
22
من الخطبة ( 98 ) وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ اَلْحَقِّ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ دَلِيلُهَا مَكِيثُ اَلْكَلاَمِ بَطِيءُ اَلْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ اَلْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اَللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اَللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ فَلاَ تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ وَ لاَ تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ فَإِنَّ اَلْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَ تَثْبُتَ اَلْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً أَلاَ إِنَّ مَثَلَ ؟ آلِ مُحَمَّدٍ ص ؟ كَمَثَلِ نُجُومِ اَلسَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اَللَّهِ فِيكُمُ اَلصَّنَائِعُ وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ .
-----------
( 1 ) الشورى : 23 .
-----------
( 2 ) رواه الزمخشري في الكشاف 4 : 219 و عنه و عن الواحدي الميبدي في الفواتح : 196 ، و أخرجه الطبراني و ابن أبي حاتم و الحاكم في مناقب الشافعي عنهم الكاف الشاف 4 : 220 و ابن المنذر و ابن مردويه عنهما الدر المنثور 6 : 7 ،
و الجويني في فرائد السمطين 2 : 13 ح 359 و غيرهم .
-----------
( 3 ) رواه عن الترمذي الميبدي في الفواتح : 196 ، لكن لم يوجد هذا في سنن الترمذي .
[ 446 ]
« و خلّف فينا راية الحق » قال ابن أبي الحديد : إنّ المراد براية الحقّ الثّقلان المخلّفان : الكتاب و العترة 1 .
و قال ابن ميثم : المراد بها الكتاب و السنّة 2 .
قلت : كلّ منهما و إن كان معنى صحيحا إلاّ أنّ الظاهر أنّ المراد براية الحقّ هنا : الكتاب بالخصوص ، لقوله عليه السّلام بعد : « دليلها مكيث الكلام . . . » جاعلا للعترة دليل الكتاب ، و حينئذ فقوله عليه السّلام هنا نظير قوله عليه السّلام في الخطبة الاولى :
« و خلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في اممها إذ لم يتركوهم هملا بغير طريق واضح ، و لا علم قائم : كتاب ربّكم فيكم » 3 .
و أمّا الراية في كلامه عليه السّلام في خبر عبيد بن كرب عنه عليه السّلام : « أنّ لنا أهل البيت راية من تقدّمها مرق ، و من تأخر عنها محق ، و من تبعها لحق » 4 القائم عليه السّلام بالخصوص ، و رووا الخبر في علاماته عليه السّلام .
« من تقدّمها » بالحكم في قبالها ، كمن أمر بغسل الرّجلين في قبال حكمها بمسحهما .
« مرق » أي : خرج من الدّين .
« و من تخلّف عنها » بعدم العلم بأحكامها .
« زهق » أي : هلك .
« و من لزمها » بالالتزام بما فيها .
« لحق » بها و يصل إلى المقصد .
« دليلها مكيث الكلام » قد عرفت أنّ المراد من دليل راية الحق و هي
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 189 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 3 : 7 .
-----------
( 3 ) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 1 : 25 .
-----------
( 4 ) أخرجه الصدوق في كمال الدين : 654 ح 23 .
[ 447 ]
الكتاب : العترة عليهم السّلام ، لكونهم كتاب اللَّه الناطق الدّال على حكم كتابه الصّامت .
و قال ابن أبي الحديد في شرح الجملة : و قلّة الكلام من صفات المدح ،
و كثرته من صفات الذمّ . قالت جارية ابن السّماك : ما أحسن كلامك لو لا أنّك تكثر ترداده . . . 1 قلت : مكيث الكلام غير قليل الكلام ، إنّما هو من يتكلّم عن رويّة و تدبّر و لو كثر كلامه ، و في قباله سريع الكلام : من يتكلّم عن غير تدبّر و لو قلّ كلامه .
فالحكايات التي نقلها هنا ، و الأخبار التي ذكرها هنا بلا ربط ، و تطويل بلا طائل .
