه به أن يوصل . . . 2 ؟ لأصلنّ رحمه و إن قطع ، اكتبوا له بمائة دينار . قال البخاري : و هذه شهادات قاطعة من الصّادق عليه السّلام أنّه ابن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله 3 .
و ابنه عبد اللَّه بن الحسن خرج مع الحسين بن عليّ صاحب فخ ، فأخذه الرّشيد و حبسه عند جعفر البرمكي ، قال في ( العمدة ) : فأمر جعفر ليلة النيروز بقتله و حزّ رأسه ، و أهداه إلى الرّشيد في جملة هدايا النّيروز 4 .
و منهم تاج الدّين بن مجد الدّين محمد بن الحسين الّذي كان في أوّل أمره واعظا ، و اعتقده السلطان اولجايتو محمّد و ولاّه نقابة نقباء الممالك بأسرها : العراق و الرّي و خراسان و فارس و سائر ممالكه ، و عانده وزيره رشيد الدّين ، إلى أن قتله مع ولديه : شمس الدّين و شرف الدّين في سنة ( 711 ) ،
و أظهر عوام بغداد و الحنابلة التّشفي بالسيّد تاج الدّين ، فقطّعوه قطعا ، و أكلوا لحمه ، و نتفوا شعره ، و بيعت الطّاقة من شعر لحيته بدينار ، فغضب السّلطان
-----------
( 1 ) عمدة الطالب : 339 .
-----------
( 2 ) البقرة : 27 .
-----------
( 3 ) عمدة الطالب للسيد الحسني : 34 .
-----------
( 4 ) عمدة الطالب : 348 .
[ 271 ]
و أمر أن يركب قاضي الحنابلة على حمار أعمى مقلوبا ، يطاف به في أسواق بغداد و شوارعها ، و أن لا يكون من الحنابلة قاض .
و من ولده أيضا الحسن بن عليّ بن الحسين المدائني الّذي كان خليفة أبي عبد اللَّه بن الدّاعي على النّقابة ، و كان له أحد و عشرون ولدا ، كلّ منهم اسمه عليّ ، لا يفرّق بينهم إلاّ بالكنى .
و أمّا ولد محمّد الباقر عليه السّلام فمنهم يكمل الأئمة الاثني عشر ، الّذين لا يحتاج أحد منهم إلى وصف ، كما لا يحتاج الشّمس و القمر ، روى محمّد بن بابويه في ( عيونه ) قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « الإيمان إقرار باللّسان و معرفة بالقلب ،
و عمل بالأركان » عن الرّضا عليه السّلام عن أبيه الكاظم عليه السّلام عن أبيه الصّادق عليه السّلام عن أبيه الباقر عليه السّلام عن أبيه زين العابدين عليه السّلام عن أبيه الحسين سيّد شباب أهل الجنّة عليه السّلام عن أبيه أمير المؤمنين عليه السّلام عنه صلّى اللَّه عليه و آله ، ثمّ روى عن حمزة ابن محمّد العلوي عن عبد الرّحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال : لو قرىء هذا الأسناد على مجنون لبرأ 1 .
و روى قوله صلّى اللَّه عليه و آله أيضا : « الإيمان قول و عمل » عن أبي الصّلت عن الرّضا عليه السّلام عن آبائه الكاظم عليه السّلام ثمّ الصّادق عليه السّلام ثمّ الباقر عليه السّلام ثمّ السّجاد عليه السّلام ثمّ السّبط عليه السّلام ثمّ أمير المؤمنين عليه السّلام عنه صلّى اللَّه عليه و آله ثمّ روى عن محمّد بن عبد اللَّه بن طاهر : أنّ أحمد بن حنبل لمّا سمعه من أبي الصّلت قال له :
ما هذا الأسناد ؟ فقال له أبوه عبد اللَّه بن طاهر ذي اليمينين : هذا سعوط المجانين إذا سعط به المجنون أفاق 2 .
و روى : أنّ المأمون لمّا جعل الرّضا عليه السّلام ولي عهده صعد المنبر ، و قال :
-----------
( 1 ) عيون الاخبار للصدوق 1 : 178 ح 5 .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار للصدوق 1 : 179 ح 6 ، و 2 : 145 ح 18 ، و : 142 ح 10 .
[ 272 ]
جاءتكم بيعة عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام ، و اللَّه لو قرئت هذه الأسماء على الصّمّ البكم لبرؤوا بإذن اللَّه عزّ و جلّ 1 .
و روى أيضا : أنّ عبد اللَّه بن مطرف بن ماهان دخل يوما على المأمون و عنده الرّضا عليه السّلام ، فقال له : ما تقول في أهل البيت ؟ فقال : ما قولي في طينة عجنت بماء الرّسالة ، و شجرة غرست بماء الوحي ؟ هل ينفح منه إلاّ مسك الهدى و عنبر التّقى ؟ فدعا المأمون بحقّة فيها لؤلؤ فحشا فاه 2 .
و في ( تذكرة السّبط ) عن ( فضائل أحمد بن حنبل ) عن عليّ بن ربيعة قال : لقيت زيد بن أرقم فقلت له : هل سمعت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم يقول : تركت فيكم الثّقلين ، واحد منهما أكبر من الآخر ؟ قال : نعم ، سمعته يقول : تركت فيكم الثقلين : كتاب اللَّه حبل ممدود بين السّماء و الأرض ، و عترتي أهل بيتي ، ألا إنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، ألا فانظروني كيف تخلّفوني فيهما 3 ؟
و روى أيضا عن ( فضائله ) عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : النجوم أمان لأهل السّماء ، فإذا ذهب النّجوم ذهب أهل السماء ، و أهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض 4 .
و روى أيضا عن صحيح مسلم عن زيد بن أرقم قال : قام فينا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله خطيبا بماء يدعى خما ، بين مكّة و المدينة ، فحمد اللَّه و أثنى عليه و وعظ و ذكّر ،
ثم قال : أمّا بعد ألا أيّها النّاس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فاجيب ،
و أنا تارك فيكم ثقلين : أوّلهما كتاب اللَّه فيه الهدى و النّور ، فخذوا بكتاب اللَّه
-----------
( 1 ) عيون الاخبار للصدوق 1 : 179 ح 6 ، و 2 : 145 ح 18 ، و : 142 ح 10 .
-----------
( 2 ) عيون الاخبار للصدوق 1 : 179 ح 6 ، و 2 : 145 ح 18 ، و : 142 ح 10 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 322 .
-----------
( 4 ) تذكرة الخواص : 323 .
[ 273 ]
و استمسكوا به . فحثّ على كتاب اللَّه و رغّب فيه ، ثمّ قال : و أهل بيتي اذكّركم اللَّه في أهل بيتي ، اذكّركم اللَّه في أهل بيتي ، اذكّركم اللَّه في أهل بيتي 1 .
و روى ( حلية أبي نعيم ) في حذيفة بن أسيد مسندا عنه ، قال : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : أيّها النّاس إنّي فرطكم ، و إنّكم و اردون عليّ الحوض ، فإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثّقلين ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما ؟ الثّقل الأكبر : كتاب اللَّه سبب طرفه بيد اللَّه و طرفه بأيديكم ، فاستمسكوا به لا تضلّوا و لا تبدّلوا ، و عترتي أهل بيتي ، فإنّه قد نبّأني اللّطيف الخبير أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض 2 .
و روى أبو الفرج في كتابه ( مرج البحرين ) و ابن قتيبة في ( معارفه ) عن أبي ذر قال : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ،
و من تخلّف عنها غرق 3 .
هذا و مرّ شطر من فضائل الحسنين عليهما السّلام .
و أمّا زين العابدين عليه السّلام فروى سبط ابن الجوزي : أنّه كان إذا توضأ اصفرّ لونه فيقال : ما هذا الّذي يعتادك عند الوضوء ؟ فيقول : أتدرون بين يدي من اريد أن أقف ؟ 4 .
و أنّه إذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة ، فيقال له : ما لك ؟ فيقول : ما تدرون لمن اريد أن اناجي 5 ؟
و أنّه وقع حريق في داره و هو ساجد فقالوا : النّار النّار يابن رسول اللَّه
-----------
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه 4 : 1873 ح 36 ، تذكرة الخواص : 322 .
-----------
( 2 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 1 : 355 .
-----------
( 3 ) مرج البحرين لأبي الفرج عنه تذكرة الخواص : 323 ، و معارف ابن قتيبة : 252 .
-----------
( 4 ) تذكرة الخواص : 325 .
-----------
( 5 ) تذكرة الخواص : 325 .
[ 274 ]
فما رفع رأسه حتّى اطفئت . فقيل له : ما الّذي ألهاك عنها ؟ فقال : النّار الاخرى 1 .
و أنّه كان يستقي الماء لطهوره و لا يمكّن أحدا أن يعينه على طهوره ،
و يقضي ما فاته من ورده بالنّهار في الليل ، و كان ورده في الليل و النهار ألف ركعة 2 .
و أنّه لمّا مات وجدوه يعول مائة أهل بيت بالمدينة ، و كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به ، و يقول : صدقة السّر تطفىء غضب الرّبّ .
و كان أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السّرّ حتّى مات عليّ بن الحسين عليه السّلام 3 .
و أنّه دخل على محمّد بن اسامة بن زيد في مرضه يعوده فجعل محمّد يبكي ، فقال عليه السّلام له : ما شأنك ؟ فقال : عليّ دين . قال : كم هو ؟ قال : خمسة عشر ألف دينار . فقال : هو عليّ 4 .
و أنّ هشام بن إسماعيل المخزومي و الي المدينة كان يؤذيه و يشتم عليّا عليه السّلام على المنبر و ينال منه ، فلمّا ولّي الوليد بن عبد الملك الخلافة عزله و أمر به أن يوقف للنّاس ، قال هشام : و اللَّه ما أخاف إلاّ من عليّ بن الحسين ، إنّه رجل صالح يسمع قوله . فأوصى علي بن الحسين عليه السّلام أصحابه و مواليه و خاصّته أن لا يتعرضوا لهشام ، ثمّ مرّ عليّ عليه السّلام في حاجته فما عرض له ،
فناداه هشام و هو واقف للنّاس : . . . اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته . . . 5 .
و أنّه عليه السّلام خرج يوما من المسجد فتبعه رجل فسبّه ، فلحقته العبيد
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 325 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 326 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 327 .
-----------
( 4 ) تذكرة الخواص : 331 .
-----------
( 5 ) تذكرة الخواص : 328 ، و الآية 124 من سورة الأنعام .
[ 275 ]
و الموالي فهمّوا بالرّجل ، فقال : دعوه . ثمّ قال له : ما ستر اللَّه عنك من أمرنا أكثر ،
ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحى الرّجل ، فألقى عليه السّلام عليه خميصة كانت عليه ،
و أعطاه ألف درهم ، فكان الرّجل بعد ذلك إذا رآه يقول : أشهد أنّك من أولاد الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله 1 .
و أنّه كان بينه عليه السّلام و بين الحسن بن الحسن بعض الأمر ، فجاء الحسن إليه عليه السّلام و هو جالس في المسجد مع أصحابه ، فما ترك شيئا إلاّ قاله له و عليّ عليه السّلام ساكت ، و انصرف الحسن فجاء عليّ عليه السّلام في الليل إلى بابه يعتذر إليه ، فخرج إليه الحسن ، فالتزمه و جعلا يبكيان حتّى رحمهما من كان حاضرا ،
ثم قال الحسن : و اللَّه لا عدت في أمر تكرهه أبدا . فقال عليّ عليه السّلام : و أنت في حلّ ممّا قلت لي 2 .
و أنّه كان عنده عليه السّلام قوم فاستعجل خادما له ، فأخرج شواء من التنّور ،
و أقبل الخادم عجلا و بيده السّفود ، و بين يدي عليّ عليه السّلام ولد صغير له ،
فسقط السّفود على الصّغير فنشّ و مات ، فبهت الخادم ، فنظر إليه علي عليه السّلام و قال له : أنت لم تتعمّد هذا ، أنت حرّ لوجه اللَّه تعالى . ثمّ أمر بمواراة الولد 3 .
و أنّه عليه السّلام كان يقول في مناجاته : إلهنا و سيّدنا و مولانا لو بكينا حتّى تسقط أشفارنا ، و انتحبنا حتّى تنقطع أصواتنا ، و قمنا حتّى تيبس أقدامنا ،
و ركعنا حتّى تنخلع أوصالنا ، و سجدنا حتّى تتفقأ أحداقنا ، و أكلنا تراب الأرض طول أعمارنا ، و ذكرناك حتّى تكلّ ألسنتنا ما استوجبنا بذلك محو سيّئة من سيّئاتنا 4 .
و أنّ هشام بن عبد الملك حجّ فاجتهد أن يستلم الحجر ، فلم يمكنه من
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 331 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 326 ، 331 ، 332 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 326 ، 331 ، 332 .
-----------
( 4 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 326 ، 331 ، 332 .
[ 276 ]
الزّحام ، فجاء عليّ بن الحسين عليه السّلام فوقف النّاس له ، و تنحّوا عن الحجر حتّى استلمه ، و لم يبق عند الحجر سواه ، فقال هشام : من هذا ؟ فقالوا : لا نعرفه . فقال الفرزدق : لكنّي أعرفه . ثم اندفع فقال :
هذا الّذي تعرف البطحاء و طأته
و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم
هذا ابن خير عباد اللَّه كلّهم
هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته
ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إلى أن قال فغضب هشام و أمر بحبس الفرزدق بعسفان بين مكّة و المدينة ، فبعث إليه عليّ عليه السّلام بألف دينار فردّها ، و قال : إنّما قلت ما قلت غضبا للَّه و رسوله ، فما آخذ عليه أجرا . فقال عليّ عليه السّلام : نحن أهل بيت لا يعود إلينا ما خرج منّا . فقبلها الفرزدق ، و هجا هشاما 1 .
و روى المسعودي في ( مروجه ) أنّه اتي بعليّ بن الحسين عليه السّلام إلى مسلم بن عقبة و هو مغتاظ عليه ، فتبرأ منه و من آبائه ، فلمّا رآه و قد أشرف عليه ارتعد و قام له و أقعده إلى جانبه ، و قال له : سلني حوائجك . فلم يسأله في أحد ممّن قدّم إلى السّيف إلاّ شفّعه فيه ، ثمّ انصرف عنه ، فقيل لعليّ عليه السّلام :
رأيناك تحرّك شفتيك ، فما الّذي قلت ؟ قال : قلت : « اللّهمّ ربّ السّماوات السّبع و ما أظللن ، و الأرضين السّبع و ما أقللن ، ربّ العرش العظيم ، ربّ محمّد و آله الطاهرين . أعوذ بك من شرّه و أدرأ بك في نحره ، أسألك أن تؤتيني خيره و تكفيني شرّه » . و قيل لمسلم : رأيناك تسبّ هذا الغلام و سلفه فلمّا اتي به إليك رفعت منزلته ؟ فقال : ما كان ذلك لرأي منّي ، لقد ملىء قلبي منه رعبا 2 .
و في ( تذكرة السّبط ) : في ( تذكرة ابن حمدون ) قال الزّهري : حمل عبد
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 329 ، 324 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 70 .
[ 277 ]
الملك عليّ بن الحسين عليه السّلام مقيّدا من المدينة ، فأثقله حديدا ، و وكّل به حفظة ،
قال : فاستأذنتهم في وداعه فأذنوا ، فدخلت عليه و القيود في رجليه و الغل في يديه ، فهو في قبّة فبكيت و قلت : وددت أنّي مكانك و أنت سالم . فقال : يا زهري أتظنّ أنّ ما ترى عليّ و في عنقي يكرثني ؟ أما لو شئت لما كان ، و إنّه ليذكّرني عذاب اللَّه ، ثمّ أخرج رجليه من القيد ، و يديه من الغل ثم قال : لا جزت معهم على ذا ميلين من المدينة . قال : فما مضت إلاّ أربع ليال ، و إذا قد قدم الموكّلون الّذين كانوا معه إلى المدينة يطلبونه فما وجدوه ، فسألت بعضهم فقالوا : إنّا نراه متبوعا ، إنّه لنازل ، و نحن حوله نرصده إذ طلع الفجر فلم نجده و وجدنا حديده . قال الزّهري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك فسألني عنه فأخبرته ،
فقال : قد جاءني يوم فقده الأعوان فدخل عليّ فقال : ما أنا و أنت ؟ فقلت : أقم عندي . قال : لا احبّ . ثمّ خرج ، فو اللَّه لقد امتلأ قلبي منه خيفة 1 .
و في ( فصول ابن الصّبّاغ المالكي ) عن أبي عبد اللَّه الزّاهد قال : لمّا ولّي عبد الملك بن مروان الخلافة كتب إلى الحجاج بن يوسف الثقفي : أمّا بعد فانظر دماء بني عبد المطّلب فاجتنبها ، فإنّي رأيت آل أبي سفيان لمّا و لعوا فيها لم يلبثوا إلاّ قليلا . قال : و بعث بالكتاب سرّا إلى الحجّاج ، و قال له : اكتم ذلك .
فكوشف بذلك عليّ بن الحسين عليهما السّلام ، فكتب من فوره إلى عبد الملك : أمّا بعد فإنّك كتبت في يوم كذا من شهر كذا إلى الحجّاج سرّا في حقّنا لبني عبد المطّلب بما هو كيت و كيت ، و قد شكر اللَّه لك ذلك . قال : فلمّا نظر ( عبد الملك الكتاب ) و تأمّل فيه وجد تاريخه موافقا لتاريخ كتابه الّذي كتبه إلى الحجّاج في اليوم و السّاعة 2 .
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 329 ، 324 .
-----------
( 2 ) الفصول المهمّة لابن الصباغ : 203 ، و الاختصاص للمفيد : 308 ، و النقل بتلخيص .
[ 278 ]
و روى في الجزء التاسع من ( مجالس ثعلب ) عن جويرية قال : ما أكل عليّ بن الحسين بقرابته من النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله درهما قط 1 .
و عن طاووس قال : رأيت عليّ بن الحسين ساجدا في الحجر ، فقلت :
رجل صالح من أهل بيت طيب ، لأسمعن ما يقول . فأصغيت إليه فسمعته يقول :
« عبيدك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك » فو اللَّه ما دعوت بها في كرب قطّ إلاّ كشف عنّي 2 .
و يأتي خبر جابر عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّه يولد من الحسين مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادى منادي : ليقم سيّد العابدين . فيقوم ولده 3 .
و في ( عمدة الطالب ) قال الجاحظ في رسالة له صنّفها في فضائل بني هاشم : و أمّا عليّ بن الحسين بن علي فلم أر الخارجي في أمره إلاّ كالشّيعي ،
و لم أر الشّيعيّ إلاّ كالمعتزلي ، و لم أر المعتزلي إلاّ كالعامّي ، و لم أر العامي إلاّ كالخاصّي ، و لم أجد أحدا يتمارى في تفضيله و يشكّ في تقديمه 4 .
و في ( تاريخ الطبري ) : في كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن بن الحسن عليه السّلام : و ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أفضل من عليّ بن الحسين عليه السّلام 5 .
و روى في ( ذيل تاريخه ) عن يزيد بن عياض قال : أصاب الزّهري دما خطأ فخرج و ترك أهله ، و ضرب فسطاطا ، و قال : لا يظلّني سقف بيت . فمرّ به عليّ بن الحسين عليه السّلام فقال : يابن شهاب قنوطك أشدّ من ذنبك ، فاتّق اللَّه
-----------
( 1 ) مجالس ثعلب 2 : 426 .
-----------
( 2 ) مجالس ثعلب 2 : 426 .
-----------
( 3 ) انظر ما نقل في تذكرة الخواص : 337 عن المدائني الذي يأتي عن قريب .
-----------
( 4 ) عمدة الطالب للحسني : 194 عن فضائل بني هاشم للجاحظ ، و نقله عن هذا الكتاب للجاحظ القندوزي في ينابيع المودة : 153 بفرق كثير .
-----------
( 5 ) تاريخ الطبري 4 : 198 سنة 145 .
[ 279 ]
و استغفره و ابعث إلى أهله بالدية ، و ارجع إلى أهلك . و كان الزّهري يقول : عليّ بن الحسين عليه السّلام أعظم النّاس عليّ منّة 1 .
و روى عن هشام بن عروة قال : كان عليّ بن الحسين عليه السّلام يخرج على راحلته إلى مكّة و يرجع لا يقرعها 2 .
و أمّا الباقر عليه السّلام فقالوا في ( مفاخرات هاشم و اميّة ) و قد نقله ابن أبي الحديد : منه ، و من ابنه جعفر تعلّم الناس الفقه ، و هو الملقّب بالباقر ، باقر العلم ،
لقّبه به النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و لم يخلق بعد ، و بشّر به ، و وعد جابر بن عبد اللَّه الأنصاري برؤيته و قال : ستراه طفلا ، فإذا رأيته فأبلغه عنّي السّلام . فعاش جابر حتّى رآه ، و قال له ما وصاه به النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله 3 .
و في كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللَّه المحض ، جوابا عن كتابه الّذي كتب إليه ، يفتخر بأنّه ليس في امّهاته ام ولد و قد رواه الطبري : و ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أفضل من عليّ بن حسين عليه السّلام و هو لامّ ولد ،
و لهو خير من جدّك حسن بن حسن ، و ما كان فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن عليّ 4 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) قال عطا : ما رأيت العلماء عند أحد منهم ، أصغر علما منهم عند أبي جعفر عليه السّلام ، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب ، و يعنى بالحكم الحكم بن عتبة ، و كان عالما نبيلا جليلا في زمانه 5 .
و ذكر المدائني عن جابر بن عبد اللَّه أنّه أتى أبا جعفر محمّد بن عليّ إلى الكتّاب و هو صغير فقال له : النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يسلّم عليك . فقيل لجابر : و كيف هذا ؟
-----------
( 1 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 119 .
-----------
( 2 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 119 .
-----------
( 3 ) رواه الجاحظ في مفاخرات هاشم و اميّة عنه شرح ابن أبي الحديد 3 : 491 ، شرح الكتاب 28 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 4 : 198 سنة 145 .
-----------
( 5 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 337 ، 340 .
[ 280 ]
فقال : كنت جالسا عند النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و الحسين عليه السّلام في حجره و هو يداعبه ، فقال :
يا جابر يولد له مولود اسمه عليّ ، إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده ، ثمّ يولد له ولد اسمه محمّد فإن أدركته يا جابر فأقرئه منّي السّلام 1 .
و نقل السّبط أيضا : و كان أبو جعفر عليه السّلام يحضر إخوانه فيطعمهم أطيب الطّعام ، و يكسوهم أحسن الكسوة ، و يهب لهم الدراهم الكثيرة ، و يجيز بالخمسمائة إلى الألف درهم ، و لا يملّ من مجالسة الاخوان 2 .
و روى عن أفلح مولاه قال : خرجت مع مولاي حاجّا فلمّا دخل المسجد نظر إلى البيت ، فبكى حتّى علا صوته ، فقلت : بأبي و امّي إنّ الناس ينظرون إليك فلو رفعت بصوتك قليلا . فبكى و قال : و يحك لم لا أبكي ، لعلّ اللَّه أن ينظر إليّ برحمة منه فأفوز بها عنده . ثمّ طاف بالبيت ، و ركع عند المقام ، و رفع رأسه من سجوده فإذا موضعه مبتلّ من دموعه ، و كان إذا ضحك يقول : اللّهمّ لا تمقتني 3 .
و روى أنّه عليه السّلام قال : من عبد المعنى دون الاسم فإنّه يخبر عن غائب ،
و من عبد الاسم دون المعنى فإنّه يعبد المسمّى ، و من عبد الاسم و المعنى فإنّه يعبد إلهين ، و من عبد المعنى بتقريب الاسم إلى حقيقة المعرفة فهو موحّد 4 .
و في ( عيون ابن قتيبة ) : دخل زيد بن علي على هشام فقال : ما فعل أخوك البقرة ؟ فقال زيد : سمّاه رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله باقرا ، و تسميّه بقرة . لقد اختلفتما 5 .
و روى عن جابر أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال له : يا جابر إنّك ستعمر بعدي حتّى
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 337 ، 340 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 337 ، 340 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 339 ، 340 .
-----------
( 4 ) المصدر نفسه .
-----------
( 5 ) عيون الاخبار لابن قتيبة 1 : 212 .
[ 281 ]
يولد لي مولود اسمه كاسمي يبقر العلم بقرا ، فإذا لقيته فأقرئه منّي السّلام .
فكان جابر يتردّد في سكك المدينة بعد ذهاب بصره ، و هو ينادي : يا باقر ، حتى قال النّاس : قد جنّ جابر . فبينا ذات يوم هو بالبلاط إذ بصر بجارية يتوركها صبي . فقال لها : يا جارية من هذا الصّبي ؟ قالت : محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب . فقال : أدنيه منّي . فأدنته فقبّل بين عينيه ، و قال : يا حبيبي رسول اللَّه يقرئك السّلام . ثمّ قال : نعيت إليّ نفسي و ربّ الكعبة . ثمّ انصرف إلى منزله و أوصى ، فمات من ليلته 1 .
و في ( بيان الجاحظ ) : جمع محمّد بن عليّ صلاح شأن الدّنيا بحذافيرها في كلمتين فقال : « إصلاح شأن جميع التّعايش و التّعاشر ملء مكيال ثلثاه فطنة ، و ثلثه تغافل » . قال : لم يجعل لغير الفطنة نصيبا في الخير و لا حظّا في الصّلاح ، لأنّ الإنسان لا يتغافل إلاّ عن شيء قد فطن له 2 .
و أمّا أبو عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصادق عليه السّلام ، ففي ( حلية أبي نعيم ) عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت إذا نظرت إلى جعفر بن محمّد علمت أنّه من سلالة النّبييّن 3 .
و عن ابن بسطام قال : كان جعفر بن محمّد عليه السّلام يطعم حتّى لا يبقى لعياله شيء 4 .
و عن ابن المقدام قال : وقع الذّباب على المنصور فذبّه عنه ، فعاد فذبّه حتّى أضجره ، فدخل جعفر بن محمّد عليه السّلام عليه ، فقال له المنصور : يا أبا عبد
-----------
( 1 ) عيون الاخبار لابن قتيبة 1 : 212 .
-----------
( 2 ) البيان و التبيين للجاحظ 1 : 107 .
-----------
( 3 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 3 : 193 .
-----------
( 4 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 3 : 194 .
[ 282 ]
اللَّه لم خلق اللَّه الذّباب ؟ قال : ليذلّ به الجبابرة 1 .
و روى أنّ ابن شبرمة ، و ابن أبي ليلى ، و أبا حنيفة دخلوا عليه عليه السّلام فقال لابن أبي ليلى : من هذا معك ؟ قال : هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدّين .
قال : لعلّه يقيس أمر الدّين برأيه ؟ قال : نعم . فقال جعفر عليه السّلام لأبي حنيفة :
ما اسمك ؟ قال : نعمان . قال : يا نعمان هل قست رأسك بعد ؟ قال : كيف أقيس رأسي ؟ قال : ما أراك تحسن شيئا . هل علمت ما الملوحة في العينين ، و المرارة في الاذنين ، و الحرارة في المنخرين ، و العذوبة في الشّفتين ؟ قال : لا . قال :
ما أراك تحسن شيئا . قال : فهل علمت كلمة أوّلها كفر و آخرها إيمان ؟ قال :
لا . فقال ابن أبي ليلى : يابن رسول اللَّه أخبرني بهذه الأشياء الّتي سألته عنها .
فقال : أخبرني أبي عن جدّي أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : إنّ اللَّه بمنّه و فضله جعل لابن آدم الملوحة في العينين ، لأنّهما شحمتان و لو لا ذلك لذابتا ، و إنّ اللَّه بمنّه و فضله و رحمة على ابن آدم جعل المرارة في الاذنين ، حجابا من الدّوابّ ،
فإن دخلت الرأس دابّة و التمست إلى الدماغ ، فإذا ذاقت المرارة التمست الخروج ، و إنّ اللَّه بمنّه و فضله و رحمة على ابن آم جعل الحرارة في المنخرين يستنشق بهما الريح ، و لو لا ذلك لأنتن الدّماغ ، و انّ اللَّه بمنّه و فضله و رحمة على ابن آدم جعل العذوبة في الشفتين يجد بهما استطعام كلّ شيء ، و يسمع النّاس بها حلاوة منطقه . قال : فأخبرني عن الكلمة الّتي أوّلها كفر ،
و آخرها إيمان . فقال : إذا قال العبد : « لا إله » فقد كفر ، فإذا قال : « إلاّ اللَّه » فهو إيمان .
ثم أقبل على أبي حنيفة فقال : يا نعمان حدّثني أبي عن جدّي : أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : أوّل من قاس أمر الدّين برأيه إبليس ، قال اللَّه تعالى له : اسجد
-----------
( 1 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 3 : 198 .
[ 283 ]
لآدم فقال : أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين 1 فمن قاس الدّين برأيه قرنه اللَّه تعالى يوم القيامة بإبليس ، لأنّه اتّبعه بالقياس . ثمّ قال جعفر :
أيّهما أعظم قتل النفس أو الزّنا ؟ قال أبو حنيفة : قتل النفس . قال : فإن اللَّه عزّ و جلّ قبل في قتل النفس شاهدين و لم يقبل في الزنا إلاّ أربعة . ثمّ قال : أيّهما أعظم : الصلاة أم الصوم ؟ قال : الصّلاة . قال : فما بال الحائض تقضي الصّوم ،
و لا تقضي الصلاة ؟ فكيف و يحك يقوم لك قياسك ؟ اتّق اللَّه و لا تقس الدّين برأيك 2 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) بأسانيد عن عبد الأعلى بن أعين ، و محمّد ابن أبي الكرام الجعفري ، و غيرهما أنّ جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء ،
و فيهم إبراهيم بن محمد بن عليّ بن عبد اللَّه بن عباس ، و أبو جعفر المنصور ،
و صالح بن عليّ ، و عبد اللَّه بن الحسن ، و ابناه محمّد و إبراهيم ، و محمّد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان ، فقال صالح بن عليّ : قد علمتم أنّكم الّذين تمدّ النّاس أعينهم إليهم و قد جمعكم اللَّه في هذا الموضع ، فاعقدوا بيعة لرجل منكم ،
تعطونه إيّاها من أنفسكم ، و تواثقوا على ذلك حتّى يفتح اللَّه و هو خير الفاتحين . فحمد اللَّه عبد اللَّه بن الحسن و أثنى عليه ، ثمّ قال : قد علمتم أنّ ابني هذا هو المهدي فهلموا نبايعه . و قال أبو جعفر المنصور : لأيّ شيء تخدعون أنفسكم ؟ و اللَّه لقد علمتم ما النّاس إلى أحد أصور أعناقا و لا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى يعني : محمّد بن عبد اللَّه قالوا : قد و اللَّه صدقت ،
إنّ هذا لهو الّذي نعلم . فبايعوا جميعا محمّدا ، و مسحوا على يده .
قال عيسى بن عبد اللَّه بن محمّد بن عمر بن عليّ : جاء رسول عبد اللَّه بن
-----------
( 1 ) الأعراف : 12 ، و ص : 76 .
-----------
( 2 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 3 : 196 .
