
20
الحكمة ( 21 ) و قال عليه السّلام :
لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَ إِلاَّ رَكِبْنَا أَعْجَازَ اَلْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ اَلسُّرَى « و هذا القَول مِنْ لطيفِ الكلام و فَصِيحِهِ ، وَ مَعناهُ : أنّا إنْ لَمْ نُعْطَ حقّنا كُنَّا أذِلاَّءَ ، وَ ذلِكَ أنَّ الرَّدِيفَ يَرْكَبُ عَجُزَ البَعِير ، كَالْعَبْدِ و الْأسِير وَ مَنْ يَجْري مَجْراهما » .
أقول : روى الطبري : أنّه عليه السّلام تكلّم بذلك يوم الشّورى مع زيادة هكذا :
« الحمد للَّه الّذي بعث محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله منّا نبيّا ، و بعثه إلينا رسولا ، فنحن بيت النبوّة ، و معدن الحكمة ، و أمان أهل الأرض ، و نجاة لمن طلب ، لنا حقّ إن نعطه نأخذه ، و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل ، و لو طال السّرى ، لو عهد إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عهدا لأنفذنا عهده ، و لو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتّى نموت . لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق و صلة رحم ، و لا حول و لا قوّة إلاّ باللَّه . اسمعوا كلامي ،
وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا المجمع ، تنتضي فيه السّيوف و تخان فيه العهود » 1 .
و رواه ( غريب ) ابن قتيبة إلى قوله : « و صلة رحم » . و بعده : « و الأمر إليك يابن عوف على صدق اليقين و جهد النّصح . استغفر اللَّه لي و لكم » 2 .
قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام تزعم الإماميّة أنّه قاله يوم السّقيفة أو في تلك الأيام ، و يذهب أصحابنا إلى أنّه قاله يوم الشّورى 3 .
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 300 سنة 24 .
-----------
( 2 ) غريب الحديث لابن قتيبة 2 : 139 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 252 .
[ 436 ]
قلت : كون ذاك الكلام قاله عليه السّلام يوم السّقيفة أو يوم الشّورى ليس بمذهب ، حتّى يفصل بين أصحابه و الإماميّة ، و إنّما في مثله يرجع إلى مستنده ، و في مستنده صرّح بوروده يوم الشّورى كما عرفته من الطبري ،
و نقله هو عن أبي عبيد في الجمع بين غريبيه 1 ، و نقله ابن ميثم عن القتيبي في ( غريبه ) ، و الأزهري في ( تهذيبه ) 2 ، و لعلّه رأى ذلك في كلام الراوندي قاله حدسا ، فنسبه إلى الإمامية 3 ، و هذا ابن شهر آشوب أحد علماء الإماميّة صرّح بأنّه عليه السّلام قال هذا الكلام لابن عوف يوم الشورى 4 .
ثمّ كونه يوم الشورى لا يثبت له إمضاءه عليه السّلام يوم السقيفة . فقد قال عليه السّلام ذلك اليوم أقوالا أشدّ من هذا ، كما تقف عليه في محلّه .
« لنا حقّ فإن اعطيناه » روى الطبري في ( ذيله ) عن المنهال بن عمرو قال :
دخلت على عليّ بن الحسين عليه السّلام فقلت : كيف أصبحت أصلحك اللَّه ؟ قال : ما كنت أرى أنّ شيخا من أهل المصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا ؟ فأمّا إذا لم تدرا ، فساخبرك : أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبّحون أبناءهم و يستحيون نساءهم ، و أصبح شيخنا و سيّدنا يتقرّب إلى عدوّنا بشتمه و سبّه على المنابر إلى أن قال فلئن كانت العرب صدقت أنّ لها فضلا على العجم ، و صدقت قريش أنّ لها الفضل على العرب ، لأنّ محمّدا منها ، فلقد فأصبحوا يأخذون بحقّنا و لا يعرفون لنا حقّا ، فهكذا أصبحنا إذا لم
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 252 .