« بطيء القيام ، سريع إذا قام » المراد أنّه لا يفعل شيئا حتّى يوجد المقتضي له و يصير ذا حكمة ، فما لا يكون كذلك لا يقرب منه ، فدعا أبو سفيان و العبّاس أمير المؤمنين عليه السّلام بعد وفاة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى أن يبايعاه ، فما توجّه إليهما 2 ، لأنّ قيامه عليه السّلام في ذاك الوقت لتصدّي الإمرة لم يكن صلاحا ، لأنّه بعد تعاقد قريش على عدم تخلية الأمر له ، و لو كان قام لانجر إلى اضمحلال أصل الاسلام ، كما أنّه إذا وجد المقتضى لا يدع الفرصة ، فاشير عليه عليه السّلام بأن لا يتبع طلحة و الزبير ، و يدع معاوية و الشام ، فخالف من أشار عليه ، و جدّ في الطّلب و أوجد الجمل و صفين .
و نقل ابن أبي الحديد في شرح هاتين الفقرتين قول المتنبي :
و ما قلت للبدر أنت اللجين
و لا قلت للشّمس أنت الذّهب
فيقلق منه البعيد الأناة
و يغضب منه البطيء الغضب
و نقل المثل :
يريك الهوينى و الامور تطير
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 190 .
-----------
( 2 ) السقيفة للجوهري : 42 ، و غيره .
[ 448 ]
و قال : يضرب لمن ظاهره الأناة و باطنه الإبرام . و نقل أشياء اخر كثيرة لا ربط لشيء منها سوى قول الشّاعر منها :
مسبل في الحيّ أحوى رفل
و إذا يغزو فسمع أزل 1
« فإذا أنتم ألنتم له رقابكم ، و أشرتم إليه جاءه الموت فذهب به » قال ابن أبي الحديد : خطب بها أمير المؤمنين عليه السّلام في الجمعة الثالثة من خلافته ، و كنّى فيها عن حال نفسه ، و أعلمهم فيها أنّهم سيفا رقونه ، و يفقدونه بعد اجتماعهم عليه و طاعتهم ، و هكذا وقع الأمر ، فإنّه نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من الشّهر الّذي قتل عليه السّلام فيه 2 .
قلت : فيه أوّلا : من أين أنّ مراده عليه السّلام بقوله : « فإذا أنتم ألنتم له رقابكم و أشرتم إليه » شهر قتله كما قال ؟ بل الظّاهر أنّ مراده عليه السّلام : انتقال أصل الخلافة الظاهرية إليه ، لأنّه عليه السّلام في أيّام الثلاثة لم يكن عندهم إلاّ كأحد الصحابة في عدم بسط يد له ، بل كان تحت الشّدّة ، فإنّ حال من يراقبه الملوك و يعدّونه رقيبا لهم معلوم ، و في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر مشيرا إلى أبي بكر و عمر و إليه عليه السّلام : « و لقد همّا به الهموم ، و أرادا به العظيم » و إنّما في أيّام خلافته ليّن له الرّقاب ، و اشير إليه بالأصابع .
و ثانيا : من قال : إنّ أهل العراق لم يكونوا أشد اجتماعا عليه من شهر قتل فيه ؟ كيف ، و بعد التّحكيم صار أمره عليه السّلام مضطربا غاية الاضطراب ، حتّى بعد رجوعه عن حرب الخوارج نهى النّاس عن دخول البلد ، ليشخصوا إلى معاوية ، فلم يعتنوا به ، و كان معاوية يغير كلّ يوم على بلاده عليه السّلام غير الكوفة ،
و يصيح عليه السّلام بهم في الدفاع ، و لم يصغوا إليه عليه السّلام حتّى قتل صلوات اللَّه عليه
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 190 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 189 ، 192 .
[ 449 ]
أسفا ، و حينئذ فلا بد أنّ مراده عليه السّلام : أن لبثه فيهم أيّام خلافته قليل ، فلم تكمل السّنة الرابعة من قيامه عليه السّلام .
« فلبثتم بعده ما شاء اللَّه » و لا يعلم مدّة لبثهم غير اللَّه .
« حتّى يطلع اللَّه لكم من يجمعكم و يضم نشركم » بظهور قائم آل محمّد عليهم السّلام ، و قال ابن ميثم : قيل هو الإمام المنتظر ، و قيل : هو قائم بني العبّاس بعد انقضاء دولة بني امّية 1 .
قلت : كيف يحتمل إرادته عليه السّلام قائم بني العبّاس ، و كلامه عليه السّلام في دليل راية الحقّ بعده عليه السّلام ؟ فمن يجمع النّاس ، و يضمّ نشرهم على راية الحقّ غير قائم أهل البيت عليهم السّلام ؟ و إذا لم يكن المراد دليل راية الحقّ ، فأيّ فرق بين قائم العباسية و قائم الاموية ، في جمع أمر النّاس على السلطنة الدنيوية ؟
و قال ابن أبي الحديد : كلامه عليه السّلام إشارة إلى المهدي الّذي يظهر في آخر الوقت ، إلاّ أنّه عند أصحابنا غير موجود الآن و سيوجد و عند الإمامية أنّه موجود 2 .
