15

من الخطبة ( 187 ) وَ اَلْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا اَلْأَوَّلِ مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ اَلْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ اَلْإِمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا لاَ يَقَعُ اِسْمُ اَلْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِمَعْرِفَةِ اَلْحُجَّةِ فِي اَلْأَرْضِ فَمَنْ عَرَفَهَا وَ أَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ وَ لاَ يَقَعُ اِسْمُ اَلاِسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ اَلْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لاَ يَحْمِلُهُ إِلاَّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ اِمْتَحَنَ اَللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَ لاَ يَعِي حَدِيثَنَا إِلاَّ صُدُورٌ أَمِينَةٌ وَ أَحْلاَمٌ رَزِينَةٌ « و الهجرة قائمة على حدّها الأوّل » قال ابن أبي الحديد : هذا كلام يختصّ بأمير المؤمنين عليه السّلام ، و هو من أسرار الوصيّة ، لأنّ النّاس يروون عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّه قال : « لا هجرة بعد الفتح » 2 ، فشفّع عمّه العبّاس في نعيم ابن مسعود الأشجعي أن يستثنيه ، فاستثناه . و هذه الهجرة الّتي يشير إليها أمير المؤمنين عليه السّلام ليست تلك الهجرة ، بل هي الهجرة إلى الإمام ، قال : « إنّها قائمة

-----------
( 1 ) يوجد اللام في شرح ابن أبي الحديد 3 : 213 ، و شرح ابن ميثم 4 : 183 أيضا .

-----------
( 2 ) أخرجه البخاري في صحيحه 2 : 134 ، و مسلم في صحيحه 3 : 1489 ح 85 ، و الترمذي في سننه 4 : 148 ، ح 1590 و الدارمي في سننه 2 : 239 ، و غيرهم ، عن ابن عباس و في الباب عن مجاشع بن مسعود و أبي سعيد و عبد اللَّه ابني عمرو و عمر و صفوان بن امية و عائشة و عبد اللَّه بن حبشي .

[ 392 ]

على حدّها الأوّل » ما دام التّكليف باقيا 1 .

قلت : ما قاله صواب ، إلاّ أنّه لا منافاة بين كلامه عليه السّلام و الرواية عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، لأنّ مراد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بقوله : « لا هجرة بعد الفتح » انتفاء الموضوع بالنّسبة إلى مكّة ، لأنّ مكّة بعد فتحها صارت كالمدينة يعبد اللَّه فيها جهرة ،

فعدم الهجرة منها لا ينافي الهجرة من ساير بلاد الكفر فرضا ، و إنّما قال عليه السّلام ذلك مقدّمة لغرضه ، من كون الهجرة إلى الإمام كالهجرة إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و إلاّ ففي عصره عليه السّلام و إن كان الإسلام فتح الأرض شرقا و غربا ، إلاّ أنّه لمّا كان رجال قاموا على خلافه من يوم وفاة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى آخر عمره عليه السّلام ، صار الأمر مثل أوّل الإسلام .

« ما كان للَّه في أهل الأرض حاجة » قال ابن أبي الحديد : أي ما دام التّكليف باقيا . قال : و قال الرّاوندي : ( ما ) هاهنا نافية ، أي : لم يكن للَّه في أهل الأرض من حاجة ، و هذا ليس بصحيح ، لأنّه إدخال كلام منقطع بين كلامين يتّصل أحدهما بالآخر 2 .

و قال ابن ميثم : غير بعيد أن تكون نافية مع اتّصال الكلام بما قبله ،

و وجهه أنّه لمّا رغّب النّاس في طلب الدّين و العبادة ، فكأنّه أراد أن يرفع حكم الوهم ، بما عساه يحكم به عند تكرار طلب اللَّه للدّين و العبادة من حاجته تعالى إليها من خلقه ، حيث كرّر طلبه منهم بتواتر الرّسل و الأوامر الشرعية ،

و يصير معنى الكلام : أنّ الهجرة باقية على حدّها الأوّل في صدقها على المسافرين لطلب الدّين ، فينبغي للنّاس أن يهاجروا في طلبه إلى أئمّة الحق ،

و ليس ذلك لأنّ للَّه تعالى إلى أهل الأرض ممّن أسرّ دينه أو أظهره حاجة ، فإنّه

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 216 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 216 ، و شرح الراوندي 2 : 445 .