-----------
( 2 ) نقله عن ابن قتيبة و الأزهري ابن ميثم في شرحه 5 : 249 ، و الراوندي في شرحه 3 : 270 ، و الظاهر أخذ ابن ميثم عن الراوندي .
-----------
( 3 ) لم يتعرّض الراوندي في شرحه 3 : 270 إلى ذلك ، و ظنّ الشارح لا مورد له .
-----------
( 4 ) المناقب لابن شهر آشوب 1 : 274 .
[ 437 ]
تعلم كيف أصبحنا ؟ قال : فظننت أنّه أراد أن يسمع من في البيت 1 .
و في ( تاريخ بغداد ) : توفّي محمّد بن جعفر الصادق بخراسان فركب المأمون لشهوده ، فلمّا نظر إلى السرير نزل فترجّل ، و رفع عن تراقيه ، ثمّ دخل بين العمودين فلم يزل بينهما حتّى وضع ، و تقدّم فصلّى عليه ، ثمّ حمله حتّى بلغ به القبر ، ثمّ دخل قبره ، فلم يزل فيه حتّى بني عليه ، ثمّ خرج فقام على القبر و هو يدق ، فقال له عبد اللَّه بن الحسن : إنّك قد تعبت فلو ركبت . فقال له المأمون :
إنّ هذه رحم قطعت من مائتي سنة . قال الحسن بن محمّد بن يحيى : قال جدّي :
و روى في هذا الحديث أنّه قال : هذا حقّ ضيّع من مائتي سنة 2 .
قلت : أي من يوم وفاة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله .
« و إلاّ ركبنا أعجاز الإبل و إن طال السّرى » قد عرفت المراد منه من بيان الرضي رضوان اللَّه عليه .
هذا ، و في السّير : دخل أبو بجيلة الشّاعر على السّفاح ، فقال له : أفتأذن لي في إنشادك ؟ فقال له : لعنك اللَّه ألست القائل في مسلمة بن عبد الملك :
أ مسلم إنّي يابن كلّ خليفة
و يا فارس الهيجا و يا جبل الأرض
شكرتك إنّ الشكر حبل من التّقى
و ما كلّ من أوليته نعمة يقضي
و أحييت لي ذكري و ما كان خاملا
و لكنّ بعض الذكر أنبه من بعض
قال : فأنا الذي أقول :
لما رأينا استمسكت يداكا
كنّا اناسا نرهب الملاكا
و نركب الأعجاز و الأوراكا
من كلّ شيء ما خلا الاشراكا
و كلّ ما قلته في سواكا
زور و قد كفّر هذا ذاكا
-----------
( 1 ) منتخب ذيل المذيل للطبري : 120 .
-----------
( 2 ) تاريخ بغداد للخطيب 2 : 115 ، و النقل بتلخيص .
[ 438 ]
فرضي عنه و أجازه .
و قال الشاعر :
و ما عن رضى كان الحمار مطيتي
و لكنّ من يمشي سيرضى بما ركب
و في الأمثال : ركب في الطّلب أعجاز الإبل .
هذا ، و عبّر عليه السّلام يوم الشورى عن حاله بعد أخذ حقّه استعارة بما مر ،
و أوضح المراد في أوّل انتقال الأمر إليه عليه السّلام ، فروى المدائني عن عبد اللَّه بن جنادة : أنّه عليه السّلام خطب يومئذ . فقال : أمّا بعد ، فإنّه لمّا قبض اللَّه نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله قلنا :
نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون النّاس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، و لا يطمع في حقّنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا ، فغصبونا سلطان نبيّنا . فصارت الإمرة لغيرنا ، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزّز علينا الذليل ، فبكت الأعين منّا لذلك ، و خشنت الصدور ، و جزعت النفوس ، و ايم اللَّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، و أن يعود الكفر ، و يبور الدّين لكنّا على غير ما كنّا لهم . . . 1