قلت : فما يفعل بقوله عليه السّلام هنا : « مثل آل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله كمثل نجوم السماء إذا خوى نجم طلع نجم » 3 ، و بقوله عليه السّلام في خطبة مرّت في أوّل الفصل : « لا تخلو الأرض من قائم للَّه حجّة إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا » 4 ؟
« فلا تطمعوا في غير مقبل » قال أيوب بن نوح للرّضا عليه السّلام : نرجو أن تكون صاحب هذا الأمر ، و أن يردّه اللَّه إليك من غير سيف ، فقد بويع لك ، و ضربت الدّراهم باسمك . فقال عليه السّلام : ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب ، و سئل عن المسائل ،
-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 8 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 192 .
-----------
( 3 ) رواهما الشريف الرضي في نهج البلاغة 1 : 194 ضمن الخطبة 98 و 4 : 37 ضمن الحكمة 147 .
-----------
( 4 ) المصدر نفسه .
[ 450 ]
و أشارت إليه إلاّ اعتلّ و مات على فراشه ، حتّى يبعث اللَّه عزّ و جلّ لهذا الأمر رجلا خفي المولد و المنشأ ، حتّى خفي في نسبه 1 .
و قال عبد اللَّه بن عطا للباقر عليه السّلام : إنّ شيعتك بالعراق كثيرون ، فو اللَّه ما في أهل بيتك مثلك ، فكيف لا تخرج ؟ فقال : يا عبد اللَّه بن عطا قد أمكنت الحشو من اذنيك و اللَّه ما أنا بصاحبكم 2 .
« و لا تيأسوا من مدبر » قال الهادي عليه السّلام : إذا رفع عليكم من بين أظهركم ،
فتوقعوا الفرج من تحت أقدامكم 3 .
و قال الباقر عليه السّلام : إذا دار الفلك و قال النّاس : مات القائم أو هلك ، بأيّ واد سلك ، و قال الطالب أنى يكون ذلك ، و قد بليت عظامه ؟ فعند ذلك فارجوه ، فإذا سمعتم به فأتوه ، و لو حبوا على الثّلج 4 .
و عن الأصبغ : ذكر عند أمير المؤمنين عليه السّلام القائم عليه السّلام فقال : أما ليغيبنّ حتّى يقول الجاهل : ما للَّه في آل محمّد حاجة 5 .
« فإن المدبر » و المراد به القائم الّذي نهى عن اليأس عنه .
« عسى أن تزل » و زاد ابن أبي الحديد « به » 6 .
« إحدى قائمتيه و تثبت الاخرى » فلا يسقط .
« و ترجعا » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( فترجعا ) كما في
-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 341 ح 25 و الغيبة للنعماني : 112 .
-----------
( 2 ) أخرجه الصدوق بطريقين في كمال الدين : 325 ح 2 و الكليني في الكافي 1 : 342 ح 26 ، و النعماني بطريقين في الغيبه : 111 في صدر حديث .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 341 ح 24 عن الهادي عليه السّلام ، و الغيبة للنعماني : 124 عن الرضا عليه السّلام .
-----------
( 4 ) كمال الدين للصدوق : 326 ح 5 .
-----------
( 5 ) أخرجه الصدوق بطريقين كمال الدين : 302 ح 9 ، و : 303 ح 15 ، و النعماني في الغيبة : 101 .
-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 189 .
[ 451 ]
( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 1 .
« حتّى تثبتا جميعا » و لعلّ الإتيان بضمير التثنية في ( ترجعا ، و تثبتا ) إن صحّ النقل ، لعدم تعيّن الزّالّة ، فيحتمل كونها كلا منهما .
و كيف كان ، فعن الصادق عليه السّلام قال : المنتظر الثاني عشر هو المفرّج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد ، و بلاء طويل ، و جزع و خوف ، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان 2 .
« ألا إنّ مثل آل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله كمثل نجوم السّماء إذا خوى نجم » في ( الصحاح ) :
خوت النجوم : إذا سقطت ، و لم تمطر في نوئها 3 .
