25

الخطبة ( 103 ) أَلاَ وَ إِنَّ أَبْصَرَ اَلْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي اَلْخَيْرِ طَرْفُهُ أَلاَ إِنَّ أَسْمَعَ اَلْأَسْمَاعِ مَا وَعَى اَلتَّذْكِيرَ وَ قَبِلَهُ . أَيُّهَا اَلنَّاسُ اِسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ وَ اِمْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ اَلْكَدَرِ عِبَادَ اَللَّهِ لاَ تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ وَ لاَ تَنْقَادُوا إِلَى أَهْوَائِكُمْ فَإِنَّ اَلنَّازِلَ بِهَذَا اَلْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ يَنْقُلُ اَلرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لاَ يَلْتَصِقُ وَ يُقَرِّبَ مَا لاَ يَتَقَارَبُ فَاللَّهَ اَللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لاَ يُشْكِي شَجْوَكُمْ وَ لاَ يَنْقُضُ

-----------
( 1 ) الكافي للكليني 7 : 78 ح 1 ، 2 بطريقين ، و الآية 227 من سورة الشعراء .

[ 478 ]

بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى اَلْإِمَامِ إِلاَّ مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ اَلْإِبْلاَغُ فِي اَلْمَوْعِظَةِ وَ اَلاِجْتِهَادُ فِي اَلنَّصِيحَةِ وَ اَلْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ وَ إِقَامَةُ اَلْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا وَ إِصْدَارُ اَلسُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا فَبَادِرُوا اَلْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ اَلْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ وَ اِنْهَوْا غَيْرَكُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ اَلتَّنَاهِي « ألا و إنّ أبصر الأبصار ما نفذ » أي : دخل .

« في الخير طرفه » أي : عينه ، قال تعالى : لا يرتد إليهم طرفهم . . . 1 .

« ألا إنّ أسمع الأسماع ما وعى » بفتح العين ، أي : حفظ .

« التّذكير » الذي سمعه من المذكّر .

« و قبله » و بصر و سمع ليسا كذلك ، ليسا بسمع و بصر بل عين و اذن بلا ثمر ، قال تعالى : . . . و لهم أعين لا يبصرون بها و لهم آذان لا يسمعون بها . . . 2 و لذا وصفهم تعالى بالصّم و العمى .

« أيّها النّاس استصبحوا من شعلة مصباح واعظ متّعظ » يعني عليه السّلام نفسه ،

كان يعظ النّاس بما يعمل به ، لا ككثير وعظهم مجرد قول ، و روي عن السّجاد عليه السّلام قال : مثلنا في كتاب اللَّه كمثل مشكاة ، فنحن المشكاة و المشكاة الكوة فيها مصباح 3 .

و روي مثله عن الرّضا عليه السّلام في ما كتب إلى عبد اللَّه بن جندب و زاد :

-----------
( 1 ) إبراهيم : 43 .

-----------
( 2 ) الأعراف : 179 .

-----------
( 3 ) كنز الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23 : 311 ح 16 عن السّجاد عليه السّلام ، و تفسير القمي 2 : 104 ضمن الكتاب المذكور عن الرضا عليه السّلام ، و تفسير الفرات : 104 ، و كنز جامع الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23 : 324 ح 40 ضمن كتاب الرضا عليه السّلام إلى عبد اللَّه بن جندب عن السجاد عليه السّلام .

[ 479 ]

فالنّور عليّ عليه السّلام يهدي اللَّه لولايتنا من أحبّ ، و حقّ على اللَّه أن يبعث وليّنا مشرقا وجهه 1 .

« و امتاحوا » في ( الصحاح ) : الماتح : المستقي و كذلك المتوح تقول : متح الماء يمتحه متحا إذا نزحه ، و الماتح الّذي ينزل البئر فيملأ الدّلو 2 .

و في ( الأساس ) : ماح الماء يميحه و امتاحه 3 .

و لا يصح هنا إلاّ الثاني لأنّه ليس في العين نزح ، و امتاحوا أيضا من الميح ، فقول ابن ميثم : الماتح : الجاذب للدّلو من البئر 4 في غير محلّه .

