
24
من الخطبة ( 164 ) أَيُّهَا اَلنَّاسُ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نَصْرِ اَلْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ اَلْبَاطِلِ لَم يَطْمَعْ فِيكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ
-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 64 ، 181 .
-----------
( 2 ) المقاتل لأبي الفرج : 184 ، 423 .
-----------
( 3 ) مروج الذهب للمسعودي 4 : 64 و 181 .
[ 470 ]
لَكِنَّكُمْ تِهْتُمْ مَتَاهَ ؟ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ وَ لَعَمْرِي لَيُضَعَّفَنَّ لَكُمُ اَلتِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافاً بِمَا خَلَّفْتُمُ اَلْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ اَلْأَدْنَى وَ وَصَلْتُمُ اَلْأَبْعَدَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اِتَّبَعْتُمُ اَلدَّاعِيَ لَكُمْ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ ؟ اَلرَّسُولِ ؟ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ اَلاِعْتِسَافِ وَ نَبَذْتُمُ اَلثِّقْلَ اَلْفَادِحَ عَنِ اَلْأَعْنَاقِ أقول : رواه الكليني في ( روضة كافيه ) و زاد قبله : « أيّها النّاس إنّ المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير » 1 .
« أيّها النّاس لو لم تتخاذلوا عن نصر الحقّ » تخاذل النّاس بعد نبيّهم صلّى اللَّه عليه و آله عن نصر الحقّ ، نصر أهل بيته ، فاستشفع نساء أمير المؤمنين عليه السّلام إليهم بسيّدة نساء العالمين ، التي قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيها بإقرار الأوّل و الثاني كما نقله ابن قتيبة : « رضا فاطمة من رضاي ، و سخط فاطمة من سخطي ، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، و من أرضى فاطمة فقد أرضاني ، و من أسخط فاطمة فقد أسخطني » 2 فلم ينجع .
ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : و خرج عليّ كرّم اللَّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله على دابة ليلا في مجالس الأنصار ، تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللَّه قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل ، و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به . فيقول عليّ كرّم اللَّه وجهه : أفكنت أدع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله في بيته لم أدفنه ، و أخرج انازع النّاس بسلطانه ؟ فقالت فاطمة :
ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، و لقد صنعوا ما اللَّه حسيبهم و طالبهم 3 .
-----------
( 1 ) رواه الكليني في الكافي 8 : 66 كتاب الروضة ضمن خطبة .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 14 .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 12 .
[ 471 ]
« و لم تهنوا » أي : تضعفوا .
« عن توهين » أي : تضعيف .
« الباطل » خرجت عايشة عليه عليه السّلام و قد قال تعالى لها : و قرن في بيوتكنّ و لا تبرّجن تبرّج الجاهلية الاولى . . . 1 . و قال تعالى فيها و في صاحبتها حفصة : . . . و إن تظاهرا عليه فإنّ اللَّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهيرا 2 . و ضرب عزّ و جلّ لهما ، رامزا بكفرهما باطنا ، مثلا باعتراف عمر كما في ( الكشّاف ) في قوله جلّ و علا :
ضرب اللَّه مثلا للّذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللَّه شيئا و قيل ادخلا النار مع الدّاخلين 3 فتبادر إلى نصرها آلاف و كانوا يقولون :
يا أيّها الناس عليكم امّكم
فإنّها صلاتكم و صومكم
و كانوا يشمّون بعر جملها و يقولون : ريح بعره أطيب من المسك .
و كذلك طلحة و الزّبير حاصرا عثمان حتّى قتل ، و كان عليه السّلام عن ذلك بمعزل ،
فخرجا عليه عليه السّلام بطلب ثاره ، فقتلا آلافا من عباد اللَّه الصالحين ، و كان بطلان دعواهما و دعوى عايشة من الوضوح بمثابة أنكرها مثل المغيرة بن شعبة ،
الذي كان منافقا ، و كان أوّل من أمر بسبّه عليه السّلام مقيما خطباء في ذلك ليسرّ معاوية ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) لمّا نزل طلحة و الزّبير و عايشة بأوطاس ، قال المغيرة : أيّها النّاس إن كنتم إنّما خرجتم مع امّكم فارجعوا بها خيرا لكم ، و إن كنتم غضبتم لعثمان فرؤساؤكم قتلوا عثمان ، و إن كنتم نقمتم على عليّ شيئا
-----------
( 1 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 2 ) رواه من طرق كثيرة السيوطي في الدر المنثور 6 : 239 241 و الفيروز آبادي في السبعة من السلف : 135 143 .
