
14
من الخطبة ( 185 ) و من خطبة له عليه السّلام تختص بذكر الملاحم :
أَلاَ بِأَبِي وَ أُمِّي هُمْ مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي اَلسَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ أَلاَ فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ وَ اِنْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ وَ اِسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ ذَاكَ حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ اَلسَّيْفِ عَلَى اَلْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ اَلدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ اَلْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ اَلْمُعْطِي ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ بَلْ مِنَ اَلنِّعْمَةِ وَ اَلنَّعِيمِ وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اِضْطِرَارٍ وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ ذَاكَ
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 3 : 245 .
-----------
( 2 ) جاءت هذه العبارة في حديث مرور الباقر عليه السّلام على اناس من الشيعة ، و مرّ تخريجه آنفا .
[ 381 ]
إِذَا عَضَّكُمُ اَلْبَلاَءُ كَمَا يَعَضُّ اَلْقَتَبُ غَارِبَ اَلْبَعِيرِ مَا أَطْوَلَ هَذَا اَلْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا اَلرَّجَاءَ أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَلْقُوا هَذِهِ اَلْأَزِمَّةَ اَلَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا اَلْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ وَ لاَ تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ وَ لاَ تَقْتَحِمُوا مَا اِسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ اَلْفِتْنَةِ وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ اَلسَّبِيلِ لَهَا فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا اَلْمُؤْمِنُ وَ يَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ اَلْمُسْلِمِ .
إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ اَلسِّرَاجِ فِي اَلظُّلْمَةِ يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا فَاسْمَعُوا أَيُّهَا اَلنَّاسُ وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا أقول : الأصل فيه ما رواه المدائني في ( صفينه ) قال : خطب عليّ عليه السّلام بعد انقضاء أمر النهروان ، فذكر طرفا من الملاحم قال : « إذا كثرت فيكم الأخلاط ،
و استولت الأنباط إلى أن قال فيابن خيرة الآباء ، متى تنتظر البشير بنصر قريب من ربّ رحيم ؟ ألا فويل للمتكبرين عند حصاد الحاصدين ، و قتل الفاسقين عصاة ذي العرش العظيم ، فبأبي و امّي من عدّة قليلة ، أسماؤهم في الأرض مجهولة ، قد دان حينئذ ظهورهم ، و لو شئت لأخبرتكم بما يأتي ،
و يكون من حوادث دهركم ، و نوائب زمانكم ، و بلايا أيّامكم و غمرات ساعاتكم ، و لكنّه أفضيه إلى من أفضيه إليه ، مخافة عليكم و نظرا لكم ، علما منّي بما هو كائن ، و ما يلقون من البلاء الشّامل ، ذاك عند تمرّد الأشرار ، و طاعة اولي الخسار ، ذاك أو ان الحتف و الدّمار ، ذاك إدبار أمركم ، و انقطاع أصلكم و تشتّت أنفسكم ، و إنّما يكون ذلك عند ظهور العصيان ، و انتشار الفسوق حيث يكون الضّرب بالسّيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال ،
حين لا تنال المعيشة إلاّ بمعصية اللَّه في سمائه ، حين تسكرون من غير شراب ، و تحلفون من غير اضطرار ، و تظلمون من غير منفعة ، و تكذبون من
[ 382 ]
غير إحراج ، تتفكّهون بالفسوق ، و تتنابزون بالمعصية ، قولكم البهتان ،
و حديثكم الزّور ، و أعمالكم الغرور . فعند ذلك لا تأمنون البيات ، فياله من بيات ما أشد ظلمته ، و من صائح ما أفظع صوته ذلك بيات لا يتمنى صاحبه صباحه . فعند ذلك تقتلون ، و بأنواع البلاء تضربون ، و بالسّيف تحصدون ،
و إلى النار تصيرون ، و يعضّكم البلاء كما يعضّ الغارب القتب . يا عجبا كلّ العجب بين جمادى و رجب ، من جمع اشتات ، و حصد نبات ، و من أصوات بعدها أصوات سبق القضاء سبق القضاء » . قال رجل من أهل البصرة لرجل من أهل الكوفة إلى جانبه : أشهد أنّه كاذب على اللَّه و رسوله . قال الكوفي : و ما يدريك ؟ قال : فو اللَّه ما نزل عليه السّلام عن المنبر حتّى فلج الرّجل ، فحمل إلى منزله في شقّ محمل ، فمات من ليلته .