[ 284 ]
الحسن إلى أبي : أن ايتنا فإنّنا مجتمعون لأمر . و أرسل بذلك إلى جعفر بن محمّد أيضا ، قال : فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا عليه ، و أرسل جعفر بن محمّد محمّد بن عبد اللَّه الأرقط ، فجئناهم فإذا بمحمّد بن عبد اللَّه يصلّي على طنفسة ، فقلت : أرسلني أبي إليكم لأسألكم لأيّ شيء اجتمعتم ؟ فقال عبد اللَّه :
اجتمعنا لنبايع المهدي محمّد بن عبد اللَّه . و جاء جعفر بن محمّد ، فأوسع له عبد اللَّه بن الحسن إلى جنبه ، فتكلّم معه بمثل كلامه معي ، فقال جعفر : لا تفعلوا فإنّ هذا الأمر لم يأت بعد ، و لا و اللَّه لا ندعك و أنت شيخنا و نبايع ابنك . فغضب عبد اللَّه ، و قال : لقد علمت خلاف ما تقول ، و لكن يحملك على هذا الحسد لابني . فقال :
و اللَّه ما ذلك يحملني ، و لكنّ هذا و إخوته و أبناءهم دونكم و ضرب بيده على ظهر أبي العبّاس ، ثمّ ضرب بيده على كتف عبد اللَّه بن الحسن فقال : إنّها و اللَّه ما هي إليك و لا إلى ابنيك ، و لكنّها لهم ، و إنّهما لمقتولان . ثمّ نهض و توكّأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري ، و قال لي : أرأيت صاحب الرّداء الأصفر يعني أبا جعفر المنصور ؟ قلت : نعم . قال : فإنّا و اللَّه نجده يقتله . قلت : أيقتل محمّدا ؟
قال : نعم . فقلت في نفسي : حسده و ربّ الكعبة . ثمّ قال : و و اللَّه ما خرجت من الدّنيا حتّى رأيته قتلهما . قال : فلمّا قال جعفر ذلك نهض القوم فافترقوا و لم يجتمعوا بعد ، و تبعه عبد الصّمد و أبو جعفر ، فقالا : يا أبا عبد اللَّه أتقول هذا ؟
قال : أقوله و أعلمه .
و قال : كان محمّد بن عبد اللَّه يسمّيه أهل بيته « المهدي » و يقدّرون أنّه الّذي جاءت فيه الرّواية ، حتّى لم يشك أحد أنّه المهدي ، و شاع ذلك له في العامّة ،
و بايعه رجال من بني هاشم جميعا ، من آل أبي طالب ، و آل العبّاس ، و سائر بني هاشم ، ثمّ ظهر من جعفر بن محمّد عليه السّلام قول في أنّه لا يملك ، و أنّ الملك
[ 285 ]
يكون في بني العبّاس ، فانتبهوا من ذلك لأمر لم يكونوا يطمعون فيه 1 .
و روى أبو الفرج أيضا عن امّ الحسين بنت عبد اللَّه بن محمّد الباقر عليه السّلام :
قالت : قلت لعمّي جعفر بن محمّد : إنّي فديتك ، ما أمر محمّد هذا ؟ قال : فتنة ، يقتل محمّد عند بيت رومي ، و يقتل أخوه لامّه و أبيه بالعراق ، و حوافر فرسه بالماء 2 .
و روى عن ابن داحة أنّ جعفر بن محمّد عليه السّلام قال لعبد اللَّه بن الحسن : إنّ هذا الأمر و اللَّه ليس إليك ، و لا إلى ابنيك ، و انّما هو لهذا يعني : السفّاح ثم لهذا يعني : المنصور ثمّ لولده من بعده ، لا يزال فيهم حتّى يؤمّروا الصّبيان و يشاورو النساء . فقال عبد اللَّه : و اللَّه يا جعفر ما اطلعك اللَّه على غيبه ، و ما قلت هذا إلاّ حسدا لابني . فقال : لا و اللَّه ما حسدت ابنك ، و إنّ هذا يعني أبا جعفر يقتله على أحجار الزّيت ، ثمّ يقتل أخاه بعده بالطفوف و قوائم فرسه في الماء .
ثم قام مغضبا يجر رداءه ، فتبعه أبو جعفر . فقال : أتدري ما قلت يا أبا عبد اللَّه ؟
قال : إي و اللَّه أدريه و إنّه لكائن . قال : فحدّثني من سمع أبا جعفر يقول :
فانصرفت لوقتي فرتّبت عمّالي ، و ميّزت اموري تمييز مالك لها . قال : فلمّا ولّي أبو جعفر الخلافة سمّي جعفرا الصّادق ، و كان إذا ذكره قال : قال لي الصادق جعفر بن محمّد كذا و كذا فبقيت عليه 3 .
قلت : و صار الأمر كما قال عليه السّلام في بدء بني العبّاس و في مآلهم في تأمير الصبيان و مشاورة النّساء ، قال المسعودي في ( تنبيهه ) : كان في المقتدر و في أيّامه امور لم يكن مثلها في الإسلام ، منها أنّه ولّي الخلافة ، و له ثلاث عشرة سنة و شهران و ثلاثة أيّام ، و منها غلبة النّساء على الملك و التّدبير ، حتّى إنّ جارية تعرف بمثل القهرمانة تجلس للنظر في مظالم الخاصّة و العامّة ،
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني : 157 ، 158 ، 168 ، 171 و الأول بتقطيع .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني : 157 ، 158 ، 168 ، 171 و الأول بتقطيع .
-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصبهاني : 157 ، 158 ، 168 ، 171 و الأول بتقطيع .
[ 286 ]
و يحضرها الوزير و الكاتب و القضاة و أهل العلم 1 .
و قال المسعودي أيضا في ( مروجه ) : بايع الأمين لابنه ، و سمّاه النّاطق بالحقّ ، و كان ابنه لا ينطق بأمر و لا يعرف حسنا و لا قبيحا ، و لم يخل من الحاجة إلى من يحضنه في قيامه و قعوده . فقال عليّ بن أبي طالب الأعمى البغدادي :
فعال الخليفة اعجوبة
و أعجب منه فعال الوزير
و أعجب من ذا و ذا أننّا
نبايع للطّفل فينا الصّغير
و من ليس يحسن مسح انفه
و لم يخل من متنه حجر ظير 2
و كان المنصور بعد خروج محمّد و إبراهيم عليه ، و خوفه من غلبتهما يتذكر قول الصادق عليه السّلام في ملكهم : « حتّى يؤمّروا الصّبيان و يشاوروا النّساء » .
روى أبو الفرج عن أبي الحجّاج الجمّال قال : إنّي لقائم على رأس أبي جعفر ، و هو يسألني عن مخرج محمّد إذ بلغه أنّ عيسى بن موسى هزم ، و كان متّكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاّه ، و قال : كلاّ فأين لعب صبياننا بها على المنابر ، و مشاورة النساء 3 ؟
و عن حفص بن حكيم : أنّ أبا جعفر و جل من إبراهيم حتّى جعل يقول :
و يلك يا ربيع فكيف و لم ينلها أبناؤنا ، فأين إمارة الصبيان 4 ؟
و روى أيضا إخباره عليه السّلام بمحروميّة عيسى بن موسى من نيل الخلافة ،
و قد كان السفاح جعله وليّ عهده بعد أخيه المنصور ، فجعله المنصور ولي
-----------
( 1 ) التنبيه و الاشراف للمسعودي : 328 و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 397 .
-----------
( 3 ) المقاتل لأبي الفرج : 184 ، 231 ، 184 .
-----------
( 4 ) المقاتل لأبي الفرج : 184 ، 231 ، 184 .
[ 287 ]
عهده بعد ابنه المهدي ، و خلعه المهدي رأسا ، و كان قتل محمّدا و إبراهيم ابني عبد اللَّه بن الحسن لإبقاء الأمر له ، فروى أبو الفرج عن عليّ بن اسماعيل بن صالح بن ميثم أنّ عيسى بن موسى لمّا قدم قال جعفر بن محمّد عليه السّلام : أهو هو ؟ قيل : من تعني يا أبا عبد اللَّه ؟ قال : المتلعب بدمائنا ، و اللَّه لا يحلأ منها شيء 1 .
و روى عن الرومي مولى جعفر بن محمّد عليه السّلام قال : أرسلني جعفر بن محمّد أنظر ما يصنعون ، فجئته فأخبرته أنّ محمّدا قتل ، و أنّ عيسى قبض على عين أبي زياد . فأبلس طويلا ، ثمّ قال : ما يدعو عيسى إلى أن يسيء بنا و يقطع أرحامنا ؟ فو اللَّه لا يذوق هو و لا ولده منها شيئا أبدا 2 .
و روى أنّه عليه السّلام قال للمنصور : اردد عليّ عين أبي زياد آكل من سعفها .
قال : إيّاي تكلّم بهذا الكلام ، و اللَّه لازهقنّ نفسك . قال : لا تعجل قد بلغت ثلاثا و ستّين و فيها مات أبي و جدّي عليّ بن أبي طالب ، فعليّ كذا و كذا إن آذيتك بشيء أبدا 3 .
و روى عن يونس بن أبي يعقوب قال : حدّثنا جعفر بن محمّد من فيه إلى اذني ، قال : لمّا قتل إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن بباخمرى حسرنا من المدينة ،
و لم يترك فيها منّا محتلم حتّى قدمنا الكوفة ، فمكثنا فيها شهرا نتوقّع فيها القتل ، ثمّ خرج إلينا الرّبيع الحاجب ، فقال : أين هؤلاء العلوية ؟ أدخلوا على الخليفة رجلين منكم من ذوي الحجى . فدخلنا إليه أنا و الحسن بن زيد ، فلمّا صرت بين يديه قال لي : أنت الّذي تعلم الغيب ؟ قلت : لا يعلم الغيب إلاّ اللَّه . قال :
-----------
( 1 ) المقاتل لأبي الفرج : 184 ، 231 ، 184 .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 184 ، 232 و نقل الأخير بتلخيص .
-----------
( 3 ) المقاتل لأبي الفرج : 184 .
[ 288 ]
أنت الّذي يجبى إليك هذا الخراج ؟ قلت : إليك يجبى الخراج . قال : أتدرون لم دعوتكم ؟ قلت : لا . قال : أردت أن أهدم رباعكم ، و أروّع قلوبكم ، و أعقر نخلكم ،
و أترككم بالسّراة لا يقربكم أحد من أهل الحجاز و أهل العراق ، فإنّهم لكم مفسدة . فقلت له : إنّ سليمان اعطي فشكر ، و إنّ أيوب ابتلي فصبر ، و إنّ يوسف ظلم فغفر ، و أنت من ذلك النّسل . فتبسّم ، و قال : أعد عليّ . فأعدت ، فقال : مثلك فليكن زعيم القوم ، و قد عفوت عنكم ، و وهبت لكم جرم أهل البصرة . حدّثني الحديث الّذي حدّثتني عن أبيك عن آبائه عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى أن قال : قلت :
حدّثني أبي عن آبائه عن عليّ عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : أنّ ملكا من الملوك في الأرض كان بقي من عمره ثلاث سنين فوصل رحمه ، فجعلها اللَّه ثلاثين سنة . فقال :
هذا الحديث أردت . أيّ البلاد أحبّ إليك ؟ قلنا : المدينة . فسرّحنا إلى المدينة ،
و كفى اللَّه مؤونته 1 .
و في ( مروج الذهب ) : كان أبو سلمة لمّا قتل إبراهيم الإمام خاف انتقاض الأمر و فساده عليه ، فبعث بمحمّد بن عبد الرّحمن بن أسلم و كتب معه كتابين على نسخة واحدة و إلى جعفر بن محمّد و إلى عبد اللَّه بن الحسن يدعو كلّ واحد منهما إلى الشّخوص إليه ، ليصرف الدعوة إليه و يجتهد في بيعة أهل خراسان له ، و قال للرّسول : العجل العجل ، فلا تكوننّ كوافد عاد . فقدم الرّسول المدينة على جعفر بن محمّد فلقيه ليلا ، فلمّا وصل إليه أعلمه أنّه رسول أبي سلمة ، و دفع إليه كتابه . فقال له : و ما أنا و أبو سلمة ؟ أبو سلمة شيعة لغيري .
قال له : إنّي رسول فتقرأ كتابه و تجيبه بما رأيت ، فدعا بسراج ، ثمّ أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السّراج حتّى احترق ، و قال للرّسول : عرّف صاحبك بما رأيت . ثمّ أنشأ يقول متمثّلا بقول الكميت :
-----------
( 1 ) المقاتل لأبي الفرج : 232 بتلخيص .
[ 289 ]
أيا موقدا نارا لغيرك ضوءها
و يا حاطبا في غير حبلك تحطب
فخرج الرّسول من عنده ، و أتى عبد اللَّه بن الحسن فدفع إليه الكتاب فقبّله و قرأه و ابتهج ، فلمّا كان الغد ركب حمارا حتّى أتى منزل جعفر بن محمّد ، فلمّا رآه أكبر مجيئه ، فقال له : يا أبا محمّد أمر ما جاء بك ؟ قال : نعم . و هو أجلّ من أن يوصف . فقال : و ما هو ؟ قال : هذا كتاب أبي سلمة يدعوني إلى ما قبله ، و قد قدمت عليه شيعتنا من أهل خراسان . فقال : و متى كان أهل خراسان شيعة لك ؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان ، و أنت أمرته بلبس السّواد ، و هؤلاء الّذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم ، و هل تعرف منهم أحدا ؟
فنازعه عبد اللَّه الكلام . . . 1 .
و قالوا في مفاخرات هاشم و اميّة عن قبل هاشم لامية : و كان لنا مثل جعفر بن محمّد الذي ملأ الدّنيا علمه و فقهه 2 .
و في ( إرشاد محمّد بن محمّد بن النّعمان ) : أنّ أصحاب الحديث جمعوا أسماء الرّواة عن الصادق عليه السّلام من الثّقات على اختلافهم في الآراء و المقالات ،
فكانوا أربعة آلاف رجل 3 .
و قال أحمد بن علي النّجاشي في ( فهرسته ) : قال الحسن بن عليّ الوشا أدركت في هذا المسجد ( يعني مسجد المدينة ) تسعمائة شيخ ، كلّ يقول :
حدّثني جعفر بن محمّد 4 .
و روى الطبري كتاب المنصور إلى محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن و فيه :
ما ولد فيكم بعد وفاة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أفضل من عليّ بن الحسين ، و ما كان
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 253 .
-----------
( 2 ) مفاخرات هاشم و امية للجاحظ عنه شرح ابن أبي الحديد 3 : 490 ، شرح الكتاب 28 .
-----------
( 3 ) إرشاد المفيد : 271 .
-----------
( 4 ) فهرست النجاشي : 29 .
[ 290 ]
فيكم بعده مثل ابنه محمّد بن عليّ ، و لا مثل ابنه جعفر 1 .
و في ( حياة الحيوان ) للدميري : الجفرة ، بفتح الجيم : ما بلغت أربعة أشهر من أولاد المعز ، و فصلت عن امّها ، و الذّكر جفر ، سمّي بذلك لأنّه جفر جنباه ، أي : عظما 2 .
قال ابن قتيبة في كتابه ( أدب الكاتب ) : و كتاب الجفر جلد جفر ، كتب فيه الإمام جعفر بن محمّد الصادق لآل البيت كلّ ما يحتاجون إلى علمه ، و كلّ ما كان إلى يوم القيامة 3 .
قال الدميري : و إلى هذا الجفر أشار أبو العلاء المعرّي بقوله :
لقد عجبوا لأهل البيت لمّا
أتاهم علمهم في مسك جفر
و مرآة المنجم و هي صغرى
أرته كلّ عامرة و قفر 4
قال : و قيل : إنّ ابن تومرت المعروف بالمهدي ظفر بكتاب الجفر ، فرأى فيه ما يكون على يد عبد المؤمن صاحب المغرب و قصّته و حليته و اسمه ،
فأقام ابن تومرت مدّة يتطلّبه حتّى وجده و صحبه ، و كان يكرّمه و يقدّمه على سائر أصحابه و ينشد إذا أبصره :
تكاملت فيك أوصاف خصصت بها
فكلّنا بك مسرور و مغتبط
السنّ ضاحكة و الكفّ مانحة
و النّفس واسعة و الوجه منبسط 5
و في ( فصول ابن الصّباغ المالكي ) : قد نقل بعض أهل العلم أنّ كتاب الجفر الّذي بالمغرب ، الّذي يتوارثه بنو عبد المؤمن بن عليّ ،
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 198 سنة 145 .
-----------
( 2 ) حياة الحيوان للدميري 1 : 197 مادة ( جفر ) .
-----------
( 3 ) لم أجده في أدب الكاتب لابن قتيبة .
-----------
( 4 ) حياة الحيوان للدميري 1 : 197 مادة ( جفر ) .
-----------
( 5 ) حياة الحيوان للدميري 1 : 197 مادة ( جفر ) .
[ 291 ]
من كلام الصّادق جعفر بن محمّد 1 .
و في ( فهرست النّجاشي ) بعد عنوان هشام بن محمّد بن السّائب الكلبي النّسابة العالم بالأيّام و المشهور بالفضل و العلم : و له الحديث المشهور ، قال :
اعتللت علّة عظيمة نسيت علمي ، فجلست إلى جعفر بن محمّد عليه السّلام ، فسقاني العلم في كأس ، فعاد إليّ علمي » 2 .
و في ( معرفة رجال الكشي ) : روى حمدويه عن محمّد بن عيسى عن ابن أبي عمير عن هشام بن الحكم : أنّ أبا موسى البناء دخل على أبي عبد اللَّه عليه السّلام مع نفر من أصحابه ، فقال عليه السّلام لهم : « احتفظوا بهذا الشّيخ » . قال : فذهب على وجهه في طريق مكّة فذهب من قزح فلم ير بعد ذلك 3 .
و روى ( الكافي ) عن عمرو بن أبي المقدام قال : كنت شاهدا عند البيت الحرام و رجل ينادي بأبي جعفر المنصور و هو يطوف ، و يقول : إنّ هذين الرّجلين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله ، فلم يرجع إليّ ، و اللَّه ما أدري ما صنعا به ؟ فقال لهما أبو جعفر : و ما صنعتما به ؟ فقالا : كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله . فقال لهما : وافياني غداة صلاة العصر في هذا المكان . فوافياه من الغد ،
و حضرته ، فقال لجعفر بن محمّد عليه السّلام و هو قابض على يده : اقض بينهم . فقال :
اقض بينهم أنت . فقال له : بحقّي عليك إلاّ قضيت بينهم . فخرج جعفر عليه السّلام ،
فطرح له مصلّى قصب فجلس عليه ، ثمّ جاء الخصماء فجلسوا قدّامه ، فقال للرّجل : ما تقول ؟ فقال : يابن رسول اللَّه إنّ هذين طرقا أخي ليلا فأخرجاه من منزله ، فو اللَّه ما رجع إليّ ، و و اللَّه ما أدرى ما صنعا به ؟ فقال : ما تقولان ؟ فقالا :
-----------
( 1 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 223 .
-----------
( 2 ) فهرست النجاشي : 305 .
-----------
( 3 ) معرفة الرجال للكشي ، اختياره : 310 ح 561 و أسناده « حمدويه و إبراهيم ابنا نصير قالا : حدّثنا محمّد بن عيسى . . . » .
[ 292 ]
يابن رسول اللَّه كلّمناه ثمّ رجع إلى منزله . فقال جعفر : يا غلام اكتب : « بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم . قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : كلّ من طرق رجلا بالليل فأخرجه من منزله فهو له ضامن ، إلاّ أن يقيم البيّنة : أنّه قد ردّه إلى منزله » . يا غلام نحّ هذا فاضرب عنقه . فقال : يابن رسول اللَّه ، و اللَّه ما قتلته أنا ، و لكنّي أمسكته ثمّ جاء هذا ، فوجأه فقتله . فقال : أنا ابن رسول اللَّه ، يا غلام ، نحّ هذا و اضرب عنق الآخر .
فقال : و اللَّه يابن رسول اللَّه ما عذّبته ، و لكنّي قتلته بضربة واحدة . فأمر أخاه فضرب عنقه ، ثمّ أمر بالآخر ، فضرب جنبيه و حبسه في السّجن ، و وقّع على رأسه بحبس عمره ، و يضرب كلّ سنة خمسين جلدة 1 .
و روى ( الكافي ) أيضا ، أنّ ربيعا أتى المنصور في الطّواف ، فقال له : مات فلان مولاك البارحة ، فقطع فلان مولاك رأسه بعد موته . فاستشاط و غضب ،
فقال لابن شبرمة و ابن أبي ليلى و عدّة معه من القضاة و الفقهاء : ما تقولون في هذا ؟ فكلّ قال : ما عندنا في هذا شيء . قال : فجعل يردّد المسألة في هذا و يقول :
أقتله أم لا ؟ فقالوا : ما عندنا في هذا شيء . فقال له بعضهم : قد قدم رجل السّاعة ، فإن كان عند أحد علم شيء فعنده الجواب في هذا ، و هو جعفر بن محمّد و قد دخل المسعى . فقال للرّبيع : اذهب إليه فقل له : لو لا معرفتنا بشغل ما أنت فيه لسألناك أن تأتينا ، و لكن أجبنا في كذا و كذا . فأتاه ربيع و هو على المروة فأبلغه الرّسالة ، فقال عليه السّلام له : قد ترى شغل ما أنا فيه ، و قبلك العلماء و الفقهاء فسلهم . قال : قد سألهم ، و لم يكن عندهم فيه شيء . قال : فردّه إليه .
فقال : أسألك إلاّ أجبتنا ، فليس عند القوم في هذا شيء . فقال عليه السّلام : حتّى أفرغ .
فلمّا فرغ جاء فجلس في جانب المسجد الحرام ، فقال للرّبيع : اذهب إليه فقل له :
عليه مائة دينار . فأبلغه ، فقالوا له : فسله : كيف صار عليه مائة دينار ؟
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 7 : 287 ح 3 .
[ 293 ]
فقال عليه السّلام : في النّطفة عشرون ، و في العلقة عشرون ، و في المضغة عشرون ،
و في العظم عشرون ، و في اللحم عشرون ، ثم أنشأناه خلقا آخر 1 ، و هذا هو ميّت بمنزلته قبل أن ينفخ فيه الرّوح في بطن امّه جنينا . فأخبره الجواب فأعجبهم ، و قالوا : ارجع إليه فسله : الدّنانير لمن هي ، ألورثته أم لا ؟ فقال عليه السّلام :
ليس لورثته منها شيء ، إنّما هذا شيء اتى إليه في بدنه بعد موته ، يحجّ بها عنه ،
أو يتصدق بها ، أو تصير في سبيل من سبل الخير . . . 2 .
و روى ( الكافي ) أيضا عن صفوان الجمّال قال : حملت أبا عبد اللَّه عليه السّلام في الحملة الثانية إلى الكوفة و المنصور فيها ، فلمّا أشرف على الهاشمية مدينة أبي جعفر أخرج رجله من غزر الرّحل ، ثمّ نزل و دعا ببغلة شهباء و لبس ثياب بيض و كمة بيضاء ، فلمّا دخل عليه قال له المنصور : لقد تشبّهت بالأنبياء ؟
فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام و أنّى تبعّدني من أبناء الأنبياء ؟ فقال : لقد هممت أن أبعث إلى المدينة من يعقر نخلها ، و يسبي ذرّيّتها . فقال : و لم ؟ قال : رفع إليّ أنّ مولاك المعلى بن خنيس يدعو إليك ، و يجمع لك الأموال . فقال : و اللَّه ما كان . فقال :
لست أرضى لك إلاّ بالطّلاق و العتاق ، و الهدي و المشي . فقال عليه السّلام : أبالأنداد من دون اللَّه تأمرني أن أحلف ؟ من لم يرض باللَّه فليس من اللَّه في شيء . فقال :
أتتفقه عليّ ؟ فقال : و أنّى تبعّدني من الفقه و أنا ابن رسول اللَّه ؟ قال : فإنّي أجمع بينك و بين من سعى بك . قال : فافعل . فجاء الرّجل الّذي سعى به . فقال أبو عبد اللَّه عليه السّلام أهكذا ؟ فقال : نعم و اللَّه الّذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب و الشهادة الرّحمن الرّحيم لقد فعلت . فقال له أبو عبد اللَّه عليه السّلام : و يلك تمجّد اللَّه فيستحيي من تعذيبك ، و لكن قل : برئت من حول اللَّه و قوّته و ألجأت إلى حولي و قوّتي . فحلف
-----------
( 1 ) المؤمنون : 14 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 7 : 347 ح 1 .
[ 294 ]
بها الرّجل فلم يستتمّها حتّى وقع ميّتا 1 .
و رواه ابن الصّباغ المالكي في ( فصوله ) مع زيادة و نقيصة 2 . و روى ( مهج ابن طاووس ) إحضار المنصور له عليه السّلام ليقتله مرّات ، و دفع اللَّه تعالى له عنه بدعائه عليه السّلام 3 .
و روي أيضا عن العبّاس الفقيمي : أنّ ابن أبي العوجاء و ابن طالوت و ابن الأعمى و ابن المقفّع في نفر من الزّنادقة كانوا مجتمعين في الموسم بالمسجد الحرام ، و أبو عبد اللَّه جعفر بن محمّد عليه السّلام إذ ذاك فيه يفتي النّاس ،
و يفسّر لهم القرآن ، و يجيب عن المسائل بالحجج و البيّنات ، فقال القوم لابن أبي العوجاء : هل لك في تغليط هذا الجالس و سؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به ، فقد ترى فتنة الناس به ، و هو علاّمة زمانه ؟ فقال لهم ابن أبي العوجاء : نعم . ثمّ تقدّم ففرّق النّاس ، فقال له : إنّ المجالس أمانات و لا بدّ لمن كان به سعال أن يسعل ، أفتأذن لي في السّؤال ؟ فقال عليه السّلام له : سل إن شئت .
فقال له : إلى كم تدوسون هذا البيدر ، و تلوذون بهذا الحجر ، و تعبدون هذا البيت المرفوع بالطّوب و المدر ، و تهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر ؟ من فكّر في هذا و قدّر علم أنّه فعل غير حكيم و لا ذي نظر ، فقل ، فإنّك رأس هذا الأمر و سنامه ، و أبوك اسّه و نظامه . فقال عليه السّلام : إنّ من أضلّه اللَّه و أعمى قلبه ،
استوخم الحق فلم يعذبه ، و صار الشيطان وليّه و ربّه ، يورده مناهل الهلكة و لا يصدره . هذا بيت استعبد اللَّه به خلقه ، ليختبر طاعتهم في إتيانه ، فحثّهم على تعظيمه و زيارته ، و جعله قبلة للمصلّين له ، فهو شعبة من رضوانه ، و طريق
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 6 : 445 ح 3 .
-----------
( 2 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 225 .
-----------
( 3 ) مهج الدعوات لابن طاووس : 18 .
[ 295 ]
مؤدّ إلى غفرانه ، منصوب على استواء الكمال ، و مجمع العظمة و الجلال ، خلقه اللَّه تعالى قبل دحو الأرض بألفي عام ، فأحقّ من اطيع في ما أمر ، و انتهي عمّا عنه زجر اللَّه المنشىء للأرواح و الصّور .
فقال له ابن أبي العوجاء : ذكرت فأحلت على غائب . فقال عليه السّلام : و يلك كيف يكون غائبا من هو مع خلقه شاهد ، إليهم أقرب من حبل الوريد ، يسمع كلامهم و يعلم أسرارهم ، لا يخلو منه مكان ، و لا يشتغل به مكان ، و لا إلى مكان أقرب من مكان ، تشهد له بذلك آثاره ، و تدلّ عليه أفعاله ، و الّذي بعثه بالآيات المحكمة و البراهين الواضحة ، و هو محمّد صلّى اللَّه عليه و آله جاءنا بهذه العبادة ، فإن شككت في شيء من أمره فسل عنه اوضّحه لك . فأبلس ابن أبي العوجاء ، و لم يدر ما يقول ، فانصرف من بين يديه ، و قال لأصحابه : سألتكم أن تلتمسوا لي خمرة ، فألقيتموني على جمرة . قالوا له : اسكت لقد فضحتنا بحيرتك و انقطاعك ، و ما رأينا اليوم أحقر منك في مجلسه . فقال لهم : ألي تقولون ؟ إنّه ابن من حلق رؤوس من ترون . و أومأ بيده إلى أهل الموسم 1 .
و روي أيضا : أنّ أبا شاكر الدّيصاني وقف ذات يوم في مجلسه ، فقال :
إنّك لأحد النّجوم الزّواهر ، و كان آباؤك بدورا بواهر ، و امّهاتك عقيلات عباهر ،
و عنصرك من أكرم العناصر ، و إذا ذكر العلماء فعليك تثنى الخناصر ، خبّرنا أيّها البحر الزاخر ما الدليل على حدوث العالم ؟ فقال عليه السّلام : من أقرب الدّليل على ذلك ما اظهره لك . ثمّ دعا ببيضة فوضعها في راحته ، و قال : هذا حصن ملموم ،
داخله غرقىء رقيق يطيف به كالفضة السائلة و الذهبة المائعة ، أتشكّ في ذلك ؟
-----------
( 1 ) ارشاد المفيد : 280 ، و كنز الفوائد للكراجكي : 230 عن العباس الفقيمي ، و أخرجه بفرق الكليني في الكافي 4 : 197 ح 1 ، و الصدوق في التوحيد : 253 ح 4 عن عيسى بن يونس ، و أخرجه الصدوق في علل الشرائع : 403 ح 4 و أماليه :
493 ح 4 المجلس 90 عن الفضل بن يونس .
[ 296 ]
قال أبو شاكر : لا شكّ في ذلك . قال عليه السّلام : ثمّ إنّه ينفلق عن صورة كالطاووس ،
أدخله شيء غير ما عرفت ؟ قال : لا . قال : فهذا الدليل على حدوث العالم . فقال أبو شاكر دللت فأوضحت و ذكرت فأوجزت ، و قد علمت أنّا لا نقبل إلاّ ما أدركناه بأبصارنا ، أو سمعناه بآذاننا ، أو ذقناه بأفواهنا ، أو شممناه بأنوفنا ،
أو لمسناه ببشرتنا . فقال عليه السّلام : ذكرت الحواس الخمس ، و هي لا تنفع في الاستنباط إلاّ بدليل ، كما لا تقطع الظّلمة بغير مصباح . قال : يريد عليه السّلام أنّ الحواس بغير عقل لا توصل إلى معرفة الغائبات ، و أن الّذي تراه من حدوث الصورة معقول بني العلم به على محسوس 1 .
و روي عن أحمد بن محسن الميثمي قال : كنت عند أبي منصور المتطبب ، فقال : أخبرني رجل من أصحابي ، قال : كنت أنا و ابن أبي العوجاء ،
و عبد اللَّه بن المقفّع في المسجد الحرام ، فقال ابن المقفّع : ترون هذا الخلق و أومأ بيده إلى موضع الطّواف ما منهم أحد أوجب له اسم الانسانية إلاّ ذلك الشّيخ الجالس يعني : أبا عبد اللَّه عليه السّلام فأمّا الباقون فرعاع و بهائم . فقال له ابن أبي العوجاء : و كيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشّيخ دون هؤلاء ؟ قال : لأنّي رأيت عنده ما لم أره عندهم . فقال له ابن أبي العوجاء : لا بدّ من اختبار ما قلت فيه منه .
فقال له ابن المقفّع : لا تفعل فإنّي أخاف أن يفسد عليك ما في يدك . فقال : ليس ذا رأيك ، و لكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إيّاه المحلّ الّذي وصفت . فقال ابن المقفّع : أمّا إذ توهمت عليّ هذا فقم إليه و تحفّظ ما استطعت من الزّلل ، و لا تثن عنانك إلى استرسال فيسلّمك إلى عقال ، و سمه ما لك أو عليك .
قال : فقام ابن أبي العوجاء ، و بقيت أنا و ابن المقفّع جالسين ، فلمّا رجع
-----------
( 1 ) توحيد الصدوق : 292 ح 1 و أماليه : 288 ح 5 المجلس 56 ، و إرشاد المفيد : 281 .
[ 297 ]
إلينا ابن أبي العوجاء قال : و يلك يابن المقفّع ما هذا ببشر ، و إن كان في الدّنيا روحاني يتجسّد إذا شاء ظاهرا ، و يتروّح إذا شاء باطنا فهو هذا .
