16

من الخطبة ( 231 ) و من كلام له عليه السّلام :

أَلاَ وَ إِنَّ اَللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ اَلْإِنْسَانِ فَلاَ يُسْعِدُهُ اَلْقَوْلُ إِذَا اِمْتَنَعَ وَ لاَ

-----------
( 1 ) رواه الكشي في معرفة الرجال ( اختياره ) : 14 ح 33 .

-----------
( 2 ) لم أجده في الأغاني .

[ 403 ]

يُمْهِلُهُ اَلنُّطْقُ إِذَا اِتَّسَعَ وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ اَلْكَلاَمِ وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ قال ابن أبي الحديد : قال عليه السّلام ذلك في واقعة اقتضت أن يقوله ، و ذلك أنّه أمر ابن اخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب النّاس يوما ، فصعد المنبر فحصر ، و لم يستطع الكلام ، فقام أمير المؤمنين عليه السّلام ، فتسنّم ذروة المنبر ،

و خطب خطبة طويلة ذكر الرّضي رحمه اللَّه منها هذه الكلمات . و قال الجاحظ في كتاب ( البيان و التّبيين ) : إن عثمان صعد المنبر ، فارتج عليه فقال : إنّ أبا بكر و عمر كانا يعدان لهذا المقام مقالا ، و أنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب 1 .

قلت : كان عثمان في فعاله أكثر ارتجاجا منه في مقاله ، و كان عبد اللَّه بن عامر أحسن منه في اعتذاره ، خطب يوم أضحى فارتج عليه ، فقال : لا أجمع عليكم عيّا و لؤما ، من أخذ شاة من السوق فهي له و ثمنها عليّ .

قال ابن أبي الحديد أيضا : قال المدائني : لمّا حصر عبد اللَّه بن عامر بن كريز على المنبر بالبصرة و كان خطيبا ، شقّ عليه ذلك ، فقال له زياد بن أبيه و كان خليفته : أيّها الأمير لا تجزع ، فلو أقمت على المنبر عامّة من ترى أصابهم أكثر ممّا أصابك . فلمّا كانت الجمعة تأخّر عبد اللَّه بن عامر ، و قال زياد للنّاس : إنّ الأمير اليوم موعوك . فقيل لرجل من وجوه امراء القبائل : قم فاصعد المنبر . فلمّا صعد ، حصر فقال : الحمد للَّه الّذي يرزق هؤلاء . و بقي ساكتا فأنزلوه ، و أصعدوا آخر من الوجوه ، فلمّا استوى قائما قابل بوجهه النّاس ،

فوقعت عينه على صلعة رجل ، فقال : أيّها النّاس ، إنّ هذا الأصلع قد منعني الكلام ، اللهمّ فالعن هذه الصّلعة . فأنزلوه ، و قالوا لوازع اليشكري : قم إلى المنبر

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 184 .

[ 404 ]

فتكلّم . فلمّا صعد و رأى النّاس ، قال : أيّها النّاس إنّي كنت اليوم كارها لحضور الجمعة ، و لكن امرأتي حملتني على إتيانها ، و أنا أشهدكم أنّها طالق ثلاثا .

فأنزلوه . فقال زياد لعبد اللَّه بن عامر : كيف رأيت ؟ قم الآن فاخطب 1 .

و قال الجاحظ : قال المدائني : خطب مروان بن الحكم فحصر ، فقال : اللّهمّ إنّا نحمدك ، و نستعينك و نشكرك بك 2 .

قلت : الّذي وجدت في ( بيان الجاحظ ) : و خطب أمير المؤمنين الموالي و هكذا لقبه خطبة نكاح فحصر ، فقال : « اللهمّ إنّا نحمدك و نستعينك ، و لا نشكرك » 3 ، لا مروان بن الحكم كما قال .

و في ( الطبري ) : كان ثابت بن قطنة خليفة عامل خراسان فحصر ، فقال :

من يطع اللَّه و رسوله فقد ضلّ . و ارتجّ عليه فلم ينطق بكلمة ، فلمّا نزل عن المنبر ، قال :

فإن لم أكن يوما خطيبا فإنّني
بسيفي إذا جدّ الوغى لخطيب

فقيل له : لو قلت هذا على المنبر لكنت خطيبا . فقال حاجب الفيل اليشكري يعيّره حصره :

أبا العلاء لقد لا قيت معضلة
يوم العروبة من كرب و تخنيق

تلوى اللسان إذا رمت الكلام به
كما هوى زلق من شاهق النيق

لمّا رمتك عيون النّاس ضاحية
أنشأت تحرض لمّا قمت بالرّيق

أما القران فلا تهدى لمحكمة
من القران و لا تهدى لتوفيق 4

و في ( عيون ابن قتيبة ) : ولّي رجل من بني هاشم يعرف بالدّندان بحر

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 185 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 185 .