[ 393 ]

تعالى الغني المطلق 1 .

قلت : الإنصاف أنّه لا مناسبة هنا ل ( ما ) النّافية ، و ليس المحلّ محلّ التّوهم حتّى يحتاج إلى الدّفع ، فإنّه لو كان قوله عليه السّلام : « الهجرة قائمة على حدّها الأوّل » موهما لاحتياجه تعالى ، كان بيان كلّ حكم من أحكام الشّريعة كذلك ، و إنّما لدفع التوهّم موضع ، كقوله تعالى : . . . تخرج بيضاء من غير سوء . . . 2 .

و كقول الشاعر :

فسقى ديارك غير مفسدها
صوب الرّبيع و ديمة تهمي

ثمّ الغريب أنّ الخوئي 3 تبع ابن ميثم في كون ( ما ) نافية ، و لكن نسب إلى ابن ميثم جعله ( ما ) مصدرية ، مثل ابن أبي الحديد .

« من مستسرّ الامّة و معلنها » قال ابن أبي الحديد : ( من ) زائدة من قولك : ما جاءني من أحد 4 .

قلت : يشترط في زيادة ( من ) تقدّم نفي أو شبهه ، و كون مدخولها نكرة كما في ما مثّل به ، و الأمران مفقودان في كلامه عليه السّلام ، و الصّواب كون ( من ) لبيان الجنس ، كما نقله ابن ميثم عن الرّاوندي بكونها بيان ( أهل الأرض ) 5 .

« لا يقع اسم الهجرة على أحد إلاّ بمعرفة الحجّة في الأرض ، فمن عرفها و أقرّ بها فهو مهاجر » كأنّه بيان لمعنى الهجرة الحقيقيّة ، فإنّ الأشياء لها ظواهر و حقايق ،

و الأصل الثاني لعدم ترتّب الثّمرة إلاّ عليها ، فيمكن أن يهاجر إنسان إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و يكون منافقا ، كما في كثير ممّن هاجر مع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و ممّن هاجر

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 4 : 196 .

-----------
( 2 ) القصص : 32 .

-----------
( 3 ) شرح الخوئي 5 : 186 ، 187 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 216 .

-----------
( 5 ) شرح ابن ميثم 4 : 196 ، و شرح الراوندي 2 : 445 .

[ 394 ]

إليه ، و منهم المغيرة بن شعبة الّذي كفّ زيادا عن الشّهادة على زناه ، بأنّه يرى وجه رجل لا يخزى على لسانه أحد من المهاجرين ، و اعتذر عثمان عن تولية أخيه لامّه الوليد بن عقبة الّذي سماه اللَّه تعالى فاسقا في القرآن باستعمال عمر للمغيرة ، و صرّح عبد الرّحمن بن عوف حكم عمر في الشورى لما اختار عثمان ، و قال له المغيرة : « لو اخترت غيره لم نرض به » بأنّه منافق . فقال له : لو كنت اخترت غيره أيضا كنت تقول له ذلك .

كما يمكن أن يكون الباقي في بلده مجدّا في طاعة اللَّه تعالى و طاعة رسوله صلّى اللَّه عليه و آله ، فيكون أفضل من المهاجرين ، كما في اويس القرني الذّي قال فيه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ما قال 1 .

و روى محمّد بن سعد كاتب الواقدي في ( طبقاته ) : أنّه قدم ثلاثة نفر من بني عبس على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقالوا : إنّه قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنّه : « لا إسلام لمن لا هجرة له » و لنا أموال و مواش هي معاشنا ، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له ، بعناها و هاجرنا ؟ فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : اتّقوا اللَّه حيث كنتم ، فلن يلتكم من أعمالكم شيئا ، و لو كنتم بصمد و جازان 2 .

و في خبر : المهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه 3 .