روي أنّه سئل الرضا عليه السّلام عن قوله عزّ و جلّ : قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين 5 ، فقال : ماؤكم أبوابكم ، أي :

الأئمة عليهم السّلام . و الأئمّة أبواب اللَّه بينه و بين خلقه . . . يأتيكم بماء معين 6 يعني بعلم الامام 7 .

و عن الصادق عليه السّلام في قوله عزّ و جلّ : و ألّو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا 8 : لأفدناهم علما كثيرا يتعلّمونه من الأئمّة 9 .

-----------
( 1 ) كنز الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23 : 311 ح 16 عن السّجاد عليه السّلام ، و تفسير القمي 2 : 104 ضمن الكتاب المذكور عن الرضا عليه السّلام ، و تفسير الفرات : 104 ، و كنز جامع الفوائد لشرف الدين عنه البحار 23 : 324 ح 40 ضمن كتاب الرضا عليه السّلام إلى عبد اللَّه بن جندب عن السجاد عليه السّلام .

-----------
( 2 ) صحاح اللغة للجوهري 1 : 403 مادة ( متح ) ، و 1 : 408 مادة ( ميح ) .

-----------
( 3 ) اساس البلاغة : 440 مادة ( ميح ) .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 3 : 24 .

-----------
( 5 ) الملك : 30 .

-----------
( 6 ) الملك : 30 .

-----------
( 7 ) تفسير القمي 2 : 379 .

-----------
( 8 ) الجن : 16 .

-----------
( 9 ) رواه الطبرسي في مجمع البيان 10 : 372 ، و شرف الدين بطريقين في كنز جامع الفوائد عنه البحار 24 : 28 ، 29 ح 6 ، 7 .

[ 480 ]

و قال الصدوق : قال محمّد بن الحسن بن أبي خالد الأشعري الملقّب بشنبولة :

بئر معطّلة و قصر مشرف
مثل لآل محمّد مستطرف

فالنّاطق القصر المشيّد منهم
و الصامت البئر التي لا تنزف 1

« من صفو عين » أي : عين صافية .

« قد روّقت » أي : صفّيت .

« من الكدر » قال الشاعر :

لو كنت ماء كنت غير كدر 2

« عباد اللَّه لا تركنوا » أي : لا تعتمدوا و لا تسكنوا .

« إلى جهالتكم » قال الباقر عليه السّلام لأبي حمزة الثمالي : يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلا ، و أنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض ، فاطلب لنفسك دليلا 3 .

« و لا تنقادوا » أي : لا تكونوا متّبعين .

« إلى أهوائكم » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( لأهوائكم ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 4 ، قال الباقر عليه السّلام في قوله تعالى : . . . أ فكلّما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذّبتم و فريقا تقتلون 5 : جاءكم محمّد صلّى اللَّه عليه و آله بما لا تهوى أنفسكم بموالاة عليّ عليه السّلام

-----------
( 1 ) معاني الأخبار للصدوق : 112 ، و غيره .

-----------
( 2 ) لسان العرب 5 : 134 مادة ( كدر ) .

-----------
( 3 ) الكافي للكليني 1 : 184 ح 10 .

-----------
( 4 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2 : 217 ، و شرح ابن ميثم 3 : 23 مثل المصرية أيضا .

-----------
( 5 ) البقرة : 87 .

[ 481 ]

فاستكبرتم ، ففريقا من آل محمّد كذّبتم و فريقا تقتلون 1 .

« فإنّ النّازل بهذا المنزل » أي : الرّكون إلى جهالته و المنقاد لهواه .

« نازل بشفا » بفتح الشين ، قال تعالى : . . . و كنتم على شفا حفرة من النّار . . . 2 أي : طرفها و حرفها .

« جرف » في ( الصحاح ) : الجرف و الجرف ، مثل عسر و عسر : ما تجرفته السّيول ، و أكلته من الأرض . و منه قوله تعالى : . . . على شفا جرف هار . . . 3 .