نقله عن المدايني ابن أبي الحديد في موضع آخر 1 و غفل عنه هنا ، كما أنّ ابن ميثم قال عند قوله عليه السّلام : « كنتم جند المرأة . . . » : رويت الخطبة مع إضافات و هي : « هل علمت أنّ بين الّتي تسمّى البصرة و الّتي تسمّى الابلّة أربعة فراسخ ، و ستكون في الّتي تسمّى الابلّة موضع أصحاب العشور ، يقتل في ذلك الموضع من امّتي سبعون ألفا شهيدهم يومئذ بمنزلة شهداء بدر ؟
فقال له المنذر : يا أمير المؤمنين و من يقتلهم فداك أبي و امّي ؟ قال : يقتلهم إخوان الجنّ ، و هم جيل كأنّهم الشّياطين ، سود ألوانهم ، منتنة أرياحهم ، شديد كلبهم ، قليل سلبهم ، طوبى لمن قتلهم ، و طوبى لمن قتلوه ، ينفر لجهادهم في ذلك الزّمان قوم هم أذلّة عند المتكبرين من أهل ذلك الزمان ، مجهولون في الأرض ، معروفون في السّماء ، تبكي السماء عليهم و سكّانها ، و الأرض
-----------
( 1 ) رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 49 ، شرح الخطبة 69 .
[ 383 ]
و سكّانها . قال : ثم هملت عيناه بالبكاء » 1 .
قول المصنّف : « تختص بذكر الملاحم » في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 2 و لكن في ( الخطّية ) بدله : « في الملاحم » و ليس في ( المصرية ) الاولى رأسا و الثّانية أخذه من ( ابن أبي الحديد ) كما يفهم من رمزه . و الملاحم : جمع الملحمة ، و في ( الصحاح ) : الملحمة : الوقعة العظيمة في الفتنة 3 .
قوله عليه السّلام : « ألا بأبي و امّي هم من عدّة ، أسماؤهم في السّماء معروفة ،
و في الأرض مجهولة » قال ابن أبي الحديد : الإمامية تقول : المراد بالعدّة الأئمّة الأحد عشر من ولده عليه السّلام . و غيرهم يقول : إنّه عنى الأبدال الّذين هم أولياء اللَّه 4 .
قلت : ما قاله من ترهات المتصوّفة الّتي لم تشهد بها عيان ، و لا قام عليها برهان ، و نقل الخطيب عن الكتاني أحد مشايخهم أنّه قال : النقباء ثلاثمائة ،
و النّجباء سبعون ، و الأبدال أربعون ، و الأخيار تسعة ، و العمد أربعة ، و الغوث واحد . فمسكن النقباء المغرب ، و مسكن النّجباء مصر ، و مسكن الأبدال الشام ،
و الأخيار سيّاحون في الأرض ، و العمد في زوايا الأرض ، و مسكن الغوث في مكّة » 5 .
و في خبر عن الرّضا الأبدال هم الأئمّة عليهم السّلام لأنّهم بدل الأنبياء 6 .
-----------
( 1 ) هذه الخطبة نقلها ابن ميثم متفرقة في شرحه 1 : 289 ، و في مواضع اخرى ، و جمعها المجلسي في الفتن من البحار :
415 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 213 ، و شرح ابن ميثم 4 : 182 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة للجوهري 5 : 2027 مادة ( لحم ) .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 213 .
-----------
( 5 ) تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 3 : 75 .