و يشهد لقوله عليه السّلام : إنّ الأصل في الإسلام و هجرته معرفة الحجّة ما تواتر عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله أنّه قال : الأئمّة اثنا عشر من قريش 4 . و لا ينطبق ذلك إلاّ على مذهب الإمامية ، و أمّا العامّة فحيارى في تفسير كلامه صلّى اللَّه عليه و آله كما لا يخفى

-----------
( 1 ) جاءت عدّة أحاديث في فضائل اويس القرني ، منها ما أخرجه مسلم في صحيحه 4 : 1968 ح 223 225 ، و جمع بعض طرقه السيوطي في الجامع الصغير 2 : 36 ، و المتقي في منتخب كنز العمال 5 : 289 .

-----------
( 2 ) الطبقات لابن سعد 1 ق 2 : 42 .

-----------
( 3 ) صحيح البخاري 1 : 11 و 4 : 127 بأربعة طرق ، و غيره .

-----------
( 4 ) حديث جابر بن سمرة مرّ تخريجه في أواخر العنوان 8 من هذا الفصل .

[ 395 ]

على من راجع ( خلفاء السّيوطي ) فيه 1 .

مع أنّه روى جمع من العامّة أسماء الأئمّة عليهم السّلام بأعيانهم ، روى أخطب خوارزم منهم في كتابه مسندا عن أبي سلمى راعي النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : ليلة اسري بي إلى السماء قال لي الجليل جلّ و علا :

آمن الرّسول بما انزل إليه من ربّه 2 فقلت : « و المؤمنون » قال : صدقت يا محمّد ، من خلّفت في امّتك ؟ قلت : خيرها . قال : عليّ بن أبي طالب ؟ قلت : نعم يا ربّ . قال : يا محمّد إنّي اطّلعت إلى الأرض اطلاعة ، فاخترتك منها ، فشققت لك اسما من أسمائي ، فلا اذكر في موضع إلاّ ذكرت معي ، فأنا المحمود و أنت محمّد . ثمّ اطّلعت الثّانية فاخترت عليّا ، و شققت له اسما من أسمائي ، فأنا الأعلى و هو عليّ . يا محمّد إنّي خلقتك و خلقت عليّا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمّة من ولده من سنخ نور من نوري ، و عرضت ولايتكم على أهل السماوات و أهل الأرض ، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين ، و من جحدها كان عندي من الكافرين ، يا محمّد لو أنّ عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشنّ البالي ، ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له ، حتّى يقرّ بولايتكم .

يا محمّد أتحبّ أن تراهم ؟ قلت : نعم يا ربّ . فقال لي : التفت عن يمين العرش .

فالتفتّ فإذا أنا بعليّ ، و فاطمة ، و الحسن ، و الحسين ، و عليّ بن الحسين ، و محمّد بن عليّ ، و جعفر بن محمّد ، و موسى بن جعفر ، و عليّ بن موسى ، و محمّد بن عليّ ، و عليّ بن محمّد ، و الحسن بن عليّ ، و المهديّ في ضحضاح من نور قيام يصلّون ، و هو في وسطهم يعني المهدي كأنّه كوكب درّي . قال : يا محمّد هؤلاء الحجج ، و هو الثائر من عترتك ، و عزّتي و جلالي إنّه الحجّة الواجبة

-----------
( 1 ) نقل السيوطي بعض أقوال أهل السّنة في ذلك في تاريخ الخلفاء 9 12 ، و قد مرّ في العنوان 1 من هذا الفصل .

-----------
( 2 ) البقرة : 285 .

[ 396 ]

لأوليائي ، و المنتقم من أعدائي 1 .

و روى أيضا مسندا عن الحارث و سعد بن بشير عن عليّ عليه السّلام قال : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : أنا واردكم على الحوض ، و أنت يا عليّ السّاقي ، و الحسن الرائد ،

و الحسين الآمر ، و عليّ بن الحسين الفارط ، و محمّد بن عليّ الناشر ، و جعفر بن محمّد السائق ، و موسى بن جعفر محصي المحبّين و المبغضين و قامع المنافقين ، و عليّ بن موسى مزيّن المؤمنين ، و محمّد بن عليّ منزل أهل الجنّة درجاتهم ، و عليّ بن محمّد خطيب شيعته و مزوّجهم من الحور العين ،

و الحسن بن عليّ سراج أهل الجنّة يستضيئون به ، و المهديّ شفيعهم يوم القيامة ، حيث لا يأذن اللَّه إلاّ لمن يشاء و يرضى 2 .

