
13
من خطبة ( 150 ) وَ إِنَّمَا اَلْأَئِمَّةُ قُوَّامُ اَللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ عُرَفَاؤُهُ عَلَى عِبَادِهِ لاَ يَدْخُلُ اَلْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ وَ لاَ يَدْخُلُ اَلنَّارَ إِلاَّ مَنْ أَنْكَرَهُمْ وَ أَنْكَرُوهُ .
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 372 ح 6 و 648 ح 3 ، و الآية 187 من سورة الأعراف .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 44 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 3 ) هذا بعض من الخطبه 136 في نهج البلاغة 2 : 21 .
-----------
( 4 ) يوجد هذا في شرح ابن أبي الحديد 3 : 9 ، و شرح ابن ميثم 4 : 14 .
-----------
( 5 ) لفظ شرح ابن ميثم 4 : 14 مثل المصرية أيضا .
[ 376 ]
« و إنّما الأئمّة قوّام اللَّه على خلقه » واضح أنّ مراده عليه السّلام بالأئمّة : أئمّة أهل البيت عليهم السّلام لا المتقدّمون عليه ، و لو فرض أنّ الأمر كما تقول العامّة ، من كونه عليه السّلام غير منصوص عليه ، و لم يكن المتقدّمون عليه مخالفين لنصّ اللَّه و رسوله ، فإنّ كونهم الباغين عليه بتقدّمهم مع قرابته بالنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و بعدهم عنه ، و مع علمه وجهلهم ، و مع ورعه و عدم تحرجهم ، و غير ذلك ، أمر مقطوع ،
و اولو الأرحام بعضهم أولى ببعض . . . 1 ، . . . قل هل يستوي الّذي يعلمون و الّذين لا يعلمون . . . 2 ، أم حسب الّذين اجترحوا السّيئات أن نجعلهم كالّذين آمنوا و عملوا الصّالحات . . . 3 و شكاياته عليه السّلام عنهم متواترة ،
فقول ابن أبي الحديد في شرح العنوان : « أصحابنا كافة قائلون بصحّة هذه القضيّة ، و هي أنّه لا يدخل الجنّة إلاّ من عرف الأئمّة ، ألا ترى أنّهم يقولون :
الأئمة بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فلان و فلان . و يعدونهم واحدا واحدا ، فلو أن إنسانا لا يقول بذلك لكان عندهم فاسقا ، و الفاسق لا يدخل الجنّة عندهم أبدا » 4 مغالطة ،
فإنّما الكلام في الصّغرى : أئمّة الحق من هم ؟ و الكبرى مفروغ عنها .
و توهّم الخوئي أنّ مراده بالأئمّة : أئمتنا ، فاعترض عليه بأنّ مجرّد معرفتهم و تعدادهم لا يكفي ، و إنّما اللاّزم معرفتهم بوصف الإمامة و الخلافة 5 ، فإنّه واضح أنّ مراد ابن أبي الحديد بأصحابه : المعتزلة ، و هم قائلون بإمامة الثلاثة ، و كان الحقّ أن يقول له : كيف يكون من قال : إنّ له
-----------
( 1 ) الأنفال : 75 .
-----------
( 2 ) الزمر : 9 .
-----------
( 3 ) الجاثية : 21 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 425 .
-----------
( 5 ) شرح الخوئي 4 : 186 ، و النقل بتقطيع .
[ 377 ]
شيطانا يعتريه 1 . و من منع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من الوصيّة ، و قال : إنّه ليهجر 2 . و من فعل أفعالا استحلّ المسلمون بها دمه ، و لم يوجبوا تجهيزه بل أباحوا إحراق جسده ، قوّامه تعالى على خلقه ، عرفاءه على عباده ؟ . . . فما لكم كيف تحكمون 3 ؟
« و عرفاؤه على عباده » قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لأمير المؤمنين عليه السّلام : ثلاثة اقسم أنّهنّ حقّ : إنّك و الأوصياء من بعدك عرفاء لا يعرف اللَّه إلاّ بسبيل معرفتكم ،
و عرفاء لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفكم و عرفتموه ، و عرفاء لا يدخل النّار إلاّ من أنكركم و أنكرتموه . رواه ( الخصال ) في باب الثلاثة 4 .
