
17
من الخطبة ( 152 ) قَدْ خَاضُوا بِحَارَ اَلْفِتَنِ وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ اَلسُّنَنِ وَ أَرَزَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ نَطَقَ اَلضَّالُّونَ اَلْمُكَذِّبُونَ
-----------
( 1 ) أسقط الشارح هنا شرح فقرة : « و انّا لامراء الكلام » .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 1 : 244 مادة ( نشب ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 5 : 1848 مادة ( هدل ) .
-----------
( 4 ) الكافي للكليني 5 : 322 ح 2 .
[ 417 ]
نَحْنُ اَلشِّعَارُ وَ اَلْأَصْحَابُ وَ اَلْخَزَنَةُ وَ اَلْأَبْوَابُ وَ لاَ تُؤْتَى اَلْبُيُوتُ إِلاَّ مِنْ أَبْوَابِهَا فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً « قد خاضوا بحار الفتن » قال ابن أبي الحديد : إنّ هذا متّصل بكلام لم يحكه الرّضي رحمه اللَّه ، و هو ذكر قوم من أهل الضلال 1 .
قلت : قوله عليه السّلام في العنوان « نحن الشعار و الأصحاب و الخزنة و الأبواب » يدلّ على أنّ مراده عليه السّلام بهذا الكلام : المتقدّمون عليه ، سواء جعلناه متّصلا بما قبله أو لا .
و يوضّح ما ذكرنا ، من أنّه عليه السّلام جعل المتقدّمين عليه خائضين في بحار الفتن ، أنّهم لمّا دعوه إلى بيعة أبي بكر و قادوه إليه لاذ بقبر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، يصيح و ينادي ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني 2 .
نقل ذلك ابن قتيبة و غيره 3 ، فتمثله عليه السّلام بكلام هارون أخي موسى عليهما السّلام يدلّ على أنّهم في تقديمهم لأبي بكر صاروا مثل بني إسرائيل في عبادتهم العجل .
« و أخذوا بالبدع دون السّنن » قد جمع الإمامية البدع الّتي أحدثها الثّلاثة للنّاس ، في قبال سنن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في كتبهم الكلامية .
« و أرز » بتقديم الرّاء .
« المؤمنون » الأصل في ( أرز ) التجمّع ، كتجمّع الحيّة ، قال أبو الأسود : إنّ فلانا إذا سئل أرز ، و إذا ادعى اهتز 4 .
و قد كان المؤمنون كسلمان ، و أبي ذر و المقداد ، و عمّار ، و حذيفة
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 428 .
-----------
( 2 ) الأعراف : 150 .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 13 .
-----------
( 4 ) نقله عنه في لسان العرب 5 : 305 مادة ( ارز ) .
[ 418 ]
و نظرائهم في أيّام الثلاثة ساكنين مختفين ، روى الجواهري في ( سقيفته ) : أنّ عمّارا نادى يوم الشّورى : يا معشر المسلمين إنّا قد كنّا و ما كنّا نستطيع الكلام قلّة و ذلّة فأعزّنا اللَّه بدينه ، و أكرمنا برسوله ، فالحمد للَّه ربّ العالمين . يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيّكم ، تحوّلونه هاهنا مرّة و هاهنا مرّة ، و ما أنا آمن أن ينزعه اللَّه منكم و يضعه في غيركم ، كما نزعتموه من أهله و وضعتموه في غير أهله ؟ فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة : يابن سميّة لقد عدوت طورك ، و ما عرفت قدرك ، ما أنت ، و ما رأت قريش لأنفسها ؟ إنّك لست في شيء من أمرها ، و أمارتها فتنح عنها » . و تكلّمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمّار و انتهروه ، فقال : الحمد للَّه ربّ العالمين ما زال أعوان الحقّ أذلاّء ، ثمّ قام فانصرف . . . 1 و يظهر منه . . . لمن كان له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد 2 أنّ دين إخواننا دين قريش أعداء النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لا دين النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .
« و نطق الضّالّون المكذّبون » كالوليد بن عقبة الفاسق بنصّ القرآن 3 ،
و المغيرة بن شعبة المنافق بإجماع الامّة ، و مروان بن الحكم طريد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و لعينه .