و روى مسندا عن سلمان قال : دخلت على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و إذا الحسين على فخذه ، و هو يقبّل عينيه ، و يلثم فاه ، و يقول : إنّك سيّد ابن سيّد أبو سادة ، إنّك إمام ابن إمام أبو أئمّة ، إنّك حجّة ابن حجّة أبو حجج تسعة من صلبك ، تاسعهم قائمهم 3 .

هذا ثمّ الّذي وجدنا في النّسخ 4 : « فمن عرفها و أقرّ بها » و الضميران راجعان إلى « الحجّة في الأرض » و الحجّة في الأرض شخص لا معنى كقوله تعالى : . . . حجّتهم داحضة . . . 5 . فالظّاهر كون الأصل : ( فمن عرفه و أقرّ به ) و صحّف في النّسخ الأوّلية .

-----------
( 1 ) أخرجه أخطب خوارزم في مقتل الحسين 1 : 95 ، و الطوسي في الغيبة : 95 .

-----------
( 2 ) مقتل الحسين لأخطب خوارزم 1 : 94 .

-----------
( 3 ) أخرجه أخطب خوارزم في مقتل الحسين 1 : 145 ، و الصدوق في كمال الدين : 262 ح 9 ، و عيون الأخبار 1 : 41 ح 17 و الخصال : 475 ح 38 ، و الخزاز في كفاية الأثر : 45 .

-----------
( 4 ) كذا في نهج البلاغة 2 : 129 ، و شرح ابن أبي الحديد 3 : 213 ، و شرح ابن ميثم 4 : 192 .

-----------
( 5 ) الشورى : 16 .

[ 397 ]

« و لا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجّة » الظّاهر أنّ الحجّة هنا بمعنى البرهان ، و البيّنة فيصح تأنيث مسنده قبله ، و إرجاع ضمير المؤنث إليها بعده بخلاف سابقها ، و لعل الحجّة هنا صارت لتوهم اتحاد المراد منها مع الحجّة ثمة .

« فسمعتها اذنه و وعاها قلبه » قال الرّاوندي كما نقل ابن أبي الحديد و ابن ميثم : و يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى آيتين ، إحداهما : إن الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها فاولئك مأواهم جهنّم . . . 1 ، فيكون مراده على هذا : أنّه لا يقع اسم الاستضعاف على من عرف الامام و بلغته أحكامه و وعاها قلبه ، إن بقي في وطنه و لم يتجشم السّفر إلى الامام ، كما لم يصدق على هؤلاء المذكورين في الآية . و الثانية : قوله تعالى بعد ذلك : إلاّ المستضعفين من الرّجال و النساء و الولدان لا يستطيعون حيلة و لا يهتدون سبيلا . فاولئك عسى اللَّه أن يعفو عنهم . . . 2 ، فالمراد على هذا : أنّه ليس من عرف الامام و بلغه خبره بمستضعف ، كهؤلاء الّذين استثناهم من الظّالمين 3 .

قلت : الصّواب كونه إشارة إلى الآيتين ، لأنّ معنى كلامه عليه السّلام : أنّ من بلغته الحجّة و سمعها و وعاها ليس بمستضعف ، حتّى يمكن شمول العفو له ،

فليس بمعذور ، و قد قال عترته عليهم السّلام : إنّ المستضعف من لم يتميّز بين الحقّ و الباطل كبعض النّساء ، و كثير من العبيد و الإماء ، و مثل البلهاء 4 .

-----------
( 1 ) النساء : 97 .

-----------
( 2 ) النساء : 98 99 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 216 ، و شرح ابن ميثم 4 : 197 ، و شرح الراوندي 2 : 445 ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 4 ) الكافي للكليني 2 : 404 406 ح 1 12 و غيره .