فقال له : و كيف ذلك ؟ قال : جلست إليه ، فلمّا لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء ، و هو على ما يقولون يعني أهل الطواف فقد سلموا و عطبتم ، و ان يكن الأمر على ما تقولون و ليس كما تقولون فقد استويتم و هم . فقلت له : يرحمك اللَّه و أي شيء نقول ، و أيّ شيء يقولون ؟ ما قولي و قولهم إلاّ واحدا . فقال : و كيف يكون قولك و قولهم واحدا و هم يقولون : إنّ لهم معادا و ثوابا و عقابا ، و يدينون بأنّ في السّماء إلها ، و أنّها عمران ، و أنتم تزعمون أنّ السّماء خراب ليس فيها أحد ؟ قال : فاغتنمتها منه ،
فقلت له : ما منعه إن كان الأمر كما يقولون أن يظهر لخلقه ، و يدعوهم إلى عبادته حتّى لا يختلف منهم اثنان ؟ و لم احتجب عنهم ، و أرسل إليهم الرسل ،
و لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به ؟
فقال لي : و يلك و كيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك : نشؤك و لم تكن ، و كبرك بعد صغرك ، و قوّتك بعد ضعفك ، و ضعفك بعد قوّتك ،
و سقمك بعد صحّتك ، و صحتك بعد سقمك ، و رضاك بعد غضبك ، و غضبك بعد رضاك ، و حزنك بعد فرحك ، و فرحك بعد حزنك ، و حبّك بعد بغضك ،
و بغضك بعد حبّك ، و عزمك بعد أناتك ، و أناتك بعد عزمك ، و شهوتك بعد كراهتك ، و كراهتك بعد شهوتك ، و رغبتك بعد رهبتك ، و رهبتك بعد رغبتك ،
و رجاؤك بعد يأسك ، و يأسك بعد رجائك ، و خاطرك بما لم يكن في وهمك ،
و عزوب ما أنت معتقده عن ذهنك . قال : و ما زال يعدّد عليّ قدرته الّتي هي في نفسي الّتي لا أدفعها ، حتّى ظننت أنّه سيظهر في ما بيني و بينه 1 .
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 74 ح 2 ، و توحيد الصدوق : 125 ح 4 .
[ 298 ]
و روي أيضا عن هشام بن الحكم قال : كان بمصر زنديق تبلغه عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام أشياء ، فخرج إلى المدينة ليناظره إلى أن قال فقال له أبو عبد اللَّه عليه السّلام : أتعلم أنّ للأرض تحتا و فوقا ؟ قال : نعم . قال : فدخلت تحتها ؟ قال :
لا . قال : فما يدريك ما تحتها ؟ قال : لا أدري ، إلاّ أنّي أظنّ أن ليس تحتها شيء .
فقال عليه السّلام : فالظن عجز لما لا تستيقن . ثمّ قال : أفصعدت السّماء ؟ قال : لا . قال :
أفتدري ما فيها ؟ قال : لا . قال : عجبا لك لم تبلغ المشرق و لم تبلغ المغرب ، و لم تنزل الأرض ، و لم تصعد السّماء ، و لم تجر هناك فتعرف ما خلفهنّ ، و أنت جاحد بما فيهنّ ، و هل يجحد العاقل ما لا يعرف . قال الزّنديق : ما كلّمني بهذا أحد غيرك .
فقال عليه السّلام : فأنت من ذلك في شكّ ، فلعلّه هو و لعلّه ليس هو . فقال الزّنديق : و لعل ذلك . فقال عليه السّلام : أيّها الرجل ليس لمن لا يعلم حجّة على من يعلم ،
و لا حجّة للجاهل . يا أخا أهل مصر تفهّم عنّي ؟ فإنّا لا نشكّ في اللَّه أبدا ، أما ترى الشمس و القمر و الليل و النّهار يلجان فلا يشتبهان ، و يرجعان قد اضطرا ليس لهما مكان إلاّ مكانهما ، فإن كانا يقدران على أن يذهبها فلم يرجعان ؟ و إن كانا غير مضطرين فلم لا يصير الليل نهارا و النّهار ليلا ؟ اضطرّا و اللَّه يا أخا أهل مصر إلى دوامهما ، و الّذي اضطرّهما أحكم منهما ، و أكبر . فقال الزّنديق :
صدقت .
ثمّ قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : يا أخا أهل مصر إنّ الّذي تذهبون إليه و تظّنون أنّه الدّهر ، إن كان الدّهر يذهب بهم لم لا يردّهم ؟ و إن كان يردّهم ، لم لا يذهب بهم ؟ القوم مضطرّون يا أخا أهل مصر لم السّماء مرفوعة و الأرض موضوعة ؟ لم لا يسقط السّماء على الأرض ؟ لم لا تنحدر الأرض فوق طبقاها و لا يتماسكان ؟ و لا يتماسك من عليها ؟ قال الزّنديق : أمسكهما اللَّه ربّهما و سيّدهما . قال : فآمن الزّنديق على يدي أبي عبد اللَّه عليه السّلام . فقال له حمران :
[ 299 ]
جعلت فداك إن آمنت الزنادقة على يديك فقد آمن الكفّار على يدي أبيك 1 .
و روي أنّ عبد اللَّه الدّيصاني قال لهشام بن الحكم : ألك ربّ ؟ فقال : بلى .
قال : أقادر هو ؟ قال : نعم ، قادر قاهر . قال : يقدر أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تكبر البيضة ، و لا تصغر الدّنيا . قال هشام : النظرة . فقال : قد أنظرتك حولا . ثمّ خرج هشام إلى أبي عبد اللَّه عليه السّلام ، فقال له : أتاني عبد اللَّه الديصاني بمسألة ليس المعوّل فيها إلاّ على اللَّه و عليك ، قال لي كيت و كيت . فقال عليه السّلام له : كم حواسك ؟
قال : خمس . قال : أيّها أصغر ؟ قال : النّاظر . قال : و كم قدر النّاظر . قال : مثل العدسة أو أقلّ منها . فقال له : يا هشام فانظر أمامك ، و فوقك ، و اخبرني بما ترى . فقال : أرى سماء و أرضا و دورا ، و قصورا ، و براري ، و جبالا ، و أنهارا .
فقال له عليه السّلام : إنّ الّذي قدر أن يدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها قادر على أن يدخل الدّنيا كلّها البيضة لا تصغر الدّنيا ، و لا تكبر البيضة . فأكبّ هشام عليه ،
و قبّل يديه و رأسه و رجليه ، و قال : حسبي . و انصرف إلى منزله ، و غدا عليه الدّيصاني فقال له : إنّي جئتك مسلّما ، و لم أجئك متقاضيا للجواب . فقال له هشام : إن كنت جئت متقاضيا فهاك الجواب . فخرج الدّيصاني عنه حتّى أتى باب أبي عبد اللَّه عليه السّلام . إلى أن قال قال الدّيصاني : دلّني على معبودي ، و لا تسألني عن اسمي . فقال عليه السّلام له : اجلس ، و إذا غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها ، فقال : ناولني يا غلام . فناوله : فقال : يا ديصاني هذا حصن مكنون له جلد غليظ ، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق ، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة ،
و فضّة ذائبة ، فلا الذّهبة المائعة تختلط بالفضّة الذّائبة ، و لا الفضّة الذائبة تختلط بالذّهبة المائعة ، فهي على حالها لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها ، و لا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها ، لا يدرى للذّكر خلقت أم
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 72 ح 1 ، و توحيد الصدوق : 293 ح 4 .
[ 300 ]
للانثى ، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس ، أترى لها مدبّرا ؟ قال : فأطرق مليّا ثمّ قال : أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله و أنّك إمام و حجّة 1 .
و روي أيضا في خبر أنّه عليه السّلام قال لزنديق : لا يخلو قولك : « إنّهما اثنان » من أن يكونا قديمين قويّين ، أو يكونا ضعيفين ، أو يكون أحدهما قويّا و الآخر ضعيفا ، فإن كانا قويّين ، فلم لا يدفع كلّ واحد منهما صاحبه و يتفرّد بالتدبير ؟
و إن زعمت : أنّ أحدهما قويّ و الآخر ضعيف ، ثبت أنّه واحد كما نقول للعجز الظاهر في الثاني . فإن قلت : إنّهما اثنان ، لم يخل من أن يكونا متّفقين من كلّ جهة ، أو مفترقين من كلّ جهة ، فلمّا رأينا الخلق منتظما ، و الفلك جاريا ،
و التّدبير واحدا ، و الليل و النّهار و الشمس و القمر ، دلّ صحّة الأمر و التدبير و ائتلاف الأمر على أنّ المدبّر واحد . ثم يلزمك إن ادّعيت اثنين فرجة ما بينهما حتّى يكونا اثنين ، فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما ، فيلزمك ثلاثة ، فإن ادّعيت ثلاثة لزمك ما قلت في الاثنين ، حتّى تكون بينهم فرجة فيكونوا خمسة ،
ثمّ يتناهى في العدد إلى ما لا نهاية له في الكثرة . قال هشام : فكان من سؤال الزّنديق أن قال : فما الدّليل عليه ؟ فقال عليه السّلام : وجود الأفاعيل دلّت على أنّ صانعا صنعها ، ألا ترى أنّك إذا نظرت إلى بناء مشيّد مبنيّ علمت أنّ له بانيا ، و إن كنت لم تر الباني و لم تشاهده ؟ قال : فما هو ؟ قال عليه السّلام : شيء بخلاف الأشياء . ارجع بقولي إلى إثبات معنى ، و أنّه شيء بحقيقة الشّيئيّة ، غير أنّه لا جسم و لا صورة ، و لا يحسّ و لا يجسّ و لا يدرك بالحواسّ الخمس ، و لا تدركه الأوهام و لا تنقصه الدّهور ، و لا تغيّره الأزمان 2 .
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 79 ح 4 و النقل بتلخيص يسير .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 80 ح 5 ، و توحيد الصدوق : 243 ح 1 .
[ 301 ]
و في ( المناقب ) : أنّ رجلا من الحاجّ نام في مسجد المدينة و استيقظ ،
فتوهّم أنّ هميانه سرق ، فرأى جعفر الصادق عليه السّلام مصلّيا ، و لم يعرفه فتعلّق به ، و قال له : أنت أخذت همياني . قال : ما كان فيه ؟ قال : ألف دينار . فحمله إلى داره ، و وزن له ألف دينار ، و عاد إلى منزله و وجد هميانه ، فعاد إلى جعفر عليه السّلام معتذرا بالمال ، فأبى قبوله ، و قال : شيء خرج من يدي لا يعود إليّ . فسأل الرّجل عنه ، فقيل له : هذا جعفر الصّادق . قال : لا جرم هذا فعال مثله 1 .
و في ( فصول ابن الصّباغ المالكي ) : روى أنّ داود بن عليّ قتل المعلى بن خنيس مولى كان لجعفر الصادق عليه السّلام فأخذ ماله ، فبلغ ذلك جعفرا فدخل إلى داره ، و لم يزل ليله كلّه قائما إلى الصباح ، و لمّا كان وقت السّحر سمع منه و هو يقول في مناجاته : يا ذا القوّة القويّة ، و يا ذا المال الشّديد ، و يا ذا العزّة الّتي كلّ خلقك لها ذليل ، اكفنا هذا الطاغية ، و انتقم لنا منه . فما كان إلاّ ارتفعت الأصوات بالصراخ و العويل ، و قيل : مات داود فجأة 2 .
و قال ابن الصباغ المالكي أيضا : و لمّا بلغ جعفر الصّادق قول الحكم بن عبّاس الكلبي :
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة
و لم أر مهديا على الجذع يصلب
فرفع جعفر يديه إلى السماء ، و هما يرتعشان فقال : اللهمّ سلّط على الحكم بن عبّاس الكلبي كلبا من كلابك . فبعثه بنو امية إلى الكوفة ، فافترسه الأسد في الطريق ، فاتّصل ذلك بالصّادق فخرّ ساجدا ، و قال : الحمد للَّه الذي أنجزنا ما وعدنا 3 .
-----------
( 1 ) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 274 .
-----------
( 2 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 226 .
-----------
( 3 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 227 .
[ 302 ]
و قال صاحب ( عمدة الطالب ) : يقال لمحمّد بن عبد اللَّه بن علي بن الحسين عليه السّلام : الأرقط ، قال ذلك أبو الحسن العمري : قال أبو نصر البخاري : من يطعن في الأرقط فلا يطعن فيه من حيث النّسب و العقب ، و إنّما يطعنون لشيء جرى بينه و بين جعفر بن محمّد الصادق ، يقال : إنّه بصق في وجه الصادق ،
فدعا عليه فصار أرقط الوجه به نمش كريه المنظر . و أمّا نسبه فلا مطعن فيه 1 .
و روى ( الكافي ) عن صفوان بن يحيى قال : قال لي جعفر بن محمّد بن الأشعث : أتدري ما كان سبب دخولنا هذا الأمر و معرفتنا به ، و ما كان عندنا منه ذكر ، و لا معرفة شيء ممّا عند الناس ؟ إنّ أبا جعفر يعني : أبا الدوانيق قال لأبي : ابغ لي رجلا له عقل يؤدي عنّي . فقال له : إنّي قد أصبت لك هذا فلان بن مهاجر خالي . قال : فائتني به . فأتاه به ، فقال له : خذ هذا المال و ائت المدينة ،
و ائت عبد اللَّه بن الحسن ، و عدّة من أهل بيته فيهم جعفر بن محمّد فقل لهم : إنّي رجل غريب من أهل خراسان ، و بها شيعة من شيعتكم وجّهوا إليكم بهذا المال ، و ادفع إلى كلّ منهم كذا و كذا ، فإذا قبضوا المال فقل : إنّي رسول ، و احبّ أن يكون معي خطوطكم بقبضكم ما قبضتم . فأخذ المال و أتى المدينة ، فرجع إلى أبي الدّوانيق و أبي عنده ، فقال له : ما وراءك ؟ قال : أتيت القوم ، و هذه خطوطهم بقبضهم المال ، خلا جعفر بن محمّد ، فإنّي أتيته و هو يصلّي في مسجد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فجلست خلفه ، و قلت : حتّى ينصرف فأذكر له ما ذكرت لأصحابه . فعجّل و انصرف ثم التفت إليّ و قال : يا هذا اتّق اللَّه ، و لا تغرّ أهل بيت محمّد ، فإنّهم قريبو العهد بدولة بني مروان ، فكلّهم محتاج . فقلت : و ما ذاك ؟
فأدنى رأسه منّي ، و أخبرني بجميع ما جرى بيني و بينك كأنّه كان ثالثنا . فقال
-----------
( 1 ) عمدة الطالب للحسيني : 252 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 303 ]
له أبو جعفر : يابن مهاجر اعلم أنّه ليس من أهل بيت نبوّة إلاّ و فيه محدّث ، و أنّ جعفر بن محمّد محدّثنا اليوم . فكانت هذه الدّلالة سبب قولنا بهذه المقالة 1 .
و عن المفضل بن عمر : أنّ المنصور وجّه إلى الحسن بن زيد و هو و اليه على الحرمين أن أحرق على جعفر بن محمّد داره . فألقى النّار في دار أبي عبد اللَّه عليه السّلام فأخذت النار في الباب و الدهليز ، فخرج أبو عبد اللَّه عليه السّلام يتخطى النّار ، و يمشي فيها ، و يقول : أنا ابن أعراق الثّرى ، أنا ابن إبراهيم خليل اللَّه 2 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : قال إسماعيل بن علي بن عبد اللَّه بن العباس :
دخلت على أبي جعفر المنصور يوما ، و قد اخضلت لحيته بالدّموع ، فقال لي : ما علمت ما نزل بأهلك ؟ فقلت : و ما ذاك ؟ قال : فإنّ سيّدهم و عالمهم و بقية الأخيار منهم توفي . فقلت : و من هو ؟ قال : جعفر بن محمّد . فقلت : أعظم اللَّه أجر أمير المؤمنين ، و أطال لنا بقاءه . فقال لي : إنّ جعفرا كان ممّن قال اللَّه فيه : ثمّ أورثنا الكتاب الّذين اصطفينا من عبادنا 3 كان ممّن اصطفى اللَّه ، و كان من السابقين بالخيرات 4 .
و في ( الكافي ) عن أبي أيّوب النّحوي قال : بعث إليّ المنصور في جوف الليل ، فأتيته فدخلت عليه و هو جالس على كرسي ، و بين يديه شمعة و في يده كتاب ، فلمّا سلّمت عليه رمى بالكتاب إليّ و هو يبكي ، فقال لي : هذا كتاب محمّد بن سليمان يخبرنا أنّ جعفر بن محمّد قد مات ، و إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون ثلاثا و أين مثل جعفر ؟ ثمّ قال لي : اكتب . قال : فكتبت صدر الكتاب ، ثمّ قال :
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 475 ح 6 .
-----------
( 2 ) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 236 .
-----------
( 3 ) فاطر : 32 .
-----------
( 4 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 383 و النقل بتلخيص .
[ 304 ]
اكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدّمه و اضرب عنقه . فرجع إليه الجواب : أنّه قد أوصى إلى خمسة ، و أحدهم أبو جعفر المنصور و محمّد بن سليمان و عبد اللَّه و موسى و حميدة . قال النضر بن سويد : فقال المنصور :
ليس إلى قتل هؤلاء سبيل 1 .
قلت : و لو لم يكن للصادق عليه السّلام إلاّ ما بيّنه للمفضل بن عمر ، من حكم اللَّه تعالى في خلق الإنسان ، و تنقله في أحواله ، و في أقسام الحيوان و السباع و الطّيور ، و في السّماء ، و الشمس ، و القمر ، و النّجوم ، و الفلك ، و الليل ، و النّهار ،
و الحرّ و البرد ، و الرّياح و الأرض ، و الماء ، و الهواء ، و النار ، و المطر ، و الصّحو ،
و الجبال ، و الأنهار ، و الأحجار ، و الأشجار ، و ما فيها من العبر ، و في حكمة الآفات الحادثة في بعض الأزمان ، و قد جمعها المفضل في كتاب الذي يضطر كلّ ملحد إلى الإقرار بالصانع ، لكفاه عليه السّلام دليلا على إمامته ، و كونه آية من آيات اللَّه تعالى و حجّة على خلقه ، مع أنّه ملأ الدّنيا من علمه ، بل أئمّة العامّة أيضا علومهم منتهية إليه . فأحمد بن حنبل قرأ على الشافعي ، و الشافعي قرأ على محمّد بن الحسن ، و محمّد بن الحسن قرأ على أبي حنيفة ، و أبو حنيفة قرأ عليه عليه السّلام ، كما صرّح بذلك ابن أبي الحديد في أوّل ( شرحه ) 2 .
و أمّا الكاظم موسى بن جعفر عليه السّلام فنقل ابن الصّباغ المالكي عن سبط ابن الجوزي و ( معالم الجنابذي ) ، و ( كرامات قاضي القضاة الرامهرمزي ) عن شقيق البلخي قال : خرجت حاجّا في سنة ( 149 ) فنزلت القادسية ، فبينما أنا أنظر في زينتهم و كثرتهم إذ نظرت إلى شاب حسن الوجه شديد السمرة ،
نحيف ، فوق ثيابه ثوب صوف مشتمل بشملة ، و في رجليه نعل ، و قد جلس
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 310 ح 13 ، 14 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 6 المقدمة .
[ 305 ]
منفردا ، فقلت في نفسي : هذا الفتى من الصوفيّة ، و يريد أن يخرج مع النّاس فيكون كلاّ عليهم في طريقهم ، و اللَّه لأمضين إليه و لاوبخنّه . فدنوت منه ، فلمّا رآني مقبلا نحوه قال : يا شقيق اجتنبوا كثيرا من الظّنّ إنّ بعض الظّن إثم 1 فتركني و ولّى ، فقلت في نفسي : إنّ هذا لأمر عظيم تكلّم على ما في خاطري ، و نطق باسمي ، هذا عبد صالح لألحقنه و أسأله الدّعاء ، و أن يحلّلني ممّا ظننته به . فغاب عنّي و لم أره ، فلمّا نزلنا واقصة فإذا هو واقف يصلّي ،
فقلت : هذا صاحبي أمضي إليه و أستحلّه . فصبرت حتّى فرغ من صلاته ،
فالتفت إليّ و قال : يا شقيق و إنّي لغفّار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثمّ اهتدى 2 ثمّ قام و مضى و تركني ، فقلت : هذا الفتى من الأبدال قد تكلّم على سرّي مرّتين . فلمّا نزلنا ( زبالة ) إذا أنا بالفتى قائم على البئر ، و أنا أنظر إليه ،
و بيده ركوة يريد أن يستسقي فيها الماء ، فسقطت الرّكوة من يده في البئر ،
فرمق إلى السماء بطرفه و سمعته يقول : « أنت ريّي إذا ظمئت إلى ماء ، و قوتي إذا أردت طعاما . إلهي و سيّدي مالي سواك فلا تعدمنيها » . فو اللَّه لقد رأيت الماء ارتفع إلى رأس البئر ، و الرّكوة طافية عليه ، فمدّ يده و أخذها ملآن إلى أن قال ثمّ صلّى خلف المقام ، ثمّ خرج يريد الذّهاب ، فخرجت خلفه اريد السّلام عليه ،
و إذا بجماعة قد أطافوا به يمينا و شمالا ، و من خلفه و قدّامه ، و إذا حشم و موالي ، و أتباع قد خرجوا معه ، فقلت لهم : من هذا ؟ فقالوا : موسى بن جعفر . . . 3 .
و قال ابن الصّباغ أيضا : قال صاحب ( نثر الدّر ) : ذكر لموسى بن جعفر
-----------
( 1 ) الحجرات : 12 .
-----------
( 2 ) طه : 82 .
-----------
( 3 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 233 .
[ 306 ]
أنّ الهادي قد همّ بك . فقال لمن يليه : ما تشيرون به عليه ؟ قالوا : نرى أن تتباعد عنه ، و أن تغيّب شخصك عنه . فتبسّم ثمّ قال :
زعمت سخينة أن ستغلب ربّها
و ليغلبنّ مغالب الغلاّب
ثمّ رفع يده إلى السماء ، فقال : إلهي كم من عدوّ لي شحذ ظبة مديته ،
و داف لي قواتل سمومه ، و لم تنم عنّي عين حراسته ، فلمّا رأيت ضعفي عن احتمال الفوادح ، و عجزي عن كلمات الجوانح ، صرفت ذلك عنّي بحولك و قوّتك لا بحولي و قوّتي ، و ألقيته في الحفيرة الّتي احتفرها لي ، خائبا ممّا أمّله في دنياه ، متباعدا عمّا يرجوه في اخراه ، فلك الحمد على قدر ما عممتني فيه من نعمك ، و ما توليتني به من جودك و كرمك . اللهمّ فخذه بقوّتك ، و افلل حدّه عنّي بقدرتك ، و اجعل له شغلا في ما يليه ، و عجزا به عمّا ينويه . اللهمّ و أعدني عليه عدوة حاضرة تكون من غيظي شفاء ، و من حنقي عليه وفاء ، و صل اللهمّ دعائي بالإجابة ، و انظم شكايتي بالتّغير ، و عرّفه عمّا قليل ما وعدت به من الإجابة لعبيدك المضطرّين ، إنّك ذو الفضل العظيم ، و المنّ الجسيم . ثمّ انصرفوا عنه . فلمّا كان بعد مدّة يسيرة اجتمعوا ، لقراءة الكتاب الوارد عليه عليه السّلام بموت موسى الهادي 1 .
و روى ( عيون ابن بابويه ) الّذي صنّفه للصّاحب بن عباد مسندا عن الفضل بن الرّبيع قال : كنت أحجب الرّشيد ، فأقبل عليّ يوما غضبانا ، و بيده سيف يقلّبه ، فقال لي بقرابتي من النّبيّ لإن لم تأتني بابن عمّي لآخذنّ الّذي فيه عيناك . فقلت : بمن ؟ فقال : بهذا الحجازي . قلت : و أيّ حجازي ؟ قال : موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب . فخفت من اللَّه أن أجيء به ، ثمّ فكّرت في النّقمة ، فقلت له : أفعل . فقال : ايتني بسوّاطين ، و هبّارين ،
-----------
( 1 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 235 .
[ 307 ]
و جلاّدين . فأتيته بذلك ، و مضيت إلى منزل موسى بن جعفر فأتيت إلى خربة فيها كوخ من جرائد النخل ، فإذا أنا بغلام أسود ، فقلت له : استأذن لي على مولاك . فقال : ليس له حاجب و لا بوّاب . فولجت إليه ، فإذا بغلام أسود بيده مقصّ ، يأخذ اللحم من جبينه و عرنين أنفه ، من كثرة سجوده ، فقلت له : السّلام عليك يابن رسول اللَّه أجب الرّشيد . فقال : ما له ولي ؟ أما تشغله نعمته عنّي ؟ ثمّ وثب مسرعا و هو يقول : لو لا أنّي سمعت خبرا عن جدّي صلّى اللَّه عليه و آله أنّ طاعة السّلطان للتّقية واجبة ما جئت . فقلت : استعدّ للعقوبة . فقال : أليس معي من يملك الدّنيا و الآخرة ؟ و لن يقدر اليوم على سوء بي . فرأيته و قد أدار يده على رأسه ثلاث مرّات . فدخلت على الرّشيد فإذا هو كأنّه امرأة ثكلى ، فلمّا رآني قال : يا فضل . قلت : لبيك . قال : جئتني بابن عمّي ؟ قلت : نعم . قال : لا تكون أزعجته ؟ فقلت له : لا . قال : ائذن له بالدخول . فأذنت له ، فلمّا رآه وثب إليه و عانقه ، و قال له : مرحبا بابن عمّي ما الّذي قطعك عن زيارتنا ؟ فقال : سعة مملكتك و حبّك للدّنيا . فقال : ايتوني بحقّة الغالية . فاتي بها ، فغلقه بيده ، ثمّ أمر أن يحمل بين يديه خلع و بدرتا دنانير . فقال موسى بن جعفر : و اللَّه لو لا أن ازوّج بها من عزّاب بني أبي طالب ، لئلاّ ينقطع نسله ما قبلتها . ثمّ تولى و هو يقول : الحمد للَّه ربّ العالمين . فقال الفضل للرّشيد : أردت أن تعاقبه فخلعت عليه و أكرمته ؟ فقال : يا فضل إنّك لمّا مضيت لتجيئني به رأيت أقواما قد أحدقوا بداري ، بأيديهم حراب قد غرزوها في أصل الدّار ، و يقولون : إن آذى ابن رسول اللَّه خسفنا به و بداره الأرض ، و إن أحسن إليه تركناه و انصرفنا .
قال الفضل : فتبعت موسى عليه السّلام و قلت له : ما الّذي قلت حتّى كفيت أمر الرّشيد ؟ فقال : دعاء جدّي عليّ عليه السّلام ، كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر إلاّ هزمه ،
و لا إلى فارس إلاّ قهره ، و هو دعاء كفاية البلاء : اللهمّ بك اساور ، و بك احاول ،
و بك أنتصر و بك أموت ، و بك أحيا . أسلمت نفسي إليك ، و فوّضت أمري عليك ،
[ 308 ]
و لا حول و لا قوّة إلاّ باللَّه العلّي العظيم . اللهمّ إنّك خلقتني و رزقتني ، و سترتني عن العباد ، و بلطفك خوّلتني و أغنيتني ، و إذا هويت رددتني ، و إذا عثرت قوّمتني ، و إذا مرضت شفيتني ، و إذا دعوت أجبتني ، يا سيّدي ارض عنّي ، فقد أرضيتني 1 .
و عن إبراهيم بن هاشم القمّي عن بعض أصحابه قال : لمّا حبس الرّشيد موسى بن جعفر عليه السّلام جنّ عليه الليل و خاف من ناحية هارون أن يقتله ، فجدّد موسى بن جعفر طهوره فاستقبل بوجهه القبلة ، و صلّى للَّه أربع ركعات ثمّ دعا بهذه الدّعوات : يا مخلّص الشّجر من بين رمل و طين ، و يا مخلّص اللبن من بين فرث و دم ، و يا مخلّص الولد من بين مشيمة و رحم ، و يا مخلّص النّار من بين الحديد و الحجر خلّصني من يد هارون . فلمّا دعا بهذه الدّعوات أتى هارون رجل أسود في منامه ، و بيده سيف قد سلّه فوقف على رأسه ، و قال :
اطلق موسى بن جعفر ، و إلاّ ضربت علاوتك بسيفي هذا . فخاف من هيبته .
فقال للحاجب : اذهب إلى السّجن فأطلق عن موسى بن جعفر . قال : إلى أن حبسه الثانية فلم يطلقه ، حتّى سلّمه إلى السندي بن شاهك و قتله بالسّم 2 .
و عن سفيان بن نزار قال : كنت يوما على رأس المأمون ، فقال : أتدرون من علّمني التشيّع ؟ فقال القوم جميعا : لا و اللَّه ما نعلم . قال : الرّشيد . قيل له :
و كيف ذلك ، و الرّشيد كان يقتل أهل هذا البيت ؟ قال : كان يقتلهم على الملك و الملك عقيم و لقد حججت معه سنة ، فلمّا صار إلى المدينة تقدّم إلى حجّابه ،
و قال : لا يدخل عليّ رجل من أهل المدينة و مكّة من أبناء المهاجرين و الأنصار ،
و بني هاشم ، و سائر بطون قريش إلاّ نسب نفسه ، و كان الرّجل إذا دخل عليه
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 62 ح 5 .
-----------
( 2 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 76 ، و النقل بتلخيص .
[ 309 ]
قال : أنا فلان بن فلان حتّى ينتهي إلى جدّه من هاشمي أو قرشي أو مهاجري أو أنصاري ، فيصله من المال بخمسة آلاف دينار ، و ما دونها إلى مائتي دينار ،
على قدر شرفه و هجرة آبائه .
قال : فإذا أنا ذات يوم واقف إذ دخل الفضل بن الرّبيع فقال : على الباب رجل يزعم أنّه موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب . فأقبل علينا و نحن قيام على رأسه : أنا و الأمين و المؤتمن ، و ساير القوّاد ، فقال : احفظوا على أنفسكم . ثم قال لآذنه : ائذن له ، و لا ينزل إلاّ على بساطي . فبينا نحن كذلك إذ دخل شيخ قد أنهكته العبادة ، كأنّه شنّ بال قد كلم من السجود وجهه و أنفه . فلمّا رأى الرّشيد رمى بنفسه عن حمار كان ركبه ،
فصاح الرّشيد : لا و اللَّه إلاّ على بساطي . فمنعه الحجّاب من الترجّل ، و نظرنا إليه بالإجلال و الإعظام ، فما زال يسير على حماره حتّى صار إلى البساط ،
و الحجاب و القواد محدقون به فنزل ، فقام إليه الرّشيد و استقبله إلى آخر البساط ، و قبّل وجهه و عينيه ، و أخذ بيده حتّى صيّره في صدر المجلس ،
و أجلسه معه فيه ، و جعل يحدّثه ، و يقبل بوجهه عليه ، و يسأله عن أحواله .