-----------
( 6 ) الاحتجاج للطبرسي : 437 ، و النقل بالمعنى .
[ 384 ]
و الإمامية لم تقل : إنّ المراد الأئمّة عليهم السّلام معيّنا بل كلامه عليه السّلام محتمل لهم و لأصحاب القائم عليه السّلام ، بل هو الظّاهر ، لأنّ الخطبة في ذكر الملاحم ، و ما يلحق النّاس من الشّدّة ، و فيها كما عرفت الأصل : « فيابن خيرة الإماء متى تنتظر ؟
ابشر بنصر قريب من ربّ رحيم » . و فيها أيضا كما عرفت : « قد دان حينئذ ظهورهم » فإنّه ظاهر في ظهورهم دفعة ، و الأئمّة عليهم السّلام إنّما كان ظهورهم متدرّجا ، و الاثنان أو الثّلاثة منهم كانوا في زمانه عليه السّلام ، و أيضا فيها : « دنا خسوف البيداء » و خسف البيداء من علامات قيام القائم و ظهوره .
و الأئمّة عليهم السّلام لم تكن أسماؤهم في الأرض مجهولة ، بل كونهم حجج اللَّه و مفترضي الطاعة كالنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عند العامّة مجهولة ، أمّا أسماؤهم فمعروفة عندهم لا سيّما الحسنان عليهما السّلام ، فشهرة اسمهما مثله عليه السّلام ، و بعدهما الرّضا عليه السّلام ، و إنّما أسماء أصحاب القائم عليه السّلام مجهولة في الأرض حتّى عند الخاصّة ، و لكن في السماء معروفة .
روى النّعماني في ( غيبته ) عن الصّادق عليه السّلام قال : إذا قام القائم عليه السّلام نزلت سيوف القتال ، على كلّ سيف اسم الرّجل و اسم أبيه 1 .
و روى ابن بابويه في ( إكماله ) عن ابيّ بن كعب عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله خبرا في الاثني عشر ، إلى أن قال بعد ذكر الثّاني عشر : يجمع اللَّه عزّ و جلّ له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا ، و له صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم و أنسابهم و بلدانهم . . . 2 .
و قال النّعماني : جاءت الروايات بعدّتهم و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر
-----------
( 1 ) الغيبة للنعماني : 162 في صدر حديث .
-----------
( 2 ) اكمال الدين للصدوق : 268 في حديث طويل باسناده عن الحسين عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و اما ابي بن كعب فهو مخاطب النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لا راوي الحديث .
[ 385 ]
رجلا ، و أنّهم حكّام الأرض و عماله عليها ، و بهم يفتح شرق الأرض و غربها مع من يؤيّده اللَّه به من الملائكة 1 .
هذا ، و روى الكشي : أنّ أبا ذر دخل على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و معه جبرئيل عليه السّلام ،
فقال جبرئيل : من هذا يا رسول اللَّه ؟ قال : أبو ذر . قال : أما إنّه في السّماء أعرف منه في الأرض ، سله عن كلمات يقولهن إذا أصبح . فسأله النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقال : إذا أصبحت أقول : اللهم إنّي أسألك الإيمان بك ، و العافية من جميع البلايا ، و الشّكر على العافية ، و الغنى عن النّاس 2 .
« ألا فتوقّعوا ما يكون من إدبار اموركم و انقطاع وصلكم و استعمال صغاركم » قد عرفت أنّ المدائني نقل بدله : « ذاك إدبار أمركم ، و انقطاع أصلكم ، و تشتّت أنفسكم » 3 .
و كيف كان ، فحصل ما قاله عليه السّلام بعده أيّام معاوية و يزيد ، و عبد الملك و بنيه .
« ذاك حيث تكون ضربة السّيف على المؤمن أهون من الدّرهم من حلّه » قد عرفت أنّ المدائني نقل بدله : « و إنّما يكون ذلك عند ظهور العصيان ، و انتشار الفسوق حيث يكون الضرب بالسّيف أهون على المؤمن من اكتساب درهم حلال ، حين لا تنال المعيشة إلاّ بمعصية اللَّه في سمائه » 4 . و مراده عليه السّلام عدم رعاية النّاس لقوانين الإسلام .
