
26
من الخطبة ( 167 ) وَ إِنَّمَا طَلَبُوا هَذِهِ اَلدُّنْيَا حَسَداً لِمَنْ أَفَاءَهَا اَللَّهُ عَلَيْهِ فَأَرَادُوا رَدَّ اَلْأُمُورِ عَلَى أَدْبَارِهَا وَ لَكُمْ عَلَيْنَا اَلْعَمَلُ بِكِتَابِ اَللَّهِ تَعَالَى وَ سِيرَةِ رَسُولِ اَللَّهِ ص وَ اَلْقِيَامُ بِحَقِّهِ وَ اَلنَّعْشُ لِسُنَّتِهِ . « و إنّما طلبوا » أي : أصحاب الجمل .
« هذه الدّنيا حسدا » أي : لحسدهم .
« لمن أفاءها اللَّه » أي : أرجعها ، أي : الخلافة .
« عليه » بعد الثلاثة كما جعلها له النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من اللَّه تعالى .
« فأرادوا ردّ الامور على أدبارها » و غصبها أخيرا أيضا كالابتداء ، و قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام لا يشعر بأنّه عليه السّلام كان يعتقد أنّ الأمر له ، و أنّه غلب عليه ثمّ رجع إليه ، و لكنّه محمول على أنّه من رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله بمنزلة الجزء من الكلّ ،
و أنّهما من جوهر واحد ، فلمّا كان الوالي قديما هو رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ثمّ تخلّل بين ولايته ، و ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام ولايات غريبة سمّى ولايته فيئا و رجوعا ،
لأنّها رجعت إلى الدوحة الهاشمية ، و بهذا يجب أن يتأوّل قوله عليه السّلام : « فأرادوا
-----------
( 1 ) الزمر : 56 .
-----------
( 2 ) المائدة : 79 .
-----------
( 3 ) هود : 88 .
[ 491 ]
ردّ الامور على أدبارها » أي : أرادوا انتزاع الخلافة من بني هاشم كما انتزعت أوّلا ، و إقرارها في بيوت بعيدة عن هذا البيت ، اسوة بما وقع من قبل 1 .
قلت : لازم كونه عليه السّلام مع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من جوهر واحد ، و كونه بمنزلة الجزء منه ، هو اعتقاده كون الأمر له أوّلا ، و أنّه غلب عليه بل و فوق ذلك ، و أنّ المنازع له ، و المنتزع منه سلطانه كالمنازع للنّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و كالمنتزع من النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله سلطانه . و لعمر اللَّه لو فرض نشر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و رجوعه إلى الدّنيا لدفعوه عن مقامه كما دفعوا أمير المؤمنين عليه السّلام . و لقد أفصح عن ذلك من خلفائهم من كان أعرف ، و أعلم من الثلاثة بمراتب ، و أقرب منهم إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بدرجات لكونه من هاشم المنصور العبّاسي . فلمّا خرج عليه محمّد الحسني بالمدينة قال : لو خرج عليّ صاحب قبرها كنت مضطرا إلى قتاله و قتله ، فالملك عقيم .
ثمّ ما يفعل بكلماته الصريحة ، و المحفوفة بالشواهد ، و القرائن في باقي المواطن ؟ فمن كلامه عليه السّلام يوم السقيفة كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) : اللَّه اللَّه يا معشر المهاجرين لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم ، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس و حقّه ، فو اللَّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به صلّى اللَّه عليه و آله لأنّا أهل البيت ، و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب اللَّه ، الفقيه في دين اللَّه ، العالم بسنن رسول اللَّه ، المضطلع بأمر الرّعيّة ، المدافع عنهم الامور السيئة ، القاسم بينهم بالسويّة ، و اللَّه إنّه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللَّه فتزدادوا من الحقّ بعدا 2 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 473 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 12 .
[ 492 ]
و لكون كلامه عليه السّلام بهذه المثابة من الصراحة قال له عليه السّلام بشير بن سعد أبو نعمان بن بشير الأنصاري مع كونه أوّل من بايع أبا بكر حتّى قبل عمر ، حسدا له لابن عمّه سعد بن عبادة أن ينال الأمر : و لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلفت عليك .
و من كلامه عليه السّلام بعد بيعة النّاس له ما رواه المدائني عن عبد اللَّه بن جنادة ، قال : قدمت من الحجاز اريد العراق في أوّل إمارة عليّ عليه السّلام فمررت بمكّة ، فاعتمرت ثم قدمت المدينة ، فدخلت مسجد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إذ نودي للصلاة جامعة ، فاجتمع النّاس ، و خرج عليّ متقلّدا سيفه ، فشخصت الأبصار نحوه فحمد اللَّه ، و صلّى على رسوله ثم قال : أمّا بعد ، فإنّه لمّا قبض اللَّه نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله قلنا : نحن أهله و ورثته و عترته و أولياؤه دون النّاس ، لا ينازعنا سلطانه أحد و لا يطمع في حقّنا طامع ، إذ انبرى لنا قومنا ، فغصبونا سلطان نبيّنا ، فصارت الإمرة لغيرنا ، و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف ، و يتعزّز علينا الذّليل ، فبكت الأعين منّا لذلك ، و خشنت الصدور ، و جزعت النّفوس ، و ايم اللَّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، و أن يعود الكفر ، و يبور الدين لكنّا غير ما كنّا لهم 1 .
فهل ترى كلاما أصرح منه في مغلوبيّته و مظلوميّته ، و غاصبيّة المتقدّمين عليه ؟
« و لكم علينا العمل بكتاب اللَّه تعالى ، و سيرة رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و القيام بحقّه و النّعش » أي : الرفع .