و الآية 4 من سورة التحريم .
-----------
( 3 ) الكشاف للزمخشري 4 : 563 ، و الآية 10 من سورة التحريم .
[ 472 ]
فبيّنوا ما نقمتم عليه 1 .
« لم يطمع فيكم من ليس مثلكم ، و لم يقو من قوي عليكم » من بني اميّة أيّام عثمان ، فإنّ استيلاء الأراذل على النّاس أثر قهري لرذيلة خذلان الحقّ و نصر الباطل ، قالوا : كان ابن عمر يبغض سلمان رحمه اللَّه لمّا رآه يوم السقيفة يقول :
« كرديد و نكرديد » . فلمّا رأى مروان عدوّ الإسلام على منبر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، قال :
رحم اللَّه سلمان قال ما قال بعلم 2 .
و لو كانوا لم يتخاذلوا عن منع الأوّل و الثاني لم يطمع فيه الثّالث ، و لو لم يكن الثالث لم يطمع فيه معاوية ، اللعين بن اللعين على لسان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و المحارب له إلى أن أسلم كرها ، فاستسلم و لم يسلم ، و لو لم يكن معاوية لم يطمع فيه السكّير القمّير القردي يزيد ، و لو لم يكن هو لم يطمع فيه بنو مروان طريد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و الشجرة الملعونة في القرآن . و لذا قال النظام في جواب كلام عبد الملك ، الّذي قرأه في السير في وصف نفسه : « إنّه ليس الخليفة الضعيف يعني عثمان و لا المداهن يعني معاوية و لا المافون يعني يزيد » : أيّها الرجل لو لم يكن اولئك كنت أبعد من الخلافة من الثّرى إلى الثريا .
« لكنّكم تهتم » أي : تحيّرتم .
« متاه بني إسرائيل » قال ابن أبي الحديد : جاء في المسانيد الصحيحة أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : لتركبن سنن من كان قبلكم حذو النّعل بالنّعل ، و القذة بالقذة حتّى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه . فقيل : يا رسول اللَّه اليهود و النصارى ؟
قال : فمن إذن 3 ؟
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 63 .
-----------
( 2 ) الشافي للمرتضى عنه الفتن من البحار : 76 ، و الاحتجاج للطبرسي : 76 .
-----------
( 3 ) رواهما ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 470 .
[ 473 ]
قال : و من الأخبار الصحيحة أيضا أمتهوّكون أنتم كما تهوّكت اليهود و النصارى 1 ؟
و في ( صحيح البخاري و مسلم ) : أنّه سيجاء يوم القيامة باناس من امتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فإذا رأيتهم اختلجوا دوني قلت : أي ربّ أصحابي .
فيقال لي : إنّك لا تدري ما عملوا بعدك . فأقول ما قال العبد الصالح : . . . و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلمّا توفّيتني كنت أنت الرّقيب عليهم و أنت على كلّ شيء شهيد 2 .
قال : و في ( الصحيحين ) أيضا : عن زينب بنت جحش قالت : استيقظ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يوما من نومه محمرّا وجهه و هو يقول : لا إله إلاّ اللَّه ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب فقلت : يا رسول اللَّه أنهلك و فينا الصّالحون ؟ فقال : نعم إذا كثر الخبيث 3 .
قال : و في ( الصحيحين ) أيضا : يهلك امّتي هذا الحي من قريش . قالوا : يا رسول اللَّه فما تأمرنا ؟ قال : لو أنّ النّاس اعتزلوهم 4 .
قلت : لم يذكر المراد من هذه الأخبار ، و الخبر الأخير يوضّح أنّه صلّى اللَّه عليه و آله أشار إلى يوم السقيفة ، فإنّه مشتمل على أنّ قريشا تهلك امّته ، و كان الثاني استند في تقديم الأوّل إلى أنّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : الأئمّة من قريش 5 .
-----------
( 1 ) رواهما ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 470 .
-----------
( 2 ) صحيح البخاري 4 : 221 ، و صحيح مسلم 4 : 1793 1800 ح 26 29 ، 32 ، 40 ، و رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 470 ، و الآية 117 من سورة المائدة .