[ 398 ]

« إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحمله إلاّ عبد مؤمن » هكذا في ( ابن أبي الحديد ) و ( المصرية ) 1 ، و ليست كلمة « مؤمن » في ( ابن ميثم و الخطّية ) 2 .

« امتحن اللَّه قلبه للإيمان » قال ابن أبي الحديد : و هذه الكلمة قد قالها عليه السّلام مرارا ، و وقفت في بعض الكتب على خطبة من جملتها : إنّ قريشا طلبت السّعادة فشقيت ، و طلبت النّجاة فهلكت ، و طلبت الهدى فضلّت ، ألم يسمعوا و يحهم قوله تعالى : و الّذين آمنوا و اتّبعتهم ذرّيتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرّيتهم . . . 3 ؟ فأين المعدل و المنزع عن ذرّية الرّسول الّذين شيّد اللَّه بنيانهم فوق بينانهم ، و أعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم ، و اختارهم عليهم ؟ ألا إنّ الذّريّة أفنان أنا شجرتها ، و دوحة أنا ساقها ، و إنّي من أحمد بمنزلة الضوء من الضوء ، كنّا ظلالا تحت العرش قبل خلق البشر ، و قبل خلق الطّينة الّتي كان منها البشر أشباحا عالية لا أجساما نامية ، إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يعرف كنهه إلا الثّلاثة : ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد امتحن اللَّه قلبه للإيمان . فإذا انكشف لكم سرّ و وضح لكم أمر فاقبلوه ، و إلاّ فاسكتوا تسلموا ،

و ردّوا علمنا إلى اللَّه ، فإنّكم في أوسع ممّا بين السّماء و الأرض 4 .

قلت : إنّه أقرّ أنّه عليه السّلام قال هذه الكلمة مرارا ، و روى كلامه هذا ، و يعترف بتواتر الخبر عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « إنّ عليّا مع الحقّ ، و الحقّ مع عليّ يدور حيثما دار » 5 . و اقتصر من ( حمل أمرهم عليهم السّلام ) على مجرّد اللّفظ ، حيث شارك

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 213 .

-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن ميثم 4 : 193 مثل المصرية أيضا .

-----------
( 3 ) الطور : 21 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 217 .

-----------
( 5 ) أخرجه ابن عساكر في تأريخه عنه ذيل ترجمة علي عليه السّلام 3 : 156 ، و البزار في مسنده عنه مجمع الزوائد 7 : 236 ،

و ابن مردويه في مناقبه عنه احقاق الحق 5 : 631 ، بفرق بين الألفاظ و في الباب عن علي عليه السّلام و امّ سلمة .

[ 399 ]

بينه عليه السّلام و بين المتقدّمين عليه ، و لم يحمل أمرهم عليهم السّلام على الحقيقة إلاّ الإمامية ، فإنّهم قالوا كما صرّح به في ( اعتقادات الصّدوق ) : « إنّهم اولو الأمر الذين أمر اللَّه بطاعتهم ، و إنّهم شهداء على النّاس ، و إنّهم أبواب اللَّه و السّبيل إليه و الأدلة عليه ، و إنّهم عيبة علمه و تراجمة وحيه و أركان توحيده ، و إنّهم معصومون من الخطأ و الزّلل ، و إنّهم الّذين أذهب اللَّه عنهم الرّجس و طهّرهم تطهيرا ، و إنّ لهم المعجزات و الدلائل ، و إنّهم أمان لأهل الأرض كما أنّ النّجوم أمان لأهل السّماء ، و مثلهم في هذه الامّة كسفينة نوح من ركبها نجا ، و كباب حطّة ، و إنّهم عباد اللَّه المكرمون الّذين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون 1 ، و نعتقد أنّ حبّهم إيمان و بغضهم كفر ، و أنّ أمرهم أمر اللَّه ،

و نهيهم نهي اللَّه ، و طاعتهم طاعة اللَّه ، و معصيتهم معصية اللَّه ، و وليّهم وليّ اللَّه ،

و عدوّهم عدوّ اللَّه ، و نعتقد أنّ الأرض لا تخلو من حجّة اللَّه على خلقه إمّا ظاهرا أو خائفا مغمورا » 2 .