« هار » في ( الصحاح ) : هار الجرف يهور هورا و هوورا فهو هائر ، و يقال أيضا : جرف هار . خفضوه في موضع الرّفع ، و أرادوا هائرا و هو مقلوب من الثّلاثي إلى الرّباعي ، كما قلبوا شائك السّلاح إلى شاكي السّلاح 4 .

قال الباقر عليه السّلام في قوله تعالى : ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللَّه فأحبط أعمالهم 5 : كرهوا ما أنزل اللَّه تعالى في عليّ عليه السّلام فأحبط أعمالهم 6 .

و لمّا قال عمر لابن عباس كما في ( الطبري ) و غيره : إنّ قريشا كرهت أن يجمعوا لكم النّبوّة و الخلافة ، قال ابن عبّاس له : ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل اللَّه فأحبط أعمالهم 7 .

« ينقل الرّدي » أي : أسباب هلكته من ( ردي ) بالكسر ، أي : هلك .

« على ظهره من موضع إلى موضع » فيكون قتل نفسه بيده ، و في ( الأمثال ) :

-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 418 ح 31 ، و العياشي في تفسيره 1 : 49 ح 98 .

-----------
( 2 ) آل عمران : 103 .

-----------
( 3 ) صحاح اللغة 4 : 1336 مادة ( جرف ) ، و الآية 109 من سورة التوبة .

-----------
( 4 ) صحاح اللغة 2 : 856 مادة ( هور ) .

-----------
( 5 ) محمّد : 9 .

-----------
( 6 ) تفسير القمي 2 : 302 ، و تفسير محمد بن العباس عنه البرهان 4 : 182 ح 2 .

-----------
( 7 ) تاريخ الطبري 3 : 289 سنة 23 ، و الآية 9 من سورة محمّد .

[ 482 ]

كالباحث عن حتفه بظلفه 1 . و كالباحث عن الشّفرة 2 .

« لرأي يحدثه بعد رأي ، يريد أن يلصق ما لا يلتصق و يقرّب ما لا يتقارب » كآراء عمر في ميراث الجدّ ، فنقلوا عنه مائة رأي فيه ، و كآراء أبي حنيفة ، فيفتي اليوم بامور عظام ، كقتل من فعل كذا ، و حلّية فرج امرأة كانت كذا ، و يفتي غدا بخلافها مع أنّ دين اللَّه تعالى لا يصاب بالعقول ، و من قاس كان أبعد عن دينه من الأرض إلى السماء ، فالقتل مع كونه أشدّ من الزّنا يثبت بشاهدين ، و الزّنا لا يثبت إلاّ بأربعة ، و الحائض تقضي الصوم و لا تقضي الصلاة مع كون الصلاة أعظم وجوبا من الصوم ، و أوّل من قاس إبليس قال تعالى له : . . . ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي . . . 3 قال : أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين 4 .

و غرضه عليه السّلام وجوب الرجوع بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى أهل بيته الّذين يقولون ما يقولون عنه صلّى اللَّه عليه و آله لا عن رأي .

« فاللَّه اللَّه أن تشكوا » من شكا يشكو .

« إلى من لا يشكي » من أشكى يشكي ، أي : لا يزيل .

« شجوكم » أي : همّكم و حزنكم .

« و لا ينقض برأيه ما قد ابرم » أي : احكم .

« لكم » قال ابن أبي الحديد : و يروى بدل « و لا ينقض . . . » : « و من ينقض برأيه ما قد أبرم لكم » 5 .

-----------
( 1 ) لسان العرب لابن منظور 2 : 114 مادة ( بحث ) ، و لفظه : « كباحثة عن حتفها بظلفها » .

-----------
( 2 ) مجمع الأمثال للميداني 2 : 157 .

-----------
( 3 ) ص : 75 .

-----------
( 4 ) ص : 76 .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 217 .

[ 483 ]

قلت : لم ينقل ابن ميثم 1 غيره ، و نسخته بخطّ المصنّف فهو المتعيّن ، مع أنّه لا معنى للأوّل إلاّ بتكلّف ، و أمّا الثاني فلا غبار عليه .