-----------
( 3 ) البيان و التبيين للجاحظ 2 : 273 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 5 : 386 سنة 106 .

[ 405 ]

اليمامة ، فلمّا صعد المنبر ، ارتج عليه فقال : حيّا اللَّه هذه الوجوه ، و جعلني فداها ،

إنّي قد أمرت طائفي بالليل أن لا يرى أحدا إلاّ أتاني به ، و إن كنت أنا هو . ثمّ نزل 1 .

و قال ابن أبي الحديد : قال الجاحظ : خطب السّفاح أوّل يوم صعد فيه المنبر . فارتج عليه ، فقال عمّه داود بن عليّ : أيّها النّاس إنّ أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فيكم فعله ، و لأثر الأفعال أجدى عليكم من تشقيق المقال ،

و حسبكم كتاب اللَّه علما فيكم ، و ابن عمّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله خليفته عليكم 2 .

قلت : و قال المسعودي : كان المعتضد في سنة تسع و سبعين و مائتين ركب يوم الفطر إلى مصلّى اتّخذه بالقرب من داره ، فصلّى بالنّاس و كبّر في الرّكعة الاولى ستّ تكبيرات ، و في الأخيرة تكبيرة واحدة ، ثمّ صعد المنبر ،

فحصر و لم تسمع له خطبة ، ففي ذلك يقول بعض الشعراء :

حصر الامام و لم يبيّن خطبة
للنّاس في حلّ و لا إحرام

ما ذاك إلاّ من حياء لم يكن
ما كان من عيّ و لا إفحام 3

و في ( تاريخ بغداد ) : اجتمع الكسائي و اليزيدي عند الرّشيد فحضرت صلاة يجهر فيها ، فقدّموا الكسائي يصلّي فارتج عليه في قراءة : قل يا أيّها الكافرن 4 فلمّا أن سلّم قال اليزيدي : قارى‏ء أهل الكوفة يرتج عليه في قل يا أيّها الكافرون . فحضرت صلاة يجهر فيها فقدّموا اليزيدي فارتجّ عليه في سورة الحمد . فلمّا أن سلّم قال :

-----------
( 1 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 2 : 258 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 185 ، و لم يصرح بالنقل عن الجاحظ .

-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 145 .

-----------
( 4 ) الكافرون : 1 .

[ 406 ]

احفظ لسانك لا تقل فتبتلى
إنّ البلاء موكّل بالمنطق 1

و فيه : قال الكسائي صلّيت بهارون فاعجبتني قراءتي ، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبي قطّ : أردت أن أقول : . . . لعلّهم يرجعون 2 فقلت : لعلّهم ترجعين ، فو اللَّه ما اجترأ هارون أن يقول لي : أخطأت . و لكن لمّا سلّمت ، قال لي :

يا كسائي أيّ لغة هذه ؟ قلت : قد يعثر الجواد . قال : أمّا هذا فنعم 3 .

و فيه قال خلف : كان الكسائي إذا كان شعبان وضع له منبر ، فقرأ هو على الناس في كلّ يوم نصف سبع يختم ختمتين في شعبان ، و كنت أجلس أسفل المنبر ، فقرأ يوما في سورة الكهف : . . . أنا أكثر منك . . . 4 فنصب أكثر فعلمت أنّه وقع فيه ، فلمّا فرغ ، أقبل الناس يسألون عن العلّة في ( أكثر ) ، لم نصبه ؟ فثرت في وجوههم أنّه أراد في فتحه ( أقلّ ) : إن ترن أنا أقل منك مالا .

فقال الكسائي : « أكثر » فمحوه من كتبهم . قال : ثمّ قال لي : يا خلف يكون أحد بعدي يسلم من اللحن ؟ قلت : لا ، أما إذا لم تسلم أنت فليس يسلم أحد بعدك ،

قرأت القرآن صغيرا ، و أقرأت النّاس كبيرا ، و طلبت الآثار فيه و النّحو 5 .