و من المضحك أنّ أهل الشّام لمّا أرادوا بيعة مروان بعد يزيد قالوا : إنّ مروان ما كان في الاسلام صدع إلاّ كان هو يشعبه ، فقاتل عليّا يوم الجمل و .
و لعمر اللَّه ، إن كان الإسلام إسلاما وضعه قريش لإخواننا ، في كون اولئك أئمّته و في رأسهم أبو سفيان الّذي قال لخليفتهم الثالث لمّا بويع : فو اللَّه
-----------
( 1 ) السقيفة للجوهري : 90 .
-----------
( 2 ) ق : 37 .
-----------
( 3 ) انظر السجدة : 18 ، و الحجرات : 6 ، كما روى في شأن نزولهما ، جمع بعض رواياته السيوطي في الدر المنثور 5 :
177 ، و 6 : 87 .
[ 419 ]
ما جنّة و لا نار ، فأديروا الخلافة بينكم معشر قريش إدارة الكرة كان قيام عليّ الّذي جعله اللَّه تعالى نفس النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله صدعا في الإسلام ، إسلام صنعوه ،
أيّ صدع .
« نحن الشّعار و الأصحاب ، و الخزنة و الأبواب » روى أبو بكر الجوهري في ( سقيفته ) عن أبي زيد ، عن هارون بن عمر ، عن محمّد بن سعيد بن الفضل ، عن أبيه ، عن الحرث بن كعب ، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى الخزاعي ، قال : كان خالد بن سعيد بن العاص من عمّال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله باليمن ، فلمّا قبض النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله جاء المدينة ، و قد بايع النّاس أبا بكر ، فاحتبس عن أبي بكر ، فلم يبايعه أيّاما و قد بايع النّاس ، و أتى بني هاشم فقال : أنتم الظّهر و البطن ، و الشّعار دون الدّثار ،
و العصا دون اللحا ، فاذا رضيتم رضينا ، و إذا سخطتم سخطنا ، حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرّجل ؟ قالوا : نعم . قال : على برد و رضا من جماعتكم قالوا :
نعم . قال : فأنا أرضى و ابايع إذا بايعتم ، أما و اللَّه يا بني هاشم إنّكم الطّوال الشّجر الطّيّبو الثّمر . ثمّ إنّه بايع أبا بكر ، و بلغت أبا بكر فلم يحفل ، و اضطغنها عليه عمر ، فلمّا ولاّه أبو بكر الجند الّذي استنفر إلى الشّام قال له عمر : أتولّي خالدا و قد حبس عليك بيعته ، و قال لبني هاشم ما قال و قد جاء بورق من اليمن و عبيد و حبشان و دروع و رماح ؟ ما أرى أن تولّيه ، و ما آمن خلافه . فانصرف عنه أبو بكر و ولّى أبا عبيدة بن الجراح ، و يزيد بن أبي سفيان و شرحبيل بن حسنة 1 .
و ما فيه من أنّ بيعتهم هل كانت على برد ؟ فقالوا : نعم ، كان على برد إرادة إحراقهم بالنّار ، و على رضا أيضا ، كان بعد القود له ، كما يقاد الجمل المخشوش . كما كتب إليه معاوية يعنّفه به ، و ذيل الخبر يكشف عن خافية .
-----------
( 1 ) السقيفة للجوهري : 52 .
[ 420 ]
ثمّ إذا كانوا هم الظّهر و البطن للنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و الشّعار له دون الدّثار ،
و الطوال الشجر و الطّيّبو الثّمر ، هل كانت بيعة قريش للرّجل إلاّ جورا و زورا و فجورا ؟ قال ابن أبي الحديد : و اعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام لو فخر بنفسه ، و بالغ في تعديد مناقبه و فضائله التي آتاه اللَّه و اختّصه بها ، و ساعده على ذلك فصحاء العرب كافة لم يبلغوا إلى معشار ما نطق به النّبيّ الصادق صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم في أمره ، و لست أعني بذلك الأخبار العامّة الشايعة التي يحتجّ بها الإماميّة على إمامته ، كخبر الغدير ، و خبر المنزلة ، و قصّة براءة ، و خبر المناجاة ، و قصّة خيبر ، و خبر الدّار بمكّة في ابتداء الدعوة ، و نحو ذلك ، بل الأخبار الخاصّة التي رواها فيه أئمّة الحديث التي لم يحصل أقل القليل منها لغيره ، و أنا أذكر من ذلك شيئا يسيرا ممّا رواه علماء الحديث الّذين لا يتّهمون فيه ، و جلّهم قائلون بتفضيل غيره عليه ، فروايتهم فضائله توجب سكون النّفس ما لا توجبه رواية غيرهم .