« ذاك حيث يكون المعطى أعظم أجرا من المعطي » قال ابن أبي الحديد : لأنّ أكثر من يعطي و يتصدّق في ذلك الزّمان يكون ماله حراما ، فلا أجر له في
-----------
( 1 ) الغيبة للنعماني : 163 .
-----------
( 2 ) أخرجه الكشي في معرفة الرجال ( اختياره ) : 25 ح 49 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 50 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 4 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 50 ، شرح الخطبة 69 .
[ 386 ]
التصدّق به ، ثمّ أكثرهم يقصد الرياء و السّمعة بالصدقة أو لهوى نفسه أو لخطرة من خطراته ، و لا يفعل الحسن لأنّه حسن ، و لا الواجب لوجوبه ، فتكون اليد السّفلى خيرا من اليد العليا ، عكس ما ورد في الأثر ، و أمّا المعطى فإنّه يكون ذا عيال لا يلزمه أن يبحث عن المال : أحرام هو أم حلال ؟ فإذا أخذه ليسدّ به خلّته و يصرفه في قوت عياله ، كان أعظم أجرا ممّن أعطاه ، و خطر لي فيه معنى آخر و هو : أن يكون صاحب المال الحرام إنّما يصرفه في أكثر الأحوال و أغلبها في الفساد و ارتكاب المحظور ، كما قال : « من اكتسب مالا من منهاوش أذهبه اللَّه في منهابر » ، فإذا أخذه الفقير منه على وجه الصدقة فقد فوّت عليه صرفه في تلك القبائح 1 .
قلت : بل المراد ما يأخذه أئمة الحقّ عليهم السّلام و أتباعهم من خلفاء الجور ، فإن استيلاءهم على المال حيث كان بغير حقّ لم يكن في إعطائهم أجر ، بخلاف الّذي يأخذ نفسه حقّه و يضعه في موضعه الّذي أمره اللَّه تعالى به ، مع أنّ ما خطر له بلا معنى ، لأنّه إنّما يصدق أنّ الفقير فوّت عليه صرفه في القبيح إذا كان أخذه منه قهرا ، و الفقير بل كلّ الرّعايا لا يستطيعون ذلك .
و كيف كان ، فالفقرة ليست في رواية المدائني 2 .
« ذاك حيث تسكرون من غير شراب بل من النّعمة و النّعيم » و مرّ عن رواية المدائني : « حين تسكرون من غير شراب » 3 .
« و تحلفون من غير اضطرار » مع أنّه تعالى قال : و لا تجعلوا اللَّه عرضة لأيمانكم . . . 4 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 213 .
-----------
( 2 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 50 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 3 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 50 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 4 ) البقرة : 224 .
[ 387 ]
« و تكذبون من غير إحراج » أي : من غير إلجاء ، أو من غير أن تعدّوا كذبكم حرجا و إثما ، و قد قال تعالى : إنّما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون . . . 1 .
« ذاك إذا عضّكم » الأصل في العض : إذا أخذ بالأسنان .
« البلاء كما يعضّ القتب » بفتحتين ، و في ( الصّحاح ) : القتب : رحل صغير على قدر السنام 2 .
« غارب البعير » و في ( الصحاح ) : الغارب : ما بين السّنام إلى العنق ، و منه قولهم : حبلك على غاربك 3 .
قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام غير متّصل بما قبله . قال : « و قد ذكرنا هذه الخطبة أو أكثرها في ما تقدّم » 4 .