و في ( الطبري ) : قال الواقدي : و في سنة ( 65 ) عزل ابن الزّبير أخاه عبيدة عن الكوفة لأنّه خطب ، فقال : قد رأيتم ما صنع بقوم في ناقة قيمتها خمسمائة درهم . فسمّي مقوّم النّاقة ، فبلغ ذلك ابن الزّبير ، فقال : إنّ هذا لهو التكلّف .

و عزله 6 .

-----------
( 1 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11 : 408 .

-----------
( 2 ) آل عمران : 72 و تسع آيات اخرى من القرآن .

-----------
( 3 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11 : 407 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 4 ) الكهف : 34 .

-----------
( 5 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11 : 408 .

-----------
( 6 ) تاريخ الطبري 4 : 483 سنة 65 .

[ 407 ]

« ألا إنّ اللسان بضعة من الإنسان » قالوا : ما المرء إلاّ بأصغريه : جنانه و لسانه . و قال خالد بن صفوان : ما الإنسان لو لا اللسان إلاّ صورة ممثّلة أو بهيمة مهملة .

« فلا يسعده القول إذا امتنع » كان الفرزدق يقول : أنا أشعر تميم ، و ربما أتت عليّ ساعة : نزع ضرس أهون عليّ من قول بيت .

و كان عبد ربه اليشكري عاملا لعيسى بن موسى على المدائن ، فصعد المنبر فارتج عليه ، فسكت ثمّ قال : و اللَّه إنّي لأكون في بيتي فيجي‏ء على لساني ألف كلمة ، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها في صدري ، و لقد كنت و ما في الأيّام يوم أحبّ إليّ من يوم الجمعة ، فصرت و ما في الأيّام أبغض إليّ من يوم الجمعة ، و ما ذلك إلاّ لخطبتكم هذه .

و قال عليّ بن الجهم الشّاعر : لمّا أفضت الخلافة إلى جعفر المتوكّل أهدى إليه النّاس أقدارهم ، و أهدى إليه ابن طاهر هدية فيها مائة و صيفة و وصيف ، و في الهدية جارية يقال لها : محبوبة . كانت لرجل من أهل الطّائف ،

قد أدّبها و ثقّفها و علّمها من صنوف العلم ، و كانت تحسن ما يحسنه علماء النّاس ، فحسن موقعها من المتوكّل ، و حلّت من قلبه محلاّ جليلا لم يكن أحد يعدلها عنده . قال ابن الجهم : فدخلت عليه يوما للمنادمة ، فلمّا استقرّ بي المجلس قام فدخل بعض المقاصير ، ثمّ خرج و هو يضحك ، فقال : و يلك يا عليّ دخلت فرأيت قينة قد كتبت في خدها بالمسك : جعفر ، فما رأيت أحسن منه ،

فقل فيه شيئا . فقلت : يا سيّدي أنا وحدي أو أنا و محبوبة ؟ قال : بل أنت و محبوبة . فدعوت بدواة و قرطاس ، فسبقتني محبوبة إلى القول ، ثمّ أخذت العود فترنمت حتّى صاغت لحنا ، ثمّ قالت للمتوكّل : تأذن لي ؟ فقال : نعم ،

فغنّت :

لئن أودعت خطّا من المسك خدّها
لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا

[ 408 ]

فيا من لمملوك يظل مليكه
مطيعا له في ما أسرّ و أجهرا

و تعلّلت خواطري حتّى كأنّي ما أحسن حرفا من الشعر ، فقال لي المتوكّل : و يلك ما أمرتك ؟ فقلت : يا سيّدي أقلني ، فو اللَّه لقد عزب عن ذهني . فلم يزل يضرب بذلك على رأسي ، و يعيّرني به إلى أن مات .

و ذكروا أنّ هارون قال في ليلة بيتا و رام أن يشفعه بآخر ، فامتنع القول عليه ، فقال عليّ بالعبّاس بن أحنف . فلمّا طرق ذعر و فزع أهله ، فلمّا وقف بين يديه ، قال له : وجّهت إليك لبيت قلته ، و رمت أن أشفعه بمثله ، فامتنع القول عليّ .