و قد نقض فاروقهم ما أبرمه اللَّه تعالى لعباده برأيه من متعة الحجّ ،

و متعة النساء ، فقال : متعتان كانتا على عهد رسول اللَّه أنهي عنهما ، و أعاقب عليهما 2 .

و قد نقض برأيه ما أبرمه اللَّه تعالى بقوله : . . . و اولو الأرحام بعضهم أولى ببعض . . . 3 من تقديم بعض الطبقات على بعض ، كالوالدين و الأولاد على الجدّين و الإخوة و الأخوات ، و هم على الأعمام و الأخوال ، فرأى لهم التّعصيب 4 .

و قد نقض برأيه ما أبرمه اللَّه تعالى لعباده من تقديم ذي الفرضين ،

كالزّوجين و الوالدين على ذي فرض واحد ، كالبنات و الأخوات بورود النّقص على الأخير ، فرأى لهم العول بجعل النّقص على الفريقين 5 ، إلى غير ذلك ممّا فصّل في محلّه .

« إنّه ليس على الإمام إلاّ ما حمّل من أمر ربّه » و ما على الرسول إلاّ البلاغ 6 .

« الإبلاغ في الموعظة » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( الإبلاغ في الموعظة ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 7 .

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 3 : 24 .

-----------
( 2 ) رواه الطحاوي و أبو صالح في نسخته عنهما منتخب كنز العمال 6 : 604 ، و غيرهما .

-----------
( 3 ) الأنفال : 75 .

-----------
( 4 ) روى بعض أقضية عمر في الفرائض بالتعصيب و العول المتقي في منتخب كنز العمال 4 : 205 الفصل الأول .

-----------
( 5 ) روى بعض أقضية عمر في الفرائض بالتعصيب و العول المتقي في منتخب كنز العمال 4 : 205 الفصل الأول .

-----------
( 6 ) العنكبوت : 18 .

-----------
( 7 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 218 ، لكن لفظ شرح ابن ميثم 3 : 24 « إلاّ البلاغ » .

[ 484 ]

كان عليه السّلام يعظ النّاس عموما و خصوصا ، ليلا و نهارا ، كتبا و شفاها ،

قريبه و بعيده ، وليّه و عدوّه ، كما كانت الأنبياء عليهم السّلام كذلك ، قال تعالى حكاية عن نوح : قال رب إنّي دعوت قومي ليلا و نهارا 1 .

و قد كان عليه السّلام كلّ ليلة بعد صلاة العشاء يقبل بوجهه على النّاس و يقول لهم : تجهّزوا رحمكم اللَّه فقد نودي فيكم بالرّحيل ، و إنّ أمامكم عقبة كؤودا ،

و منازل مخوفة مهولة لا بدّ من الورود عليها ، و الوقوف عندها ، و اعلموا أنّ ملاحظ المنية نحوكم دانية ، و كأنّكم بمخالبها ، و قد نشبت فيكم ، و قد دهمتكم منها مظلعات الامور ، و مفظعات المحذور ، فقطّعوا علائق الدّنيا ، و استظهروا بزاد التّقوى 2 .

و كان عليه السّلام كلّ نهار يضع الدّرة على منكبه ، و يمشي إلى السوق ، و يقف على أهله صنفا صنفا ، و ينادي : معاشر النّاس قدّموا الاستخارة ، و تبرّكوا بالسّهولة ، و اقتربوا من المبتاعين ، و تزيّنوا بالحلم ، و تناهوا عن اليمين ،

و جانبوا الكذب ، و تجافوا عن الظّلم ، و أنصفوا المظلومين ، و لا تقربوا الرّبا ،

و أوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا النّاس أشياءهم و لا تعثوا في الأرض مفسدين 3 . ثمّ ينشدهم :

تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها
من الحرام و يبقى الإثم و العار

تبقى عواقب سوء في مغبتها
لا خير في لذّة من بعدها النّار 4

و يقرأ لاولي الرياسة : تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا

-----------
( 1 ) نوح : 5 .

-----------
( 2 ) الامالي الصدوق : 402 ح 7 المجلس 75 ، بفرق يسير .

-----------
( 3 ) هود : 85 .

-----------
( 4 ) الامالي الصدوق : 402 ح 6 المجلس 75 ، بفرق يسير .