« طلع نجم » مكانه قال لقيط بن زرارة :
و إنّي من القوم الّذين علمتهم
إذا مات منهم سيّد قام صاحبه
نجوم سماء كلّما غاب كوكب
بدا كوكب تأوي إليه كواكبه
لمّا مات السّجاد عليه السّلام قال محمّد بن المنكدر : ما كنت أظنّ أنّه يدع ولدا أفضل منه ، حتّى رأيت ابنه محمّد بن عليّ ، أردت أن أعظه فوعظني 4 .
و لمّا مات الباقر عليه السّلام دخل سالم بن أبي حفصة على الصادق عليه السّلام معزّيا له ، فقال له : ذهب و اللَّه من كان يقول : قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله . فلا يسأل عمّن بينه و بين رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و اللَّه لا يرى مثله أبدا . فقال له الصادق عليه السّلام : قال اللَّه تبارك و تعالى : إنّ من عبادي من يتصدّق بشق تمرة ، فاربيها كما يربي أحدكم فلوه ، حتى يجعلها مثل جبل احد . فخرج سالم إلى أصحابه ، فقال : ما رأيت أعجب من هذا كنّا نستعظم قول الباقر عليه السّلام : « قال رسول اللَّه » بلا واسطة . فقال
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 189 ، لكن لفظ شرح ابن ميثم 3 : 6 مثل المصرية .
-----------
( 2 ) كمال الدين للصدوق : 334 ح 5 ، و الغيبة للنعماني : 57 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 6 : 2332 مادة ( خوى ) ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 4 ) الارشاد للمفيد : 263 ، و النقل بتصرف ، و قد مرّ الحديث بتمامه في العنوان 19 من هذا الفصل .
[ 452 ]
ابنه « قال اللَّه » بلا واسطة 1 .
و قال زيدي لإمامي من أصحاب الصادق عليه السّلام : قد مات إسماعيل الّذي كنتم تمدّون أعناقكم إليه ، و جعفر شيخ كبير يموت غدا أو بعد غد ، فتبقون بلا إمام . فلم يدر ما يقول له ، فأخبر الصادق عليه السّلام بمقالته ، فقال عليه السّلام : هيهات هيهات ، أبى اللَّه و اللَّه أن ينقطع هذا الأمر حتّى ينقطع الليل و النهار ، فإذا رأيته فقل له : هذا موسى بن جعفر يكبر و يزوّجه ، فيولد له ولد ، فيكون خلفا إن شاء اللَّه 2 .
و كتب ابن قياما الواقفي إلى الرضا عليه السّلام : كيف تكون إماما و ليس لك ولد ؟ فأجابه عليه السّلام : و ما علمك أنّه لا يكون لي ولد ؟ و اللَّه لا تمضي الأيّام و الليالي حتّى يرزقني اللَّه ولدا ذكرا ، يفرّق به بين الحقّ و الباطل 3 .
و قال أحمد بن محمّد : خرج عن أبي محمّد العسكري عليه السّلام حين قتل الزّبيري : هذا جزاء من اجترأ على اللَّه و أوليائه ، يزعم أنّه يقتلني و ليس لي عقب ، فكيف رأى قدرة اللَّه فيه ؟ قال : و ولد له ولد سمّاه « م ح م د » في سنة ستّ و خمسين و مائتين 4 .
و روى الشيخ في ( غيبته ) توقيعا عن الحجّة عليه السّلام إلى جماعة قالوا : إنّ أبا محمّد عليه السّلام مضى و لا خلف له : أو ما رأيتم كيف جعل اللَّه لكم معاقل تأوون إليها ، و أعلاما تهتدون بها من لدن آدم عليه السّلام إلى أن ظهر الماضي عليه السّلام ، كلّما غاب علم بدا علم ، و إذا أفل نجم طلع نجم ؟ فلمّا قبضه اللَّه إليه ظننتم أنّ اللَّه
-----------
( 1 ) أمالي الطوسي 1 : 125 المجلس 5 ، و النقل بتصرف في اللفظ .
-----------
( 2 ) كمال الدين للصدوق : 657 ح 2 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 320 ح 4 ، و أخرجه بعنوان المشافهة لا المكاتبة الكشي في معرفة الرجال ( اختياره ) 553 ح 1044 .
-----------
( 4 ) الكافي للكليني 1 : 329 ح 5 .