قلت : ذكر الخطبة عند شرح قوله عليه السّلام : « يا أهل العراق إنّما أنتم كالمرأة الحامل » و في ( 68 ) و قد نقلناها منه هنا 5 ، و يفهم منها أنّ المصنّف أسقط بين هذا و ما قبله فقرات ، و هي : « فعند ذلك لا تأمنون البيات . إلى قوله : و بأنواع البلاء تضربون ، و بالسّيف تحصدون ، و إلى النّار تصيرون » ، و لفظه بدل : « ذاك إذا عضّكم . . . » : « و يعضّكم . . . » ، إلاّ أنّ المصنّف لم يعلم أخذها من رواية المدائني ،
بدليل زيادته ما ليس في تلك و نقصه ، لكن ربط الكلام يقتضي سقوط شيء .
« ما أطول هذا العناء ، و أبعد هذا الرجاء » قال ابن أبي الحديد : هذا حكاية كلام شيعته و أصحابه 6 .
-----------
( 1 ) النحل : 105 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة للجوهري 1 : 198 مادة ( قتب ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 1 : 193 مادة ( غرب ) .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 214 .
-----------
( 5 ) يأتي في العنوان 37 من الفصل التاسع .
-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 214 .
[ 388 ]
قلت : لم يعلم ما قاله ، و أيّ مانع من أن يكون إنشاء منه عليه السّلام ؟ و الحكاية إنّما تصحّ بإسقاط القول ، و إبقاء المقول ، و لم نقف على مثله في كلامه عليه السّلام ،
و إن كان في القرآن كثيرا كقوله تعالى : يوسف أعرض عن هذا . . . 1 .
و كيف كان ، فليس هذا الكلام في رواية المدائني ، و كذا ما بعده 2 .
« أيّها النّاس ألقوا هذه الأزمّة الّتي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم » قال ابن أبي الحديد : الظّهور هنا : هي الإبل أنفسها ، و الأثقال : المآثم ، و إلقاء الأزمّة : ترك اعتماد القبيح . فهذا عمومه ، و أمّا خصوصه فتعريض بما كان عليه أصحابه من الغدر ، و مخامرة العدو عليه و إظهار الغشّ له 3 .
قلت : ما قاله من أنّ المراد بالظّهور نفس الإبل غلط ، بل المراد بها ظهور النّاس ، كما في قوله تعالى : . . . و هم يحملون أوزارهم على ظهورهم . . . 4 .
مع أنّه لو كان المراد بالظّهور الإبل ، لم تكن الأثقال بمعنى الأوزار كما قال ، بل بمعنى الأحمال ، كما في قوله تعالى : و تحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلاّ بشقّ الأنفس . . . 5 .
و إنّما تكون الأثقال بمعنى الأوزار ، إذا كان المراد بالظّهور ظهور النّاس ، كما قلنا و كما في قوله : و ليحملنّ أثقالهم و أثقالا مع أثقالهم . . . 6 .
ثمّ كأنّ في الكلام استخداما ، فظاهر ( ظهورها ) ظهور الأزمّة ، و المراد ظهور صاحبات الأزمّة ، و يمكن أن يكون الأصل في قوله : « ألقوا هذه الأزمّة
-----------
( 1 ) يوسف : 29 .
-----------
( 2 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 50 ، شرح الخطبة 69 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 214 .
-----------
( 4 ) الأنعام : 31 .
-----------
( 5 ) النحل : 7 .
-----------
( 6 ) العنكبوت : 13 .
[ 389 ]
الّتي » : « ألقوا أزمّة هذه الّتي » فيكون وقع في الكلام تقديم و تأخير ، و المراد في الجميع : لا تكونوا قائدين للجبابرة الدّاعين إلى المنكرات ، قال تعالى : و لا تركنوا إلى الّذين ظلموا فتمسّكم النّار . . . 1 .
« و لا تصدّعوا » في ( الصحاح ) : تصدع القوم : تفرّقوا .
« على سلطانكم » جعله ابن أبي الحديد تفسيرا لما قبله الّذي قال : إنّه تعريض لأصحابه في ما كانوا عليه 2 .