[ 485 ]

في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين 1 . و يكفيك هذا الكتاب في إبلاغه عليه السّلام في الموعظة .

« و الاجتهاد » أي : السعي .

« في النّصيحة » لأنّ الامام كالنّبيّ وجوده لطف من اللَّه على عباده ،

فالواجب عليه السّعي و الاجتهاد في نجاة العباد من النّار ، و في تخفيف عذابهم ، و لذا لمّا سمع الحسين عليه السّلام في قصر بني مقاتل بكون عبيد اللَّه بن الحرّ الجعفي هناك بعث إليه يدعوه فأبى أن يأتيه ، فذهب بنفسه إليه و حثّه على نصرته ، فأبى ، فقال له : فإن لا تنصرنا فاتّق اللَّه أن تكون ممّن يقاتلنا ، فو اللَّه لا يسمع و اعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك 2 .

« و الإحياء للسّنة » أي : سنّة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لا غيره ، فلمّا شرط عبد الرحمن بن عوف عليه عليه السّلام يوم الشورى سنّة الشيخين إن أراد أن يبايعه قال عليه السّلام : لا سنّة إلاّ سنّة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . فنزل عليه السّلام عن حقّه 3 ليفهم النّاس بطلان مسلكهم ،

و كونهم مبتدعين على خلاف كتاب اللَّه و سنّة رسوله .

و لمّا جعل المأمون عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام وليّ عهده ، و حضر العيد سأله أن يركب و يحضر و يخطب ، لتطمئنّ قلوب النّاس ، و يعرفوا فضله ،

فقال له : قد علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول هذا الأمر ، فإن أعفيتني فهو أحبّ إليّ ، و إلاّ خرجت كما كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام يخرج . فقال : اخرج كما تحبّ . و أمر المأمون القوّاد و النّاس أن يبكّروا إلى بابه ،

فقعد النّاس له في الطرقات و السطوح ، من الرجال و النساء و الصبيان ، و اجتمع

-----------
( 1 ) مجمع البيان للطبرسي 7 : 268 ، و الآية 83 من سورة القصص .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 307 سنة 61 .

-----------
( 3 ) أخرج هذا المعنى البلاذري في أنساب الأشراف 5 : 22 ، و الجوهري في السقيفة : 85 ، و الطبري في تاريخه 3 :

301 سنة 23 ، و غيرهم .

[ 486 ]

القوّاد على بابه ، فلمّا طلعت الشّمس قام فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن ، و ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه ، و تشمّر ثمّ قال لجميع مواليه : افعلوا مثل ما فعلت . فأخذ بيده عكازة و هم بين يديه ، و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف السّاق ، و عليه ثياب مشمّرة ، فلمّا قام و مشينا بين يديه ، رفع رأسه إلى السّماء و كبّر أربع تكبيرات ، فخيّل إليهم أنّ الهواء و الحيطان تجاوبه ، و القوّاد و النّاس على الباب و قد تزيّنوا و لبسوا السّلاح ،

فلمّا طلعوا عليهم ، و طلع عليه السّلام وقف على الباب ، و قال : اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام ، و الحمد للَّه على ما أبلانا . و رفع بذلك صوته ،

و رفعوا أصواتهم ، فتزعزت مرو من البكاء و الصّياح ، فقالها ثلاث مرّات ،

فسقط القوّاد عن الدّواب و رموا بخفافهم لمّا نظروا إليه ، و لم يتمالك النّاس من البكاء و الصيحة ، و كان عليه السّلام يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات ، فكبّر اللَّه أربع مرّات يتخيّل إليهم أنّ السماء و الأرض و الحيطان تجاوبه ، فبلغ المأمون ذلك ، فقال له الفضل بن سهل : إن بلغ الرضا المصلّى على هذا افتتن به النّاس ، فالرأي أن تسأله أن يرجع . فبعث إليه بالرّجوع ، فدعا بخفه ،

فلبسه و رجع 1 .

