
19
الحكمة ( 109 ) و قال عليه السّلام :
نَحْنُ اَلنُّمْرُقَةُ اَلْوُسْطَى بِهَا يَلْحَقُ اَلتَّالِي وَ إِلَيْهَا يَرْجِعُ اَلْغَالِي أقول : رواه ( تحف العقول ) هكذا : إذا سمعتم من حديثنا ما لا تعرفونه ،
فردّوه إلينا وقفوا عنده ، و سلّموا إذا تبيّن لكم الحقّ ، و لا تكونوا مذاييع عجلى ،
فإلينا يرجع الغالي ، و بنا يلحق المقصر . من تمسّك بنا لحق ، و من تخلّف عنّا محق ، من اتّبع أمرنا لحق ، و من سلك غير طريقنا سحق . لمحبيّنا أفواج من رحمة اللَّه ، و لمبغضينا أفواج من سخط اللَّه . طريقنا القصد ، و أمرنا الرّشد 2 .
« نحن النّمرقة الوسطى » في ( القاموس ) : النّمرق و النّمرقة مثلثة :
الوسادة الصغيرة أو الميثرة أو الطنفسة فوق الرّحل . ثمّ قال : و النمرقة
-----------
( 1 ) مناقب ابن شهر آشوب 4 : 406 .
-----------
( 2 ) تحف العقول لابن شعبة : 116 ضمن وصاياه الأربعمائة .
[ 430 ]
بالكسر من السّحاب : ما كان بينه فتوق 1 .
و في ( الأساس ) : و نمارق مصفوفة : و سائد ، و قال أوس :
إذا ناقة شدّت برحل و نمرق
إلى حكم بعدي فضل ضلالها 2
و الوسطى في كلامه عليه السّلام : نظير ( الأوسط ) في كلام النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : خير الامور أوسطها . بقرينة قوله عليه السّلام بعد : بها يلحق التالي ، و إليها يرجع الغالي .
و احتمال ( ابن أبي الحديد ) 3 كون الوسطى بمعنى : الفضلى ، في غير محلّه ، و إنّما ( الفضلى ) حكمه لا معناه . فقد عرفت أنّه عليه السّلام قال : إنّ أوسط الامور خيرها و أفضلها .
كانوا عليهم السّلام على حدّ الوسط في امورهم ، مجانبين عن التّفريط و الإفراط ، كما قال تعالى : و الّذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما 4 .
روى ( الكافي ) عن الوليد بن صبيح قال : كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام فجاء سائل ، فأعطاه ، ثمّ جاء آخر ، فأعطاه ، ثمّ جاء آخر ، فقال : يوسع اللَّه عليك . ثم قال : إنّ رجلا لو كان له مال يبلغ ثلاثين أو أربعين ألف درهم ، ثمّ شاء ألاّ يبقى منها إلاّ وضعها في حق لفعل ، فيبقى لا مال له ، فيكون من الثّلاثة الّذين يرد دعاؤهم . قلت : من هم ؟ قال : أحدهم : رجل كان له مال فأنفقه في وجهه . ثمّ قال :
يا ربّ ارزقني . . . 5 .
و روى عن عجلان قال : كنت عند أبي عبد اللَّه عليه السّلام فجاء سائل ، فقام إلى
-----------
( 1 ) القاموس المحيط 3 : 286 مادة ( نمرق ) .
-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 473 مادة ( نمرق ) .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 289 .
-----------
( 4 ) الفرقان : 67 .
-----------
( 5 ) الكافي للكليني 2 : 510 ح 1 .
[ 431 ]
مكتل فيه تمر ، فملأ يده فناوله ، ثمّ جاء آخر فسأله ، فقام فأخذ بيده فناوله ، ثمّ جاء آخر فسأله ، فقام فأخذه بيده فناوله ، ثم جاء آخر ، فقال : اللَّه رازقنا و إيّاك .
ثمّ قال : إنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كان لا يسأله أحد من الدّنيا شيئا إلاّ أعطاه ، فأرسلت إليه امرأة ابنا لها ، فقالت : انطلق إليه فاسأله ، فإن قال لك : ليس عندنا شيء فقل :
أعطني قميصك . قال : فأخذ قميصه ، فرمى به إليه ، فأدّبه اللَّه عزّ و جلّ على القصد ، فقال : و لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك و لا تبسطها كلّ البسط فتقعد ملوما محسورا 1 .
و ذكروا أنّ هارون لمّا قدم المدينة لقاه الكاظم عليه السّلام على بغلة ، فاعترض عليه في ذلك . فقال : إنّها تطأطأت عن خيلاء الخيل ، و ارتفعت عن ذلّة العير ،
و خير الامور أوسطها 2 .