ثمّ قال له : يا أبا الحسن ما عليك من العيال ؟ فقال : يزيدون على الخمسمائة . قال : كلّهم أولادك ؟ قال : لا ، أكثرهم موالي و حشم ، فأمّا الولد فلي نيف و ثلاثون : الذكران منهم كذا و النّسوان كذا . قال : فلم لا تزوّج النّسوان من بني عمومتهن و أكفائهن ؟ قال : اليد تقصر عن ذلك . قال : فما حال الضّيعة ؟ قال :
تعطي في وقت و تمنع في آخر . قال : فهل عليك دين ؟ قال : نعم نحو عشرة آلاف دينار . فقال الرّشيد : يابن عم أنا اعطيك ما تزوّج به الذّكران و النّسوان ،
و تقضي الدّين ، و تعمّر الضياع . فقال له : وصلتك رحم يابن عم ، و شكر اللَّه لك هذه النّيّة الجميلة ، و الرّحم ماسة ، و القرابة و اشجة ، و النّسب واحد ، و العبّاس عمّ النّبيّ و صنو أبيه ، و عمّ علي بن أبي طالب و صنو أبيه ، و ما أبعدك اللَّه من أن
[ 310 ]
تفعل ذلك و قد بسط يدك ، و أكرم عنصرك ، و أعلى محتدك . فقال : أفعل ذلك و كرامة . فقال : إنّ اللَّه تعالى قد فرض على ولاة عهده أن ينعشوا فقراء الامّة ،
و يقضوا عن الغارمين ، و يؤدوا عن المثقل ، و يكسوا العاري ، و يحسنوا إلى العاني ، و أنت أولى من يفعل ذلك . فقال : أفعل .
ثمّ قام فقام الرّشيد لقيامه ، و قبّل عينيه و وجهه ، ثمّ أقبل عليّ و على الأمين و المؤتمن ، فقال : يا عبد اللَّه و يا محمّد ، و يا إبراهيم امشوا بين يدي عمّكم و سيّدكم و خذوا بركابه ، و سوّوا عليه ثيابه ، و شيّعوه إلى منزله . فأقبل عليّ أبو الحسن موسى بن جعفر سرّا بيني و بينه فبشّرني بالخلافة ، و قال لي :
إذا ملكت هذا الأمر فأحسن إلى ولدي . ثمّ انصرفنا .
و كنت أجرأ ولد أبي عليه ، فلمّا خلا المجلس قلت له : من هذا الرّجل الّذي قد أعظمته و أكرمته و أجللته ، و قمت من مجلسك إليه فاستقبلته ، و أقعدته في صدر المجلس و جلست دونه ، ثمّ أمرتنا بأخذ الرّكاب له ؟ قال : هذا إمام النّاس ،
و حجّة اللَّه على خلقه ، و خليفته على عباده . فقلت : أو ليست هذه الصّفات كلّها لك و فيك ؟ فقال : أنا إمام الجماعة في الظّاهر بالغلبة و القهر ، و موسى بن جعفر إمام حقّ ، و اللَّه يا بنيّ إنّه لأحق بمقام النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله منّي و من الخلق جميعا ، و و اللَّه لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك ، فإنّ الملك عقيم .
فلمّا أراد الرحيل من المدينة إلى مكّة أمر بصرّة سوداء فيها مائتا دينار ،
و قال للفضل : اذهب بهذه الى موسى بن جعفر ، و قل له : يقول الخليفة : نحن في ضيقة ، و سيأتيك برّنا بعد الوقت . قال المأمون : فقمت و في صدري حيرة .
فقلت له : تعطي أبناء المهاجرين و الأنصار و سائر قريش و من لا تعرف حسبه و نسبه خمسة آلاف دينار إلى ما دونها ، و تعطي موسى بن جعفر ، و قد أعظمته و أجللته مائتي دينار ؟ فقال : اسكت لا امّ لك ، فإنّي لو أعطيت هذا ما ضمنته ، ما كنت آمنته أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته
[ 311 ]
و مواليه ، و فقر هذا و أهل بيته أسلم لي و لكم من بسط أيديهم و أعينهم . . . 1 .
و روى خبرا آخر بمضمونه ، و في آخره قال المأمون : قال أبي : هذا وارث علم النبيّين ، إن أردت العلم الصّحيح فعند هذا . قال المأمون : فحينئذ انغرس في قلبي محبّتهم 2 .
و في ( أخبار طوال أبي حنيفة الدينوري ) : ذكر عن الأصمعي قال : دخلت على الرّشيد و كنت غبت عنه حولين بالبصرة فأومأ إليّ بالجلوس قريبا منه ، فجلست في خفّ النّاس ، ثمّ قال لي : يا أصمعي ألا تحبّ محمّدا و عبد اللَّه إلى أن قال قال الرّشيد : كيف ترى أدبهما ؟ قلت له : ما رأيت مثلهما في ذكائهما ، و جودة ذهنهما إلى أن قال فضمّهما الرّشيد إلى صدره ، و سبقته عبرته حتّى تحدرت دموعه ، ثمّ أذن لهما حتّى إذا نهضا و خرجا قال لي : كيف بكم إذا ظهر تعاديهما ، و بدا تباغضهما ، و وقع بأسهما بينهما حتى تسفك الدّماء و يودّ كثير من الأحياء أنّهم موتى ؟ قلت له : هذا شيء قضى به المنجّمون عند مولدهما ، أو شيء أخبر به العلماء في أمرهما ؟ قال : لا ، بل شيء أخبر به العلماء من الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما . قالوا : فكان المأمون يقول في خلافته : قد كان الرّشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر . فلذلك قال ما قال 3 .
و روى الخطيب في عنوان مقابر بغداد : عن الحسن بن إبراهيم أبي علي الخلال قال : ما همّني أمر فقصدت قبر موسى بن جعفر فتوسّلت به إلاّ سهّل اللَّه تعالى لي ما احبّ 4 .
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 72 ح 11 .
-----------
( 2 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 75 ح 12 .
-----------
( 3 ) الأخبار الطوال للدينوري : 384 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 1 : 120 .
[ 312 ]
و قال الدميري في ( حياة حيوانه ) : كان الشافعي يقول : قبر موسى بن جعفر التّرياق المجرب 1 .
و قال السّيوطي في ( تاريخ خلفائه ) : و في سنة ثمانين ( أي : بعد الأربعمائة ) جعل النّاصر الخليفة العبّاسي مشهد موسى الكاظم أمنا لمن لاذبه . قال : و كان النّاصر يتشيّع و يميل إلى مذهب الامامية 2 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) عن يحيى بن الحسن قال : كان موسى بن جعفر عليه السّلام إذا بلغه عن الرّجل ما يكره بعث إليه بصرّة دنانير و كانت صراره ما بين الثلاثمائة إلى المائتي دينار فكانت صرار موسى مثلا 3 .
و روى الخطيب عن ربيع أنّ المهدي لمّا حبس موسى بن جعفر رأى في النّوم عليّ بن أبي طالب و هو يقول : فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض و تقطعوا أرحامكم . . . 4 و عنه أيضا : أنّ رجلا من آل عمر كان إذا رأى موسى بن جعفر يشتم عليّا عليه السّلام ، و يؤذيه إذا لقيه ، فقال له بعض مواليه : دعنا نقتله . فقال : لا . ثمّ مضى راكبا حتى قصده في مزرعة له فتواطأها فصاح : لا تدس بزرعنا فلم يصغ إليه ، و أقبل حتّى نزل عنده ، و جعل يضاحكه ، و قال له : كم غرمت على زرعك هذا ؟ قال مائة دينار . قال : فكم ترجو أن تربح ؟ قال : لا أدري . قال : إنّما سألتك كم ترجو ؟ قال : مائة اخرى . فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبها له ، فقام فقبّل رأسه ،
فلمّا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه و جعل يقول : اللَّه أعلم حيث يجعل رسالته قال : فوثب أصحابه عليه فشاتمهم ، و كان بعد ذلك كلّما
-----------
( 1 ) لم أجده في مظانه من حياة الحيوان .
-----------
( 2 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي : 451 ، 452 .
-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 332 .
-----------
( 4 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 30 ، و الآية 22 من سورة محمّد .
[ 313 ]
دخل موسى عليه السّلام خرج يسلّم عليه و يقوم له ، فقال موسى لمن قال له ذلك القول : أيما كان خيرا ما أردتم أو ما أردت 1 ؟
و روى الخطيب عن عيسى بن محمّد القرظي قال : زرعت بطيخا و قثّاء و قرعا في موضع بالجوانية ، على بئر يقال لها : أم عظام . فلمّا استوى الزرع بغتني الجراد ، فأتى على الزرع كلّه ، و كنت غرمت على الزرع ، و في ثمن جملين مائة و عشرين دينارا ، فبينما أنا جالس طلع موسى بن جعفر فسلّم ، ثمّ قال :
أيش حالك ؟ فقلت : أصبحت كالصّريم ، بغتني الجراد فأكل زرعي . قال : و كم غرمت ؟ قلت : مائة و عشرين دينارا مع ثمن الجملين . فقال : يا عرفة زن له مائة و خمسين دنيارا ، فربحك ثلاثين دينارا و الجملين . فقلت : يا مبارك ادخل و ادع لي فيها . فدخل و دعا ، و حدّثني عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنه قال : تمسّكوا ببقية المصائب .
قال : ثمّ علقت عليه الجملين ، و سقيته فجعل اللَّه فيها البركة ، زكت فبعت منها بعشرة آلاف 2 .
و روى المرتضى في ( غرره ) عن أيّوب بن الحسين الهاشمي قال : قدم على الرّشيد رجل من الأنصار يقال له : نفيع و كان عرّيفا فحضر بابه يوما ،
و معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، و حضر موسى بن جعفر عليه السّلام على حمار له ، فتلقّاه الحاجب بالبشر و الإكرام ، و أعظمه من كان هناك ، و عجّل له الإذن ، فقال نفيع لعبد العزيز : من هذا الشّيخ ؟ قال : أو ما تعرفه ؟ قال : لا . قال :
هذا شيخ آل أبي طالب موسى بن جعفر . فقال : ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السّرير ، أما لئن خرج لأسوئنّه . فقال له عبد العزيز : لا تفعل ، فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّما تعرّض أحد لهم في خطاب إلاّ
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 28 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 13 : 29 ، و النقل بتصرف .
[ 314 ]
و صموه في الجواب و صمة ، يبقى عارها عليه مدى الدّهر .
قال : و خرج موسى عليه السّلام فقام إليه نفيع و أخذ بلجام حماره ، فقال : من أنت ؟ فقال : يا هذا إن كنت تريد النسب ، فأنا ابن محمّد حبيب اللَّه ، ابن إسماعيل ذبيح اللَّه ، ابن إبراهيم خليل اللَّه ، و إن كنت تريد البلد ، فهو الّذي فرض اللَّه على المسلمين و عليك إن كنت منهم الحجّ إليه ، و إن كنت تريد المفاخرة ، فو اللَّه ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفاء لهم ، حتّى قالوا : يا محمّد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش . و إن كنت تريد الصّيت و الاسم ، فنحن الّذين أمر اللَّه تعالى بالصّلاة عليهم في الصلوات الفرائض في قوله : « اللهمّ صلّ على محمّد و آله » و نحن آله ، خلّ عن الحمار . فخلّى عنه و يده ترعد ، و انصرف بخزي ، فقال له عبد العزيز : أ لم أقل لك 1 ؟
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : ذكر الزّمخشري في ( ربيع الأبرار ) :
أنّ هارون كان يقول لموسى : خذ فدكا . و هو يمتنع ، فلمّا ألحّ عليه قال :
ما آخذها إلاّ بحدودها . قال : و ما حدّها ؟ قال : الحدّ الأوّل عدن . فتغيّر وجه الرّشيد ، قال : و الحدّ الثاني ؟ قال : سمرقند . فأربدّ وجهه . قال : و الحدّ الثالث ؟ قال : إفريقية . فاسودّ وجهه . قال : و الحدّ الرابع ؟ قال : سيف البحر ممّا يلي الخزر و ارمينية . فقال هارون : فلم يبق لنا شيء . فتحوّل في مجلسه ، فقال موسى : قد أعلمتك أنّي إن حدّدتها لم تردّها . فعند ذلك عزم على قتله . . . 2 و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) : أنّ الحسين بن عليّ صاحب فخ قال لموسى بن جعفر في الخروج . فقال : إنّك مقتول فاجد الضّراب فإنّ القوم
-----------
( 1 ) أمالي المرتضى المسمى بالغرر و الدرر 1 : 198 المجلس 19 .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص لابن الجوزي : 350 .
[ 315 ]
فسّاق يظهرون إيمانا ، و يضمرون نفاقا و شركا 1 .
و في ( فصول ابن الصبّاغ المالكي ) : روى إسحاق بن عمّار قال : لمّا حبس هارون موسى دخل عليه السّجن ليلا أبو يوسف ، و محمّد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة و أرادا أن يختبراه بالسّؤال ، لينظرا مكانه من العلم . قال :
و جاء بعض الموكّلين به ، و قال له : إنّ نوبتي قد فرغت ، و اريد الانصراف إلى غد . فإن كان لك حاجة تأمرني أن آتيك بها معي غدا إذا جئتك ؟ فقال : ما لي حاجة ، انصرف . ثمّ قال لأبي يوسف و محمّد بن الحسن : إنّي لأعجب من هذا الرجل يسألني أن اكلّفه حاجة يأتيني بها معه غدا إذا جاء ، و هو ميّت في هذه اللّيلة . فأمسكا عن سؤاله و قاما و قالا : أردنا أن نسأله عن الفرض و السّنّة ،
و أخذ يتكلّم معنا في علم الغيب ، و اللَّه لنرسل خلف الرّجل من يبيت عند باب داره ، و ننظر ما ذا يكون من أمره . فأرسلا شخصا ، فلمّا كان أثناء الليل ، و إذا بالصراخ و الواعية . فقيل لهم : ما الخبر ؟ قالوا : مات صاحب البيت فجأة . فعاد الرّسول و أخبرهما ذلك ، فتعجبا من ذلك غاية العجب 2 .
و روى ( الأغاني ) في جعيفران مسندا عن صالح بن عطيّة قال : كان أبو جعيفران عليّ بن أصفر يتشيّع ، فظهر على ابنه جعيفران أنّه خالفه إلى جارية له سرية ، فطرده عن داره ، و حجّ ، فشكا ذلك إلى موسى بن جعفر ، فقال له موسى : إن كنت صادقا عليه فليس يموت حتّى يفقد عقله ، و إن كنت قد تحقّقت ذلك عليه فلا تساكنه في منزلك ، و لا تطعمه شيئا من مالك ، و أخرجه عن ميراثك بعد وفاتك . فقدم فطرده و أخرجه عن منزله ، و سأل الفقهاء عن حيلة يشهد بها في ماله حتّى يخرجه عن ميراثه ، فدلّوه على السّبيل إلى ذلك ، فأشهد
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 298 ، في صدر حديث .
-----------
( 2 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 241 .
[ 316 ]
به ، و أوصى إلى رجل ، فلمّا مات جاز الرّجل ميراثه ، و منع منه جعيفران فاستعدى عليه أبا يوسف القاضي ، فأحضر الوصي ، و سأل جعيفران البيّنة على نسبه و تركة أبيه ، و أحضر الوصي بيّنة يشهدون على أبيه بما كان احتال به عليه ، فلم ير أبو يوسف ذلك شيئا ، و عزم على أن يورّثه ، فكتب الوصي رقعة خبّره فيها بحقيقته ، و ما أفتى به موسى بن جعفر ، و دفعها إلى صديق لأبي يوسف ، فدفعها إليه ، فلمّا قرأها دعا الوصي ، و استحلفه أنّه قد صدق في ذلك ، فحلف باليمين الغموس ، فقال له : اغد عليّ مع صاحبك . فحضر و حضر جعيفران معه ، فحكم عليه أبو يوسف للوصي ، فلمّا أمضى الحكم عليه وسوس جعيفران ، و اختلط منذ يومئذ 1 .
و رواه ( نوادر وصيّة الكافي ) ناسبا لأبيه إلى جدّه بلفظ ( عليّ بن السّري ) و مسمّيا لجعيفران جعفرا 2 . و الظّاهر أنّه إنّما أمر الرّجل بإخراجه من ميراثه لعلمه عليه السّلام بكونه من زنا ، فروى ( الأغاني ) أنّ جعيفران اطّلع يوما في الحبّ ، فرأى وجهه قد تغيّر و عفي شعره ، فقال :
ما جعفر لأبيه
و لا له بشبيه
أضحى لقوم كثير
فكلّهم يدّعيه
و الامّ تضحك منهم
لعلمها بأبيه 3
و أنّ أبا يوسف كان عارفا بأنّه عليه السّلام حكم لذلك ، فأنفذ حكمه عليه السّلام ، و إلاّ فإنّ الزّنا بالسرية للأب لا يوجب الحرمان من ميراثه ، لا على قواعد العامّة ، و لا على قواعد الخاصّة .
-----------
( 1 ) الأغاني لأبي الفرج 20 : 188 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 7 : 61 ح 15 ، بفرق كثير .
-----------
( 3 ) الأغاني لأبي الفرج 20 : 195 ، و النقل بتصرف .
[ 317 ]
و روى في ( مقاتله ) بأسانيد عن النوفلي ، و يحيى بن الحسن العلوي ،
و غيرهما : أنّ الرّشيد جعل ابنه محمّدا في حجر جعفر بن محمّد بن الأشعث ،
فحسده يحيى بن خالد بن برمك على ذلك ، و قال : إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي و دولة ولدي ، فاحتال على جعفر و كان يقول بالإمامة حتّى داخله و آنس إليه ، و كان يكثر غشيانه في منزله فيقف على أمره ، و يرفعه إلى الرشيد ،
و يزيد عليه في ذلك بما يقدح في قلبه ، ثمّ قال يوما لبعض ثقاته : أتعرفون لي رجلا من آل أبي طالب ليس بواسع الحال يعرّفني ما أحتاج إليه من أخبار موسى بن جعفر ؟ فدلّ على عليّ بن إسماعيل بن جعفر ، فحمل إليه يحيى مالا ،
و كان موسى عليه السّلام يأنس إليه و يصله ، و ربما أفضى إليه بأسراره . فلمّا طلب ليشخص به أحسّ موسى عليه السّلام بذلك ، فدعاه ، فقال له : إلى اين يابن أخي ؟ قال :
إلى بغداد . قال : و ما تصنع به ؟ قال : عليّ دين ، و أنا مملق .
قال : فإنّي أقضي دينك ، و أفعل بك ، و أصنع . فلم يلتفت إلى ذلك ، فعمل على الخروج ، فاستدعاه موسى عليه السّلام و قال له : أنت خارج ؟ فقال له : نعم لا بدّ من ذلك . فقال له : انظر يابن أخي و اتّق اللَّه لا توتم أو لادي ، و أمر له بثلاثمائة دينار و أربعة آلاف درهم .
فخرج عليّ بن إسماعيل حتّى أتى يحيى بن خالد ، فتعرف منه خبر موسى بن جعفر ، فرفعه إلى الرشيد ، فسأله عن عمّه ، فسعى به إليه ، و قال له :
إنّ الأموال تحمل إليه من المشرق و المغرب ، و أنّ له بيوت أموال ، و أنّه اشترى ضيعة بثلاثين ألف دينار فسمّاها اليسيرة ، و قال له صاحبها و قد أحضره المال : لا آخذ هذا النقد ، و لا آخذ إلاّ نقدا كذا و كذا . فأمر بذلك المال فردّ ، و أعطاه ثلاثين ألف دينار من النّقد الّذي سأل بعينه . فسمع ذلك منه الرّشيد ، فأمر له بمائتي الف درهم يسبب له على بعض النّواحي ، فاختار كور المشرق ،
و مضت رسله لقبض المال ، و دخل هو في بعض الأيّام إلى الخلاء ، فخرجت
[ 318 ]
حشوته كلّها فسقطت ، و جهدوا في ردّها فلم يقدروا فوقع لما به ، و جاءه المال ،
و هو ينزع . فقال : و ما أصنع به و أنا أموت ؟
قال : و حجّ الرشيد في تلك السنة فبدأ بقبر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، فقال : يا رسول اللَّه إنّي أعتذر إليك من شيء اريد أن أفعله ، اريد أن أحبس موسى بن جعفر ، فإنّه يريد التّشتّت بين امّتك و سفك دمائها ، ثمّ أمر به فأخذ من المسجد فادخل إليه ،
و أخرج من داره بغلان عليهما قبتان مغطّاتان هو في إحداهما ، و وجّه مع كلّ واحدة منهما خيلا ، و أخذ بواحدة على طريق البصرة ، و اخرى على طريق الكوفة ليعمي على النّاس أمره ، و كان عليه السّلام في الّتي مضت إلى البصرة ، فأمر الرّسول أن يسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور ، و كان على البصرة حينئذ فمضى به فحبسه عنده سنة .
ثمّ كتب الى الرشيد : أن خذه منّي و سلّمه إلى من شئت ، و إلاّ خلّيت سبيله ، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجّة ، فما أقدر على ذلك ، حتّى إنّي لأتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليّ أو عليك ، فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه يسأل اللَّه الرّحمة و المغفرة . فوجّه من تسلّمه منه ، و حبسه عند الفضل بن الرّبيع ببغداد ،
فبقي عنده مدّة طويلة ، و أراده الرّشيد على شيء من أمره فأبي ، فكتب إليه ليسلّمه إلى الفضل بن يحيى فتسلمه منه ، و أراد ذلك منه فلم يفعله ، و بلغه أنّه عنده في رفاهية و سعة و هو حينئذ بالرّقة ، فأنفذ مسرور الخادم إلى بغداد على البريد ، و أمره : أن يدخل من فوره على موسى فيعرف خبره ، فان كان الأمر على ما بلغه أوصل كتابا منه كتبه إلى العبّاس بن محمّد و أمره بامتثاله ،
و أوصل كتابا منه إلى السّندي بن شاهك يأمره بطاعة العبّاس بن محمّد . فقدم مسرور ، فنزل دار الفضل لا يدري أحد ما يريد ، ثمّ دخل على موسى فوجده على ما بلغ الرّشيد ، فمضى من فوره إلى العبّاس بن محمّد و السّندي ، و أوصل الكتابين إليهما ، فلم يلبث الناس أن خرج الرّسول يركض إلى الفضل فركب
[ 319 ]
معه ، و خرج دهشا حتى دخل على العبّاس ، فدعا العبّاس ، بالسّياط و عقابين ،
فوجّه بذلك إليه السّندي فأمر بالفضل ، فجرّد ثمّ ضربه مائة سوط ، و خرج متغيّر اللّون بخلاف ما دخل ، فذهبت قوّته فجعل يسلّم يمينا و شمالا ، و كتب مسرور بالخبر إلى الرّشيد ، فأمر بتسليم موسى إلى السندي ، و جلس مجلسا حافلا و قال : أيّها النّاس إنّ الفضل بن يحيى قد عصاني ، و خالف طاعتي و رأيت أن ألعنه فالعنوه . فلعنه ، النّاس من كلّ ناحية حتّى ارتجّ البيت و الدّار بلعنه ، فبلغ يحيى بن خالد الخبر فركب إلى الرّشيد ، فدخل من غير الباب الّذي يدخل منه النّاس ، حتّى جاءه من خلفه و هو لا يشعر ، ثمّ قال له : التفت إليّ .
فأصغى إليه فزعا . فقال له : إنّ الفضل حدث ، و أنا أكفيك ما تريد . فانطلق وجهه و سرّ ، فقال له يحيى : غضضت من الفضل بلعنك إيّاه فشرّفه بإزالة ذلك عليّ .
فأقبل على النّاس فقال : إنّ الفضل كان قد عصاني في شيء فلعنته ، و قد تاب و أناب إلى طاعتي ، فتولّوه . فقالوا : نحن أولياء من و اليت ، و أعداء من عاديت ،
و قد تولّيناه .
ثم خرج يحيى على البريد حتّى وافى بغداد ، فماج الناس و ارجفوا بكلّ شيء ، و أظهر أنّه ورد لتعديل السّواد ، و النّظر في أمر العمّال ، و تشاغل ببعض ذلك ، ثمّ دخل و دعا بالسّندي و أمره ، فلفّه على بساط ، و قعد الفراشون النّصارى على وجهه .
و أمر موسى بن جعفر عليه السّلام عند وفاته السّندي : أن يحضر مولى له ينزل عند دار العبّاس بن محمّد ، في مشرعة القصب ليغسّله ، ففعل ذلك .
قال السّندي : و سألته أن يأذن لي في أن أكفّنه ، فأبى و قال : إنّا أهل بيت مهور نسائنا ، و حجّ صرورتنا ، و أكفان موتانا من أطهر أموالنا ، و عندي كفني .
فلمّا مات ادخل عليه الفقهاء ، و وجوه أهل بغداد ، و فيهم الهيثم بن عدي ، فنظروا إليه لا أثر به ، و شهدوا على ذلك ، و اخرج فوضع على الجسر ببغداد ، فنودي :
[ 320 ]
هذا موسى بن جعفر قد مات ، فانظروا إليه .
و عن بعض الطّالبيين : نودي عليه : هذا موسى بن جعفر الّذي تزعم الرافضة أنّه لا يموت ، فانظروا إليه 1 .
و رواه ( الإرشاد ) و زاد بعد ذكر طلب عيسى بن جعفر من هارون تسلّم الكاظم عليه السّلام منه ، و روى أنّ بعض عيون عيسى رفع إليه أنّه يسمعه كثيرا يقول في دعائه و هو محبوس عنده : اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهمّ و قد فعلت ، فلك الحمد » 2 .
و روى ( الكافي ) عنه عليه السّلام قال : إنّ اللَّه عزّ و جلّ غضب على الشّيعة ،
فخيّرني نفسي أوهم ، فوقيتهم و اللَّه بنفسي 3 .
و في ( فرق شيعة الحسن بن موسى النوبختي ) و في رواية : أنّ الكاظم عليه السّلام دفن بقيوده ، و أنّه أوصى بذلك 4 .
و روى ( الكافي ) عن الحسن بن محمّد بن بشار قال : حدّثني شيخ من أهل قطيعة الرّبيع ، من العامّة ببغداد ، ممّن كان ينقل عنه قال : قال لي : قد رأيت بعض من يقولون بفضله من أهل هذا البيت ، فما رأيت مثله قط في فضله و نسكه . فقلت له : من ، و كيف رأيته ؟ قال : جمعنا أيّام السّندي بن شاهك ثمانين رجلا من الوجوه المنسوبين إلى الخير ، فأدخلنا على موسى بن جعفر ، فقال لنا السّندي : يا هؤلاء انظروا إلى هذا الرّجل هل حدث به حدث ؟ فإنّ النّاس يزعمون أنّه قد فعل به ، و يكثرون في ذلك ، و هذا منزله و فراشه موسّع عليه غير مضيّق ، و لم يرد به أمير المؤمنين سوءا ، و إنّما ينتظر به أن يقدم فيناظر
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 333 336 .
-----------
( 2 ) الإرشاد للمفيد : 298 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 260 ح 5 .
-----------
( 4 ) فرق الشيعة للنوبختي : 85 .
[ 321 ]
أمير المؤمنين ، و هذا هو صحيح موسّع عليه في جميع اموره ، فسلوه . قال :
و نحن ليس لنا همّ إلاّ النّظر إلى الرّجل ، و إلى فضله و سمته . فقال موسى بن جعفر : أمّا ما ذكر من التّوسعة ، و ما أشبهها فهو على ما ذكر ، غير أنّي اخبركم أيّها النّفر أنّي قد سقيت السّمّ في سبع تمرات ، و أنا غدا أخضرّ و بعد غد أموت .
قال : فنظرت إلى السّندي بن شاهك يضطرب ، و يرتعد مثل السّعفة 1 .
و روى ( العيون ) عن أحمد بن عبد اللَّه القزويني عن أبيه ، قال : دخلت على الفضل بن الرّبيع ، و هو جالس على سطح ، فقال لي : ادن . فدنوت حتّى حاذيته ثمّ قال لي : اشرف على البيت في الدّار . فأشرفت فقال : ما ترى في البيت ؟ قلت :
ثوبا مطروحا . فقال : انظر حسنا . فتأمّلت ، فقلت : رجل ساجد . فقال : أتعرفه ؟
قلت : لا . قال : هذا مولاك . قلت : و من مولاي ؟ قال : تتجاهل عليّ ؟ فقلت : لا أعرف لي مولى . فقال : هذا موسى بن جعفر ، إنّي أتفقده الليل و النهار ، فلا أجده في وقت من الأوقات إلاّ على الحالة الّتي اخبرك بها . إنّه يصلّي الفجر ، فيعقّب ساعة في دبر صلاته إلى أن تطلع الشّمس ، ثمّ يسجد سجدة فلا يزال ساجدا حتّى تزول الشّمس ، و قد وكّل من يترصد له الزّوال ، فلست أدري متى يقول الغلام : قد زالت الشّمس إذ وثب فيبتدىء الصّلاة من غير أن يحدث حدثا ،
فاعلم أنّه لم ينم في سجوده و لا أغفى ، و لا يزال إلى أن يفرغ من صلاة العصر ،
فإذا صلّى العصر يسجد سجدة ، فلا يزال ساجدا حتّى تغيب الشّمس ، فإذا غابت الشّمس ، وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثا ، و لا يزال في صلاته و تعقيبه إلى أن يصلّي العتمة ، و إذا صلّى العتمة أفطر على شوى يؤتى به ، ثمّ يجدّد الوضوء ثمّ يسجد ثمّ يرفع رأسه ، فينام نومة خفيفة ،
ثمّ يقوم فيجدّد الوضوء ، فلا يزال يصلّي في جوف الليل ، فلست أدري متى
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 258 ح 2 .
[ 322 ]
يقول الغلام : إنّ الفجر قد طلع . إذ قد وثب هو لصلاة الفجر ، فهذا دأبه منذ حوّل إليّ . فقلت : اتّق اللَّه ، و لا تحدثنّ في أمره حدثا يكون فيه زوال النعمة ، فقد تعلم أنّه لم يفعل أحد بأحد منهم سوءا إلاّ كانت نعمته زائلة . فقال : قد أرسلوا إليّ غير مرّة يأمرونني بقتله ، فلم أجبهم إلى ذلك ، و أعلمتهم أنّي لا أفعل ذلك ، و لو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني . قال : فلمّا كان بعد ذلك حوّل إلى الفضل بن يحيى البرمكي فحبس عنده أياما ، و كان الفضل بن الرّبيع يبعث إليه كلّ يوم مائدة حتّى مضى ثلاثة أيّام و لياليها ، فلمّا كان الليلة الرّابعة قدّمت إليه مائدة الفضل بن يحيى ، فرفع يده إلى السّماء ، فقال : يا ربّ إنّك تعلم أنّي لو أكلت هذا قبل اليوم كنت أعنت على نفسي . قال : فأكل فمرض ، فلمّا كان من الغد جاءه الطبيب ، فعرض عليه خضرة في بطن راحته و كان السّمّ الّذي سمّ به قد اجتمع في ذلك الموضع فانصرف الطّبيب إليهم ، و قال : هو و اللَّه أعلم بما فعلتم به . ثمّ توفّي عليه السّلام 1 .
و عن الثّوباني قال : كانت لأبي الحسن موسى عليه السّلام في بضع عشرة سنة كلّ يوم سجدة بعد انفضاض الشّمس إلى وقت الزّوال ، فكان هارون ربّما صعد سطحا يشرف على المجلس الّذي حبس فيه ، فكان يراه ساجدا ،
فقال يوما : يا ربيع ما ذاك الثّوب الّذي أراه كلّ يوم في ذلك الموضع ؟ قال : ما ذاك بثوب ، و إنّما هو موسى بن جعفر له كلّ يوم سجدة بعد طلوع الشّمس إلى وقت الزّوال . فقال : أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم . قلت : فمالك قد ضيّقت عليه في الحبس ؟ قال : هيهات لا بدّ من ذلك 2 .
و عن الحسن بن عبد اللَّه الصّيرفي عن أبيه قال : توفّي موسى بن
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 86 ح 10 .
-----------
( 2 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 77 ح 14 و : 81 ح 5 .