« و إقامة الحدود على مستحقيها » قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله كما روى ( الكافي ) : ساعة من إمام عدل أفضل من عبادة سبعين سنة ، و حدّ يقام للَّه في الأرض أفضل من مطر أربعين صباحا 2 .

روي عن الصادق عليه السّلام : كان عليّ عليه السّلام إذا اتي بغلام و جارية لم يدركا لا يبطل حدّا من حدود اللَّه ، كان يأخذ السّوط بيده و من وسطه أو من ثلثه ، ثمّ

-----------
( 1 ) الكافي للكليني 1 : 488 ح 7 ، و عيون الأخبار للصدوق 2 : 147 ح 21 ، و الإرشاد للمفيد : 312 .

-----------
( 2 ) الكافي للكليني 7 : 175 ح 8 .

[ 487 ]

يضرب به على قدر أسنانهم 1 .

و في ( مروج المسعودي ) : لمّا شاع بالكوفة أمر الوليد بن عقبة في شربه هجم عليه جماعة ، منهم أبو زينب بن عوف الأزدي ، و جندب بن زهير الأزدي ،

و غيرهما فوجدوه سكران مضطجعا على سريره لا يعقل ، فأيقظوه من رقدته فلم يستيقظ ، ثمّ تقايأ عليهم ما شرب من الخمر ، فانتزعوا خاتمه من يده ،

و خرجوا من فورهم إلى المدينة ، فأتوا عثمان فشهدوا عنده : أنّه شرب الخمر .

فقال : و ما يدريكما أنّه شرب خمر ؟ قالا : هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهلية . و أخرجا خاتمه فدفعاه إليه ، فدفع في نحورهما و قال : تنحّيا عنّي .

فخرجا و أتيا عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و أخبراه بالقصّة ، فأتى عثمان و هو يقول :

دفعت الشّهود ، و أبطلت الحدود . فقال له عثمان : فما ترى ؟ قال : أرى أن تبعث إلى صاحبك ، فإن أقاما الشهادة عليه في وجهه ، و لم يدل بحجّة أقمت عليه الحدّ . فلمّا حضر الوليد دعاهما عثمان ، فأقاما الشهادة عليه و لم يدل بحجّة ،

فألقى عثمان السوط إلى عليّ عليه السّلام ، فقال عليّ عليه السّلام لابنه الحسن عليه السّلام : قم يا بني فأقم عليه ما أوجب اللَّه عليه . فقال : يكفيه بعض من ترى . فلمّا نظر إلى امتناع الجماعة عن إقامة الحدّ عليه توقّيا لغضب عثمان لقرابته منه ، أخذ عليّ عليه السّلام السوط و دنا منه ، فلمّا أقبل نحوه سبّه الوليد ، و قال : يا صاحب مكس . فقال عقيل بن أبي طالب و كان ممّن حضر : إنّك لتتكلّم يابن أبي معيط كأنّك لا تدري من أنت ؟ إنّما أنت علج من أهل صفورية كان ذكر أنّ أباه كان يهوديا منها فأقبل الوليد يروغ من عليّ عليه السّلام فاجتذبه فضرب به الأرض ، و علاه بالسّوط . فقال عثمان : ليس لك أن تفعل به هذا . قال : بلى و شرّا من هذا ، إذا فسق

-----------
( 1 ) الكافي للكليني 7 : 176 ح 13 ، و المحاسن للبرقي : 273 ح 377 ، و الفقيه للصدوق 4 : 53 ح 14 ، و التهذيب للطوسي 10 : 146 ح 10 ، ضمن حديث .

[ 488 ]

و منع من حقّ اللَّه تعالى أن يؤخذ منه 1 .

و فاروقهم عطّل الحدّ على المغيرة ، فمنع زيادا عن إقامة الحدّ عليه ،

لاحتياجه إليه في دهائه ، و كان مقرّا بذلك ، فكان إذا رأى المغيرة قال كما في ( أغاني أبي الفرج ) : و اللَّه ما أظنّ أبا بكرة كذب عليك ، و ما رأيتك إلاّ خفت أن ارمى بالحجارة 2 من السماء . و كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : لئن ظفرت بالمغيرة لا تبعته حجارة 3 . و قال الحسن عليه السّلام لمعاوية : و اللَّه سائل عمر عن تعطيله الحدّ على المغيرة 4 .