قلت : كلامه موهم أنّ أخبار الغدير ، و أخبار المنزلة ، و أخبار البراءة ،
و أخبار المناجاة ، و أخبار خيبر ، و أخبار ابتداء الدعوة لم يروها أئمّة حديثهم ،
و هو مغالطة منه . فكما رووا ما قال رووا تلك ، و إنّما الإمامية احتجوا بها على إمامته عليه السّلام ، و إذا لم تكن تلك دالّة لم يكن ما استدلّ به على وجود الصانع ،
و على نبوّة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم أيضا دالاّ .
و كيف كان ، فنقل أربعة و عشرين حديثا من أبي نعيم ، و أحمد بن حنبل ،
و غيرهما ، و نقتصر على نقل ماله مزيد ربط بالعنوان ، مثل ثانيها : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لو فد ثقيف : لتسلمنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلا منّي أو قال عديل نفسي فليضربنّ أعناقكم .
و مثل ثامنها : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : أنا أوّل من يدعى به يوم القيامة إلى أن
[ 421 ]
قال ثمّ يدعى بعليّ بن أبي طالب لقرابته منّي و منزلته عندي ، و يدفع إليه لوائي لواء الحمد ، آدم و من دونه تحت ذلك اللواء . ثمّ قال لعليّ عليه السّلام : فتسير به حتى تقف بيني و بين إبراهيم الخليل ، ثمّ يكسى حلّة و ينادي مناد من العرش : نعم الأب أبوك إبراهيم ، و نعم الأخ أخوك عليّ ، أبشر فإنّك تدعى إذا دعيت ، و تكسى إذا كسيت ، و تحيى إذا حييت .
و مثل تاسعها : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لأنس : أوّل من يدخل عليك من هذا الباب إمام المتّقين ، و يعسوب الدّين ، و خاتم الوصيّين ، و قائد الغرّ المحجّلين . فقلت :
اللّهم اجعله رجلا من الأنصار ، فجاء عليّ ، فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : من جاء ؟ فقلت :
عليّ . فقام إليه مستبشرا فاعتنقه ، ثمّ جعل يمسح عرق وجهه ، فقال : يا رسول اللَّه لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل ؟ قال : و ما يمنعني و أنت تؤدي عنّي ، و تسمعهم صوتي ، و تبيّن لهم ما اختلفوا من بعدي ؟
و مثل عاشرها : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : ادعوا لي سيّد العرب عليّا . فقالت عايشة : ألست سيّد العرب ؟ فقال : أنا سيّد ولد آدم ، و عليّ سيّد العرب . فلمّا جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه ، فقال لهم : يا معشر الأنصار ألا أدلّكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا أبدا ؟ قالوا : بلى . قال : هذا عليّ فأحبّوه بحبّي ، و أكرموه بكرامتي ، فإنّ جبرئيل أمرني بالّذي قلت لكم عن اللَّه عزّ و جلّ .
و مثل ثاني عشرها : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : من سرّه أن يحيا حياتي و يموت مماتي ، و يسكن جنّة عدن الّتي غرسها ربّي ، فليوال عليّا من بعدي ، و ليوال وليّه ، و ليقتد بالأئمّة من بعدي ، فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ، و رزقوا فهما و علما ، فويل للمكذّبين لهم من امّتي القاطعين فيهم صلتي ، لا أنا لهم اللَّه شفاعتي .
و مثل ثالث عشرها : في قصّة أخذه عليه السّلام جارية من سبي اليمن ، قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : دعوا لي عليّا يكررّها إنّ عليّا منّي و أنا من عليّ ، و إنّ حظّه في
[ 422 ]
الخمس أكثر ممّا أخذ ، و هو وليّ كلّ مؤمن من بعدي .