فقال له : دعني حتى يرجع إليّ نفسي ، فإنّي قد تركت عيالي على حال من القلق عظيمة . فانتظره هنيهة ، ثمّ أنشد البيت :

جنان قد رأيناها
و لم تر مثلها بشرا

فقال العبّاس :

يزيدك وجهها حسنا
إذا ما زدته نظرا

قال : زدني . فقال :

إذا ما الليل مال عليك
بالإظلام و اعتكرا

و دجّ فلم تر قمرا
فأبرزها ترى قمرا

فقال الرّشيد : قد ذعرناك و أفزعنا عيالك ، فأقل الواجب أن نعطيك دينك .

و أمر له بعشرة آلاف و صرفه .

و في ( الأغاني ) عن أبي دهبل الجمحي : لمّا قلت أبياتي الّتي قلت فيها :

إعلم بأنّي لمن عاديت مظطغن
ضبا و أنّي عليك اليوم محسود

قلت : فيها نصف بيت :

و إنّ شكرك عندي لا انقضاء له

ثمّ ارتج عليّ ، فأقمت حولين لا أقع على تمامه ، حتّى سمعت رجلا من الحاجّ في الموسم يذكر لبنان ، فقلت : ما لبنان ؟ فقال : جبل بالشّام .

[ 409 ]

فأتممت نصف البيت :

ما دام بالهضب من لبنان جلمود 1

« و لا يمهله النّطق إذا اتّسع » في ( العقد الفريد ) صعد خالد بن عبد اللَّه القسري المنبر فارتج عليه ، فمكث مليا لا يتكلّم ، ثمّ تهيأ له الكلام ، فتكلّم فقال :

أمّا بعد فإنّ هذا الكلام يجي‏ء أحيانا و يعزب أحيانا ، فيسيح عند مجيئه سيبه ،

و يعزّ عند عزوبه طلبه ، و لرّبما كوبر فأبى ، و عولج فنأى ، فالتأنّي لمجيئه خير من التّعاطي لأبيّه ، و تركه عند تنكّره أفضل من طلبه عند تعذّره ، و قد يرتج على البليغ لسانه ، و يختلج من الجري جنانه ، و سأعود فأقول إن شاء اللَّه 2 .

و قيل : إنّ أوّل ما أنشأ الحريري من ( مقاماته ) و هي ثمان و أربعون مقامة بالبصرة فعرضها ببغداد على أنو شروان الوزير ، فاستحسنها و أمره أن يضيف إليها ما شاكلها ، فقال : أفعل ذلك في رجوعي إلى البصرة ، و تجمع خاطري بها . ثمّ انحدر إليها فصنع أربعين مقامة ، ثمّ اصعد إلى بغداد ،

فعرضها عليها فاستحسنها ، و اتّهمه من كان يحسده بأنّها ليست من عمله ،

فإن كان صادقا فليصنع مقامة اخرى ، فقال : سأصنع ، و جلس في منزله ببغداد أربعين يوما فلم يتهيّأ له تركيب كلمتين ، و الجمع بين لفظتين ، و سوّد كثيرا من الكاغذ ، فلم يصنع شيئا ، فعاد إلى البصرة و النّاس يقعون فيه ، فما غاب عنهم إلاّ مديدة ، حتّى عمل عشرا اخرى ، و أضافها إلى تلك ، فعلم أنّها من عمله .

و قال العجاج : قلت ارجوزتي الّتي أوّلها :

بكيت و المحتزن البكيّ
و الدّهر بالإنسان دواري

و أنا بالرّمل ، فانثالت عليّ قوافيها انثيالا ، و أنّي لاريد اليوم دونها في

-----------
( 1 ) الأغاني لأبي الفرج 7 : 130 .

-----------
( 2 ) العقد الفريد لابن عبد ربه 4 : 203 .

[ 410 ]

الأيّام الكثيرة فما أقدر عليه . و لبعضهم :

قد يعترض الشّعر البكيّ لسانه
و تعيي القوافي المرء و هو خطيب

« و إنّا لامراء الكلام » لبعضهم في خطيب :

فإذا تكلّم خلته متكلّما
بجميع ألسن الخطباء

فكأنّ آدم علّمه الّذي
قد كان علّمه من الأسماء

أيضا :

إذا ما انتدى خاطبا لم يقل
له أطل القول أو قصّر

طبيب بداء فنون الكلا
م لم يعي يوما و لم يهذر

فإن هو أطنب في خطبة
قضى للمقلّ على المكثر

و لابن ميادة :

فجرنا ينابيع الكلام و بحره
فأصبح فيه ذو الرّواية يسبح

و ما الشعر إلاّ شعر قيس و خندف
و شعر سواهم كلفة و تملح

و يكفي في تصديق ما قاله عليه السّلام من كونهم امراء الكلام هذا الكتاب الّذي جمعه الرّضيّ رضوان اللَّه عليه من كلامه عليه السّلام الّذي هو تالي القرآن لفظا و معنى 1 . و قد جمع البحراني من أدعيته عليه السّلام صحيفة 2 ، و النّوري اخرى 3 .