و ذكروا أنّ أبا حنيفة قال للصّادق عليه السّلام : عجب النّاس منك أمس و أنت بعرفة تماكس ببدنك أشدّ مكاس يكون فقال عليه السّلام : و ما للَّه من الرّضا أن اغبن في مالي ؟ فقال أبو حنيفة : لا و اللَّه ، و ماللَّه في هذا من الرضا قليل و لا كثير ، و ما نجيئك بشيء إلاّ جئتنا بما لا مخرج لنا منه 3 .
« بها يلحق التّالي » كان محمّد بن المنكدر يقول : ما كنت أرى أنّ مثل عليّ بن الحسين عليهما السّلام يدع خلفا أفضل منه ، حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ ، فأردت أن أعظه فوعظني . فقال له أصحابه : بأيّ شيء و عظك ؟ قال : خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارّة فلقيته و كان رجلا بادنا ثقيلا و هو متّكىء على غلامين أسودين ، فقلت في نفسي : سبحان اللَّه ، شيخ من أشياخ قريش في
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 4 : 55 ح 7 ، و الآية 29 من سورة الاسراء .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 333 ، و الارشاد للمفيد : 297 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 4 : 546 ح 30 .
[ 432 ]
هذه السّاعة ، على هذه الحال في طلب الدّنيا أما لأعظنّه . فدنوت منه فسلّمت عليه ، فردّ عليّ بنهر و هو يتصابّ عرقا ، فقلت : شيخ من أشياخ قريش في هذه السّاعة على هذا الحال في طلب الدّنيا أرأيت لو جاءك أجلك ، و أنت على هذه الحال ، ما كنت تصنع ؟ فقال : لو جاءني الموت و أنا على هذه الحال ، جاءني و أنا في طاعة من طاعات اللَّه عزّ و جلّ ، أكفّ بها نفسي و عيالي عنك و عن النّاس ،
و إنّما كنت أخاف أن يأتيني و أنا على معصية من معاصي اللَّه . فقلت : صدقت يرحمك اللَّه ، أردت أن أعظك فوعظتني 1 .
و في ( تاريخ اليعقوبي ) ، في وقعة الحرّة : فكان الرّجل من قريش يؤتى به ، فيقال : بايع على أنّك عبد قنّ ليزيد . فيقول : لا . فيضرب عنقه ، فأتاه عليّ بن الحسين عليهما السّلام ، فقال : علام يريد يزيد أن ابايعك ؟ قال : على أنّك أخ و ابن عم .
فقال : و إن أردت أن ابايعك على أنّي عبد قنّ فعلت . فقال : ما أجشمك هذا . فلمّا أن رأى الناس إجابة عليّ بن الحسين قالوا : هذا ابن رسول اللَّه يبايعه على ما يريد . فبايعوه على ما أراد 2 .
« و إليها يرجع الغالي » دخل جابر الأنصاري على أبي جعفر الباقر عليه السّلام ،
فقال له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت و الفقر أحبّ إليّ من الغنى ، و المرض أحبّ إليّ من الصّحّة ، و الموت أحبّ إليّ من الحياة . فقال عليه السّلام : لكنّا أهل البيت ما أراده اللَّه لنا من الفقر أو الغنى ، و المرض أو الصحّة ، و الموت أو الحياة هو أحب إلينا . فقال جابر : صدقت يابن رسول اللَّه و صدق جدّك ، أنت باقر العلوم 3 .
-----------
( 1 ) الارشاد للمفيد : 263 ، و الفصول المهمة لابن الصباغ : 213 .
-----------
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 251 .
-----------
( 3 ) لم أجده بهذا السياق ، نعم رويت هذه القصّة بين الامام الحسن عليه السّلام و أبي ذر ، أخرجه ابن عساكر في ترجمة الحسن عليه السّلام : 158 ح 271 ، و رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 274 ، شرح الخطبة 45 .
[ 433 ]
قوله عليه السّلام في رواية ( التّحف ) : « من تمسّك بنا لحق » 1 ، في ( الطبري ) : قتل يوم الجمل من بني ذهل خمسة و ثلاثون رجلا ، فقال رجل لأخيه و هو يقاتل : يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنّا على حقّ ؟ قال : فإنّا على الحقّ ، إنّ الناس أخذوا يمينا و شمالا ، و إنّما تمسّكنا بأهل بيت نبيّنا . فقاتلا حتّى قتلا 2 .