[ 323 ]
جعفر عليه السّلام في يد السّندي ، فحمل على نعش و نودي عليه : هذا إمام الرّافضة فاعرفوه . فلمّا اتي به مجلس الشّرطة قام أربعة نفر فنادوا : ألا من أراد أن يرى الخبيث ابن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج . و خرج سليمان بن أبي جعفر من قصره إلى الشّط ، فسمع الصّياح و الضوضاء ، فقال لغلمانه و لولده : ما هذا ؟ قالوا : السّندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعشه . فقال لولده : يوشك أن يفعل به هذا في الجانب الغربي ، فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم ، فإن مانعوكم فاضربوهم ، و أخرقوا ما عليهم من السّواد . فلمّا عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم ، و ضربوهم ، و خرقوا عليهم سوادهم ، و وضعوه في مفرق أربعة طرق ، و أقاموا المنادين ينادون : ألا من أراد أن يرى الطيّب ابن الطيّب موسى بن جعفر فليخرج . و حضر الخلق ،
و غسّل و حنّط بحنوط فاخر ، و كفّنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي و خمسمائة دينار عليها القرآن ، و احتفى و مشى في جنازته ملببا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش ، فدفنه هناك ، و كتب بخبره إلى الرّشيد . فكتب إليه الرّشيد : و صلتك رحم يا عم ، و أحسن اللَّه جزاك ، و اللَّه ما فعل السّندي ما فعل عن أمرنا 1 .
و في ( الارشاد ) : و كان عليه السّلام يدعو كثيرا : اللّهم إنّي أسألك الراحة عند الموت ، و العفو عند الحساب 2 . و كان من دعائه عليه السّلام : عظم الذّنب من عبدك ،
فليحسن العفو من عندك 3 .
و فيه : و كان الإمام بعد أبيه عليه السّلام ، لاجتماع خلال الفضل فيه و الكمال ، و لنّص أبيه عليه ، و كان مولده بالأبواء سنة ثمان و عشرين
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 77 ح 14 و : 81 ح 5 .
-----------
( 2 ) إرشاد المفيد : 296 .
-----------
( 3 ) إرشاد المفيد : 296 .
[ 324 ]
و مائة ، و قبض عليه السّلام ببغداد في حبس السّندي ، لستّ خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة ، و له يومئذ خمس و خمسون سنة ، فكانت مدّة خلافته بعد أبيه خمسا و ثلاثين سنة ، و كان أفقه أهل زمانه و أحفظهم لكتاب اللَّه ،
و أحسنهم صوتا بالقرآن ، و كان إذا قرأ يحزن و يبكي السّامعون لتلاوته ، و كان النّاس بالمدينة يسمّونه زين المتهجدين ، و سمّي بالكاظم لما كظمه من الغيظ ، و صبر عليه من فعل الظالمين به ، حتّى مضى قتيلا في وثاقهم 1 .
قلت : و يقال له عليه السّلام : أبو الحسن الماضي لقول ابنه الرّضا عليه السّلام لمّا كان يسأل هل مات ؟ : نعم مضى كما مضى آباؤه 2 . ردّا على الواقفة في قولهم بعدم موته و مضيّه ، و يقال له : أبو الحسن الأوّل ، و الرّضا عليه السّلام الثاني ،
و الهادي عليه السّلام الثالث .
و أمّا أبو الحسن الرّضا عليه السّلام ، فقال المسعودي في ( مروجه ) : إنّ المأمون أمر في سنة مائتين بإحصاء ولد العبّاس من رجالهم و نسائهم ،
و صغيرهم و كبيرهم ، فكان عددهم ثلاثة و ثلاثين ألفا ، و بعث برجاء بن أبي الضّحاك و ياسر الخادم إلى عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام لإشخاصه ، فحمل إليه مكرّما وصل إليه و هو بمدينة مرو ، فأنزله أحسن إنزال ، و أمر بجمع خواصّ الأولياء ، و أخبرهم أنّه نظر في ولد العبّاس ، و ولد عليّ عليه السّلام فلم يجد في وقته أحدا أفضل و لا أحقّ بالأمر من عليّ بن موسى ، فبايع له بولاية العهد ، و ضرب اسمه على الدّنانير و الدّراهم ، و زوّج ابنه محمّد بن عليّ بن موسى بابنته امّ الفضل ، و أمر بإزالة السّواد من اللباس و الأعلام ، و نمي ذلك إلى من بالعراق
-----------
( 1 ) ارشاد المفيد : 288 ، 298 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) معرفة الرجال للكشي ، اختياره : 463 ح 883 ، ضمن حديث ، و النقل بالمعنى .
[ 325 ]
من ولد العبّاس ، فأعظموه إذ علموا أنّ في ذلك خروج الأمر عنهم 1 .
و في ( تاريخ الطبري ) : ذكر أنّ عيسى بن محمّد بن أبي خالد بينما هو في ما هو فيه من عرض أصحابه بعد منصرفه من عسكره إلى بغداد إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل ، يعلمه أنّ المأمون قد جعل عليّ بن موسى وليّ عهده من بعده و ذلك أنّه نظر في بني العبّاس و بني عليّ فلم يجد أحدا هو أفضل و لا أورع و لا أعلم منه ، و أنّه سمّاه الرّضا من آل محمّد ، و أمره بطرح لبس الثّياب السّود و لبس ثياب الخضرة و ذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة ( 201 ) ، و يأمره أن يأمر من قبله من أصحابه و الجند و القوّاد و بني هاشم بالبيعة له ، و أن يأخذهم بلبس الخضرة في أقبيتهم و قلانسهم و أعلامهم ، و يأخذ أهل بغداد جميعا بذلك 2 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) بأسانيد : أنّ المأمون وجّه إلى جماعة من آل أبي طالب فحملهم إليه من المدينة ، و فيهم عليّ بن موسى ، فأخذ بهم على طريق البصرة ، و كان المتولّي لاشخاصهم المعروف بالجلودي من أهل خراسان ، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا ، و أنزل عليّ بن موسى دارا ،
و وجّه إلى الفضل بن سهل ، فأعلمه أنّه يريد العقد له ، و أمره بالاجتماع مع أخيه الحسن بن سهل على ذلك ، ففعل و اجتمعا بحضرته فجعل الحسن يعظّم ذلك عليه ، و يعرّفه ما فيه من إخراج الأمر من أهله ، فقال له : إنّي عاهدت اللَّه أن اخرجها إلى أفضل آل أبي طالب إن ظفرت بالمخلوع ، و ما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل . فاجتمعا معه على ما أراد ، فأرسلهما إلى عليّ بن موسى فعرضا ذلك عليه فأبى فلم يزالا به ، و هو يأبى ذلك ، و يمتنع منه ، إلى أن قال له أحدهما :
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 440 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 7 : 139 سنة 201 .
[ 326 ]
إن فعلت ، و إلاّ فعلنا بك و صنعنا . و تهدّداه ، ثمّ قال له أحدهما : و اللَّه أمرني بضرب عنقك إذا خالفت ما يريد . ثمّ دعا به المأمون فامتنع ، فقال له قولا شبيها بالتهدد . ثمّ قال له : إنّ عمر جعل الشّورى في ستّة أحدهم جدّك ، و قال : من خالف فاضربوا عنقه ، و لا بدّ من قبول ذلك ، فأجابه .
ثمّ جلس المأمون في يوم خميس ، و خرج الفضل فأعلم النّاس برأي المأمون ، و أنّه ولاّه عهده ، و سمّاه الرّضا ، و أمرهم بلبس الخضرة ، و العود لبيعته في الخميس الآخر على أن يأخذوا رزق سنة ، فلمّا كان ذلك اليوم ركب النّاس من القوّاد و القضاة و غيرهم من النّاس في الخضرة ، و جلس المأمون ،
و وضع للرّضا عليه السّلام و سادتين عظيمتين حتّى لحق بمجلسه و فرشه ، و أجلس الرّضا عليه السّلام عليهما في الخضرة ، و عليه عمامة و سيف ، ثمّ أمر ابنه العبّاس فبايع له أوّل الناس ، فرفع الرّضا عليه السّلام يده ، فتلقى بظهرها وجه نفسه و ببطنها وجوههم . فقال له المأمون : ابسط يدك للبيعة . فقال له : إنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله هكذا كان يبايع . فبايعه النّاس ، و وضعت البدر ، و قامت الخطباء و الشّعراء فجعلوا يذكرون فضل الرّضا عليه السّلام و ما كان من أمر المأمون فيه إلى أن قال ثمّ قال المأمون للرّضا عليه السّلام : قم فاخطب النّاس . فقام و قال بعد حمد اللَّه و الثناء عليه :
إنّ لنا عليكم حقّا برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و لكم علينا حقّ به ، فإذا أدّيتم إلينا ذلك وجب علينا الحقّ لكم . و لم يذكر عنه غير هذا في ذاك المجلس 1 .
و روى أيضا عن محمّد بن أبي عمر المدني و غيره عن عبد الجبّار بن سعيد يخطب تلك السنّة على منبر رسول اللَّه بالمدينة ، أنّه قال في الدّعاء :
و أصلح وليّ عهد المسلمين عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ عليه السّلام .
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 375 .
[ 327 ]
ستّة آباؤهم ما هم
هم خير من يشرب صوب الغمام 1
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : ذكر عبد اللَّه بن أحمد المقدسي في كتاب أنساب القرشيين نسخة يرويها : عليّ بن موسى الرّضا عن أبيه موسى عن أبيه جعفر عن أبيه محمّد عن أبيه عليّ عن أبيه الحسين عن أبيه عليّ عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . ثم قال : أسناد لو قرىء على مجنون برأ 2 .
و فيه أيضا : أنّه لمّا جعل المأمون الرّضا وليّ عهده شغبت بنو العبّاس ببغداد عليه و خلعوه من الخلافة ، و ولّوا إبراهيم بن المهدي و المأمون بمرو ،
و تفرّقت قلوب شيعة بني العبّاس عنه . فقال له عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام :
النّصح لك واجب ، و الغشّ لا يحلّ لمؤمن ، إنّ العامة تكره ما فعلت معي ،
و الخاصة تكره الفضل بن سهل ، فالرأي أن تنحّينا عنك ، حتّى يستقيم لك الخاصّة و العامّة ، فيستقيم أمرك إلى أن قال و فيه يقول أبو نواس :
قيل لي أنت أوحد النّاس في
كلّ كلام من المقال بديه
لك في جوهر الكلام فنون
ينثر الدّر في يدي مجتنيه
فعلى ما تركت مدح ابن موسى
و الخصال الّتي تجمّعن فيه
قلت لا أهتدي لمدح إمام
كان جبريل خادما لأبيه 3
و روى محمّد بن بابويه في ( عيونه ) الّذي صنّفه للصّاحب بن عباد عن ياسر الخادم ، قال : كان الرّضا عليه السّلام إذا خلا جمع حشمه كلّهم عنده الصّغير و الكبير . فيحدّثهم و يأنس بهم و يؤنسهم ، و كان إذا جلس على المائدة لا يدع صغيرا و لا كبيرا ، حتّى السّائس و الحجام إلاّ أقعده معه على مائدته . قال ياسر : فبينا نحن عنده إذ سمعنا وقع القفل الّذي كان على باب المأمون إلى دار
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 376 ، 377 عن محمّد بن أبي عمر و يحيى بن الحسن العلوي .
-----------
( 2 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 352 ، 355 ، 358 .
-----------
( 3 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 352 ، 355 ، 358 .
[ 328 ]
الرّضا عليه السّلام ، فقال لنا : قوموا تفرّقوا فقمنا عنه ، فجاء المأمون و معه كتاب طويل ، فأراد الرّضا عليه السّلام أن يقوم فأقسم عليه المأمون بحقّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أن لا يقوم ، ثمّ جاء حتّى انكبّ عليه ، و قبّل وجهه ، و قعد بين يديه ، فقرأ ذلك الكتاب عليه ، فإذا فيه « فتح لبعض قرى كابل » كان فيه « إنّا فتحنا قرية كذا و كذا » فقال له الرّضا عليه السّلام : و سرّك فتح قرية من قرى الشرك ؟ فقال المأمون : أو ليس في ذلك سرور ؟ فقال : اتق اللَّه في امّة محمّد و ما ولاّك اللَّه و خصّك به ، فإنّك قد ضيّعت أمر المسلمين ، و فوّضت ذلك إلى غيرك يحكم فيهم بغير حكم اللَّه ،
و قعدت في هذه البلاد و تركت بيت الهجرة و مهبط الوحي ، و إنّ المهاجرين و الأنصار يظلمون دونك و ( لا يرقبون في مؤمن إلاّ و لا ذمّة ) ، و يأتي على المظلوم دهر يتعب فيه نفسه ، و يعجز عن نفقته ، و لا يجد من يشكو إليه حاله ،
و لا يصل إليك ، فاتّق اللَّه في امور المسلمين ، و ارجع إلى بيت النّبوّة و معدن المهاجرين و الأنصار ، أما علمت أنّ والي المسلمين مثل العمود في وسط الفسطاط ، من أراده أخذه ؟
قال المأمون : يا سيّدي فما ترى ؟
قال : أرى أن تخرج من هذه البلاد ، و تتحوّل إلى موضع آبائك و أجدادك ،
و تنظر في امور المسلمين و لا تكلهم إلى غيرك .
فقال : نعم يا سيدي ما قلت هو الرّأي . فخرج و أمر أن يقدّم النّجائب ، فبلغ ذلك ذا الرّياستين فغمّه غمّا شديدا ، و قد كان غلب على الأمر ، و لم يكن للمأمون عنده رأي ، فلم يجسر أن يكاشفه ، ثمّ قوي بالرّضا عليه السّلام جدّا ، فجاء ذو الرّياستين إلى المأمون ، فقال له : ما هذا الرّأي الذي أمرت به ؟ قال : أمرني سيّدي أبو الحسن عليه السّلام بذلك و هو الصّواب . قال : ما هذا الصّواب ؟ قتلت بالأمس أخاك و أزلت الخلافة عنه ، و بنو أبيك معادون لك ، و جميع أهل العراق ،
و أهل بيتك و العرب ، ثمّ أحدثت هذا الحدث الثاني : ولّيت ولاية العهد لأبي
[ 329 ]
الحسن و أخرجتها من بني أبيك ، و العامّة و الفقهاء و العلماء ، و آل بني العبّاس لا يرضون بذلك ، و قلوبهم متنافرة عنك . فالرّأي أن تقيم بخراسان حتّى تسكن قلوب النّاس على هذا الأمر و يتناسوا ما كان من أمر أخيك ، و هاهنا مشائخ قد خدموا الرّشيد ، و عرفوا الأمر فاستشرهم في ذلك ، فإن أشاروا بذلك فامضه ، فقال المأمون : مثل من ؟ قال : عليّ بن أبي عمران ، و ابن يونس ،
و الجلودي و هؤلاء هم الّذين نقموا بيعة الرّضا عليه السّلام ، و لم يرضوا به ، فحبسهم المأمون بهذا السّبب فقال المأمون : نعم . فلمّا كان الغد جاء أبو الحسن عليه السّلام فدخل على المأمون ، و قال له : ما صنعت ؟ فحكى له ما قال ذو الرّياستين ، و دعا المأمون بهؤلاء النّفر فأخرجهم ، فأوّل من ادخل عليه عليّ بن أبي عمران ،
فنظر إلى الرّضا عليه السّلام بجنب المأمون ، فقال للمأمون : اعيذك باللَّه أن تخرج هذا الأمر الّذي جعله اللَّه لكم ، و تجعله في أيدي أعدائكم ، و من كان آباؤك يقتلهم و يشرّدهم في البلاد . فقال المأمون : يابن الزّانية ، و أنت بعد على هذا ؟ قدّمه يا حرسي فاضرب عنقه . فضرب عنقه ، و ادخل ابن يونس ، فلما نظر إلى الرّضا عليه السّلام بجنب المأمون قال له : هذا الّذي بجنبك و اللَّه صنم يعبد من دون اللَّه . قال له المأمون : يابن الزّانية و أنت بعد على هذا ؟ يا حرسي قدّمه فاضرب عنقه . فضرب عنقه . ثمّ ادخل الجلودي و كان الرّشيد في خلافته لمّا خرج محمّد بن جعفر بن محمّد بالمدينة ، و بعثه و أمره إن ظفر به أن يضرب عنقه ،
و أن يغير على دور آل أبي طالب ، و أن يسلب نساءهم و لا يدع على واحدة منهنّ إلاّ ثوبا واحدا ، ففعل الجلودي ذلك ، و قد كان مضى موسى بن جعفر عليه السّلام ، فصار الجلودي إلى باب دار الرّضا عليه السّلام فهجم على داره بخيله ،
فلمّا نظر إليه الرّضا عليه السّلام جعل النّساء كلّهن في بيت ، و وقف على باب البيت ،
فقال الجلودي : لا بدّ من أن أدخل البيت فأسلبهنّ كما أمرني الخليفة . فقال له الرّضا عليه السّلام : أنا أسلبهنّ لك ، و أحلف أنّي لا أدع عليهنّ شيئا حتّى قراطهنّ
[ 330 ]
و خلاخلهنّ إلاّ أخذته . فلم يزل يطلب إليه ، و يحلف له حتّى سكن . فدخل الرّضا عليه السّلام عليهنّ فلم يدع عليهنّ شيئا إلاّ أخذه منهنّ ، و جميع ما كان في الدّار من قليل و لا كثير فلمّا كان هذا اليوم و ادخل الجلودي على المأمون قال الرضا عليه السّلام للمأمون : هب لي هذا الشيخ . فقال المأمون : يا سيّدي هذا الّذي فعل ببنات النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ما فعل من سلبهن ، فنظر الجلودي إلى الرّضا عليه السّلام و هو يكلّم المأمون فظنّ أنّه يعين عليه لما كان فعله . فقال للمأمون : أسألك باللَّه و بخدمتي للرّشيد أن لا تقبل قول هذا فيّ . فقال : يا أبا الحسن قد أقسمني و نحن نبرّ قسمه . ثمّ قال : لا و اللَّه لا أقبل قوله فيك ، ألحقوه بصاحبيه . فقدّم فضرب عنقه ، و قد كان المأمون أمر أن يقدّم النّواب و ردّها ذو الرّياستين . فلمّا قتل المأمون هؤلاء علم أنّه قد عزم على الخروج فقال الرّضا عليه السّلام للمأمون : ما صنعت بتقديم النّواب ؟ فقال : مرهم يا سيّدي أنت بذلك . فخرج عليه السّلام و صاح بالناس قدّموا النّواب . فكأنّما وقعت فيهم النّيران . فأقبلت النّواب تتقدّم و تخرج . إلى أن قال بعد ذكر أخذ الفضل بن سهل كتاب أمان من المأمون :
و إنّ المأمون أعطاه كلّ ما أحبّ ، و كتب له بخطّه : أنّي قد حبوتك بكذا و كذا من الأموال ، و الضّياع و السّلطان . و بسط له أمله ، و طلب الفضل منه عليه السّلام إمضاءه لكونه ولي العهد . فقال عليه السّلام له : يا فضل لك علينا هذا ما اتّقيت اللَّه تعالى .
قال ياسر : فنغّص عليه أمره في كلمة واحدة ، فخرج فلمّا كان بعد ذلك بأيّام ورد على الفضل كتاب من أخيه الحسن : بأنّي نظرت في تحويل هذه السّنة في النّجوم فوجدت أنّك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حرّ الحديد و حرّ النّار ، فأرى أن تدخل أنت و الرّضا و المأمون في الحمام في هذا اليوم فتحتجم فيه ، و تصبّ الدّم على بدنك ليزول نحسه عنك . فبعث الفضل إلى المأمون ، و سأله أن يدخل الحمام معه و يسأل الرّضا أيضا ذلك إلى أن قال فكتب الرّضا عليه السّلام إلى المأمون لست بداخل غدا الحمّام ، فإنّي رأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله
[ 331 ]
في النّوم في هذه الليلة يقول لي : يا عليّ لا تدخل الحمّام غدا ، فلا أرى لك ، و لا للفضل أن تدخلا الحمام غدا . فكتب إليه المأمون : صدقت يا سيّدي و صدق النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لست بداخل الحمام غدا ، و أمّا الفضل فهو أعلم و ما يفعله إلى أن قال فلمّا صلّى الرّضا عليه السّلام الصّبح قال لنا : قولوا نعوذ باللَّه من شرّ ما ينزل في هذا اليوم . فلمّا كان قريبا من طلوع الشّمس قال الرّضا عليه السّلام : اصعد السّطح فاستمع هل تسمع شيئا ؟ فلمّا صعدت سمعت الضجّة ، فإذا بالمأمون قد دخل من الباب الّذي كان إلى داره من دار الرّضا عليه السّلام يقول : يا سيّدي آجرك اللَّه في الفضل . و كان قد دخل الحمّام ، فدخل عليه قوم بالسّيوف ، فقتلوه و اجتمع القوّاد و الجند من كان من رجال الفضل على باب المأمون ، فقالوا : اغتاله و قتله فلنطلبنّ بدمه . فقال المأمون للرّضا عليه السّلام : يا سيّدي ترى أن تخرج إليهم و تفرّقهم . قال ياسر : فركب الرّضا عليه السّلام و قال لي : اركب . فلمّا خرجنا من الباب نظر الرّضا عليه السّلام إليهم ، و قد جاؤوا بالنّيران ليحرقوا الباب ، فصاح بهم و أومأ بيده إليهم تفرّقوا . قال ياسر : فو اللَّه أقبل النّاس يقع بعضهم على بعض ، و ما أشار إلى أحد إلاّ ركض و مرّ 1 .
و في ( فصول ابن الصّبّاغ المالكي ) لمّا جعل المأمون الرّضا عليه السّلام وليّ عهده كان في حاشيته اناس قد كرهوا ذلك ، و خافوا خروج الخلافة من بني العبّاس ، و عودها إلى بني فاطمة ، فحصل عندهم من الرّضا نفور ، و كان عادة الرّضا إذا جاء إلى دار المأمون ليدخل عليه بادر من في الدّهليز من الحجّاب بالقيام له و السّلام عليه ، و يرفعون له السّتر حتّى يدخل ، فلمّا حصلت لهم هذه النفرة تفاوضوا في ذلك ، فبينما هم إذ جاء يدخل ، فقالوا : نعرض عنه ، و لا نرفع له السّتر ، و اتّفقوا على ذلك ، فلم يملكوا أنفسهم أن قاموا و سلّموا ، و رفعوا له
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 2 : 157 ح 24 .
[ 332 ]
السّتر ، فلمّا دخل أقبل بعضهم على بعض يتلاومون على ما فعلوا ، و قالوا :
الكرّة الثانية إذا جاء لا نرفعه له ، فلمّا كان اليوم الثاني و جاء على عادته قاموا و سلّموا ، و لم يرفعوا السّتر فجاءت ريح شديدة فرفعت السّتر أكثر ممّا كانوا يرفعونه ، فدخل ثم سكنت ، ثمّ عند خروجه جاءت الرّيح من الجانب الآخر فرفعته له و خرج ، فأقبل بعضهم على بعض ، و قالوا : إنّ لهذا الرّجل عند اللَّه منزلة 1 .
و فيه : روى الحاكم أبو عبد اللَّه الحافظ بأسناده عن أبي حبيب قال :
رأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في المنام ، و كأنّه قد نزل في المسجد الّذي ينزله الحجّاج من بلدنا في كلّ سنة ، و كأنّي قد مضيت إليه و سلّمت عليه ، و وقفت بين يديه ،
فوجدت عنده طبقا من خوص المدينة فيه تمر صيحاني ، و كأنّه قبض قبضة من ذلك التّمر فناولنيها فعددتها ، فوجدتها ثماني عشرة تمرة ، فتأوّلتها أنّي أعيش بعدد كلّ تمرة سنة . فلمّا كان بعد عشرين يوما و أنا في أرض لي إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرّضا عليه السّلام من المدينة ، و نزوله في ذلك المسجد ، و رأيت النّاس يسعون إلى السّلام عليه من كلّ جانب ، فمضيت نحوه فإذا هو جالس في الموضع الّذي رأيت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيه ، و تحته حصير مثل الحصير الّذي رأيته تحت النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و بين يديه طبق من خوص و فيه تمر صيحاني ، فسلّمت فردّ عليّ ، فاستدناني و ناولني قبضة من ذلك التمر ، فإذا هي بعدد ما ناولني النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في النوم ثماني عشرة حبّة ، فقلت : زدني . فقال :
لو زادك النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لزدناك 2 .
و روى الحاكم أيضا باسناده عن سعيد بن سعد أنّ الرّضا عليه السّلام نظر إلى
-----------
( 1 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 244 .
-----------
( 2 ) الفصول المهمّة لابن الصّباغ : 247 ، 251 .
[ 333 ]
رجل فقال : يا عبد اللَّه أوص بما تريد ، و استعدّ لما لا بدّ منه ، فمات الرّجل بعد ذلك بثلاثة أيّام 1 .
و عن الحسين بن موسى قال : كنّا حول أبي الحسن الرّضا عليه السّلام ، و نحن شباب من بني هاشم إذ مرّ علينا جعفر بن علي العلوي و هو رثّ الهيئة ، فنظر بعضنا إلى بعض مستزرين لهيئته ، فقال الرّضا عليه السّلام : سترونه عن قريب كثير المال كثير الخدم ، فما مضى إلاّ شهر واحد حتّى ولّي إمرة المدينة و حسنت حالته ، و كان يمرّ علينا و حوله الخدم و الحشم يسيرون بين يديه 2 .
و فيه قال إبراهيم بن العبّاس : سمعت : العبّاس يقول : ما سئل الرّضا عن شيء إلاّ علمه ، و لا رأيت أعلم منه بما كان في الزّمان إلى وقت عصره ، و كان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كلّ شيء ، فيجيبه الجواب الشّافي ، و كان قليل النّوم كثير الصّوم ، لا يفوته صيام ثلاثة أيّام في كلّ شهر ، و يقول : ذلك صيام الدّهر ، و كان كثير المعروف و الصّدقة سرّا ، و أكثر ما يكون ذلك منه في الليالي المظلمة ، و كان جلوسه في الصّيف على حصير ، و في الشّتاء على مسح 3 .
و فيه أيضا : أورد صاحب كتاب ( تاريخ نيسابور ) في كتابه : أنّ الرّضا عليه السّلام لمّا دخل إلى نيسابور كان في قبة مستورة بالسّقلاط على بغلة شهباء ، و قد شق نيسابور ، فعرض له الإمامان الحافظان للأحاديث النّبويّة أبو زرعة الرّازي ، و محمّد بن أسلم الطّوسي ، و معهما خلائق لا يحصون من طلبة العلم ، و أهل الأحاديث و أهل الرّواية و الدّراية ، فقالا له : أيّها السّيّد الجليل ابن السّادة الأئمّة بحقّ آبائك الأطهرين ، و أسلافك الأكرمين إلاّ ما أريتنا وجهك الميمون المبارك ، و رويت لنا حديثا عن آبائك عن جدّك محمّد صلّى اللَّه عليه و آله نذكرك به .
قال : فاستوقف له البغلة ، و أمر غلمانه بكشف المظلّة عن القبّة ، و أقرّ عيون تلك
-----------
( 1 ) الفصول المهمّة لابن الصّباغ : 247 ، 251 .
-----------
( 2 ) الفصول المهمّة لابن الصّباغ : 247 ، 251 .
-----------
( 3 ) الفصول المهمّة لابن الصّباغ : 247 ، 251 .
[ 334 ]
الخلائق برؤية طلعته المباركة ، فكانت له ذؤابتان على عاتقه ، و النّاس كلّهم قيام على طبقاتهم ينظرون إليه ، و هم من بين صارخ و باك و متمرّغ في التّراب ،
و مقبّل لحافر بغلته ، و علا الضّجيج ، فصاحت الأئمة و العلماء : معاشر النّاس اسمعوا و عوا ، و انصتوا لسماع ما ينفعكم ، و لا تؤذونا بكثرة صراخكم و بكائكم ، و كان المستملي أبو زرعة ، و محمّد بن أسلم . فقال عليّ الرّضا :
حدّثني أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصّادق عن أبيه محمّد الباقر عن أبيه عليّ زين العابدين عن أبيه الحسين الشهيد بكربلا عن أبيه عليّ بن أبي طالب ، قال : حدّثني حبيبي ، و قرّة عيني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله قال : حدّثني جبرئيل قال : سمعت ربّ العزّة سبحانه و تعالى يقول : كلمة لا إله إلاّ اللَّه حصني فمن قالها دخل حصني ، و من دخل حصني أمن من عذابي . ثمّ أرخى السّتر و سار ،
فعدّوا أهل المحابر و الدويّ الّذين كانوا يكتبون ، فأنافوا على عشرين ألف .
قال الاستاد أبو القاسم القشيري : اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض الامراء السّامانيّة فكتبه بالذّهب ، و أوصى بأن يدفن معه في قبره ، فرئي في النّوم بعد موته ، فقيل له : ما فعل اللَّه ؟ قال : قد غفر اللَّه لي 1 .
و روى مضمونه محمّد بن بابويه في ( عيونه ) بأسناده عن إسحاق بن راهويه ، و زاد في آخره : فلمّا مرّت الرّاحلة نادانا : « بشروطها و أنا من شروطها » . و قال : إنّ من شروطها الإقرار بكون الرّضا عليه السّلام إماما مفترض الطّاعة 2 .
و في ( فصول ابن الصّباغ المالكي ) : ذكر المدائني أنّ الرّضا لمّا جلس ذلك المجلس ، و هو لابس تلك الخلع و الخطباء يتكلّمون ، و تلك الألوية تخفق
-----------
( 1 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 253 ، 256 .
-----------
( 2 ) عيون الأخبار للصدوق 2 : 134 ح 4 .
[ 335 ]
على رأسه نظر إلى بعض مواليه ممّن كان يختص به ، و قد داخله من السّرور ما لا عليه مزيد و ذلك لما رأى ، فأشار إليه الرّضا فدنا منه ، و قال له في اذنه سرّا : لا تشغل قلبك بشيء ممّا ترى من هذا الأمر ، و لا تستبشر فإنّه لا يتمّ 1 .
و فيه ، و في عهد كتبه المأمون للرّضا عليه السّلام بخطّه : فلمّا انقضت النبوّة ،
و ختم اللَّه بمحمّد الرسالة جعل قوام الدّين ، و نظام أمر المسلمين في الخلافة و نظامها ، و القيام بشرايعها و أحكامها ، و لم يزل أمير المؤمنين منذ أفضت إليه الخلافة ، و حمل مشاقّها ، و اختبر مرارة طعمها و مذاقها ، مسهرا لعينه ، منضيا لبدنه ، مطيلا لفكره في ما فيه عزّ الدين ، و قمع المشركين ، و صلاح الامّة ، و جمع الكلمة ، و نشر العدل ، و إقامة الكتاب و السّنّة ، و منعه ذلك من الخفض و الدّعة ،
و مهنأ العيش محبّة أن يلقى اللَّه سبحانه و تعالى مناصحا له في دينه و عباده ،
و مختارا لولاية عهده ، و رعاية الامّة من بعده أفضل من يقدر عليه في دينه و ورعه و علمه ، و أرجاهم للقيام بأمر اللَّه تعالى و حقّه مناجيا للَّه تعالى بالاستخارة في ذلك ، و مسألة إلهامه ما فيه رضاه ، و طاعته في آناء ليله و نهاره ، معملا فكره و نظره في ما فيه طلبه و التماسه في أهل بيته من ولد عبد اللَّه بن عباس و عليّ بن أبي طالب ، مقتصرا في من علم حاله و مذهبه منهم على علمه ، و بالغا في المسألة في من خفي عليه أمره جهده و طاقته حتّى استقصى امورهم معرفة ، و ابتلى أخبارهم مشاهدة ، و استبرأ أحوالهم معاينة ، و كشف ما عندهم مساءلة ، و كانت خيرته بعد استخارة اللَّه تعالى ، و إجهاده نفسه في قضاء حقّه في عباده و بلاده في الفئتين جميعا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام لمّا رأى من فضله البارع ، و علمه الذائع ، و ورعه الظّاهر الشائع ، و زهده الخالص النّافع ، و تخليته
-----------
( 1 ) الفصول المهمة لابن الصباغ : 253 ، 256 .