و روى ( عيون ابن بابويه ) عن ابن المتوكّل عن الأسدي عن الصّولي عن يوسف بن عقيل عن إسحاق بن راهويه ، قال : لمّا وافى أبو الحسن الرّضا نيسابور ، و أراد أن يخرج منها إلى المأمون ، اجتمع عليه أصحاب الحديث ،
فقالوا له : يابن رسول اللَّه ترحل عنّا و لا تحدّثنا بحديث فنستفيده منك ؟ إلى أن قال بعد ذكر روايته عليه السّلام لهم عن آبائه عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عن اللَّه تعالى قال : « لا إله إلاّ اللَّه حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي » فلمّا مرّت الراحلة نادى :
بشروطها ، و أنا من شروطها 5 .
و روى محمّد بن يعقوب في ( كافيه ) عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه ، قال :
-----------
( 1 ) قوله : « ان لي شيطانا يعتريني » نقله في ضمن خطبة له بعد البيعة الطبري في تاريخه 2 : 460 السنة 11 و ابن راهويه في مسنده و أبو ذر الهروي في الجامع عنهما منتخب كنز العمّال 2 : 161 و غيرهم .
-----------
( 2 ) حديث منع عمر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من الوصية أخرجه البخاري في صحيحه 1 : 32 ، و 4 : 7 ، 271 و غيره ، مرّ تخريجه في أواخر العنوان 3 من هذا الفصل .
-----------
( 3 ) يونس : 35 .
-----------
( 4 ) الخصال للصدوق : 183 ح 150 باب الثلاثة .
-----------
( 5 ) عيون الأخبار للصدوق 2 : 134 ح 4 .
[ 378 ]
قال محمّد بن فلان الواقفي : كان لي ابن عمّ يقال له : الحرّ بن عبد اللَّه ، و كان من أعبد أهل زمانه ، و كان يتّقيه السّلطان لجدّه في الدّين و اجتهاده ، و ربما استقبل السلطان بكلام صعب يعظه ، و يأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر . و كان السّلطان يحتمله لصلاحه ، فلم يزل هذه حاله حتّى كان يوم من الأيّام إذ دخل عليه أبو الحسن موسى عليه السّلام و هو في المسجد ، فرآه فأومأ إليه ، فأتاه فقال له :
يا أبا عليّ ما أحبّ إليّ ما أنت فيه و أسرّني ، إلاّ أنّه ليست لك معرفة . قال : جعلت فداك ، و ما المعرفة ؟ قال : اذهب فتفقه و اطلب الحديث . قال : عمّن ؟ قال : عن فقهاء أهل المدينة ، ثمّ أعرض عليّ الحديث . قال : فذهب فكتب ثمّ جاءه فقرأه عليه ،
فأسقط كلّه ، ثمّ قال له : اذهب فاعرف المعرفة و كان الرّجل معنيّا بدينه . فلم يزل يترصّد أبا الحسن عليه السّلام حتّى خرج إلى ضيعة له ، فلقيه في الطّريق ، فقال له : جعلت فداك ، إنّي أحتجّ عليك بين يدي اللَّه تعالى ، فدلّني على المعرفة .
فأخبره عليه السّلام بأمر أمير المؤمنين عليه السّلام و ما كان بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و أخبره بأمر الرجلين ، و ما كان ، ثمّ قال له : فمن كان بعد أمير المؤمنين ؟ قال : الحسن ، ثمّ الحسين عليهما السّلام . حتّى انتهى إلى نفسه ، ثمّ سكت فقال له : جعلت فداك ، فمن هو اليوم ؟ قال : إن أخبرتك تقبل ؟ قال : نعم ، جعلت فداك . قال : أنا هو . قال : فشيء استدّل به . قال : اذهب إلى تلك الشجرة و أشار إلى ام غيلان فقل لها : يقول لك موسى بن جعفر : اقبلي . فأتاها ، قال : فرأيتها و اللَّه تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه ، ثمّ أشار إليها فرجعت ، فأقرّ به عليه السّلام ، ثمّ لزم الصّمت و العبادة ، فكان لا يراه أحد يتكلّم بعد ذلك 1 .