« لسنّته » كلامه عليه السّلام هذا دالّ على أنّ المناط في استحقاق الخلافة و الإمامة : الخروج عن عهدة العمل بكتاب اللَّه تعالى و سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله كما
-----------
( 1 ) نقله عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 101 ، شرح الخطبة 22 .
[ 493 ]
ينبغي ، كما هو مذهب الإمامية ، دون بيعة الامة كما هو مسلك العامّة .
و مثل كلامه عليه السّلام في ذلك كلام ابنيه الحسن و الحسين صلوات اللَّه عليهما ، روى أبو الفرج في ( مقاتله ) مسندا : أنّ معاوية أمر الحسن عليه السّلام أن يخطب لمّا سلّم الأمر إليه ، و ظنّ أنّه سيحصر ، فقال في خطبته : إنّما الخليفة من سار بكتاب اللَّه و سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و ليس الخليفة من سار بالجور ، ذلك ملك ملّك ملكا يمتّع به قليلا ثمّ تنقطع لذّته ، و تبقى تبعته و إن أدري لعلّه فتنة لكم و متاع إلى حين 1 .
و في ( الإرشاد ) عن الكلبي و المدائني : أنّ الحسين عليه السّلام لمّا بعث ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى أهل الكوفة كتب إليهم معه كتابا و في جملته : فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدّائن بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات اللَّه 2 .
و كلامهم حجّة ، حيث إنّهم أهل العصمة ، و شهد الكتاب بطهارتهم في قوله عزّ و جلّ : . . . إنّما يريد اللَّه ليذهب عنكم الرّجس أهل البيت و يطهّركم تطهيرا 3 ، و شهد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في المتواتر عنه صلّى اللَّه عليه و آله بكونهم مثل الكتاب في الحجّية في قوله صلّى اللَّه عليه و آله : إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللَّه و عترتي ، و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض 4 .
و كذلك كلامه عليه السّلام هذا دالّ على بطلان خلافة الأوّلين ، حيث إنّه كان لهما سنّة في مقابل سنّة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، كما أنّه عليه السّلام ترك حقّه يوم الشورى ، لمّا شرط عليه عليه السّلام عبد الرحمن بن عوف العمل بسنّتهما ،
-----------
( 1 ) مقاتل الطالبيين لأبي الفرج : 47 ، و الآية 111 من سورة الأنبياء .
-----------
( 2 ) الإرشاد للمفيد : 204 .
-----------
( 3 ) الأحزاب : 33 .
-----------
( 4 ) هذا حديث الثقلين مرّ تخريجه في شرح فقرة « إليهم يفيء الغالي » في العنوان 4 من هذا الفصل .
[ 494 ]
ليعلم النّاس بطلان أمرهما 1 .
و كذلك نبّه على ذلك بعد خروج الخوارج من أصحابه عليه السّلام ، و بيعة غيرهم له عليه السّلام بيعة ثانية غير بيعة أوّل خلافته ، و في ( خلفاء ابن قتيبة ) :
فبايعوه على التسليم و الرّضا ، و شرط عليهم كتاب اللَّه و سنّة رسوله صلّى اللَّه عليه و آله ،
فجاء رجل من خثعم ، فقال له عليّ عليه السّلام : بايع على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه . قال : لا ،
و لكن ابايعك على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه و سنّة أبي بكر و عمر فقال عليّ عليه السّلام :
و ما يدخل سنّة أبي بكر و عمر مع كتاب اللَّه و سنّة نبيّه ، إنّما كانا عاملين بالحقّ حيث عملا ؟ فأبى الخثعمي إلاّ سنّة أبي بكر و عمر ، و أبى عليّ عليه السّلام أن يبايعه إلاّ على كتاب اللَّه و سنّة نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله ، فقال له حيث ألحّ عليه : تبايع ؟ قال : لا ،
إلاّ على ما ذكرت . فقال له عليّ عليه السّلام : أما و اللَّه لكأنّي بك قد نفرت في هذه الفتنة ،
و كأنّي بحوافر خيلي قد شدخت وجهك . فلحق بالخوارج فقتل يوم النّهروان .
قال قبيصة : فرأيته يوم النّهروان قتيلا قد وطئت الخيل وجهه ، و شدخت رأسه و مثّلت به ، فذكرت قول عليّ و قلت : للَّه درّ أبي الحسن ما حرّك شفتيه قطّ بشيء إلاّ كان كذلك و رواه الطبري أيضا 2 .
فلو كان مذهب السنّة القائلين بسنّة أبي بكر و عمر حقّا ، لكان أمير المؤمنين عليه السّلام مجانبا للحقّ بعيدا عنه بمراحل ، لا دائرا مدار الحقّ كما تواتر عن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيه عليه السّلام 3 ، و شهد به الدّراية الضرورية ؟ و كان معاوية يكتب إلى عمّاله أن يقتلوا من كان على دين عليّ . فكتب الحسين عليه السّلام إليه : دين عليّ
-----------
( 1 ) هذا المعنى رواه البلاذري في أنساب الاشراف 5 : 22 ، و غيره ، مرّ تخريجه في أوائل هذا العنوان .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 146 ، و تاريخ الطبري 4 : 56 سنة 37 .
-----------
( 3 ) هذا المعنى روي عن سعد بن أبي وقاص و علي عليه السّلام و ام سلمة و غيرهم ، و قد مرّ تخريجه في أواخر العنوان 5 من هذا الفصل .
[ 495 ]
دين النّبيّ . . . قاتلهم اللَّه أنّى يؤفكون 1 .