[ 336 ]
من الدّنيا ، و تفرده عن النّاس ، و قد استبان له ما لم تزل الأخبار عليه منطبقة ،
و الألسن عليه متّفقة ، و الكلم فيه جامعة ، و الأخبار واسعة ، و لما لم نزل نعرفه به من الفضل يافعا ، و ناشئا ، و حدثا ، و كهلا . فلذلك عقد له بالعهد و الخلافة من بعده واثقا بخيرة اللَّه تعالى في ذلك ، إذ علم اللَّه تعالى أنّه فعله إيثارا له و للدّين ،
و نظرا للإسلام و المسلمين ، و طلبا للسلامة و ثبات الحجّة ، و النّجاة في اليوم الّذي يقوم فيه النّاس لربّ العالمين .
و دعا أمير المؤمنين ولده ، و أهل بيته ، و خاصّته ، و قوّاده ، و خدمه فبايعوه الكلّ مطيعين مسارعين مسرورين عالمين بإيثار أمير المؤمنين طاعة اللَّه على الهوى في ولده و غيرهم ممّن هو أشبك رحما ، و أقرب قرابة ،
و سمّاه الرّضا إذ كان رضيّا عند اللَّه تعالى ، و عند النّاس ، و قد آثر طاعة اللَّه ،
و النظر لنفسه ، و للمسلمين و الحمد للَّه ربّ العالمين . و كتب بيده في يوم الاثنين لسبع خلون من شهر رمضان سنة إحدى و مائتين .
قال : و كتب الرّضا بيده على ظهر العهد : « أقول و أنا عليّ بن موسى بن جعفر : إنّ أمير المؤمنين عضّده اللَّه بالسّداد ، و وفّقه للرّشاد ، عرف من حقّنا ما جهله غيره ، و إنّه جعل إليّ عهده و الإمرة الكبرى إن بقيت بعده ، و الجامعة و الجفر يدلاّن على ضدّ ذلك ، و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم إنّ الحكم إلاّ للَّه يقصّ الحقّ و هو خير الفاصلين » . . . 1 و في ( فواتح الميبدي ) : كان الرّضا عليه السّلام واقفا على الجفر ، و كان ورّاثه يستخرجون أحوال العالم من الجفر ، و المأمون بايع الرّضا في سنة ( 201 ) و كتب له عهدا ، فكتب الرّضا على ظهر عهد المأمون : « الجامعة و الجفر يدلاّن على ضدّ ذلك ، و ما أدري ما يفعل بي و لا بكم إن الحكم إلاّ للَّه
-----------
( 1 ) الفصول المهمّة لابن الصباغ : 257 ، و الآية 57 من سورة الأنعام .
[ 337 ]
يقصّ الحق ، و هو خير الفاصلين » 1 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) : توفّي الرضا عليه السّلام بقرية يقال لها : النّوقان ، قيل :
إنّ عليّ بن هشام أطعمه رمانا فيه سمّ ، و أظهر المأمون عليه جزعا شديدا .
فحدّثني أبو الحسن بن أبي عباد قال : رأيت المأمون يمشي في جنازته حاسرا في مبطنة بيضاء ، و هو بين قائمتي النعش يقول : إلى من أروح بعدك يا أبا الحسن ، و أقام عند قبره ثلاثة أيّام يؤتى في كلّ يوم برغيف و ملح فيأكله 2 .
قلت : أي المأمون ؟ و في ( فصول ابن الصّبّاغ المالكي ) أيضا ممّا نقل إلي بالاستماع أنّ المأمون وجد في يوم عيد انحراف مزاج أحدث عنده ثقلا له عن الخروج إلى الصلاة ، فقال للرّضا : قم يا أبا الحسن اركب و صلّ بالنّاس العيد .
فامتنع ، قال : قد علمت ما كان بيني و بينك من الشّروط فاعفني . فقال : انّما اريد أن انوّه بذكرك ليشتهر أمرك بأنّك وليّ عهدي ، و ألحّ عليه في ذلك ، فقال : إن اعفيتني كان أحبّ إليّ ، و إن أبيت إلاّ أن أخرج فإنّما أخرج على الصّفة التي كان يخرج عليها النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . فقال : افعل كيف أردت .
و أمر المأمون القوّاد و الجند ، و أعيان دولته بالرّكوب في خدمته إلى المصلّى ، فركب النّاس إلى بيته ، و حضر القوّاد ، و المؤذّنون و المكبّرون إلى بابه ينتظرون أن يخرج فخرج إليهم ، و قد اغتسل ، و لبس أفخر ثيابه ، و تعمّم بعمامة قطن ، و ألقى طرفا منها على عاتقه ، و مسّ طيبا و أخذ عكازا في يده ،
و خرج ماشيا و لم يركب ، و قال لمواليه و أتباعه : افعلوا كما فعلت . ففعلوا كفعله ، و ساروا بين يديه عند شروق الشّمس رافعين أصواتهم بالتّكبير و التّهليل ، فلمّا رآه القوّاد و الجند على تلك الحالة لم يسعهم إلاّ أن نزلوا عن
-----------
( 1 ) فواتح الميبدي : 185 .
-----------
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 453 و النقل بتلخيص .
[ 338 ]
خيولهم و مراكبهم و ساروا بين يديه ، و تركوا مراكبهم مع غلمانهم خلف النّاس ، و كان الرّضا عليه السّلام كلّما كبّر كبّر النّاس تكبيرة واحدة ، و كلّما هلّل هلّلوا تهليلة و هم سائرون بين يديه ، حتّى خيّل للنّاس أنّ الحيطان و الجدران يجاوبهم بالتّكبير و التّهليل ، و تزلزلت مرو ، و ارتفع البكاء و الضجيج . فبلغ ذلك المأمون ، فقال له الفضل : إن بلغ الرّضا المصلّى هكذا افتتن النّاس به ، و خفنا على دمائنا و أرواحنا ، و عليك في نفسك فابعث إليه يردّ . فبعث إليه : قد كلّفناك ،
و لا نحبّ أن تلحقك مشقّة ارجع إلى بيتك يصلّي بالناس غيرك .
و رواه ابن طلحة الشافعي في ( مطالبه ) و فيه : فخرج الرّضا ، و عليه قميص قصير أبيض ، و عمامة بيضاء لطيفة و هما من قطن ، و في يده قضيب ،
فأقبل ماشيا يؤمّ المصلّى ، و هو يقول : « السّلام على أبويّ آدم و نوح . السّلام على أبويّ إبراهيم و إسماعيل . السّلام على أبويّ محمّد و عليّ . السّلام على عباد اللَّه الصالحين » . فلمّا رآه الناس هرعوا إليه ، و انثالوا عليه لتقبيل يده ،
فأسرع بعض الحاشية إلى الخليفة المأمون ، و قال له : تدارك النّاس و اخرج إليهم و صلّ بهم و إلاّ خرجت الخلافة منك الآن 1 .
و فيه أيضا : قال دعبل الخزاعي : لمّا قلت قصيدتي « مدارس آيات » قصدت بها الرّضا عليه السّلام و هو بخراسان وليّ عهد المأمون ، فأحضرني المأمون و سألني عن خبري ، ثمّ قال لي : أنشدني « مدارس آيات خلت من تلاوة » فقلت : ما أعرفها . فقال : يا غلام أحضر أبا الحسن الرّضا . فلم تكن ساعة إلاّ حضر . فقال له : سألت دعبلا عن « مدارس آيات خلت من تلاوة » فذكر أنّه لا يعرفها . فقال لي : أنشده . فأخذت فيها فأنشدتها ، فاستحسنها المأمون .
فأمر لي بخمسين ألف درهم ، و أمر لي الرّضا عليه السّلام بقريب من ذلك . فقلت : يا
-----------
( 1 ) رواه ابن الصباغ في الفصول المهمّة : 260 ، و ابن طلحة في مطالب السؤول : 86 .
[ 339 ]
سيّدي إن رأيت أن تهب لي شيئا من ثيابك ليكون كفني ؟ فقال : نعم . ثمّ دفع لي قميصا قد ابتذله ، و منشفة لطيفة ، و قال لي : احفظ هذا تحرس به . ثمّ دفع إليّ الفضل بن سهل وزير المأمون صلة ، و حملني على برذون أصفر خراساني ،
و كنت اسايره في يوم مطير ، و عليه مطير خز ، و برنس . فأمر لي به و دعا بغيره ، و قال : إنّما آثرتك به خير ممطر . فاعطيت به ثمانين دينارا ، فلم تطب نفسي ببيعه ، ثمّ كررت راجعا إلى العراق ، فلمّا صرت في بعض الطريق خرج علينا الأكراد فأخذونا فكان ذلك اليوم يوما مطيرا ، فبقيت في قميص خلق متأسّفا من جميع ما كان معي على القميص و المنشفة ، و مفكّرا في قول سيّدي الرضا عليه السّلام إذا مرّ بي واحد من الأكراد الحرامية تحته الفرس الّذي حملني عليه الفضل ذو الرّياستين ، و عليه الممطر ، و وقف بالقرب منّي ليجتمع إليه أصحابه ، و هو ينشد : « مدارس آيات خلت من تلاوة » و يبكي . فقلت : يا سيّدي لمن هذه القصيدة ؟ فقال : و ما أنت و ذلك و يلك . فقلت : لي سبب اخبرك به . فقال :
هي أشهر بصاحبها من أن يجهل . فقلت : من ؟ قال : دعبل بن عليّ الخزاعي شاعر آل محمّد جزاه اللَّه خيرا فقلت له : يا سيّدي فأنا و اللَّه دعبل و هذه قصيدتي . قال : و يلك ما تقول ؟ قلت : الأمر أشهر من ذلك . فاسأل أهل القافلة فاستحضر منهم جماعة ، و سألهم عنّي . فقالوا : هذا دعبل بن عليّ الخزاعي .
فقال : قد أطلقت كلّ ما اخذ من القافلة خلالة فما فوقها كرامة لك . ثم نادى في أصحابه : من أخذ شيئا فليردّه . فردّ على النّاس جميع ما اخذ منهم ، و رجع عليّ جميع ما كان معي ، فحرست أنا و القافلة ببركة ذلك القميص و المنشفة 1 .
و رواه ( العيون ) عن أبي الصّلت الهروي هكذا : قال : دخل دعبل على الرّضا عليه السّلام بمرو فقال له : إنّي قد قلت قصيدة ، و آليت أن لا انشدها
-----------
( 1 ) مطالب السؤول لابن طلحة : 85 .
[ 340 ]
أحدا قبلك . فقال عليه السّلام : هاتها . فأنشده :
مدارس آيات خلت من تلاوة
و منزل وحي مقفر العرصات
فلما بلغ إلى قوله :
أرى فيئهم في غيرهم متقسّما
و أيديهم من فيئهم صفرات
بكى الرّضا عليه السّلام و قال له : صدقت يا خزاعي . و لمّا بلغ إلى قوله :
إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم
أكفّا عن الأوتار منقبضات
جعل عليه السّلام يقلّب كفيه ، و يقول : أجل و اللَّه منقبضات . فلمّا بلغ إلى قوله :
لقد خفت في الدّنيا و أيّام سعيها
و إنّي لأرجو الأمن بعد وفاتي
قال عليه السّلام : آمنك اللَّه يوم الفزع الأكبر . فلما انتهى إلى قوله :
و قبر ببغداد لنفس زكيّة
تضمّنها الرّحمن في الغرفات
قال : أ فلا ألحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك ؟ قال : بلى .
قال عليه السّلام :
و قبر بطوس يا لها من مصيبة
توقد في الأحشاء بالحرقات
إلى الحشر حتّى يبعث اللَّه قائما
يفرّج عنّا الهمّ و الكربات
قال : يابن رسول اللَّه هذا القبر الّذي بطوس قبر من ؟ قال : قبري ، و لا تنقضي الأيّام و الليالي حتّى تصير طوس مختلف شيعتي و زواري ، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة ، مغفورا له ، ثم نهض عليه السّلام و أمر دعبل أن لا يبرح ، فلمّا كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية ، و قال له : يقول لك مولاي : اجعلها في نفقتك . فقال : و اللَّه ما لهذا جئت و لا قلت القصيدة طمعا ، و ردّ الصرّة ، و سأل ثوبا من ثيابه . فأنفذ عليه السّلام إليه جبّة خز مع الصّرة ، و قال للخادم : قل له : خذ هذه الصرّة فإنّك ستحتاج إليها . فأخذهما و انصرف ، و سار من مرو في قافلة فلمّا بلغ ( ميان كوهان ) وقع عليهم اللّصوص فأخذوا القافلة بأسرها و كتفوهم و فيهم دعبل ، و جعلوا
[ 341 ]
يقسمون القافلة بينهم ، فتمثّل رجل منهم بقول دعبل :
أرى فيئهم في غيرهم متقسّما
و أيديهم من فيئهم صفرات
فقال له دعبل : لمن هذا البيت ؟ فقال : لرجل من خزاعة يقال له : دعبل . قال :
فأنا دعبل . فوثب الرّجل إلى رئيسهم و كان يصلّي على رأس تلّ و كان من الشّيعة فأخبره فجاء ، و قال له : أنت دعبل ؟ فقال : نعم . فقال : أنشدني القصيدة .
فأنشدها فحلّ كتافه ، و كتاف جميع القافلة ، و ردّ عليهم ما اخذ منهم لكرامة دعبل ، و سار دعبل حتّى وصل إلى قم ، فسألوه أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في الجامع فصعد المنبر فأنشدهم ، فوصلوه من المال و الخلع بشيء كثير ، و اتّصل بهم خبر الجبّة ، فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار ،
فأبى ، فقالوا : فشيئا منها . فأبى و سار فلمّا خرج من البلد لحق به قوم من الأحداث ، و أخذوا الجبّة ، فرجع إلى قم ، و سألهم ردّها . فقالوا : لا سبيل لك إلى الجبّة ، فخذ ثمنها ألف دينار . فأبى ، فلمّا يئس من ردّهم سألهم أن يدفعوا إليه شيئا منها ، فأجابوه و دفعوا ثمن باقيها ألف دينار ، فانصرف إلى وطنه ، فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله ، فباع مائة ديناره عليه السّلام من الشيعة كلّ دينار بمائة درهم ، فحصل في يده عشرة آلاف درهم ، فذكر قول الرّضا عليه السّلام : إنّك ستحتاج إلى الدّنانير . و كانت له جارية لها من قلبه محل ،
فرمدت رمدا عظيما ، فقال أهل الطبّ : أمّا العين اليمنى فقد ذهبت ، و أمّا اليسرى فنرجو أن تسلم . فذكر ما كان معه من وصلة الجبّة ، فمسحها على عيني الجارية و عصبها بعصابة من أوّل الليل ، فأصبحت و عيناها أصحّ مما كانتا قبل ببركته عليه السّلام 1 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) عن الحسن بن عليّ الخفاف عن أبي
-----------
( 1 ) عيون الأخبار للصدوق 2 : 267 ح 34 .
[ 342 ]
الصلت قال : دخل المأمون إلى الرضا عليه السّلام يعوده ، فوجده يجود بنفسه ، فبكى و قال : اعزز عليّ يا أخي بأن أعيش ليومك ، و قد كان لي في بقائك أمل ، و أغلظ عليّ من ذلك و أشدّ أنّ النّاس يقولون : إنّي سقيتك سمّا و أنا إلى اللَّه من ذلك بريء . فقال له الرّضا عليه السّلام : صدقت إلى أن قال فحضره المأمون قبل أن يحفر قبره ، و أمر أن يحفر إلى جانب أبيه ثم أقبل علينا ، فقال : حدّثني صاحب هذا النّعش أنّه يحفر له قبر ، فيظهر فيه ماء و سمك ، احفروا . فحفروا ، فلمّا انتهوا إلى اللّحد نبع فيه ماء و ظهر فيه سمك ، ثم غاض الماء فدفن فيه الرّضا عليه السّلام 1 .
و في ( فصول ابن الصّباغ المالكي ) و ( مناقب ابن طلحة الشافعي ) و اللفظ للثاني : قال : كان هرثمة بن أعين في خدم الخليفة إلاّ أنّه كان محبّا لأهل البيت إلى الغاية . قال طلبني سيّدي الرّضا عليه السّلام ، قال : إنّي مطلعك على أمر يكون عندك سرّا لا تظهره و أنا حيّ ، و إلاّ كنت خصمك عند اللَّه تعالى ، اعلم أنّني بعد أيّام آكل عنبا و رمّانا مفتوتا فأموت ، و يقصد المأمون أن يجعل مدفني خلف قبر أبيه ، و أنّ اللَّه تعالى لا يقدره على ذلك ، و أنّ الأرض تشتدّ ، فلا يستطيع أحد حفر شيء منها ، و إنّما قبري في الموضع الفلاني و عيّنه لي فإذا متّ و جهزت فأعلمه بجميع ما قلت لك ، و قل له : يتأنّ في الصّلاة عليّ ، فإنّه يأتي رجل عربي متلثم على بعير مسرع ، و عليه و عثاء السّفر ، فينزل عن بعيره ،
و يصلّي عليّ ، ثمّ اقصد المكان الّذي عيّنته لك ، فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا محفورا في قعره ماء أبيض ، فإذا كشفته ينضب الماء فهو مدفني .
قال : فو اللَّه ما طالت الأيّام حتّى أكل عنبا و رمّانا كثيرا فمات ، فدخلت
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين : 380 .
[ 343 ]
على الخليفة فوجدته يبكي عليه ، فقلت له : عاهدني الرّضا على أمر أقوله لك ؟
و قصصت عليه تلك القصّة من أوّلها إلى آخرها ، و هو يتعجّب ممّا أقوله . فأمر بتجهيزه ، فلمّا تجهّز تأنّى في الصّلاة عليه ، و إذا برجل قد أقبل من الصّحراء على بعير مسرعا ، فلم يكلّم أحدا ، ثمّ دخل على جنازته و صلّى عليه و خرج ،
و صلّى النّاس عليه ، و أمر المأمون بطلب الرّجل ففاتهم ، و لم يعلموا له خبرا . ثمّ أمر بأن يحفر له خلف قبر الرّشيد ، فعجز الحافرون ، فذهب إلى موضع ضريحه الآن ، فبقدر ما كشف وجه الأرض ظهر قبر محفور ، و إذا في قعره ماء أبيض كما قال ، فأعلمت المأمون فحضر و أبصر الصّورة الّتي ذكرها ، فنضب الماء فدفن فيه ، و لم يزل المأمون يتعجّب من قوله ، و كلّما خلوت في خدمته يقول لي : يا هرثمة كيف قال لك أبو الحسن ؟ فاعيد عليه الحديث ، فيتلهف عليه 1 .
و رواه ابن بابويه في ( عيونه ) عن تميم بن عبد اللَّه بن تميم القرشي عن أبيه عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن خلف الطاطري عن هرثمة بأبسط 2 .
و في ( مقاتل ابي الفرج ) : اختلف في أمر وفاته و كيف كان سبب السّمّ الّذي سقيه ، فذكر محمّد بن عليّ بن حمزة أنّ منصور بن بشير ذكر عن أخيه عبد اللَّه بن بشير أنّ المأمون أمره أن يطوّل أظفاره ، ففعل ، ثم أخرج إليه شيئا يشبه التّمر الهندي ، و قال له : افركه و اعجنه بيديك جميعا . ففعل ثمّ دخل على الرّضا . فقال : ما خبرك ؟ قال : أرجو أن أكون صالحا . فقال له : هل جاءك أحد من المترفّقين اليوم ؟ قال : لا . فغضب و صاح على غلمانه ، و قال له : فخذ ماء الرّمان اليوم فإنّه ممّا لا يستغنى عنه . ثمّ دعا برمّان فأعطاه عبد اللَّه بن بشير ، و قال له :
-----------
( 1 ) الفصول المهمة لابن الصباغ ، و مطالب السؤول لابن طلحة : 86 .
-----------
( 2 ) عيون الأخبار للصدوق 1 : 248 ح 1 .
[ 344 ]
اعصر ماءه بيدك . ففعل و سقاه المأمون الرّضا بيده فشربه ، فكان ذلك سبب وفاته ، و لم يلبث إلاّ يومين حتّى مات .
قال محمّد بن عليّ بن حمزة و بلغني عن أبي الصّلت الهروي أنّه دخل على الرّضا عليه السّلام بعد ذلك ، فقال له : يا أبا الصّلت قد فعلوها أي قد سقوني السّمّ و جعل يوحّد اللَّه و يمجّده .
قال محمّد بن علي : و سمعت محمّد بن الجهم يقول : إنّ الرّضا عليه السّلام كان يعجبه العنب فاخذ له عنب ، و جعل في موضع أقماعه الأبر ، فتركت أيّاما ثمّ نزعت ، فأكل منه في علّته فقتله ، و ذكر أنّ ذلك من لطيف السّموم 1 .
و روى أبو الفرج أيضا في عبد اللَّه بن موسى بن عبد اللَّه المحض : أنّ المأمون كتب إليه و هو متوار منه يعطيه الأمان ، و يضمن له أن يولّيه العهد من بعده كما فعل بعليّ بن موسى ، و يقول : ما ظننت أنّ أحدا من آل أبي طالب يخافني بعد ما عملته بالرّضا ، فكتب إليه عبد اللَّه بن موسى : وصل كتابك و فهمته ، تختلني عن نفسي ختل القانص ، و تحتال عليّ حيلة المغتال القاصد لسفك دمي ، و عجبت من بذلك العهد ، و ولايته لي بعدك كأنّك تظنّ أنّه لم يبلغني ما فعلته بالرّضا عليه السّلام ، ففي أيّ شيء ظننت أنّي أرغب من ذلك ؟ أفي الملك الّذي غرّتك نضرته و حلاوته ؟ فو اللَّه لأن اقذف و أنا حيّ في نار تتأجّج أحبّ إليّ من أن ألي أمرا بين المسلمين ، أو أشرب شربة من غير حلّها مع عطش شديد قاتل ، أم في العنب المسموم الّذي قتلت به الرّضا عليه السّلام 2 ؟
و في ( كامل بن الأثير ) : جدّد محمود الغزنوي عمارة المشهد بطوس الّذي فيه قبر عليّ بن موسى الرضا ، و الرشيد و أحسن عمارته و كان أبوه
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 377 .
-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 416 .
[ 345 ]
سبكتكين أخربه و كان أهل طوس يؤذون من يزوره فمنعهم عن ذلك ، و كان سبب فعله أنّه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام في المنام و هو يقول له : « إلى متى هذا » ؟ فعلم أنّه يريد أمر المشهد . فأمر بعمارته 1 .
و أمّا الجواد عليه السّلام فروى محمّد بن محمّد بن النّعمان في ( إرشاده ) مسندا عن محمّد بن حمزة عن محمّد بن عليّ الهاشمي . قال : دخلت على أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام صبيحة عرسه ببنت المأمون و كنت تناولت من الليل دواء ، فأوّل من دخل عليه في صبيحته أنا و قد أصابني العطش ، و كرهت أن أدعو بالماء ، فنظر أبو جعفر عليه السّلام في وجهي و قال : أراك عطشان ؟ قلت : أجل .
قال : يا غلام اسقنا ماء . فقلت في نفسي : السّاعة يأتونه بماء مسموم ،
و اغتممت لذلك ، فأقبل الغلام و معه الماء ، فتبسّم في وجهي ، ثمّ قال : يا غلام ناولني الماء فشرب ، ثمّ ناولني فشربت و أطلت عنده ، فعطشت فدعا بالماء ففعل كما فعل في المرّة الاولى فشرب ، ثمّ ناولني فشربت و تبسّم . قال محمّد ابن حمزة : فقال لي محمّد بن عليّ الهاشمي : و اللَّه ، إنّي أظنّ أنّ أبا جعفر يعلم ما في النفوس كما يقول الرّافضة 2 .
و عن الرّيان بن شبيب قال : لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته امّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ بلغ ذلك العبّاسيين ، فغلظ عليهم و استكبروه ، و خافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى إليه مع الرّضا ، فخاضوا في ذلك ، و اجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه ، فقالوا : ننشدك اللَّه أن تقيم على هذا الأمر الّذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرّضا ، فإنّا نخاف أن تخرج به عنّا أمرا قد ملّكناه اللَّه ،
و تنزع منّا عزّا قد ألبسناه ، فقد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا ،
-----------
( 1 ) الكامل لابن الاثير 9 : 401 سنة 421 .
-----------
( 2 ) الإرشاد للمفيد : 325 .
[ 346 ]
و ما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم و التّصغير بهم ، و قد كنّا في وهلة من عملك مع الرّضا ما عملت حتّى كفانا اللَّه المهمّ من ذلك ، فاللَّه اللَّه أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا ، فاصرف رأيك عن ابن الرّضا ، و اعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره . فقال لهم المأمون : أمّا ما بينكم و بين آل أبي طالب ، فأنتم السّبب فيه ، و لو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم ، و أمّا ما كان يفعله من قبلي بهم ، فقد كان به قاطعا للرّحم ، و أعوذ باللَّه من ذلك ، و و اللَّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرضا ، و لقد سألته أن يقوم بالأمر فأنزعه عن نفسي ، فأبى و كان أمر اللَّه قدرا مقدروا 1 ، و أمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبرّزه على كافّة أهل الفضل ، في العلم و الفضل ، مع صغر سنّه و الاعجوبة فيه بذلك ، و أنا أرجو أن يظهر للنّاس ما قد عرفته منه ،
فيعلموا أنّ الرّأي ما رأيت . فقالوا : إنّ هذا الفتى و إن راقك منه هديه فإنّه صبي لا معرفة له ، و لا فقه ، فأمهله حتّى يتأدّب و يتفقّه في الدّين ، ثمّ اصنع ما تراه بعد ذلك . فقال لهم : و يحكم أنا أعرف بهذا الفتى منكم ، و إنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللَّه و من إلهامه ، لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين و الأدب عن الرّعايا النّاقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوه بما يتبيّن لكم ما وصف به من حاله . قالوا : فخلّ بيننا و بينه لننصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشّريعة ، فإن أصاب الجواب لم يكن لنا اعتراض في أمره . فقال لهم : شأنكم و ذاك . فخرجوا من عنده و اجتمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم و هو يومئذ قاضي الزّمان على أن يسأله مسألة لا يعرف الجواب فيها ، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك ، و عادوا إلى المأمون فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع ، فأجابهم ، فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه و حضر معهم يحيى ،
-----------
( 1 ) الأحزاب : 38 .
[ 347 ]
فأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست و يجعل له فيه مسورتان . ففعل ذلك .
و خرج أبو جعفر عليه السّلام و هو يومئذ ابن تسع سنين و أشهر فجلس بين المسورتين ، و جلس يحيى بين يديه ، و قام النّاس في مراتبهم ، و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السّلام ، فقال يحيى للمأمون : أتأذن لي أن أسأل أبا جعفر ؟ فقال : استأذن منه . فأقبل عليه يحيى ، فقال : أتأذن جعلت فداك في مسألة ؟ قال : سل إن شئت . قال : ما تقول في محرم قتل صيدا ؟ فقال له أبو جعفر عليه السّلام : قتله في حلّ أو حرم ، عالما كان أم جاهلا ، عمدا قتله أم خطأ ،
حرّا كان أم عبدا ، صغيرا كان أم كبيرا ، مبتدئا كان أم معيدا . من ذوات الطّير كان الصّيد أم من غيرها ، من صغار الصّيد كان أم من كبارها ، مصرّا على ما فعل أو نادما ، في الليل كان قتله للصّيد أم نهارا ، محرما كان بالحج أم بالعمرة ؟ فتحيّر يحيى و بان في وجهه العجز و الانقطاع ، و لجلج حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره .
فقال المأمون : الحمد للَّه على التوفيق لي في الرّأي ، ثمّ نظر إلى أهل بيته ،
و قال لهم : عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه ؟ ثمّ أقبل على أبي جعفر عليه السّلام ، فقال له :
أتخطب يا أبا جعفر ؟ قال : نعم . فقال له : اخطب جعلت فداك فقد رضيتك لنفسي ، و أنا مزوّجك امّ الفضل ابنتي ، و إن رغم قوم لذلك .
فقال أبو جعفر عليه السّلام : الحمد للَّه إقرارا بنعمته ، و لا إله إلاّ اللَّه إخلاصا لوحدانيّته ، و صلّى اللَّه على محمّد سيّد بريّته ، و الأصفياء من عترته . أمّا بعد فقد كان من فضل اللَّه على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام ، فقال سبحانه :
و أنكحوا الأيامى منكم و الصّالحين من عبادكم و إمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم اللَّه من فضله و اللَّه واسع عليم 1 . ثمّ إنّ محمّد بن عليّ بن موسى
-----------
( 1 ) النور : 32 .
[ 348 ]
يخطب امّ الفضل بنت عبد اللَّه المأمون ، و قد بذل لها من الصّداق مهر جدّته فاطمة بنت محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم و هو خمسمائة درهم جياد ، فهل زوّجته يا أمير المؤمنين بها على هذا الصّداق ؟ قال المأمون : نعم قد زوّجتك يا أبا جعفر امّ الفضل ابنتي على الصّداق ، فهل قبلت النكاح ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام : قد قبلت ذلك و رضيت به . قال : فأمر المأمون أن يقعد النّاس على مراتبهم في الخاصّة و العامّة . و لم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه أصوات الملاّحين في محاوراتهم ،
فإذا بخدم يجرّون سفينة مصنوعة من الفضّة مشدودة بالحبال من الإبريسم على عجل مملوة من الغالية ، فأمر المأمون أن يخضب لحى الخاصّة من تلك الغالية ، ثمّ مدّت إلى دار العامّة فطيّبوا منها ، و وضعت الموائد فأكل الناس ،
و خرجت الجوائز إلى كلّ قوم على قدرهم ، فلمّا تفرّق النّاس و بقي من الخاصّة من بقي ، قال المأمون لأبي جعفر عليه السّلام : إن رأيت جعلت فداك أن تذكر الفقه في ما فصّلته من وجوه قتل المحرم الصيّد لنعلمه .
فقال عليه السّلام : نعم ، إنّ المحرم إذا قتل صيدا في الحلّ ، و كان الصّيد من ذوات الطير ، و كان من كبارها فعليه شاة ، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا ، فإذا قتل فرخا في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللّبن ، فإذا قتله في الحرم فعليه حمل و قيمة الفرخ ، و إن كان من الوحش و كان حمار وحش فعليه بقرة ، و إن كان نعامة فعليه بدنه ، و إن كان ظبيا فعليه شاة ، فإن قتل شيئا من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفا هديا بالغ الكعبة ، و إذا أصاب المحرم ما يجب الهدي فيه ، و كان إحرامه بالحجّ نحره بمنى ، و إن كان بالعمرة نحره بمكّة . و جزاء الصّيد على العالم و الجاهل سواء ، و في العمد له المأثم ، و هو موضوع عنه في الخطأ . و الكفّارة في الحرّ على نفسه ، و في العبد على سيّده ،
و الصّغير لا كفّارة عليه ، و هي على الكبير واجبة . و النّادم يسقط عنه بندمه عقاب الآخرة ، و المصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة . فقال المأمون : أحسنت
[ 349 ]
يا أبا جعفر ، أحسن اللَّه إليك . فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك .
فقال أبو جعفر عليه السّلام ليحيى : أسألك ؟ قال : ذلك إليك جعلت فداك فإن عرفت جواب ما تسألني عنه ، و إلاّ استفدته منك . فقال له أبو جعفر عليه السّلام : أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أوّل النهار فكان نظره إليها حراما ، فلمّا ارتفع النّهار حلّت له ، فلمّا زالت الشّمس حرمت عليه ، فلمّا كان وقت العصر حلّت له ، فلمّا غربت الشّمس حرمت عليه ، فلمّا دخل عليه وقت عشاء الآخرة حلّت له ، فلمّا كان انتصاف الليل حرمت عليه ، فلمّا طلع الفجر حلّت له . ما حال هذه المرأة ؟
و بماذا حلّت و حرمت عليه ؟ فقال له يحيى : و اللَّه ما أهتدي إلى جواب هذا السؤال ، و لا أعرف الوجه فيه ، فإن رأيت أن تفيدناه . فقال عليه السّلام : هذه أمة لرجل نظر إليها أجنبي في أوّل النّهار ، فكان نظره إليها حراما ، فلمّا ارتفع النّهار ابتاعها من مولاها فحلّت له ، فلمّا كان عند الظّهر أعتقها فحرمت عليه ، فلمّا كان وقت العصر تزوّجها فحلّت له ، فلمّا كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه ، فلمّا كان وقت العشاء الآخرة كفّر عن الظّهار فحلّت له ، فلمّا كان نصف الليل طلّقها واحدة فحرمت عليه ، فلمّا كان عند الفجر راجعها فحلّت له .
قال : فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته ، فقال لهم : هل فيكم أحد يجيب عن هذه المسألة أو يعرف القول في ما تقدّم من السّؤال ؟ قالوا :
لا و اللَّه إنّ الخليفة أعلم بما رأى . فقال لهم : و يحكم إنّ أهل هذا البيت خصّوا من الخلق بما ترون من الفضل ، و إنّ صغر السّنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال ،
أما علمتم أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و هو ابن عشر سنين ، و قبل منه الإسلام و حكم له به ، و لم يدع أحدا في سنّه غيره ، و بايع الحسن و الحسين عليهما السّلام ، و هما دون ستّ سنين ،
و لم يبايع صبيّا غيرهما ؟ أفلا تعلمون الآن ما اختصّ اللَّه به هؤلاء القوم و أنّهم ذرّيّة بعضهم من بعض ، و أنّه يجري لآخرهم ما يجري لأوّلهم ؟
[ 350 ]
قالوا : صدقت . ثمّ نهض القوم .
فلمّا كان من الغد حضر النّاس و حضر أبو جعفر عليه السّلام ، و صار القوّاد و الحجّاب و الخاصّة و العامّة لتهنئة المأمون و أبي جعفر عليه السّلام ، فأخرج ثلاثة أطباق من الفضّة فيها بنادق مسك و زعفران معجون ، و في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة و عطايا سنّية و إقطاعات ، فأمر المأمون بنثرها على القوم في خاصّته . فكان كلّ من وقع في يده بندقة أخرج الرّقعة التي فيها و التمسه ، و أطلق له . و وضعت البدر ، فنثر ما فيها على القوّاد و غيرهم ، و انصرف النّاس و هم أغنياء بالجوائز و العطايا ، و تقدّم المأمون بالصّدقة على كافّة المساكين ، و لم يزل مكرما لأبي جعفر عليه السّلام معظّما لقدره مدّة حياته ، يؤثره على ولده و جماعة أهل بيته 1 .
و روى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه قال : استأذن على أبي جعفر عليه السّلام قوم من أهل النواحي من الشّيعة ، فأذن لهم ، فدخلوا فسألوه في مجلس واحد عن ثلاثين ألف مسألة ، فأجاب عليه السّلام و له عشر سنين 2 .
و بإسناده عن أبي هاشم الجعفري قال : صلّيت مع أبي جعفر عليه السّلام في مسجد المسيب ، و كان فيه سدرة يابسة ، فدعا بماء و تهيّأ تحت السّدرة فعاشت ، و أورقت ، و حملت من عامها 3 .
و روى في اسناد آخر أنّ عمر بن فرج الرّخجي خاطب الجواد عليه السّلام ، فقال له : أظنّك سكران ؟ فقال عليه السّلام : اللهمّ إن كنت تعلم أنّي أمسيت لك صائما ، فأذقه طعم الحرب ، و ذلّ الأسر . قال : فو اللَّه إن ذهبت الأيّام حتّى حرب ماله و ما كان
-----------
( 1 ) الإرشاد للمفيد : 319 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 496 ، ح 7 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 497 ح 9 ، بتلخيص .
[ 351 ]
له ، ثمّ اخذ أسيرا 1 .
و في التاريخ شرح حربه في ماله و ذلّ أسره ، ففي ( الطبري ) : غضب المتوكّل في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين على عمر بن فرج ، و حبسه و قيّده و صادره ، و أخذ ضياعه و أثاثه و جواريه 2 .
و في ( مروج المسعودي ) : في سنة ثلاث و ثلاثين و مائتين سخط المتوكّل على عمر بن فرج الرّخجي ، و كان من عليّة الكتّاب ، و أخذ منه مالا و جواهر نحو مائة ألف و عشرين ألف دينار ، و أخذ من أخيه نحوا من مائة ألف و خمسين ألف دينار إلى أن قال ثمّ غضب عليه غضبة ثانية ، و أمر أن يصفع في كلّ يوم ، فأحصي ما صفع فكان ستّة آلاف صفعة ، و ألبسه جبّة صوف ، ثمّ رضى عنه ، و سخط عليه ثالثة و أحدر إلى بغداد ، و أقام بها حتّى مات 3 .
و في ( عمدة الطالب ) : إنّ الجواد عليه السّلام دخل على عليّ العريضي ، فقام له ،
و أجلسه في موضعه ، و لم يتكلّم حتّى قام ، فقال له أصحاب مجلسه : أتفعل هذا مع أبي جعفر و أنت عمّ أبيه ؟ فضرب بيده على لحيته ، و قال : إذا لم ير اللَّه هذه الشّيبة أهلا للإمامة ، أراها أنا أهلا للنّار 4 .
و أمّا الهادي عليه السّلام فقال سبط ابن الجوزي : قال علماء السّير : أشخصه المتوكّل من المدينة إلى بغداد ، لأنّ المتوكّل كان يبغض عليّا عليه السّلام و ذرّيته ،
فبلغه مقام عليّ بن محمّد بالمدينة ، و ميل النّاس إليه ، فخاف منه ، فدعا يحيى ابن هرثمة ، و قال له : اذهب إلى المدينة و انظر في حاله ، و أشخصه إلينا . قال
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 497 ح 10 ، بتلخيص .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 7 : 347 سنة 233 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 19 .
-----------
( 4 ) عمدة الطالب للسيد الحسيني : 242 ، و الكشي في معرفة الرجال ( اختياره ) : 429 ح 803 .
[ 352 ]
يحيى : فذهبت إلى المدينة ، فلمّا دخلتها ضجّ أهلها ضجيجا عظيما ما سمع النّاس بمثله خوفا على عليّ بن محمّد ، و قامت الدّنيا على ساق ، لأنّه كان محسنا إليهم ملازما للمسجد ، و لم يكن عنده ميل إلى الدّنيا . قال يحيى : فجعلت اسكّنهم ، و أحلف لهم أنّي لم أومر فيه بمكروه ، و أنّه لا بأس عليه . ثمّ فتّشت منزله ، فلم أجد فيه إلاّ مصاحف و أدعية و كتب العلم ، فعظم في عيني ، و توليت خدمته بنفسي ، و أحسنت عشرته . فلمّا قدمت به بغداد بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري و كان واليا على بغداد فقال لي : يا يحيى إنّ هذا الرّجل قد ولده رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و أنّ المتوكّل من تعلم ، و إن حرضته عليه قتله ، و كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله خصمك يوم القيامة . فقلت له : و اللَّه ما وقفت منه إلاّ على كلّ أمر جميل . ثمّ صرت به إلى سرّ من رأى ، فبدأت بوصيف التّركي ، فقال : و اللَّه لئن سقطت منه شعرة لا يطالب به سواك . فعجبت كيف وافق قوله قول إسحاق فلمّا دخلت على المتوكّل سألني عنه ، فأخبرته بحسن سيرته و ورعه و زهادته ، و أنّي فتّشت داره فلم أجد فيها غير المصاحف و كتب العلم ، و أنّ أهل المدينة خافوا عليه . فأكرمه المتوكّل ، و أنزله معه سرّ من رأى ، فاتّفق مرض المتوكّل بعد ذلك ، فنذر إن عوفي ليتصدّقنّ بدراهم كثيرة . فعوفي ، فسأل الفقهاء عن ذلك ، فلم يجد عندهم فرجا ، فبعث إليه فسأله فقال : يتصدّق بثلاثة و ثمانين . فقال المتوكّل : من أين لك هذا ؟ فقال : من قوله تعالى : لقد نصركم اللَّه في مواطن كثيرة و يوم حنين . . . 1 و المواطن الكثيرة هي هذه الجملة ،
و ذلك لأنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله غزا سبعا و عشرين غزاة و بعث خمسا و خمسين سرية ،
و آخر غزواته يوم حنين . فعجب المتوكّل و الفقهاء من هذا الجواب ، و قال له :
هذا الواجب ، و تصدّق أنت بما أحببت . إلى أن قال و قال يحيى : تذاكر الفقهاء
-----------
( 1 ) التوبة : 25 .
[ 353 ]
بحضرة المتوكّل : من حلق رأس آدم ؟ فلم يعرفوا ، فقال المتوكّل : أرسلوا إلى عليّ بن محمّد . فأحضروه ، فقال : حدّثني أبي عن جدّي عن أبيه عن جدّه ، قال :
إنّ اللَّه تعالى أمر جبرئيل أن ينزل بياقوتة من يواقيت الجنّة ، فنزل بها فمسح بها رأس آدم ، فتناثر الشّعر منه ، فحيث بلغ نورها صار حرما 1 .
و روى المسعودي في ( مروجه ) عن ابن عرفة النّحوي عن المبرد قال :
قال المتوكّل لأبي الحسن عليّ بن محمّد : ما يقول ولد أبيك في العبّاس ؟ قال :
و ما يقول ولد أبي يا أمير المؤمنين في رجل افترض اللَّه طاعة بنيه على خلقه ،
و افترض طاعته على بنيه ؟ قال : فأمر له بمائة ألف درهم .
و إنّما أراد أبو الحسن عليه السّلام بقوله : « طاعته على بنيه » طاعة اللَّه على بنيه ،
فعرّض 2 .
و فيه : و قد كان سعي بأبي الحسن عليّ بن محمّد إلى المتوكّل ، و قيل له :
إنّ في منزله سلاحا و كتبا و غيرها من شيعته . فوجّه إليه ليلا من الأتراك و غيرهم من هجم عليه في منزله على غفلة ممّن في داره ، فوجده في بيت وحده مغلق عليه و عليه مدرعة من شعر ، و لا بساط في البيت إلاّ الرّمل و الحصى ، و على رأسه ملحفة من الصوف متوجّها إلى ربّه ، يترنّم بآيات من القرآن في الوعد و الوعيد ، فاخذ على ما وجد عليه ، و حمل إلى المتوكّل في جوف الليل ، فمثل بين يديه ، و المتوكّل يشرب و في يده كأس ، فلمّا رآه أعظمه و أجلسه إلى جنبه ، و لم يكن في منزله شيء ممّا قيل فيه و لا حالة يتعلّل عليه بها ، فناوله المتوكّل الكأس الّذي في يده ، فقال : يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي و دمي قطّ ، فاعفني منه . فأعفاه ، و قال : أنشدني شعرا أستحسنه . فقال :
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 359 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 10 .
[ 354 ]
إنّي لقليل الرّواية للأشعار . فقال : لا بدّ أن تنشدني . فأنشده :
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم
غلب الرّجال فما أغنتهم القلل
و استنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم
فاودعوا حفرا يا بئس ما نزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا
أين الأسرة و التّيجان و الحلل
أين الوجوه الّتي كانت منعّمة
من دونها تضرب الأستار و الكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساء لهم
تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طالما أكلوا دهرا و ما شربوا
فأصبحوا بعد طول الأكل قد اكلوا
و طالما عمروا دورا لتحصنهم
ففارقوا الدّور و الأهلين و انتقلوا
و طالما كنزوا الأموال و ادّخروا
فخلّفوها على الأعداء و ارتحلوا
أضحت منازلهم قفرا معطّلة
و ساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا
قال : فأشفق كلّ من حضر على عليّ ، و ظنّ أن بادرة تبدر منه إليه . قال :
و اللَّه لقد بكى المتوكّل بكاء طويلا حتّى بلّت دموعه لحيته ، و بكى من حضره ،
ثمّ أمر برفع الشّراب 1 .
و روى ( المروج ) أيضا ما نقله ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) في بعث المتوكّل يحيى بن هرثمة لإشخاصه عليه السّلام و زاد بعد قوله : و « أحسنت عشرته » قال : فبينا أنا نائم يوما من الأيّام و السّماء صاحية و الشمس طالعة ، إذ ركب و عليه ممطر ، و قد عقد ذنب دابته فعجبت من فعله ، فلم يكن بعد ذلك إلاّ هنيهة حتّى جاءت سحابة ، فأرخت عزاليها و نالنا من المطر أمر عظيم جدّا ،
فالتفت إليّ و قال : أنا أعلم أنك أنكرت ما رأيت ، و توهمت أنّي علمت من الأمر ما لا تعلمه ، و ليس ذلك كما ظننت ، و لكن نشأت بالبادية فأنا أعرف الرّياح الّتي يكون في عقبها المطر . فلمّا أصبحت هبّت ريح لا تخلف ،
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 11 .
[ 355 ]
و شممت منها رائحة المطر فتأهبت 1 .
و روت الشّيعة الخبر بطريق آخر ، فروى الرّاوندي في ( خرائجه ) عن يحيى قال : دعاني المتوكّل ، فقال لي : اختر ثلاثمائة رجل ممّن تريد ، و اخرجوا إلى الكوفة فخلّفوا أثقالكم فيها ، و اخرجوا على طريق البادية إلى المدينة ،
و أحضروا عليّ بن محمّد بن الرّضا إليّ معظّما مبجّلا ، ففعلت و خرجت ، و كان من أصحابي قائد من الشّراة ، و كاتب يتشيّع ، و أنا على مذهب الحشوية ، و كان ذلك الشّاري يناظر الكاتب ، و كنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطّريق .
فلمّا انتصف المسافة قال الشّاري للكاتب : أليس من قول صاحبكم يعني عليّا عليه السّلام : إنّه ليس بقعة من الأرض إلاّ و هي قبر أو ستكون قبرا . انظر إلى هذه البرّية ، أين من يموت في هذه البريّة العظيمة ، حتّى تمتلي قبورا ؟
و تضاحكنا ساعة من كلام الشّاري إذ انخذل الكاتب في أيدينا ، ثمّ سرنا حتّى دخلنا المدينة ، فقصدت باب أبي الحسن ، و دخلت عليه فقرأ كتاب المتوكّل و قال : انزلوا و ليس من جهتي خلاف . فلمّا صرت إليه من الغد ، و كنّا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ ، فإذا بين يديه خيّاط ، و هو يقطع من ثياب غلاظ الخفاتين له و لغلمانه إلى أن قال فسرنا حتّى صرنا إلى موضع المناظرة في القبور ارتفعت سحابة و أرعدت و أبرقت ، حتّى إذا صارت على رؤوسنا ،
أرسلت علينا بردا مثل الصّخور ، و قد شدّ أبو الحسن على نفسه ، و على غلمانه الخفاتين ، و لبسوا اللّبابيد و البرانس ، و قال لغلمانه : ادفعوا إلى يحيى لبّادة ،
و إلى الكاتب برنسا ، و تجمعنا و البرد يأخذنا حتّى قتل من أصحابي ثمانين رجلا ، و زالت السّحابة ، و رجع الحرّ كما كان ، فقال : يا يحيى مر من بقي من أصحابك ليدفن من قد مات ، ثمّ قال : هكذا يملأ اللَّه البريّة قبورا . قال : فرميت
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 84 .
[ 356 ]
نفسي عن دابّتي و عدوت ، فقبّلت ركابه و رجله ، و قلت : أشهد أنّكم خلفاء اللَّه . . . 1 .
و قال المسعودي في ( مروجه ) أيضا : قد ذكرنا خبر عليّ بن محمّد مع زينب الكذّابة بحضرة المتوكّل ، و نزوله رضى اللَّه عنه إلى بركة السّباع ، و تذللها له ،
و رجوع زينب عمّا ادّعته من أنّها ابنة الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السّلام ، و أنّ اللَّه تعالى أطال عمرها إلى ذلك الوقت ، في كتابنا ( أخبار الزّمان ) 2 .
و قال فيه : حدّثني محمّد بن فرج قال : حدّثني أبو دعامة قال : أتيت عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى عائدا في علّته الّتي كانت وفاته منها في هذه السّنة ، فلمّا هممت بالانصراف ، قال لي : يا أبا دعامة قد وجب حقّك أفلا احدّثك بحديث تسرّ به ؟ فقلت له : ما أحوجني إلى ذلك يابن رسول اللَّه ؟ قال : حدّثني أبي محمّد بن عليّ ، قال : حدّثني أبي عليّ بن موسى ، قال : حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمّد ، قال : حدّثني أبي محمد بن علي ،
قال : حدّثني أبي عليّ بن الحسين ، قال : حدّثني أبي الحسين ابن عليّ ، قال :
حدّثني أبي عليّ بن أبي طالب ، قال : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله : « اكتب يا علي . قلت :
و ما أكتب ؟ قال لي : اكتب : بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم الإيمان ما وقّرته القلوب ،
و صدّقته الأعمال ، و الإسلام ما جرى به اللسان ، و حلّت به المناكحة » قال أبو دعامة . فقلت : يابن رسول اللَّه ، ما أدري و اللَّه أيّهما أحسن ، الحديث أم الاسناد ؟
فقال : إنّها لصحيفة بخطّ عليّ بن أبي طالب عليه السّلام بإملاء رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله نتوارثها صاغرا عن كابر 3 .
و قال محمّد بن محمّد بن النّعمان المفيد في ( إرشاده ) : روى الحسين بن
-----------
( 1 ) الخرائج للراوندي ، عنه البحار 50 : 142 ح 27 .
-----------
( 2 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 85 ، 86 .
-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 85 ، 86 .
[ 357 ]
الحسن الحسني ، قال : حدّثني أبو الطيّب يعقوب بن ياسر ، قال : كان المتوكّل يقول : و يحكم قد أعياني أمر ابن الرضا ، و جهدت أن يشرب معي ، و أن ينادمني ، فامتنع ، و جهدت أن أجد فرصة في هذا المعنى ، فلم أجدها . فقال له بعض من حضر : إن لم تجد من ابن الرّضا ما تريده من هذا الحالة ، فهذا أخوه موسى قصّاف عزّاف يأكل و يشرب ، و يتعشّق و يتخالع فأحضره و أشهره ،
فإنّ الخبر يشيع عن ابن الرّضا بذلك ، فلا يفرّق الناس بينه و بين أخيه ، و من عرفه اتّهم أخاه بمثل فعاله . فقال : اكتبوا بإشخاصه مكرّما . فاشخص مكرما ،
فتقدّم المتوكّل أن يلقاه جميع بني هاشم ، و القوّاد ، و سائر النّاس ، و عمل على أنّه إذا وافى أقطعه قطيعة ، و بنى له فيها ، و حوّل إليها الخمّارين و القيان ، و تقدّم بصلته و برّه ، و أفرد له منزلا سريّا يصلح أن يزوره هو فيه . فلما وافى موسى تلقّاه أبو الحسن عليه السّلام في قنطرة و صيف و هو موضع يتلقّى فيه القادمون فسلّم عليه و وفّاه حقّه ، ثمّ قال له : إنّ هذا الرّجل قد أحضرك ليهتكك ، و يضع منك ، فلا تقرّ له أنّك شربت نبيذا قطّ ، و اتّق اللَّه يا أخي أن ترتكب محظورا . فقال له موسى : و إنّما دعاني لهذا ، فما حيلتي ؟ قال : فلا تضع من قدرك ، و لا تعص ربّك ، و لا تفعل ما يشينك ، فما غرضه إلاّ هتكك . فأبى عليه موسى ، فكرّر عليه أبو الحسن عليه السّلام القول و الوعظ ، و هو مقيم على خلافه ، فلمّا رأى أنّه لا يجيب ،
قال : أما إنّ المجلس الّذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت و هو أبدا .
قال : فأقام موسى ثلاث سنين يبكّر كلّ يوم إلى باب المتوكّل ، فيقال له : قد تشاغل اليوم . فيروح و يبكر ، فيقال له : قد سكر . فيبكر ، فيقال له : قد شرب دواء .
فما زال على هذا ثلاث سنين حتّى قتل المتوكّل و لم يجتمع معه على شراب 1 .
و أمّا الحسن العسكري عليه السّلام ، فروى محمّد بن يعقوب الكليني عن
-----------
( 1 ) الإرشاد للمفيد : 331 .
[ 358 ]
الحسن بن محمّد الأشعري ، و محمّد بن يحيى العطّار ، و غيرهما ، و روى محمّد بن عليّ بن بابويه القمي بأسناده عن سعد بن عبد اللَّه القمي ، و روى محمّد بن الحسن الطوسي بأسناده عن عبد اللَّه بن جعفر الحميري عن جماعة من آل سعد بن مالك ، و آل طلحة قالوا : كان أحمد بن عبيد اللَّه بن خاقان على الضّياع و الخراج بقم ، فجرى في مجلسه يوما ذكر العلوية و مذاهبهم و كان شديد النّصب و الانحراف عن أهل البيت عليهم السّلام فقال : ما رأيت و لا عرفت بسرّ من رأى رجلا من العلويّة مثل الحسن بن علي بن محمّد بن عليّ الرّضا في هديه و سكونه ، و عفافه و نبله ، و كبرته عند أهل بيته ، و بني هاشم ، و تقديمهم إيّاه على ذوي السّنّ منهم و الخطر ، و كذلك كانت حاله عند القوّاد و الوزراء ، و عامّة الناس ، فأذكر يوما أنّي كنت قائما على رأس أبي ، و هو يوم مجلسه للنّاس إذ دخل حجّابه ، فقالوا : أبو محمّد بن الرّضا بالباب . فقال بصوت عال : ائذنوا له .
فتعجّبت من جسارتهم أن يكنّوا رجلا بحضرة أبي ، و لم يكن يكنّى عنده إلاّ خليفة أو ولي عهد ، أو من أمر السلطان أن يكنّى ، فدخل رجل أسمر حسن القامة ، جميل الوجه ، جيّد البدن ، حديث السّنّ له جلالة و هيئة حسنة ، فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطى ، و لا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم و القوّاد ،
فلمّا دنا منه عانقه ، و قبل وجهه و صدره ، و أخذ بيده ، و أجلسه على مصلاّه الّذي كان عليه ، و جلس إلى جنبه ، مقبلا عليه بوجهه ، و جعل يكلّمه و يفديه بنفسه ، و أنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل الحاجب فقال : الموفّق قد جاء .
و كان الموفّق إذا دخل على أبي تقدّمه حجّابه و خاصّة قوّاده ، فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدّار سماطين إلى أن يدخل و يخرج فلم يزل أبي مقبلا عليه يحدّثه حتّى إذا نظر إلى غلمان الخاصّة فقال حينئذ له : « إذا شئت جعلني اللَّه فداك » ، ثمّ قال : خذوا به خلف السّماطين لا يراه هذا يعني الموفّق فقام و قام أبي ، فعانقه و مضى .
[ 359 ]
فقلت لحجّاب أبي و غلمانه : و يحكم من هذا الّذي كنّيتموه بحضرة أبي و فعل به أبي هذا الفعل ؟ فقالوا : هذا علوي يقال له : الحسن بن عليّ يعرف بابن الرّضا . فازددت تعجّبا ، و لم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره و أمر أبي ، و ما رأيته منه حتّى كان الليل و كانت عادته أن يصلّي العتمة ، ثمّ يجلس فينظر في ما يحتاج إليه من المؤامرات ، و ما يرفعه إلى السلطان ، فلمّا صلّى و جلس جئت و جلست بين يديه ، و ليس عنده أحد ، فقال لي : يا أحمد ألك حاجة ؟ فقلت : نعم يا أبه ، فإن أذنت ، سألتك ؟ قال : أذنت . قلت : من الرّجل الّذي رأيتك بالغداة فعلت به من الإجلال و الكرامة و التبجيل ، و فديته بنفسك و أبويك ؟ فقال : ذاك إمام الرّافضة : الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا . ثمّ سكت ساعة و أنا ساكت ،
ثمّ قال : يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غيره ، لفضله و عفافه و صيانته و زهده و عبادته و جميل أخلاقه و صلاحه ، و لو رأيت أباه ، رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا .
قال : فازددت قلقا و تفكّرا و غيظا على أبي ، و ما سمعته منه فيه ، و رأيت من فعله به ، فلم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره ، و البحث عن أمره ،
فما سألت أحدا من بني هاشم و القوّاد ، و الكتّاب ، و القضاة ، و الفقهاء ، و سائر الناس ، إلاّ وجدته عندهم في غاية الإجلال و الإعظام ، و المحل الرّفيع ، و القول الجميل ، و التّقديم له على جميع أهل بيته و مشائخه ، فعظم قدره عندي إذ لم أر له وليّا و لا عدوّا إلاّ و هو يحسن القول فيه و الثّناء عليه . فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريين : فما خبر أخيه جعفر ، و كيف كان منه في المحلّ ؟ فقال : و من جعفر حتّى يسأل عن خبره أو يقرن بالحسن ؟ جعفر معلن بالفسق ، و فاجر شرّيب للخمور ، أقل من رأيته من الرّجال ، و أهتكهم لنفسه ،
خفيف قليل في نفسه ، و لقد ورد على السّلطان و أصحابه في وقت وفاة الحسن ما تعجّبت منه ، و ما ظننت أنّه يكون ، و ذلك أنّه لمّا اعتلّ الحسن بعث
[ 360 ]
إلى أبي : أنّ ابن الرّضا قد اعتلّ . فركب من ساعته إلى دار الخلافة ، ثمّ رجع مستعجلا و معه خمسة من خدم أمير المؤمنين ، كلّهم من ثقاته و خاصّته فيهم نحرير ، و أمرهم بلزوم دار الحسن ، و تعرّف خبره و حاله ، و بعث إلى نفر من المتطببّين ، فأمرهم بالاختلاف إليه ، و تعاهده صباحا و مساء ، فلمّا كان بعد ذلك بيومين اخبر أنّه قد ضعف ، فأمر المتطبّبين بلزوم داره ، و بعث إلى قاضي القضاة ، فأحضره مجلسه ، و أمره أن يختار عشرة ممّن يوثق به في دينه و ورعه و أمانته ، فبعث بهم إلى دار الحسن و أمرهم بلزومه ليلا و نهارا ، فلم يزالوا هنالك حتّى توفّي ، فلمّا ذاع خبر وفاته صارت سرّ من رأى ضجّة واحدة ، فبعث السلطان إلى داره من فتّشها و فتّش حجرها ، و ختم على جميع ما فيها ، و طلبوا أثر ولده و جاؤوا بنساء يعرفن الحمل ، فدخلن على جواريه ينظرون إليهنّ ، فذكر بعضهنّ انّ هناك جارية بها حمل ، فجعلت في حجرة ،
و وكّل بها نحرير الخادم و أصحابه و نسوة معهم .
ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته ، و عطّلت الأسواق و ركب بنو هاشم ،
و القوّاد ، و الكتّاب ، و القضاة ، و المعدّلون ، و سائر النّاس إلى جنازته ، فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيها بالقيامة ، فلمّا فرغوا من تهيئته ، بعث السّلطان إلى أبي عيسى ابن المتوكّل فأمره بالصّلاة عليه ، فلمّا وضعت الجنازة للصّلاة دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه ، فعرضه على بني هاشم من العلويّة و العبّاسية ،
و القوّاد ، و الكتّاب ، و القضاة ، و المعدّلين و قال : « هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرّضا مات حتف أنفه على فراشه ، و حضره من خدم أمير المؤمنين و ثقاته فلان و فلان ، و من القضاة فلان و فلان ، و من المتطبّبين فلان و فلان » ،
ثمّ غطى وجهه ، و صلّى عليه ، و أمر بحمله ، فحمل من وسط داره ، فدفن في البيت الّذي دفن فيه أبوه . فلمّا دفن أخذ السّلطان النّاس في طلب ولده ، و كثر التفتيش في المنازل و الدّور ، و توقّفوا عن قسمة ميراثه ، و لم يزل الّذين وكّلوا
[ 361 ]
بحفظ الجارية الّتي توهّم عليها الحمل حتّى توهّم بطلان الحمل ، فلمّا بطل الحمل عنهنّ قسّم ميراثه بين امّه و أخيه جعفر ، و ادّعت امّه وصيّته ، و ثبت ذلك عند القاضي فجاء جعفر أخوه بعد ذلك إلى أبي ، فقال : اجعل لي مرتبة أخي ،
و أنا اوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار ، فزبره أبي و أسمعه ما كره ،
و قال له : يا أحمق إنّ السّلطان جرّد سيفه في الّذين زعموا أنّ أباك و أخاك أئمة ،
ليردّهم عن ذلك فلم يتهيّأ له ذلك ، فإن كنت عند شيعة أبيك و أخيك إماما ، فلا حاجة بك إلى السلطان يرتّبك مراتبهم ، و لا غير سلطان ، و إن لم تكن عندهم بتلك المنزلة لم تنلها بنا . فاستقلّه أبي عند ذلك و استضعفه ، و أمر أن يحجب ،
فلم يأذن له في الدّخول حتّى مات أبي ، و خرجنا و هو على تلك الحال ،
و السّلطان يطلب أثر ولد الحسن إلى اليوم ، و هو لا يجد إلى ذلك سبيلا و شيعته مقيمون على أنّه مات ، و خلّف ولدا يقوم مقامه في الإمامة 1 .
و روى محمّد بن يعقوب عن عليّ بن محمّد عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر عن عليّ بن عبد الغفّار قال : دخل العبّاسيون و صالح بن عليّ ، و غيره من المنحرفين عن هذه النّاحية على صالح بن وصيف عند ما حبس أبا محمّد عليه السّلام ، فقال لهم صالح : و ما أصنع قد وكّلت به رجلين أشرّ ما قدرت عليه ، فقد صارا من العبادة و الصّلاة و الصّيام إلى أمر عظيم ، فقلت لهما : ما فيه ؟ فقالا : ما نقول في رجل يصوم النّهار ، و يقوم الليل كلّه لا يتكلّم ، و لا يتشاغل ، و إذا نظرنا إليه ارتعدت فرائصنا ، فيداخلنا ما لا
-----------
( 1 ) أخرجه الكليني مسندا في الكافي 1 : 503 ح 1 ، و رواه الفتال مجردا في الروضة 1 : 249 ، كلاهما عن الحسن بن محمد الأشعري و محمد بن يحيى و غيرهما ، و رواه عن طريق الكليني أيضا المفيد مسندا في الارشاد : 338 ،
و الطبرسي مجردا في أعلام الورى : 376 ، و أخرجه ابن بابويه الصدوق مسندا في كمال الدين : 40 ، و الطوسي مسندا مختصرا في الغيبة : 131 ، كلاهما عن سعد بن عبد اللَّه القمي ، و رواه الطوسي مسندا اشارة في الفهرست : 35 ، و مجردا اشارة في رجاله : 448 عن عبد اللَّه بن جعفر الحميري ، و رواه اشارة بلا اسناد النجاشي في الفهرست : 64 .
[ 362 ]
نملكه من أنفسنا ؟ فلمّا سمعوا ذلك انصرفوا خائبين 1 .