-----------
( 3 ) أخرجه البخاري بطريقين في صحيحه 4 : 222 ، 233 ، و مسلم بأربع طرق في صحيحه 4 : 2207 ، 2208 ح 1 ، 2 ،
و رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 470 .
-----------
( 4 ) أخرجه البخاري في صحيحه 4 : 222 ، و مسلم بطريقين في صحيحه 4 : 2236 ح 74 ، و رواه عنهما ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 470 .
-----------
( 5 ) رواه الشريف الرضي في ضمن خطبة في نهج البلاغة 2 : 27 الخطبة 142 عن عليّ عليه السّلام ، و للحديث طرق كثيرة .
[ 474 ]
فإن قيل : فلعلّه صلّى اللَّه عليه و آله أشار إلى بني امية ، فإنّهم أيضا كانوا من قريش .
قلت : نعم . لكن إنّما يعبّر باسمهم الخاص كبني هاشم ، و إنّما يعبّر عن الأوّلين بقريش لعدم شهرة تيم وعدي .
و لقد أفصح أمير المؤمنين عليه السّلام عن أنّ مراد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يوم السقيفة في جعلهم في تقديم الأوّل كمتبعي العجل ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : و لمّا أحضروا عليّا للبيعة لحق بقبر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و يصيح و ينادي . . . ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني . . . 1 .
و أوضح من ذلك كلمات سيّدة النّساء صلوات اللَّه عليها و خطبها في ذلك 2 .
« و لعمري ليضعّفنّ لكم التّيه من بعدي أضعافا بما » ليست كلمة ( بما ) في ( ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .
« خلّفتم الحقّ وراء ظهوركم ، و قطعتم الأدنى و وصلتم الأبعد » قال ( ابن أبي الحديد ) : يعني بالأدنى نفسه ، و وصلكم الأبعد يعني معاوية 4 .
قلت : فكما معاوية أبعد منه عليه السّلام عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كذلك صدّيقهم و فاروقهم ، فلم حمل اللفظ العام جزافا و اتّباعا للهوى على معنى خاص ، مع أنّ معاوية كان أقرب إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من الأوّل و الثاني ، فإنّه و النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من بني عبد مناف ، و أين من ذلك تيم وعدي ؟ و لمّا أراد عمر نفسه يوم الشورى إشراك عثمان مع أمير المؤمنين عليه السّلام مع كونهما من حيث العمل كالنّور و الظلمة ، و الحي و الميّت قال مغالطة : إنّهما من بني عبد مناف . ليقرّب جعله
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 13 ، و الآية 150 من سورة الأعراف .
-----------
( 2 ) مرّ تخريج خطبتيها المعروفتين في العنوان 11 من الفصل الأوّل .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن ميثم 3 : 316 مثل المصرية أيضا .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 470 .
[ 475 ]
رديفا له عليه السّلام . و ما يفعل ابن أبي الحديد بقوله عليه السّلام لما سمع احتجاج الرّجلين في قبال الأنصار بأنّهما من قومه قريش : « احتجّوا بالشجرة و أضاعوا الثمرة » 1 .
و لعمر اللَّه ، لقد صدق صلوات اللَّه عليه في تضعيف التّيه لهم أضعافا على بني إسرائيل ، لتركهم مثل أمير المؤمنين عليه السّلام و أهل بيته المعصومين ،
و اتّباعهم لمثل الرّجلين ، مع منعهما النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله عن الوصيّة ، و تخلّفهما عن الشّخوص في جيش اسامة مع تأكيده ساعة بعد ساعة في تجهيزه حتّى لعن المتخلّف 2 ، و تركهما لجنازة نبيّهم صلّى اللَّه عليه و آله ، و إرادتهما إحراق أهل بيته 3 ،
و توطئتهما مع باقي قريش في جعل الأمر بينهم ، بإقرارهم بذلك في قصّة عمر مع ابن عبّاس 4 ، و في نهرهم لمقداد و عمّار يوم الشّورى 5 . فاحتاجوا لذلك إلى إنكار الضروريات و التشكيك في المتواترات و جحد البديهيات ، و إلاّ فكونه عليه السّلام أدنى إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من الأوّل و الثاني أمر بديهي . فلم يقول هذا الرّجل : المراد به الاموي ؟ و قد قال عليه السّلام يوم السقيفة كما اعترف به ابن قتيبة : اللَّه اللَّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم ، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس و حقّه ، فو اللَّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ النّاس به ، لأنّا أهل البيت ،
و نحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب اللَّه ، الفقيه في دين اللَّه ،
العالم بسنن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله المضطلع بأمر الرّعية ، المدافع عنهم الامور
-----------
( 1 ) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 1 : 116 الخطبة 65 .