و مثل رابع عشرها : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : كنت أنا و عليّ نورا بين يديّ اللَّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق آدم بأربعة عشر ألف عام إلى أن قال حتّى صرنا في عبد المطّلب فكان لي النّبوّة ، و لعليّ الوصيّة .
و مثل سادس عشرها : في قصّة استقائه ليلة بدر ، قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم :
فأوحى اللَّه إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل : أن تأهبّوا لنصر محمّد و أخيه و حزبه . فهبطوا من السماء لهم لفظ يذعر من يسمعه ، فلمّا حاذوا البئر سلّموا عليه من عند آخرهم إكراما له و إجلالا ، و قال : لتؤتينّ يا عليّ يوم القيامة بناقة من نوق الجنّة فتركبها ، و ركبتك مع ركبتي ، و فخذك مع فخذي حتّى تدخل الجنّة .
و مثل عشرينها : كانت لجماعة من الصحابة أبواب شارعة في مسجد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، فقال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يوما : سدّوا كلّ باب في المسجد إلاّ باب عليّ .
فسدّت ، فقال في ذلك قوم حتّى بلغ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فقام فيهم ، فقال : إنّ قوما قالوا في سدّ الأبواب ، و تركي باب عليّ ، إنّي ما سددت و لا فتحت ، و لكنّي امرت بأمر فاتّبعته .
و مثل الحادي و عشرينها : دعا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عليّا عليه السّلام في غزاة الطائف ،
فانتجاه و أطال نجواه حتّى كره ذلك قوم من الصّحابة ، فقال قائل منهم : لقد طال نجوى ابن عمه . فبلغه ذلك ، فجمع منهم قوما ثمّ قال : إنّ قائلا قال : لقد أطال اليوم نجوى ابن عمّه ، أما إنّي ما انتجيته ، و لكن اللَّه انتجاه .
و مثل الثالث و عشرينها : في تزويجه ، قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لفاطمة عليها السّلام : ألا تعلمين أنّ اللَّه اطلع إلى الأرض فاختار منها أباك ؟ ثمّ اطلع إليها ثانية فاختار منها بعلك ؟
[ 423 ]
و مثل الرّابع و عشرينها : عن الثعلبي لمّا نزل إذا جاء نصر اللَّه . . . 1 بعد انصرافه من غزاة حنين جعل النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يكثر « سبحان اللَّه » و « استغفر اللَّه » ، ثمّ قال : يا عليّ إنّه قد جاء ما وعدت به : جاء الفتح و دخل النّاس في دين اللَّه أفواجا ، و إنّه ليس أحد أحقّ منك بمقامي لقدمك في الإسلام ، و قربك منّي ،
و صهرك ، و عندك سيّدة نساء العالمين ، و قبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب عندي حين نزل القرآن ، فأنا حريص على أن اراعي ذلك لولده .
قال ابن أبي الحديد بعد نقل تلك الأخبار : و اعلم أنّا إنّما ذكرنا هذه الأخبار هاهنا ، لأنّ كثيرا من المنحرفين عنه عليه السّلام إذا مرّوا على كلامه في نهج البلاغة أو غيره المتضمّن للتحدّث بنعمة اللَّه عليه من اختصاصه بالرّسول صلّى اللَّه عليه و آله و تميزه إيّاه عن غيره ينسبونه فيه إلى التّيه و الزّهو و الفخر ،
و لقد سبقهم بذلك قوم من الصّحابة ، قيل لعمر : ولّ عليّا أمر الجيش و الحرب .
فقال : هو أتيه من ذلك . و قال زيد بن ثابت : ما رأينا أزهى من عليّ و اسامة .
فأردنا بإيراد هذه الأخبار عند تفسير قوله عليه السّلام : « نحن الشّعار و الأصحاب ،
و نحن الخزنة و الأبواب » أن ننبّه على عظيم منزلته عند الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، و أنّ من قيل في حقّه ما قيل لو رقى إلى السّماء ، و عرج في الهواء ، و فخر على الملائكة و الأنبياء تعظّما و تبجّحا لم يكن ملوما ، بل كان بذلك جديرا ، فكيف و هو عليه السّلام لم يسلك قط مسلك التعظّم و التكبّر في شيء من أقواله ، و لا من أفعاله ؟ و كان ألطف البشر خلقا ، و أكرمهم طبعا ، و أشدّهم تواضعا ، و أكثرهم احتمالا ، و أحسنهم بشرا ، و أطلقهم وجها حتّى نسبه من نسبه إلى الدعابة و المزاح ، و هما خلقان ينافيان التكبّر و الاستطالة ، و إنّ ما كان يذكره أحيانا ما يذكره من هذا النّوع نفثة مصدور ، و شكوى مكروب ، و تنفس مهموم ، و لا
-----------
( 1 ) النصر : 1 .