و عنه : عن أبي عليّ محمّد بن عليّ بن إبراهيم عن أحمد بن الحرث القزويني ، قال : كنت مع أبي بسرّ من رأى ، و كان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمّد عليه السّلام ، و كان عند المستعين بغل لم ير مثله حسنا و كبرا ، و كان يمنع ظهره اللجام و السّرج ، و قد كان جمع عليه الرّائضة فلم تكن له حيلة في ركوبه ، فقال له بعض ندمائه : ألا تبعث إلى الحسن بن عليّ بن الرّضا حتّى يجيء ، فإمّا أن يركبه ، و إمّا أن يقتله فتستريح منه ؟ فبعث إليه عليه السّلام و مضى أبي معه . قال أبي : لمّا دخل الدّار كنت معه ، فنظر إلى البغل واقفا في صحن الدّار ،
فعدل إليه ، فوضع يده على كفله فنظرت إلى البغل و قد عرق حتّى سال العرق منه ، ثمّ سار إلى المستعين فسلّم عليه فرحّب به ، فقال : يا أبا محمّد ألجم هذا البغل . فقال لأبي : ألجمه يا غلام . فقال المستعين : ألجمه أنت . فوضع طيلسانه ،
ثمّ قام فألجمه ثمّ رجع إلى مجلسه ، و قعد . فقال له : يا أبا محمّد أسرجه . فقال لأبي : يا غلام أسرجه . فقال : أسرجه أنت . فقام ثانية فأسرجه ، و رجع . فقال له :
ترى أن تركبه ؟ فقال : نعم . فركبه من غير أن يمتنع عليه ، ثمّ ركضه في الدّار ،
ثمّ حمله على الهملجة فمشى أحسن مشي يكون ، ثمّ رجع فنزل ، فقال له المستعين : كيف رأيته ؟ قال : ما رأيت مثله حسنا و فراهة ، و ما يصلح أن يكون مثله إلاّ لأمير المؤمنين . فقال : يا أبا محمّد فإنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه ،
فقال عليه السّلام لأبي : خذه يا غلام . فأخذه أبي فقاده 2 .
و عنه : عن محمّد بن إبراهيم المعروف بابن الكردي عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال : ضاق بنا الأمر ، فقال لي أبي : امض بنا
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 512 ح 23 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 1 : 507 ح 4 .
[ 363 ]
حتّى نصير إلى هذا الرّجل يعني : أبا محمّد فإنّه قد وصف لي عنه سماحة .
فقلت : تعرفه ؟ فقال : ما أعرفه و لا رأيته قط . فقصدناه ، فقال لي أبي و هو في طريقه : ما أحوجنا أن يأمر لنا بخمسمائة درهم : مائتان للكسوة ، و مائتان للدقيق ، و مائة للنفقة قال : و قلت في نفسي : ليته أمر لي بثلاثمائة درهم اشتري بمائة حمارا ، و مائة للنفقة ، و مائة للكسوة ، و أخرج إلى الجبل . فلمّا وافينا الباب خرج إلينا غلامه . فقال : يدخل عليّ بن إبراهيم و محمّد ابنه . فلمّا دخلنا عليه و سلّمنا ، قال لأبي : ما خلّفك عنّا إلى هذا الوقت ؟ فقال : يا سيّدي استحييت أن ألقاك على هذه الحال . فلمّا خرجنا من عنده جاءنا غلامه ، فناول أبي صرّة ،
فقال : هذه خمسمائة درهم : مائتان للكسوة ، و مائتان للدّقيق ، و مائة للنفة .
و أعطاني صرّة ، فقال : هذه ثلاثمائة درهم ، اجعل مائة في ثمن حمار ، و مائة للكسوة ، و مائة للنفقة ، و لا تخرج إلى الجبل ، و صر إلى سوراء . فصار إلى سوراء و تزوّج بامرأة و دخله اليوم ألف دينار ، و مع هذا يقول بالوقف . قال محمّد بن إبراهيم : فقلت له : و يحك أتريد أمرا أبين من هذا ؟ فقال : هذا أمر قد جرينا عليه 1 .
و عنه : عن إسحاق بن محمّد النخعي قال : حدّثني إسماعيل بن محمّد بن عليّ بن إسماعيل بن علي بن عبد اللَّه بن العبّاس بن عبد المطّلب قال : قعدت لأبي محمّد على ظهر الطريق ، فلما مرّ بي شكوت إليه الحاجة ، و حلفت أنّه ليس عندي درهم فما فوقه ، و لا غداء و لا عشاء . فقال : تحلف باللَّه كاذبا ، و قد دفنت مائتي دينار ، و ليس قولي هذا دفعا لك عن العطيّة ، أعطه يا غلام ما معك .
فأعطاني غلامه مائة دينار ، ثمّ أقبل عليّ فقال : إنّك تحرمها أحوج ما تكون إليها يعني الدّنانير التي دفنت . و صدق و كان كما قال ، دفنت مائتي دينار ، و قلت :
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 506 و 509 ح 3 و 14 .
[ 364 ]
يكون ظهرا و كهفا لنا . فاضطررت ضرورة شديدة إلى شيء أنفقه ، و انغلقت عليّ أبواب الرّزق ، فنبشت عنها ، فإذا ابن لي قد عرف موضعها ، فأخذها و هرب ، فما قدرت منها علي شيء 1 .
و أمّا الحجّة بن الحسن المهدي القائم صلوات اللَّه عليه و على آبائه فأخبار العامّة به عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام متواترة كروايات الخاصّة عنهما ، و عن باقي الأئمّة عليهم السّلام حتّى صنّف جمع من العامّة فيه ، كأبي نعيم الاصبهاني و الكنجي الشافعي ، و أبي صالح السّليلي ، و زكريّا بن يحيى ،
و نعيم بن حمّاد ، و جمع آخر .
و لتواتر الخبر بالمهدي ضلّت الكيسانيّة في محمّد بن الحنفيّة ، فتوهمّوا أنّه القائم الّذي يغيب ، ثم يظهر و أنّه غاب في شعب جبل رضوى فقال كثير عزة و كان كيسانيا مشيرا إليه :
و سبط لا يذوق الموت حتّى
تقود الخيل يقدمها اللواء
و قال السيد الحميري وقت كيسانيّته :
ألا قل للامام فدتك نفسي
أطلت بذلك الجبل المقاما
أضرّ بمعشر و ألوك منّا
و سمّوك الخليفة و الإماما
و عدّوا أهل هذي الأرض طرّا
مقامك فيهم ستّين عاما
و ما ذاق ابن خولة طعم موت
و لا وارت له أرض عظاما
لقد أمسى بمورق شعب رضوى
تراجعه الملائكة الكراما
و قال أيضا :
يا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى
و بنا إليه من الصّبابة أشوق
حتّى متى و إلى متى و كم الّذي
يابن الوصيّ و أنت حيّ ترزق
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 506 و 509 ح 3 و 14 .
[ 365 ]
ثمّ ضلّ جمع في محمّد بن عبد اللَّه بن الحسن الّذي قتله المنصور ، قال أبو الفرج : كان أهل بيته يسمّونه المهدي ، و يقدّرون أنّه الّذي جاءت فيه الرّواية ، حتّى لم يشك أحد أنّه المهدي ، و شاع ذلك له في العامّة ، و بايعه رجال من بني هاشم جميعا ، من آل أبي طالب و آل العبّاس ، و ساير بني هاشم ، ثمّ ظهر من جعفر بن محمّد عليه السّلام قول في أنّه لا يملك ، و أنّ الملك يكون في بني العبّاس ، فانتبهوا من ذلك لأمر لم يكونوا يطمعون فيه 1 .
و ممّن قال بقائميّته المغيرة بن سعيد و أصحابه ، و زادوا له في حديث النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله المتواتر : « لا تذهب الدّنيا حتّى يبعث اللَّه رجلا من أهل بيتي يواطي اسمه اسمي حتّى يملأها قسطا » 2 فقرة : « و اسم أبيه اسم أبي » 3 حتّى ينطبق عليه ، و وضعوا له خبرا بأنّ اسم امّه على ثلاثة أحرف أوّلها هاء ، و آخرها دال 4 ، لكون اسم امّه هندا .
و لتواتر الخبر بالمهدي و بعلاماته كان يعرفه خلفاء بني امية ، فروى أبو الفرج أنّه قيل لمروان بن محمّد : إنّ محمّد بن عبد اللَّه يدّعي هذا الأمر ،
و يتسمّى بالمهدي فقال : مالي و له ، ما هو به و لا من أبيه ، و إنّه لابن امّ ولد . و لم يهجه مروان حتّى قتل 5 .
و لتواتر الخبر بالمهدي ، ادّعى المنصور ذلك بعد خلافته في ابنه فسمّاه المهدي ، و كان اسم المنصور نفسه عبد اللَّه ، فلمّا زادوا لمحمّد بن عبد اللَّه
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 157 ، بتقطيع .
-----------
( 2 ) هذا حديث رزبن جيش عن عبد اللَّه بن مسعود عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، يحضرني ثلاثة و ستون من أسانيده ، منها ما أخرجه أبو داود بخمس طرق في سننه 4 : 106 ح 4282 ، و الترمذي بطريقين في سننه 4 : 505 ح 2230 و 2231 توجد فقرة : « اسم أبيه اسم أبي » في تسعة عشر منها .
-----------
( 2 ) هذا حديث رزبن جيش عن عبد اللَّه بن مسعود عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، يحضرني ثلاثة و ستون من أسانيده ، منها ما أخرجه أبو داود بخمس طرق في سننه 4 : 106 ح 4282 ، و الترمذي بطريقين في سننه 4 : 505 ح 2230 و 2231 توجد فقرة : « اسم أبيه اسم أبي » في تسعة عشر منها .
-----------
( 3 ) هذا حديث رزبن جيش عن عبد اللَّه بن مسعود عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، يحضرني ثلاثة و ستون من أسانيده ، منها ما أخرجه أبو داود بخمس طرق في سننه 4 : 106 ح 4282 ، و الترمذي بطريقين في سننه 4 : 505 ح 2230 و 2231 توجد فقرة : « اسم أبيه اسم أبي » في تسعة عشر منها .
-----------
( 4 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 158 .
-----------
( 5 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 162 .
[ 366 ]
المحض في حديث النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . « و اسم أبيه اسم أبي » أراد تطبيق ذلك على ابنه ذاك ، فكتب إلى الآفاق في أخذ البيعة لابنه ما لفظه : « فإنّ اسم المهديّ محمّد ابن أمير المؤمنين ، و اسم أبيه اسم أبيه » و هو يعلم بطلان ادعائه كبطلان ادعاء محمّد بن عبد اللَّه المحض .
فروى أبو الفرج : أنّ المنصور أرسل مولى له إلى مجلس محمّد بن عبد اللَّه يسمع ما يقول على المنبر ، فسمعه يقول : إنّكم لا تشكّون أنّي أنا المهديّ .
فأخبر المنصور بذلك ، فقال : كذب بل المهدي ابني 1 .
و روي عن مسلم بن قتيبة قال : قال المنصور لي : قد خرج محمّد بن عبد اللَّه ، و تسمّى بالمهدي ، و و اللَّه ما هو به . و اخرى أقولها لك لم أقلها لأحد قبلك ،
و لا أقولها لأحد بعدك : و ابني و اللَّه ما هو بالمهدي الّذي جاءت به الرّواية ،
و لكنّي تيمّنت به و تفألت به 2 .
و كان ابنه جعفر يستهزىء بأبيه في تسمية أخيه المهدي بما أجلّ الكتاب عن ذكره .
و كان المنصور يعلم أصله الصّحيح الّذي تقوله الإمامية أخذا عن المعصومين عليهم السّلام ، لسماعه ذلك عن الباقر عليه السّلام ، فروى محمّد بن محمّد بن النّعمان المفيد في ( إرشاده ) بأسناده عن سيف بن عميرة قال : كنت عند المنصور ، فقال لي ابتداء : يا سيف لا بد من مناد ينادي من السّماء باسم رجل من ولد أبي طالب إلى أن قال يا سيف لو لا أنّني سمعت من أبي جعفر محمّد بن عليّ يحدّثني به ، و حدّثني به أهل الأرض كلّهم ما قبلته منهم ، و لكنّه محمّد بن عليّ 3 .
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 167 ، بتلخيص .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 166 .
-----------
( 3 ) الإرشاد للمفيد : 358 .
[ 367 ]
و لما قلنا عن تواتر الخبر بالمهديّ ادّعت الامويّة ذلك لسليمان بن عبد الملك ، قال الجاحظ في كتابه ( مفاخرات هاشم و امية ) : قالت اميّة و منّا سليمان كان جوادا خطيبا جميلا صاحب سلامة و دعة و حبّ للعافية ، و قرب من النّاس حتّى سمّي المهدي ، و قيلت الأشعار في ذلك 1 .
و كذلك لتواتر الخبر به ادّعاه أوّل ملوك العلويّة ملوك إفريقية ، فتسمّى بالمهديّ و هو إن صحّ نسبه عبيد اللَّه بن محمّد بن عبد اللَّه بن ميمون بن إسماعيل بن جعفر الصّادق عليه السّلام ، قال الجزري في ( كامله ) : دولته دولة اتسعت أكناف مملكتها ، و طالت مدّتها ، ملكت إفريقية في سنة ( 296 ) ، و انقرضت بمصر سنة ( 567 ) إلى أن قال و في سنة ( 303 ) خرج المهدي بنفسه إلى تونس و قرطاجنة و غيرهما يرتاد موضعا على ساحل البحر يتّخذ فيه مدينة ،
و كان يجد في الكتب خروج أبي يزيد على دولته ، و من أجله بنى المهديّة ، فلم يجد موضعا أحسن و لا أحصن من موضع المهدية ، و هي : جزيرة متّصلة بالبرّ كهيئة كف متّصل بزند ، فبناها و جعلها دار ملكه ، و جعل لها سورا محكما و أبوابا عظيمة ، وزن كل مصراع مائة قنطار ، فلمّا ارتفع السّور ، أمر راميا يرمي بالقوس سهما إلى ناحية المغرب ، فرمى سهمه فانتهى إلى موضع المصلّى ، فقال : إلى موضع هذا يصل صاحب الحمار يعني أبا يزيد الخارجي لأنّه كان يركب حمارا و أمر أن ينقر دار صناعته في الجبل ، حتّى تسع مائتي شينى و عليها باب مغلق ، و نقر في أرضها أهراء للطّعام ، و مصانع للماء ، و بنى فيها القصور و الدّور . فلمّا فرغ منها ، قال : اليوم أمنت على الفاطميّات يعني بناته . و لمّا رأى إعجاب النّاس بها ، قال : هذه لساعة من نهار . و كان كذلك ، لأنّ
-----------
( 1 ) رواه الجاحظ في مفاخرات هاشم و امية عنه شرح ابن أبي الحديد 3 : 486 ، شرح الكتاب 28 .
[ 368 ]
أبا يزيد وصل إلى موضع السّهم ، و وقف فيه ساعة ، و عاد و لم يظفر 1 .
و إليه أشار النّعماني في ( غيبته ) في ردّ المدّعين له المهدويّة فقال بعد ذكر أخبار في ملبس القائم عليه السّلام ، و مطعمه ، و أعماله ، و صفة أصحابه ، و إمداد الملائكة له : فتأمّلوا ، يا من وهب اللَّه له بصيرة و عقلا ، و فتحه تمييزا و لبا ، هذا الّذي قد جاء من الرّوايات في صفة القائم عليه السّلام و سيرته و ما خصّه اللَّه تعالى به من الفضل ، و ما يؤيّده اللَّه به من الملائكة ، و ما يلزمه نفسه عليه السّلام من خشونة الملبس ، و جشوبة المطعم ، و اتعاب النّفس و البدن في طاعة اللَّه تعالى و الجهاد في سبيله ، و غسل الظلم و الجور و الطغيان و بسط الإنصاف و العدل و الإحسان ، و صفة من معه في أصحابه الّذين جاءت الرّوايات بعدّتهم و هم ( 313 ) رجلا ، و أنّهم حكّام الأرض و عمّاله عليها ، و بهم يفتح شرق الأرض و غربها مع من يؤيّده اللَّه به من الملائكة إلى أن قال فتأمّلوا بعد هذا ما يدّعيه المبطلون ، و يفتخر به الطّائفة البائنة المبتدعة من أنّ الّذي هذا وصفه ، و هذه حالة و منزلته من اللَّه جلّ و عزّ هو صاحبهم الّذين يدّعون له بحيث هو في أربعمائة ألف عنان ، و أنّ في داره أربعة آلاف خادم رومي و صقالبي ،
و انظروا هل سمعتم و رويتم لو بلغكم عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و عن الأئمة الطّاهرين عليهم السّلام أنّ القائم بالحقّ هذه صفته الّتي يصفونه بها ، و أنّه يظهر ،
و يقوم بعد ظهوره بحيث هو في هذه السّنين الطويلة ، و هو في هذه العدّة العظيمة ينافقه أبو يزيد الاموي ، فمرّة يظهر عليه و يهزمه ، و مرّة يظهر هو على أبي يزيد ، و يقيم بعد ظهوره و قوّته و انتشار أمره بالمغرب ، و الدّنيا هي على ما هي عليه ؟ . . . 2 .
-----------
( 1 ) الكامل لابن الأثير 8 : 34 و 94 سنة 296 ، 303 و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الغيبة للنعماني : 162 .
[ 369 ]
و لكون الأخبار بالمهديّ بتلك المثابة ، ادعته الناووسية للصّادق عليه السّلام و الواقفية للكاظم عليه السّلام و الإسماعيلية لإسماعيل بن جعفر .
و من علاماته المحتومة المتواترة ظهور السفياني ، حتّى إنّ عليّ بن عبد اللَّه بن خالد بن يزيد بن معاوية ، الّذي خرج أيّام الأمين و غلب على دمشق ، كان يدّعي أنّه السفياني المعهود ، و يشهد لشهرته أنّ جمعا زعموا أنّ خالد بن يزيد بن معاوية وضع ذكر السّفياني حين غلبه مروان على الملك . ذكر ذلك ( نسب قريش مصعب ) 1 .
و روى ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) عن ابن عمر ، قال : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله :
« يخرج في آخر زمان رجل من ولدي اسمه كاسمي ، و كنيته ككنيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا » ، و قال : هذا حديث مشهور ، و قد أخرج أبو داود و الزّهري عن عليّ عليه السّلام بمعناه ، و فيه : « لو لم يبق من الدّهر إلاّ يوم واحد لبعث اللَّه من أهل بيتي من يملأ الأرض عدلا » قال : و ذكره في روايات كثيرة 2 .
و فيه : قال السّدي : يجتمع المهديّ و عيسى بن مريم ، فيجيء وقت الصلاة ، فيقول المهدي لعيسى : تقدّم . فيقول عيسى : أنت أولى بالصلاة .
فيصلّي عيسى وراءه مأموما 3 .
و فيه : و عامّة الإمامية على أن الخلف الحجّة موجود ، و أنّه حيّ يرزق و يحتجّون على حياته بأدلّة : منها أنّ جماعة طالت أعمارهم كالخضر و الياس ،
فإنّه لا يدرى كم لهما من السّنين ، و أنّهما يجتمعان كلّ سنة ، و يأخذ هذا من شعر هذا ، و هذا من شعر هذا ، و في التوراة : أنّ ذا القرنين عاش ثلاثة آلاف
-----------
( 1 ) نسب قريش للزبيري : 129 ، 131 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 363 ، و أخرجه أبو داود في سننه 4 : 107 ح 4283 .
-----------
( 3 ) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 364 .
[ 370 ]
سنة . و المسلمون يقولون : ألفا و خمسمائة . و قال محمّد بن إسحاق : عاش عوج بن عناق ثلاثة آلاف سنة و ستمائة سنة ولد في حجر آدم و عناق امّه ،
و قتله موسى بن عمران و أبوه سيحان ، و عاش الضّحاك و هو بيور اسب ألف سنة ، و كذلك طهمورث ، و أمّا من الأنبياء فخلق كثير بلغوا الألف و زادوا عليها ،
كآدم و نوح و شيث و نحوهم ، و عاش قينان تسعمائة سنة ، و عاش مهلائيل ثمانمائة ، و عاش نفيل بن عبد اللَّه سبعمائة سنة ، و عاش سطيح الكاهن و اسمه ربيعة بن عمرو ستمائة سنة ، و عاش عامر بن الظرب خمسمائة سنة ، و كان حاكم العرب ، و كذا تيم اللَّه بن ثعلبة ، و كذا سام بن نوح ، و عاش الحرث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة ، و هو القائل :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا .
و كذا أرفخشد ، و عاش قسّ بن ساعدة ثلاثمائة و ثمانين سنة ، و عاش كعب بن جمجمة الدّوسي ثلاثمائة و تسعين سنة . . . 1 قلت : إنّ الامامية استدلّوا بما قال من وجود جمع معمّرين لإمكانه ، ردّا على مخالفيهم في استحالة ذلك ، و يستدلّون على وقوعه بما رووه في طرقهم عن أمير المؤمنين عليه السّلام من قوله لكميل : « اللهمّ بلى لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا ، أو خائفا مغمورا لئلاّ تبطل حجج اللَّه و بيّناته » . و قد نقله النهج 2 ، و قال ابن أبي الحديد عند شرحه للكلام : « و هذا يكاد يكون تصريحا بمذهب الإمامية ، إلاّ أنّ أصحابنا يحملونه على أنّ المراد به الأبدال » 3 . و يقال له : لو قبل كلّ جزاف لبطلت الدّيانات طرّا .
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 364 .
-----------
( 2 ) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4 : 37 الحكمة 147 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 313 شرح الحكمة 147 .
[ 371 ]
و روى محمّد بن عليّ بن بابويه في ( إكماله ) الّذي صنّفه بإرشاد الحجّة عليه السّلام له في المنام بتأليف كتاب غيبة الأنبياء عليهم السّلام ، ردّا على القائلين بعدم الفايدة في وجود إمام غائب نصوصا كثيرة فيه عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و الأئمّة و كثير منها من طرقهم ، و نقتصر منها على خبرين :
أحدهما : ما رواه مسندا عن سدير الصّيرفي ، قال : كنت دخلت أنا و المفضّل بن عمر و أبو بصير و أبان بن تغلب على مولانا أبي عبد اللَّه الصّادق عليه السّلام ، فرأيناه جالسا على التّراب ، و عليه مسح خيبري مطوق بلا جيب ، مقصر الكمّين ، و هو يبكي بكاء الوالدة الثّكلى ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، و شاع التغيّر في عارضيه ، و املأ الدّموع لحجريه و هو يقول : سيّدي غيبتك نفت رقادي ، و ضيّقت عليه مهادي ، و ابتزّت منّي راحة فؤادي . سيّدي غيبتك وصّلت مصابي بفجائع الأبد إلى أن قال فاستطارت قلوبنا و لها ، و تصدّعت قلوبنا جزعا ، فقلنا : لا أبكى اللَّه يابن خير الورى عينيك .
فزفر زفرة ، و قال : و يلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم ، و هو الكتاب المشتمل على علم المنايا و البلايا ، و علم ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة الّذي خصّ اللَّه به محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله و الأئمّة من بعده ، و تأمّلت مولد قائمنا و غيبته ،
و إبطاءه و طول عمره ، و بلوى المؤمنين في ذلك الزّمان ، و تولد الشّكوك في قلوبهم من طول غيبته ، و ارتداد أكثرهم عن دينهم ، و خلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم الّتي قال اللَّه تعالى : و كلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه . . . 1 يعني الولاية ، فاستولت عليّ الأحزان . فقلنا : كرّمنا بإشراكك إيّانا في بعض ما أنت تعلمه من علم ذلك . قال : إنّ اللَّه تعالى أدار للقائم منّا ثلاثة ، أدارها لثلاثة من الرّسل : قدّر مولده تقدير مولد موسى عليه السّلام ، و قدّر غيبته تقدير غيبة
-----------
( 1 ) الاسراء : 13 .
[ 372 ]
عيسى عليه السّلام ، و قدّر إبطاءه بتقدير إبطاء نوح ، و جعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضر عليه السّلام دليلا على عمره . فقلنا : اكشف لنا عن وجوه هذه المعاني :
قال : أمّا مولد موسى . فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه على يده ،
أمر باحضار الكهنة ، فدلّوه على نسبه ، و أنّه يكون من بني إسرائيل ، و لم يزل يأمر أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل ، حتّى قتل في طلبه نيفا و عشرين ألف مولود ، و تعذّر عليه الوصول إلى قتل موسى لحفظ اللَّه تعالى إيّاه . كذلك بنو امية و بنو العبّاس لمّا وقفوا على أنّ زوال ملك الامراء و الجبابرة منهم على يد القائم منّا ناصبونا العداوة ، و وضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول و إبادة نسله ، طمعا منهم في الوصول إلى قتل القائم ، و يأبى اللَّه أن يكشف أمره لواحد من الظلمة ، إلاّ أن يتمّ نوره و لو كره المشركون .
و أمّا غيبة عيسى عليه السّلام فإنّ اليهود و النصارى اتّفقوا على أنّه قتل ،
فكذّبهم اللَّه تعالى بقوله : . . . و ما قتلوه و ما صلبوه و لكنّ شبّه لهم . . . 1 .
كذلك غيبة القائم ، فإنّ الامّة ستنكرها لطولها ، فمن قائل يهذى : بأنّه لم يولد ،
و قائل يقول : إنّه ولد و مات . و قائل يقول : إنّ حادي عشرنا كان عقيما . و قائل يمرق و يتعدّى إلى ثالث عشر . و قائل يقول : إنّ روح القائم ينطق في هيكل غيره .
و أمّا إبطاء نوح فإنّه لمّا استنزلت العقوبة بعث اللَّه تعالى جبرئيل معه سبع نوايات ، و قال : إنّ اللَّه تعالى يقول : إنّ هؤلاء خلائقي لست أبيدهم إلاّ بعد توكيد الدّعوة ، فعاود اجتهادك في الدّعوة ، و اغرس هذا النوى ، فإنّ لك في نباتها إذا أثمرت الفرج ، و بشّر بذلك من اتّبعك . قال : فلمّا نبتت الأشجار وزها
-----------
( 1 ) النساء : 157 .
[ 373 ]
الثّمر استنجز من اللَّه العدة ، فأمره تعالى أن يغرس نوى تلك الأشجار ، و يعاود الصّبر و الاجتهاد . فأخبر بذلك الطوائف الّتي آمنت به ، فارتدّ منهم ثلاثمائة ،
و قالوا : لو كان ما يدّعيه نوح حقّا لما وقع في وعد ربه خلف . ثمّ إنّ اللَّه تعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرّة بأن يغرسها إلى سبع مرّات ، فما زالت تلك الطوائف ترتد منهم طائفة بعد طائفة ، إلى أن عاد إلى نيف و سبعين رجلا ، فأوحى تعالى عند ذلك إليه : الآن أسفر الصّبح عن الليل حين صرّح الحقّ محضه ، و صفا الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة ، فلو أنّي أهلكت الكفّار و أبقيت من قد ارتدّ من الطوائف التي كانت آمنت بك ، لما كنت أنجزت و عدي السّابق للمؤمنين الّذين أخلصوا التوحيد من قومك ، و اعتصموا بحبل نبوّتك بأنّي استخلفهم في الأرض ، و امكّن لهم دينهم لكي يخلص العبادة لي ، و كيف يكون الاستخلاف و التّمكين و بذل الأمن لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الّذين ارتدّوا و خبث طينتهم ؟ و كذلك القائم عليه السّلام فإنّه تمتدّ أيّام غيبته ، فيصرّح الحقّ عن محضه ، و يصفو الايمان بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشّيعة الّذين يحسّ عليهم النفاق إلى أن قال و أمّا العبد الصّالح أعني الخضر عليه السّلام فإنّ اللَّه تعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها له ، و لا كتاب ينزّله عليه ، و لا لشريعة ينسخ بها شريعة من قبله من الأنبياء ، و لا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ، و لا لطاعة يفرضها له ، بل إنّ اللَّه تعالى لمّا كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم عليه السّلام ما يقدّر طول عمر العبد الصّالح في غير سبب يوجب ذلك إلاّ لعلّة الاستدلال به على عمر القائم ، و ليقطع بذلك حجّة المعاندين لئلاّ يكون للنّاس على اللَّه حجّة 1 .
و ثانيهما : ما رواه عن أحمد بن زياد الهمداني عن عليّ بن إبراهيم بن
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 352 ح 50 .
[ 374 ]
هاشم القمي عن أبيه عن عبد السّلام بن صالح الهروي ، قال : سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول : أنشدت مولاي الرّضا عليّ بن موسى عليه السّلام قصيدتي الّتي أوّلها :
مدارس آيات خلت من تلاوة
و منزل وحي مقفر العرصات
فلمّا انتهيت إلى قولي :
خروج إمام لا محالة خارج
يقوم على اسم اللَّه و البركات
يميّز فينا كلّ حقّ و باطل
و يجزي على النّعماء و النّقمات
بكى الرّضا عليه السّلام بكاء شديدا ، ثمّ رفع رأسه إليّ فقال لي : يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين ، فهل تدري من هذا الإمام و متى يقوم ؟
فقلت : لا يا مولاي ، إلاّ أنّي سمعت بخروج إمام منكم يطهّر الأرض من الفساد ،
و يملؤها عدلا . فقال : يا دعبل الامام بعدي محمّد ابني ، و بعد محمّد ابنه عليّ ،
و بعد عليّ ابنه الحسن ، و بعد الحسن ابنه الحجّة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره ، لو لم يبق من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل اللَّه عزّ و جلّ ذلك اليوم حتّى يخرج ، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا . و أمّا ( متى ) فإخبار عن الوقت ، فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عليه السّلام أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قيل له : يا رسول اللَّه متى يخرج القائم من ذرّيتك ؟ فقال صلّى اللَّه عليه و آله : مثله مثل السّاعة الّتي . . . لا يجلّيها لوقتها إلاّ هو ثقلت في السّماوات و الأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة . . . 1 .
و روى مسندا عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام قال : سأل عمر عليّا عليه السّلام عن المهدي ، فقال : يابن أبي طالب أخبرني عن المهدي ، ما اسمه ؟ فقال : أمّا اسمه فلا . إنّ حبيبي و خليلي عهد إليّ أن لا احدّث باسمه حتّى يبعثه اللَّه تعالى ،
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 372 ح 6 و 648 ح 3 ، و الآية 187 من سورة الأعراف .
[ 375 ]
و هو في ما استودع اللَّه تعالى رسوله في علمه 1 .
و روى أبو الفرج في ( مقاتله ) بأسانيد عن سفيان بن أبي ليلى قال : أتيت الحسن بن عليّ عليه السّلام حين بايع معاوية ، فوجدته بفناء داره و عنده رهط ، فقلت :
السّلام عليك يا مذلّ المؤمنين . فقال : عليك السّلام يا سفيان انزل إلى أن قال فقال لي : ما جاء بك يا سفيان ؟ قلت : حبّكم ، و الّذي بعث محمّدا بالهدى و دين الحقّ . قال : فابشر يا سفيان ، فإنّ الدّنيا تسع البرّ و الفاجر حتّى يبعث اللَّه إمام الحقّ من آل محمّد عليهم السّلام 2 .
و في ( النهج ) يعطف الهوى على الهدى إلى أن قال تخرج له الأرض أفاليذ كبدها ، و تلقي إليه سلما مقاليدها ، فيريكم كيف عدل السّيرة ، و يحيي ميّت الكتاب و السّنّة 3 .
« قوله : قال الرضا أبو الحسن » هذا كلام ابن أبي الحديد 4 لا المصنّف ،
لخلو ( الخطية ) عنه .
« قوله عليه السّلام : املكوا عنّي هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه » من الغريب عدم وجوده في ( ابن ميثم ) 5 .