و في ( الحلية ) قال سفيان الثوري : ما حاجّ عليّ عليه السّلام أحدا إلاّ حجّة 4 .

و في ( خلفاء ) القتيبي : إنّ عبد اللَّه بن أبي محجن الثقفي قدم إلى معاوية فقال : يا أمير المؤمنين اني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب .

فقال معاوية : للَّه أنت أتدري ما قلت ؟ أما قولك الغبي ، فو اللَّه لو أنّ ألسن النّاس

-----------
( 1 ) جمع الشريف الرضي نهج البلاغة ، و هو أشهر من أن يوصف ، و اما الصحيفة العلوية الاولى فقد جمعها الشيخ فهو للشيخ عبد اللَّه السماهيجي البحراني ، و الصحيفة العلوية الثانية جمعها المحدّث حسين النوري صاحب المستدرك ، و ذكر الطهراني ( في الذريعة 15 : 23 ) صحيفة ثالثة للسيّد مهدي الغريفي البحراني .

-----------
( 2 ) جمع الشريف الرضي نهج البلاغة ، و هو أشهر من أن يوصف ، و اما الصحيفة العلوية الاولى فقد جمعها الشيخ فهو للشيخ عبد اللَّه السماهيجي البحراني ، و الصحيفة العلوية الثانية جمعها المحدّث حسين النوري صاحب المستدرك ، و ذكر الطهراني ( في الذريعة 15 : 23 ) صحيفة ثالثة للسيّد مهدي الغريفي البحراني .

-----------
( 3 ) جمع الشريف الرضي نهج البلاغة ، و هو أشهر من أن يوصف ، و اما الصحيفة العلوية الاولى فقد جمعها الشيخ فهو للشيخ عبد اللَّه السماهيجي البحراني ، و الصحيفة العلوية الثانية جمعها المحدّث حسين النوري صاحب المستدرك ، و ذكر الطهراني ( في الذريعة 15 : 23 ) صحيفة ثالثة للسيّد مهدي الغريفي البحراني .

-----------
( 4 ) حلية الأولياء لأبي نعيم 7 : 34 .

[ 411 ]

جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان عليّ . . . 1 .

و في ( عيون ابن قتيبة ) : و فد الحسن عليه السّلام على معاوية الشّام ، فقال عمرو بن العاص : إنّ الحسن رجل أفّه ، فلو حملته على المنبر فتكلّم ، فسمع النّاس من كلامه ، عابوه . فأمره فصعد المنبر فتكلّم ، فأحسن ، و كان في كلامه أن قال :

أيّها النّاس لو طلبتم ابنا لنبيّكم ما بين جابرس إلى جابلق لم تجدوه غيري ،

و غير أخي و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين 2 . فساء ذلك عمرا و أراد أن يقطع كلامه ، فقال : يا أبا محمّد هل تنعت الرّطب ؟ فقال : أجل تلفحه الشّمال ، و تخرجه الجنوب ، و ينضجه برد الليل بحرّ النّهار . قال : يا أبا محمّد هل تنعت الخراءة ؟ قال : نعم تبعد الممشى في الأرض الصحصح حتّى تتوارى من القوم ، و لا تستقبل القبلة ، و لا تستدبرها ، و لا تستنجي بالرّوثة و لا العظم ،

و لا تبول في الماء الراكد . و أخذ عليه السّلام في كلامه 3 .