قال الخوئي في بعض النّسخ : « لا يتحمله إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان » 3 .

قلت : ما ذكره كلامه عليه السّلام في غير النّهج ، و لو كان فيه لنقله ابن أبي الحديد أو ابن ميثم ، و لا بدّ أنّه كان حاشية خلطته تلك النّسخة بالمتن ، و يشهد لكونه من كلامه عليه السّلام غير ما نقله ابن أبي الحديد عن بعض الكتب ما رواه الصّدوق مسندا عن سدير : أنّه سأل الصّادق عليه السّلام عن قول أمير المؤمنين عليه السّلام :

« إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يقرّ به إلاّ ملك مقرّب أو نبيّ مرسل أو عبد

-----------
( 1 ) الأنبياء : 27 .

-----------
( 2 ) الاعتقادات للصدوق : 36 .

-----------
( 3 ) شرح الخوئي 5 : 189 .

[ 400 ]

امتحن اللَّه قلبه للايمان » . فقال عليه السّلام : إنّ في الملائكة مقرّبين و غير مقرّبين ،

و من الأنبياء مرسلين و غير مرسلين ، و من المؤمنين ممتحنين و غير ممتحنين ، فعرض أمركم هذا على الملائكة ، فلم يقرّ به إلاّ المقرّبون ، و عرض على الأنبياء ، فلم يقرّ به إلاّ المرسلون ، و عرض على المؤمنين ، فلم يقرّ به إلاّ الممتحنون 1 .

و عن كتاب ( اللبيات ) لابن شريعة الواسطي يرفعه إلى ميثم التمّار قال :

بينا أنا في السّوق إذا أتى أصبغ بن نباتة فقال : و يحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين عليه السّلام حديثا صعبا شديدا . قلت : و ما هو ؟ قال : سمعته يقول : إنّ حديث أهل البيت صعب مستصعب ، لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ،

أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان . قال : فقمت من فورتي فأتيت عليّا عليه السّلام فقلت : حديث حدّثني به أصبغ عنك قد ضقت به ذرعا . فقال : ما هو ؟ فأخبرته ،

فتبسّم ثمّ قال : اجلس يا ميثم ، أو كلّ علم يحتمله عالم ؟ إنّ اللَّه تعالى قال للملائكة : . . . إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدّماء و نحن نسبّح بحمدك و نقدّس لك قال إنّي أعلم ما لا تعلمون 2 فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم ؟ قلت : و إنّ هذا أعظم من هذا . قال : و الاخرى أنّ موسى بن عمران أنزل اللَّه عليه التّوراة ، فظنّ أن لا أحد أعلم منه ، فأخبره أنّ في خلقه أعلم منه ، و ذلك إذ خاف على نبيّه العجب ، فدعا ربّه أن يرشده إلى العالم ، فجمع اللَّه بينه و بين الخضر ، فخرق السّفينة فلم يحتمل ذلك موسى ،

و قتل الغلام فلم يحتمله ، و أقام الجدار فلم يحتمله ، و أمّا المؤمنون فإنّ نبيّنا يوم غدير خم أخذ بيدي ، فقال : « اللّهمّ من كنت مولاه فعليّ مولاه » فهل رأيت

-----------
( 1 ) معاني الأخبار للصدوق : 407 ح 83 ، البصائر للصفار : 46 ح 1 ، و شرح ابن أبي الحديد 3 : 217 .

-----------
( 2 ) البقرة : 30 .

[ 401 ]

أحدا احتمل ذلك إلاّ من عصم اللَّه ؟ فابشروا ، ثمّ ابشروا ، فقد خصّكم اللَّه بما لم يخصّ به الملائكة ، و النّبيّين ، و المرسلين في أمر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و علمه ، فحدّثوا عن فضلنا و لا حرج ، و عن عظيم أمرنا و لا إثم . ثمّ قال عليه السّلام : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله :

امرنا معاشر الأنبياء أن نخاطب الناس على قدر عقولهم 1 .