أيضا « و من تخلّف عنّا محق ، و من سلك غير طريقنا سحق » عن ( أوائل أبي هلال العسكري ) قام أبو الهيثم إلى أمير المؤمنين عليه السّلام فقال : كنت و اللَّه احقّ قريش بشكر قريش ، نصرت نبيّهم حيّا ، و قضيت عنه الحقوق ميّتا ، و اللَّه ما بغيهم إلاّ على أنفسهم ، و لا نكثوا إلاّ بيعة اللَّه 3 .
أيضا : « لمحبّينا أنواع من رحمة اللَّه . . . » ، روى ( أمالي المفيد ) عن الأصبغ قال : دخل الحارث الهمداني على أمير المؤمنين عليه السّلام في نفر من الشّيعة ، و كنت فيهم ، فجعل الحارث يتأوّد في مشيته ، و يخبط الأرض بمحجنه و كان مريضا فأقبل عليه أمير المؤمنين عليه السّلام و كانت له منه منزلة فقال : كيف تجدك يا حارث ؟ فقال : نال الدّهر منّي ، و زادني أوارا و غليلا اختصام أصحابك ببابك . قال : و فيم خصومتهم ؟ قال : فيك و في الثلاثة قبلك ، فمن مفرط منهم غال ، و مقتصد ، و مبغض قال ، و متردّد مرتاب ،
لا يدري أيقدّم أم يحجم ؟ فقال : حسبك يا أخا همدان ، ألا إنّ خير شيعتي النّمط الأوسط ، إليهم يرجع الغالي ، و بهم يلحق التّالي . فقال الحارث :
فداك أبي و امي لو كشفت الرّين عن قلوبنا و جعلتنا في ذلك على بصيرة من أمرنا .
-----------
( 1 ) تحف العقول : 116 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 530 سنة 36 .
-----------
( 3 ) نقله عن أوائل أبي هلال المجلسي في الفتن من البحار : 153 ضمن خطبة .
[ 434 ]
قال عليه السّلام : إنّ دين اللَّه لا يعرف بالرّجال ، بل بآية الحقّ ، فاعرف الحقّ تعرف أهله . يا حارث إنّ الحقّ أحسن الحديث ، و الصّادع به مجاهد ، و بالحقّ اخبرك ، ثمّ خبّر به من كان له حصافة من أصحابك . ألا إنّي عبد اللَّه ،
و أخو رسوله ، و صدّيقه الأوّل ، صدّقته و آدم بين الرّوح و الجسد ، ثمّ إنّي صدّيقة الأوّل في امّتكم حقّا ، فنحن الأوّلون ، و نحن الآخرون ، و نحن خاصّته و خالصته ، و أنا صنوه ، و وصيّه و وليّه ، و صاحب نجواه و سرّه ، اوتيت فهم الكتاب و فصل الخطاب ، و علم القرون و الأسباب ، و استودعت ألف مفتاح ، يفتح كلّ مفتاح ألف باب ، يفضي كلّ باب إلى ألف ألف عهد ، و امددت بليلة القدر نفلا ، و أنّ ذلك يجري لي و لمن استحفظ من ذرّيتي ما جرى الليل و النّهار ،
حتّى يرث اللَّه الأرض و من عليها ، و ابشّرك يا حارث تعرفني عند الممات ، و عند الصّراط ، و عند الحوض ، و عند المقاسمة . قال الحارث : و ما المقاسمة ؟ قال :
مقاسمة النّار ، اقاسمها قسمة صحيحة ، أقول : هذا وليّيّ فاتركيه ، و هذا عدّوي فخذيه .
قال : ثمّ أخذ عليه السّلام بيد الحارث ، و قال : أخذت بيدك كما أخذ رسول اللَّه بيدي و قال لي و قد شكوت إليه حسد قريش و المنافقين لي : إنّه إذا كان يوم القيامة أخذت بحبل اللَّه و بحجزته ، و أخذت أنت يا عليّ بحجزتي ، و أخذ ذريّتك بحجزتك ، و أخذت شيعتكم بحجزتكم ، فما ذا يصنع اللَّه بنبيّه ؟ و ماذا يصنع نبيّه بوصيّه ؟ خذها إليك يا حارث قصيرة من طويلة : أنت مع من أحببت ، و لك ما اكتسبت يقولها ثلاثا . فقام الحارث يجرّ رداءه ، و هو يقول : ما ابالي بعدها متى لقيت الموت أو لقيني 1 .
-----------
( 1 ) أمالي المفيد : 3 ح 3 المجلس 1 ، و غيره ، و قد مرّ تخريجه في العنوان 4 من هذا الفصل ، و النقل بتصرف يسير .
[ 435 ]