و روى المدائني أيضا : أنّ معاوية سأل الحسن عليه السّلام بعد الصّلح أن يخطب النّاس ، فامتنع فناشده أن يفعل ، فوضع له كرسي فجلس عليه ثمّ قال :

الحمد للَّه الّذي توحّد في ملكه ، و تفرّد في ربوبيته ، يؤتي الملك من يشاء و ينزعه عمّن يشاء ، و الحمد للَّه الّذي أكرم بنا مؤمنكم ، و أخرج من الشّرك أوّلكم ، و حقن دماء آخركم ، فبلاؤنا عندكم قديما و حديثا أحسن البلاء ، إن شكرتم أو كفرتم . أيّها النّاس إنّ ربّ عليّ كان أعلم بعليّ حين قبضه إليه ، و لقد اختصه بفضل لم تعتدّوا بمثله ، و لم تجدوا مثل سابقته ، فهيهات هيهات طالما قلبتم له الامور حتّى أعلاه اللَّه عليكم ، و هو صاحبكم ، و عدوّكم في بدر

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 114 .

-----------
( 2 ) الأنبياء : 111 .

-----------
( 3 ) عيون الأخبار لابن قتيبة 2 : 172 .

[ 412 ]

و أخواتها ، جرّعكم رنقا و سقاكم علقا ، و أذلّ رقابكم و أشرقكم بريقكم ، فلستم ملومين على بغضه ، و ايم اللَّه لا ترى امّة محمّد صلّى اللَّه عليه و آله خفضا ما كانت سادتهم و قادتهم بني اميّة ، و لقد وجّه اللَّه إليكم فتنة لن تصدروا عنها حتّى تهلكوا ،

لطاعتكم طواغيتكم و انضوائكم إلى شياطينكم ، فعند اللَّه احتسب ما مضى و ما ينتظر من سوء دعتكم و حيف حكمكم . ثمّ قال : يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي اللَّه ، صائب على أعداء اللَّه ، نكّال على فجّار قريش ، لم يزل آخذا بحناجرها ، جاثما على أنفاسها ، ليس بالملومة في أمر اللَّه ، و لا بالسّروقة لمال اللَّه ، و لا بالفروقة في حرب أعداء اللَّه ، أعطى الكتاب خواتمه و عزائمه ، دعاه فأجابه ، و قاده فاتّبعه . لا تأخذه في اللَّه لومة لائم ، فصلوات اللَّه عليه و رحمته . ثمّ نزل ، فقال معاوية : أخطأ عجل أو كاد ، و أصاب متثبّت أو كاد ،

ماذا أردت من خطبة الحسن 1 ؟

و روى أبو الفرج : أنّ معاوية لمّا سلّم الحسن عليه السّلام الأمر إليه أمره أن يخطب ، و ظنّ أنّه سيحصر ، فقال في خطبته : إنّما الخليفة من سار بكتاب اللَّه ،

و سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و ليس الخليفة من سار بالجور ، ذلك ملك ملّك ملكا يتمتّع به قليلا ، ثمّ تنقطع لذّته و تبقى تبعته و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين 2 .

و روى الطبرسي عن موسى بن عقبة أنّه قيل لمعاوية : إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين ، فلو قد أمرته يصعد المنبر و يخطب ، فإنّ فيه حصرا أو في لسانه كلالة . فقال لهم معاوية : قد ظننّا ذلك بالحسن فلم يزل حتّى عظم في أعين النّاس و فضحنا . فلم يزالوا به حتّى قال للحسين : يا أبا عبد

-----------
( 1 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 10 ، شرح الكتاب 31 .

-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 47 ، و الآية 111 من سورة الأنبياء .

[ 413 ]

اللَّه لو صعدت المنبر فخطبت . فصعد الحسين عليه السّلام المنبر ، فحمد اللَّه و أثنى عليه ، و صلّى على النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، فسمع رجلا يقول : من هذا الّذي يخطب ؟

فقال الحسين عليه السّلام : « نحن حزب اللَّه الغالبون ، و عترة رسوله الأقربون ،

و أهل بيته الطيّبون ، و أحد الثقلين اللذين جعلنا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ثاني كتاب اللَّه تبارك و تعالى ، الّذي فيه تفصيل كلّ شي‏ء لا يأتيه الباطل من بين يديه ، و لا من خلفه ، و المعوّل علينا في تفسيره ، و لا يبطئنا تأويله بل نتّبع حقائقه ، فأطيعونا ،