« و لا يعي » أي : لا يستمع .

« حديثنا إلاّ صدور أمينة » لا كلّ صدر .

« و أحلام » أي : عقول .

« رزينة » أي : رفيعة لا كلّ حلم ، و في الخبر : أتى الحسين عليه السّلام اناس فقالوا له : يا أبا عبد اللَّه حدّثنا بفضلكم الّذي جعل اللَّه لكم . فقال : إنّكم لا تحتملونه و لا تطيقونه . قالوا : بلى نحتمل . قال : إن كنتم صادقين فليتنحّ اثنان ، و احدّث واحدا ،

فإن احتمله حدّثتكم . فتنحّى اثنان و حدّث واحدا . قال : فقام طائر العقل و مرّ على وجهه ، و كلّمه صاحباه ، فلم يردّ عليهما شيئا ، و انصرفوا 2 .

أيضا في الخبر : دخل زرارة على الباقر عليه السّلام ، فسأله عمّا عنده من أحاديث الشيعة ، فقال زرارة : قد هممت أن أوقد لها نارا ثمّ أحرقها . قال : و لم ؟

هات ما أنكرت منها ، ما كان علم الملائكة حيث قالوا : . . . أتجعل فيها من يفسد فيها و يسفك الدّماء . . . 3 .

هذا ، و روى الكشي عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، قال : إن علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ، و قد آخى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله بينهما فما ظنّك بسائر الخلق 4 ؟

-----------
( 1 ) رواه ابن شريعة في اللبيات عنه بحار الأنوار 25 : 383 ح 38 ، و الفرات الكوفي في تفسيره : 6 ، و الطبري في بشارة المصطفى : 148 .

-----------
( 2 ) أخرجه الراوندي في الخرائج عنه البحار 25 : 378 ح 26 .

-----------
( 3 ) أخرجه العياشي في تفسيره 1 : 31 ح 9 و النقل بتلخيص . و الآية 30 من سورة البقرة .

-----------
( 4 ) رواه الكشي في معرفة الرجال ( اختياره ) : 17 ح 40 .

[ 402 ]

و عن الباقر عليه السّلام قال : دخل أبو ذر على سلمان و هو يطبخ قدرا له ، فبينا هما يتحدّثان إذ انكبت القدر على وجهها على الأرض ، فلم يسقط من مرقها و لا من ودكها شي‏ء ، فعجب من ذلك أبو ذر عجبا شديدا ، و أخذ سلمان القدر فوضعها على حالها الأوّل على النّار ثانية و أقبلا يتحدّثان ، فبينا هما كذلك إذا انكبّت القدر على وجهها ، فلم يسقط منها شي‏ء من مرقها و لا من ودكها ، فخرج أبو ذر و هو مذعور من عند سلمان ، فبينا هو متفكّر إذ لقي أمير المؤمنين عليه السّلام على الباب ، فلمّا أن بصر به أمير المؤمنين عليه السّلام قال له : يا أبا ذر ما الّذي أخرجك من عند سلمان ، و ما الّذي أذعرك ؟ قال له أبو ذر : يا أمير المؤمنين رأيت سلمان صنع كذا و كذا فعجبت من ذلك فقال أمير المؤمنين عليه السّلام : يا أبا ذر ، إنّ سلمان لو حدّثك بما يعلم لقلت : رحم اللَّه قاتل سلمان . . . 1 .

هذا ، و ممّا ينسلك في الباب من الهزل ما رواه ( الأغاني ) : أنّ رجلا شهد عند قاض بشهادة ، فقيل له : من يعرفك ؟ قال ابن أبي عتيق . فبعث إليه يسأله عنه ، فقال : عدل رضي . فقيل له : أكنت تعرفه قبل اليوم ؟ قال : لا ، و لكنّي سمعته ينشد :

غيّضن من عبراتهن و قلن له
ماذا لقيت من الهوى و لقينا

فعلمت أنّ هذا لا يرسخ إلاّ في قلب مؤمن ، فشهدت له بالعدالة 2 .