[ 453 ]
تعالى أبطل دينه ، و قطع السّبب بينه و بين خلقه ؟ كلا ما كان ذلك و لا يكون حتّى تقوم السّاعة 1 .
« فكأنّكم قد تكاملت من اللَّه فيكم الصّنائع » أي : نعمه الخاصّة .
« و أراكم ما تأملون » من ظهور القائم عليه السّلام ، في خبر جابر الجعفي ، عن الباقر عليه السّلام : كأنّي بأصحاب القائم عليه السّلام و قد أحاطوا بما بين الخافقين ، فليس من شيء إلاّ و هو مطيع لهم ، حتّى سباع الأرض و سباع الطير 2 .
و في خبر آخر عنه عليه السّلام : إذا قام قائمنا عليه السّلام وضع يده على رؤوس العباد ، فجمع بها عقولهم ، و كملت بها أحلامهم 3 .
و عن الصّادق عليه السّلام : و إنّ الرّجل منهم ليعطى قوّة أربعين رجلا ، و إنّ قلبه لأشدّ من زبر الحديد ، و لو مرّوا بجبال الحديد لقلعوها . . . 4 .
و قال ابن ميثم : وجدت له عليه السّلام في أثناء بعض خطبه في اقتصاص ما يكون بعده فصلا يجري مجرى الشّرح لهذا الوعد ، و هو أن قال : « يا قوم اعلموا علما يقينا إنّ الّذي يستقبل قائمنا من أمر جاهليتكم ليس بدون ما استقبل الرّسول من أمر جاهليتكم و ذلك أنّ الامّة كلّها يومئذ جاهلية إلاّ من رحم اللَّه . فلا تعجلوا فيعجل الخرق بكم ، و اعلموا أنّ الرفق يمن ، و في الأناة بقاء و راحة ، و الإمام أعلم بما ينكر ، و لعمري لينزعنّ عنكم قضاء السوء ، و ليقبضنّ عنكم المرائين ، و ليعزلنّ عنكم امراء الجور ، و ليطهّرنّ الأرض من كلّ غاش ،
و ليعملنّ فيكم بالعدل ، و ليقومنّ فيكم بالقسطاس المستقيم ، ليتمنين أحياؤكم لأمواتكم رجعة الكرّة عمّا قليل فيعيشوا إذن ، فإنّ ذلك كائن للَّه ، أنتم بأحلامكم
-----------
( 1 ) الغيبة للطوسي : 173 ، و النقل بتقطيع .
-----------
( 2 ) كمال الدين للصدوق : 673 ح 25 في صدر حديث .
-----------
( 3 ) كمال الدين للصدوق : 675 ح 30 ، و الكافي للكليني 1 : 25 ح 21 .
-----------
( 4 ) كمال الدين للصدوق : 673 ح 26 .
[ 454 ]
كفّوا ألسنتكم ، و كونوا من وراء معايشكم ، فإنّ الحرمان سيصل إليكم ، و إن صبرتم و احتسبتم و ائتلفتم ، إنّه طالب و تركم ، و مدرك لثأركم ، و آخذ بحقّكم ،
و اقسم باللَّه قسما حقّا : إنّ اللَّه مع الّذين اتّقوا ، و الّذين هم محسنون 1 .
و روى الطبري في إسلام عدي بن حاتم : أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال له : يا عدي بن حاتم إنّما يمنعك من الدخول في هذا الدين لما ترى من حاجتهم ، فو اللَّه ليوشكنّ المال يفيض فيهم حتّى لا يوجد من يأخذه إلى أن قال قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت ، و رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئا حتّى تحجّ هذا البيت ، و ايم اللَّه لتكونن الثالثة ليفيض المال حتى لا يوجد من يأخذه 2 .
قلت : و لا بد أنّ فيضان المال حتّى لا يوجد من يأخذه إنّما في عصر ظهوره عليه السّلام ، فروي : أنّ أصحاب الزكاة يجيئون بزكاتهم إلى المحاويج من شيعته ، فلا يقبلونها فيصّرونها و يدورون في دورهم ، فيخرجون إليهم فيقولون : لا حاجة لنا إلى دراهمكم إلى أن قال و يجتمع إليه أموال أهل الدّنيا كلّها من بطن الأرض و ظهرها ، فيقول النّاس : تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام و سفكتم فيه الدّم الحرام ، و ركبتم فيه المحارم ، فيعطي عطاء لم يعط أحد قبله 3 .