-----------
( 2 ) لعن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله المتخلف عن جيشه ، رواه الجوهري في السقيفة : 75 مسندا ، و غيره مجردا .
-----------
( 3 ) حديث احراق بيت فاطمة عليها السّلام مرّ تخريجه في شرح ( الطلقاء ) في العنوان 11 من هذا الفصل .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 3 : 289 سنة 23 .
-----------
( 5 ) السقيفة للجوهري : 84 ، 85 ، و غيره .
[ 476 ]
السيّئة ، القاسم بينهم بالسّوية ، و اللَّه إنّه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللَّه فتزدادوا من الحقّ بعدا 1 .
و صاروا بذلك مستحقّين لمثل وقعة الحرّة التي أباح صاحبها نساء المدينة لجيشه ، و أخذ منهم البيعة على أنّهم عبدقن ليزيد ، و صاروا بذلك شركاء أربابهم في كلّ ظلم ورد على أهل بيت نبيّهم من ذاك اليوم إلى الأبد ،
حتّى في قتل أمير المؤمنين عليه السّلام و الحسين عليه السّلام و باقي أهل البيت ، حتّى في ما لم يتصدّوا ، و حتّى من كان منهم اليوم مثل بني إسرائيل في زمان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و أسلافهم ، و مثل قوم صالح في شركتهم مع عاقر الناقة في الوزر مع عدم التصدي .
« و اعلموا أنّكم إن اتبعتم الدّاعي لكم » يعني به نفسه عليه السّلام .
« سلك بكم منهاج الرّسول » و قد اعترف به فاروقهم فقال له عليه السّلام يوم الشورى كما قال ابن قتيبة و غيره : إنّك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين و الصراط المستقيم 2 . و إن كان لمّا سمع ابنه عبد اللَّه ذلك منه ،
قال له : فلم لا تستخلفه ؟ قال : أكره أن أتحملها حيّا و ميّتا لكن ما أصلب وجهه ،
كما أنّه ما أقلّ شعورا اتباعه فكيف دبّر الأمر لعثمان ؟
« و كفيتم مؤونة الاعتساف » قال الجوهري : العسف : الأخذ على غير الطريق ، و كذلك التعسف و الاعتساف 3 .
و المراد : خبط أئمّتهم في أحكام الشرع .
« و نبذتم الثّقل الفادح » أي : طرحتم الحمل الثقيل الذي لا تطيقونه .
« عن الأعناق » و روي : أنّه عليه السّلام قال في بعض خطبه : « أيّتها الامّة المتحيّرة
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 12 ، 25 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 12 ، 25 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة للجوهري 4 : 1403 مادة ( عسف ) .
[ 477 ]
بعد نبيّها ، أما إنّكم لو قدّمتم من قدّم اللَّه و أخّرتم من أخّر اللَّه ، و جعلتم الولاية و الوراثة حيث جعلها اللَّه ، ما عال ولي اللَّه ، و لا طاش سهم من فرائض اللَّه ، و لا اختلف اثنان في حكم اللَّه ، و لا تنازعت الامّة في شيء من أمر اللَّه ، إلاّ علم ذلك عندنا من كتاب اللَّه فذوقوا و بال ما قدّمت أيديكم و ما اللَّه بظلاّم للعبيد . . . و سيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون 1 .
و إن شئت الاطّلاع على اختلافهم في الاصول و الفروع ، و تناقضاتهم و خبطاتهم ، و أقوالهم على خلاف مقتضى العقول ، فارجع إلى ( ملل الشهرستاني ) . و لو كانوا عليهم السّلام متصدّين للأمر لم يستطع أحد يقول برأيه في قبالهم ، كما لم يستطع أحد أن يقول شيئا في مقابل الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله ، و اختلاف الشيعة في مسائل فقههم أيضا نتيجة تقدّم اولئك ، فكانوا كثيرا ما يفتون بالتّقية ، و إلاّ فكلام آخرهم كلام أوّلهم ، و كلام أوّلهم كلام النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و كلام النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كلام اللَّه تعالى .