فإنّ طاعتنا مفروضة إن كانت بطاعة اللَّه و رسوله مقرونة ، قال عزّ و جلّ . . . أطيعوا اللَّه و أطيعوا الرّسول و اولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شي‏ء فردّوه إلى اللَّه و الرّسول . . . 1 . و قال : . . . و لو ردّوه إلى الرّسول و إلى اولي الأمر منهم لعلمه الّذين يستنبطونه منهم و لو لا فضل اللَّه عليكم و رحمته لاتّبعتم الشّيطان إلاّ قليلا 2 . و احذّركم الإصغاء إلى هتوف الشّيطان بكم ،

فإنّه لكم عدوّ مبين فتكونوا كأوليائه الّذين قال لهم : . . . لا غالب لكم اليوم من النّاس ، و إنّي جار لكم فلمّا تراءت الفئتان نكص على عقبيه ، و قال إنّي بري‏ء منكم . . . 3 فتلقون للسيوف ضربا ، و للرّماح وردا ، و للعمد حطما ، و للسهام غرضا . ثمّ لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا 4 قال معاوية : حسبك يا أبا عبد اللَّه ، قد أبلغت 5 .

و روى الطّبري : أنّ الحسين عليه السّلام خطب النّاس يوم الطّف ، فحمد اللَّه و أثنى عليه ، و ذكر اللَّه بما هو أهله و صلّى على محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و على ملائكته

-----------
( 1 ) النساء : 59 .

-----------
( 2 ) النساء : 83 .

-----------
( 3 ) الانفال : 48 .

-----------
( 4 ) الأنعام : 158 .

-----------
( 5 ) الاحتجاج للطبرسي : 298 .

[ 414 ]

و أنبيائه ، فلم يسمع متكلّم قط قبله و لا بعده أبلغ في منطق منه 1 .

و روى محمّد بن أبي طالب في ( مقتله ) : أنّ الحسين عليه السّلام تقدّم يوم الطّف حتّى وقف بازاء القوم ، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنّهم السّيل ، و نظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة ، فقال : الحمد للَّه الذي خلق الدّنيا فجعلها دار فناء و زوال ، متصرّفة بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرّته ، و الشّقيّ من فتنته ،

فلا تغرنّكم الدّنيا ، فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها ، و تخيّب طمع من طمع فيها ،

و أراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم اللَّه فيه عليكم ، و أعرض بوجه الكريم عنكم ، و أحلّ بكم نقمته ، و خيّبكم رحمته ، فنعم الرّبّ ربّنا ، و بئس العبيد أنتم ،

أقررتم بالطّاعة ، و آمنتم بالرّسول صلّى اللَّه عليه و آله ، ثمّ إنّكم زحفتم إلى ذريّته و عترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر اللَّه العظيم ، فتبّا لكم و لما تريدون إنّا للَّه و إنّا إليه راجعون 2 هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعدا للقوم الظالمين 3 . فقال عمر بن سعد : و يلكم كلّموه فإنّه ابن أبيه ،

و اللَّه لو وقف فيكم هكذا يوما جديدا لما انقطع و لما حصر 4 .

و قد جمعوا من أدعيته عليه السّلام صحيفة 5 ، و لو لم يكن له إلاّ دعاؤه في يوم عرفة لكفاه في كونه من امراء الكلام .

و في الخبر لمّا دعا الحسن و الحسين عليهما السّلام بأمر أبيهما عليه السّلام بدعوات في الاستسقاء : سئل سلمان الفارسي : إنّه شي‏ء علماه ؟ فقال : ويحكم ألم

-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 4 : 322 سنة 61 ، و أبو مخنف في مقتل الحسين : 84 ضمن خطبة ، و النقل بتقطيع .

-----------
( 2 ) البقرة : 156 .

-----------
( 3 ) المؤمنون : 41 44 .

-----------
( 4 ) رواه محمد بن أبي طالب الحائري في مقتله عنه مقتل الحسين للمقرم : 227 ، و ابن شهر آشوب في مناقبه 4 : 100 بتفاوت بين الألفاظ .

-----------
( 5 ) هي الصحيفة الحسينية لمحمد حسين المرعشي الشهرستاني ، المطبوعة في ايران .

[ 415 ]

تسمعوا قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله حيث يقول : اجريت الحكمة على لسان أهل بيتي 1 ؟

و جمعوا من كلام السّجّاد عليه السّلام خمس صحايف من الدعاء و المناجاة 2 ،

لو اجتمعت العرب ، و كلّ ذي أدب أن يأتوا بمثلها لعجزوا ، و قال ابن شهر آشوب : ذكر فصاحة الصحيفة الكاملة عند بليغ في البصرة ، فقال : خذوا عنّي املي عليكم ، و أخذ القلم ، و أطرق رأسه فما رفعه حتّى مات 3 .