و قال المفيد : اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر أحدا من الأئمّة ، و جحد ما أوجبه اللَّه تعالى لهم من فرض الطّاعة فهو كافر ضالّ مستحقّ للخلود .
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 352 ح 8 ، بهذا الاسناد و باسناد آخر .
[ 379 ]
و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك ، و أنكروا كفر من ذكرناه ، و حكموا لبعضهم بالفسق خاصّة ، و لبعضهم بما دون الفسق من العصيان 1 .
« لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم و عرفوه ، و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم و أنكروه » قال أبو عبد اللَّه جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام : خرجت أنا و أبي حتّى إذا كنّا بين القبر و المنبر إذا هو باناس من الشيعة فسلّم عليهم ، ثمّ قال : إنّي و اللَّه لاحبّ رياحكم و أرواحكم ، فأعينوني على ذلك بورع و اجتهاد ، و اعلموا أنّ ولايتنا لا تنال إلاّ بالورع و الاجتهاد ، و من ائتمّ منكم بعبد فليعمل بعمله . أنتم شيعة اللَّه و أنتم أنصار اللَّه ، و أنتم السّابقون الأوّلون ، و السّابقون الآخرون ، و السّابقون في الدّنيا ، و السّابقون في الآخرة إلى الجنّة ، قد ضمنا لكم الجنّة بضمان اللَّه ،
و ضمان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله . و اللَّه ما على درجة الجنّة أكثر أرواحا منكم ،
فتنافسوا في فضائل الدّرجات ، أنتم الطّيبون و نساؤكم الطّيبات . كلّ مؤمنة حوراء عيناء ، و كلّ مؤمن صدّيق ، و لقد قال أمير المؤمنين عليه السّلام لقنبر : يا قنبر أبشر و بشّر و استبشر ، فو اللَّه لقد مات النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و هو على امته ساخط إلاّ الشّيعة . . . 2 .
و كيف لا يكون كما قال عليه السّلام من عدم دخول الجنّة إلاّ من عرفهم بعد عدم قبول عبادة إلاّ بولايتهم ، و عدم صحّة صلاة إلاّ بالصلاة عليهم ؟ و إن كان ابن الزّبير يترك الصلاة على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في صلاته و خطبه لبغض أهل بيته 3 .
و بدّل معاوية و باقي بني اميّة الصلاة عليهم عليهم السّلام بالسّب لهم .
و في ( مروج المسعودي ) : كان أهل حرّان قاتلهم اللَّه حين ازيل لعن
-----------
( 1 ) أوائل المقالات للمفيد : 49 ، و النقل بالمعنى .
-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 8 : 212 و 214 ح 259 و 260 بطريقين ، و الصدوق في فضائل الشيعة : 9 ح 8 بطريقين ،
و الطبري في بشارة المصطفى : 13 .
-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 79 .
[ 380 ]
أمير المؤمنين عليه السّلام عن المنابر يوم الجمعة امتنعوا عن إزالته ، و قالوا : لا صلاة إلاّ بلعن أبي تراب . و أقاموا على ذلك سنة حتّى كان من أمر المشرق و ظهور المسودة ما كان 1 .
و لعمري ، لو كنت كشقيق البلخي أو معروف الكرخي في العرفان ، و لم تعرفهم لم يعرفك اللَّه . و أما صحّة كليّة الحصر في قوله عليه السّلام : « و لا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم و أنكروه » مع دخول العاصين الّذين لا ينكرونهم النّار فيمكن أن تكون بوجوه ، أحدها : أن لا يدخلونها دخولا مخلدا ، و ثانيها : أن يكون الحصر إضافيا من حيث إنكار رجال الدّين ، و لو كان في العمل من أوّل العابدين ، و ثالثها : بأنّ من عصى اللَّه تعالى ينكرهم عليهم السّلام ، و ينكرونه لقولهم عليهم السّلام : « لا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل » 2 . و أمّا القول بعدم دخول فسّاق الشّيعة أيضا النّار ، فمخالف للقرآن و السّنّة المقطوعة .