[ 424 ]
يقصد به إذا ذكره إلاّ شكر النّعمة و تنبيه الغافل على ما خصّه اللَّه به من الفضيلة ، فإنّ ذلك من باب الأمر بالمعروف ، و الحض على اعتقاد الحقّ ،
و الصّواب في أمره ، و النّهي عن المنكر الّذي هو تقديم غيره عليه في الفضل ،
فقد نهى اللَّه سبحانه عن ذلك ، فقال : . . . أفمن يهدي إلى الحقّ أحقّ أن يتّبع أمّن لا يهدّي إلاّ أن يهدى فمالكم كيف تحكمون 1 .
قلت : الأمر كما ذكر ، إلاّ أنّ لازمه ضلال المتقدّمين عليه ، لا مجرّد عدم أفضليتهم .
« و لا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها ، فمن أتاها من غير أبوابها سمّي سارقا » ننشد إخواننا السّنّة بعد نقلهم ما قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيه عليه السّلام مع جعلهم المتقدّمين عليه وسايط بينهم و بين النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : هل هم إلاّ سرّاق أتوا البيوت من غير أبوابها ؟ و هل أتى البيوت من أبوابها إلاّ شيعته عليه السّلام الّذين لم يسلكوا غير مسلكه ؟ و ما فعله إخواننا من الجمع بينه و بين المتقدّمين ، هل هو إلاّ الجمع بين الضدّين ، و القول باجتماع النّقيضين ؟ فلو كان المتقدّمون عليه على شيء ، كان الامويون و أتباعهم في توليهم للمتقدّمين عليه ، و تبرئهم منه عليه السّلام ،
و سبّهم له أقرب إلى الصّواب منهم ، لأنّهم ما خالفوا بداهة العقول في الجمع بين الأضداد ، كالقول بالتوحيد و بالأنداد ، و قد أجمعوا على الرواية عن أبي ذر الّذي اجمع على أنّه ما أقلّت الغبراء ، و لا أظلّت الخضراء على أصدق لهجة منه 2 أنّه أخذ بحلقة باب الكعبة ، و قال : « أيّها النّاس من عرفني فقد عرفني ،
و من أنكرني فأنا أبو ذر ، سمعت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله يقول : إنّما مثل أهل بيتي
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 429 431 ، و الآية 35 من سورة يونس .
-----------
( 2 ) أخرج حديث النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « ما أقلّت الغبراء و لا أظلّت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر » ابن ماجه في سننه 1 : 55 ح 156 ، و الترمذي في سننه 5 : 669 ح 3081 ، و أحمد بثلاث طرق في مسنده 2 : 163 ، 175 ، 223 ،
و غيرهم عن عبد اللَّه بن عمرو ، و في الباب عن علي عليه السّلام و أبي ذر و أبي الدرداء و غيرهم .
[ 425 ]
فيكم مثل سفينة نوح ، من دخلها نجا ، و من تخلّف عنها هلك » 1 . و قد أجمعوا أيضا على أنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال : « تفترق امّتي على ثلاث و سبعين فرقة : إحداها في الجنّة ، و الباقية في النّار » 2 ، فيتشكّل منهما صغرى و كبرى ، نتيجتهما أنّ الشيعة فقط أهل النّجاة .
هذا ، و الأصل في قوله عليه السّلام : « و لا تؤتى البيوت إلاّ من أبوابها . . . » قوله تعالى : . . . و ليس البرّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكنّ البرّ من اتّقى و اتوا البيوت من أبوابها . . . 3 .
و ننشدهم : أنّ بعد قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « أنا مدينة العلم و عليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأت الباب » 4 هل يكون الأخذ بقول غيره إلاّ أخذا عن غير النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، أم لا ؟