و يكفيه دعاؤه المعروف بدعاء أبي حمزة ، فإنّ فقراته في غاية القرب من آيات القرآن ، و منها : فإنّ قوما آمنوا بألسنتهم ليحقنوا به دماءهم ، فادركوا ما أمّلوا ، و إنّا آمنّا بك بألسنتنا و قلوبنا ، لتعفو عنّا فأدركنا ما أمّلنا 4 .

و ذكروا أنّ عبد الملك لمّا كتب إليه عليه السّلام يعنّفه في تزوّجه بأمته بعد عتقها ، فأجابه عليه السّلام رمى بكتابه عليه السّلام إلى ابنه سليمان ، فقال : لشدّ ما فخر عليك .

فقال : يا بنيّ لا تقل ذلك ، فإنّها ألسن بني هاشم الّتي تفلق الصّخر ، و تغرف من بحر ، إنّ عليّ بن الحسين عليه السّلام يا بنيّ يرتفع من حيث يتّضع النّاس 5 .

و لو أردنا إشباع الكلام في المقام لطال الكلام .

هذا ، و روي أنّ إبراهيم بن العبّاس الصّولي قال لأبي تمام الطّائي و قد كان أبو تمام أنشده شعرا له في المعتصم : يا أبا تمام امراء الكلام رعية

-----------
( 1 ) من لا يحضره الفقيه للصدوق 1 : 338 ح 17 ، و الحميري في قرب الاسناد : 73 .

-----------
( 2 ) الصحيفة الاولى هي الصحيفة التي تروى بطرق عن الامام الباقر و زيد عن السجاد عليه السّلام ، و الصحيفة الثانية للشيخ الحرّ صاحب الوسائل ، و الثالثة للأفندي التبريزي صاحب الرياض ، و الرابعة للمحدّث النوري صاحب المستدرك ،

و الخامسة للسيد الأمين صاحب أعيان الشيعة ، و ذكر الطهراني ( في الذريعة 15 : 21 ) صحيفة سادسة للمولى صالح المازندراني .

-----------
( 3 ) المناقب لابن شهر آشوب 4 : 406 .

-----------
( 4 ) مصباح المتهجد للطوسي : 524 ، و البلد الأمين للكفعمي : 205 .

-----------
( 5 ) الكافي للكليني 5 : 344 ح 4 ضمن حديث .

[ 416 ]

لإحسانك . فقال له أبو تمام : ذلك لأنّي استضي‏ء بك و أرد شريعتك 1 .

« و فينا تنشّبت » في ( الصحاح ) : نشب الشي‏ء في الشي‏ء بالكسر نشوبا ، أي : علق فيه 2 .

« عروقه و علينا تهدّلت غصونه » في ( الصحاح ) : تهدّلت أغصان الشجرة ،

أي : تدلّت 3 .

روى ( الكافي ) عن عبد اللَّه بن مصعب الزبيري ، قال : جلسنا إلى الكاظم عليه السّلام في مسجد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فتذاكرنا أمر النّساء ، فأكثرنا الخوض ، و هو ساكت لا يدخل في حديثنا بحرف ، فلمّا سكتنا ، قال : أمّا الحرائر فلا تذكروهنّ ،

و لكن خير الجواري ما كان لك فيها هوى ، و كان لها عقل و أدب ، فلست تحتاج إلى أن تأمر و لا تنهى ، و دون ذلك ما كان لك فيها هوى ، لها عقل و ليس لها أدب ،

فأنت تحتاج إلى الأمر و النّهي ، و دونها ما كان لك فيها هوى و ليس لها عقل و لا أدب ، فتصبر عليها لمكان هواك فيها ، و جارية ليس لك فيها هوى ، و ليس لها عقل ، و لا أدب فتجعل في ما بينك و بينها البحر الأخضر . قال الزّبيري : فأخذت بلحيتي فأردت أن أضرط فيها ، لكثرة خوضنا لما لم نقم فيه على شي‏ء ،

و لجمعه الكلام ، فقال لي : مه إن فعلت لم اجالسك 4 .