قلت : و حيث عرفت اشتمال الخطبة على ذكر القائم عليه السّلام يمكن أن يكون المراد : النّهي عن القيام على سلاطين الجور ما لم تكن دولة أئمّة الحق ، فكان أئمّتنا عليهم السّلام ينهون أصحابهم عن الخروج على سلطان وقتهم قبل قيام قائمهم عليه السّلام .
« فتذمّوا غبّ فعالكم » أي : عاقبة عملكم ، فكان الطّالبيون يخرجون على ملوك بني اميّة و بني العبّاس ، و يعاونهم الشّيعة رجاء أن يحصل لهم فرج ،
لكن كان بالعكس يصير الأمر عليهم أشدّ ، كما في خروج زيد بن عليّ على هشام بن عبد الملك ، و ابنه يحيى على الوليد بن يزيد ، و محمّد و إبراهيم ابني عبد اللَّه المحض على المنصور .
« و لا تفتحموا » في ( الصحاح ) : قحم في الأمر قحوما : رمى بنفسه فيه من غير رويه 3 .
« ما استقبلتم من فور » في ( الصحاح ) : فارت القدر تفور فورا و فورانا : جاشت ، و منه قولهم : ذهبت في حاجة فلان ثمّ أتيت فلانا
-----------
( 1 ) هود : 113 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 214 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 5 : 2006 مادة ( قحم ) .
[ 390 ]
من فوري . أي : قبل أن أسكن 1 .
« نار الفتنة » فإنّ استقبال فوران نارها يوجب إحراقكم و إهلاككم .
« و أميطوا » في ( الصحاح ) : حكى أبو عبيد : مطت عنه و أمطت ، إذا تنحيت عنه 2 .
« عن سننها » أي : وجهها ، و يجوز في سين السّنن الضّم و الفتح و الكسر .
« و خلّوا قصد السّبيل لها » الظّاهر أنّ المعنى : خلّوا سبيلا تقصده نار الفتنة لها ، فيكون من إضافة الصّفة إلى الموصوف ، مع كون المصدر بمعنى المفعول .
« فقد لعمري يهلك في لهبها » لهب النّار : لسانها .
« المؤمن و يسلم فيها غير المسلم » لأنّ المؤمن يريد أن يطفىء نار الفتنة ،
و لا يقدر عليه لشدّتها ، و هي تحرقه بتعرّضه لها ، و غير المسلم لا يقوم في قبالها فيسلم ، و كان في زمان خلفاء الجور الفجرة و الكفرة في أمان ، و المؤمن المخلص في الخوف و الفزع ، كما أنّ في زمان معاوية من نسب إليه التّشيّع يؤاخذوه ، و من تحقّق إلحاده لم يتعرّض له أحد .
« إنّما مثلي بينكم كمثل السّراج في الظّلمة » و فسّر قوله تعالى : . . . إنّما أنت منذر و لكلّ قوم هاد 3 به عليه السّلام 4 .
« ليستضىء » هكذا في ( المصرية ) ، و الصّواب : ( يستضيء ) كما في ( ابن
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 2 : 783 مادة ( فور ) .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 3 : 1162 مادة ( ميط ) .
-----------
( 3 ) الرعد : 7 .
-----------
( 4 ) رواه عاصم بن حميد في أصله : 41 ، و الصفار بطرق في البصائر : 49 51 ح 2 9 ، و الفرات في تفسيره : 76 ،
و القمي في تفسيره 1 : 359 ، و الصدوق في كمال الدين : 667 ح 10 ، و النعماني في الغيبة : 69 ، و ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة و الديلمي و ابن النجار و الضياء في المختارة ، عنهم الدر المنثور 4 : 45 و غيرهم .
[ 391 ]
أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 1 و لأنّه لا مورد للام هنا .
« به من ولجها » أي : دخل الظّلمة .
« فاسمعوا أيّها النّاس وعوا » اي : اجعلوا آذانكم كالوعاء لمقالي .
« و احضروا » من باب الافعال .
« آذان قلوبكم تفهموا » لأنّ آذان الرؤوس بدون آذان القلوب بلا فائدة .