« و إصدار السّهمان » في ( الصحاح ) : السّهم : النّصيب ، و الجمع السّهمان 5 .

« على أهلها » و لمّا قيل له عليه السّلام : لو فضّلت الأشراف كان أجدر أن يناصحوك ، غضب و قال : أتأمروني أن أطلب النّصر بالجور في من ولّيت عليه 6 ؟

و روى المدائني : أنّ ابن عبّاس كتب إلى الحسن عليه السّلام بعد أبيه : و اعلم أنّ عليّا أباك إنّما رغب النّاس عنه إلى معاوية أنّه آسى بينهم في الفي‏ء ، و سوّى بينهم في العطاء فثقل عليهم 7 .

و لمّا سأله عقيل أخوه صاعا زائدا على سهمه من بيت المال ،

أحمى له حديدة و أدناها منه ، فضجّ فقال عليه السّلام له : ثكلتك الثواكل أتئنّ

-----------
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي 2 : 335 .

-----------
( 2 ) الأغاني لأبي الفرج 16 : 99 .

-----------
( 3 ) الكافي للكليني 7 : 182 ح 8 ، و التهذيب للطوسي 10 : 42 ح 152 ، و الاستبصار 4 : 215 ح 12 ، و غيرهم .

-----------
( 4 ) المفاخرات للزبير بن بكار عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 104 ، شرح الخطبة 82 ضمن حديث طويل ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 5 ) صحاح اللغة 5 : 1956 مادة ( سهم ) .

-----------
( 6 ) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 2 : 6 الخطبة 124 .

-----------
( 7 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 9 ، شرح الحكمة 205 ضمن كتاب .

[ 489 ]

من أذى و لا أئن من لظى 1 ؟

« فبادروا العلم من قبل تصويح » أي : يبس .

« نبته » و في ( الأساس ) : صوّحت الرّيح و الحرّ البقل : يبسته حتى تشقّق ،

و صوّح بنفسه و تصوّح 2 .

و كلامه عليه السّلام هذا في معنى قوله عليه السّلام : سلوني قبل أن تفقدوني 3 .

« و من قبل أن تشغلوا بأنفسكم عن مستنار العلم » هكذا في ( المصرية ) ،

و الصواب : ما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطّية ) 4 : « مستثار العلم » .

و في ( الصحاح ) : ثوّر البرك و استثارها ، أي : أزعجها ، و أنهضها 5 .

و في ( الأساس ) : و استثرته : هيّجته ، قال :

أثار اللّيث في عرّيس غيل
له الويلات ممّا يستثير 6

« من عند أهله » قالت الشّراح : أي : من قبل أن تشغلوا بالفتن عنه من عندهم 7 .

قلت : و يمكن أن يراد به الشغل بحضور الموت عنه كذلك ، نظير قوله تعالى : و أنفقوا ممّا رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول ربّ لو لا أخرتني إلى أجل قريب فأصّدّق و أكن من الصّالحين 8 ، و قوله تعالى :

-----------
( 1 ) المناقب لابن شهر آشوب 2 : 109 ، و غيره .

-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 261 مادة ( صوح ) .

-----------
( 3 ) رواه الشريف الرضي ضمن خطبة في نهج البلاغة 2 : 130 الخطبة 187 .

-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 218 ، لكن في شرح ابن ميثم 3 : 24 « مستنار » أيضا .

-----------
( 5 ) صحاح اللغة 2 : 606 مادة ( ثور ) .

-----------
( 6 ) أساس البلاغة : 49 مادة ( ثور ) .

-----------
( 7 ) هذا معنى قول ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 218 ، و ابن ميثم في شرحه 3 : 29 .

-----------
( 8 ) المنافقون : 10 .

[ 490 ]

أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرّطت في جنب اللَّه . . . 1 .

« و انهوا عن المنكر ، و تناهوا عنه فإنّما أمرتم بالنّهي بعد التناهي » كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون 2 ، . . . ما اريد أن اخالفكم إلى ما أنهاكم عنه . . . 3 .