27

الحكمة ( 209 ) وَ قَالَ ع : لَتَعْطِفَنَّ اَلدُّنْيَا عَلَيْنَا بَعْدَ شِمَاسِهَا عَطْفَ اَلضَّرُوسِ عَلَى وَلَدِهَا وَ تَلاَ عَقِيبَ ذَلِكَ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوارِثِينَ 28 : 5 2 .

أقول : روى المصنّف في ( خصائصه ) عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : قال أمير المؤمنين عليه السّلام : لتعطفنّ الدّنيا . . . 3 و روى الكراجكي في ( كنزه ) عن ربيعة بن ناجد قال : سمعت عليّا عليه السّلام يقول في هذه الآية : و نريد أن نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض . . . 4 :

« لتعطفنّ هذه الدّنيا على أهل البيت كما تعطف الضّروس على ولدها » 5 .

« لتعطفنّ الدّنيا بعد شماسها » في ( الصحاح ) : شمس الفرس شموسا و شماسا ، أي : منع ظهره 6 .

« عطف الضّروس على ولدها » في ( الصحاح ) : ناقة ضروس : سيّئة الخلق تعضّ حالبها . و منه قولهم : هي بجنّ ضراسها . أي : بحدثان نتاجها ، و إذا كانت كذلك حامت عن ولدها ، قال بشر :

-----------
( 1 ) رواه الكشي في معرفة الرجال ( اختياره ) : 50 ، و احتجاج الطبرسي في الاحتجاج : 297 ، و النقل بتصرف في اللفظ ،

و الآية 30 من سورة التوبة .

-----------
( 2 ) القصص : 5 .

-----------
( 3 ) خصائص الأئمة للشريف الرضي : 40 .

-----------
( 4 ) القصص : 5 .

-----------
( 5 ) رواه شرف الدين في كنز جامع الفوائد عنه البحار 24 : 170 ح 5 ، و لم يخرجه الكراجكي في كنزه بل الظاهر أنّ الشارح توهّم أنّ رمز « كنز » في البحار يشير إلى كنز الكراجكي .

-----------
( 6 ) صحاح اللغة 2 : 937 مادة ( شمس ) .

[ 496 ]

عطفنا لهم عطف الضروس من الملا
بشهباء لا يمشي الضّراء رقيبها 1

و روي : أنّ الصادق عليه السّلام كان يقول :

لكلّ اناس دولة يرقبونها
و دولتنا في آخر الدّهر تظهر 2

« و تلا عقيب ذلك » أي : شاهدا لعطف الدّنيا عليهم أخيرا : و نريد أنّ نمنّ على الّذين استضعفوا في الأرض و نجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين .

و بعدها : و نمكّن لهم في الأرض و نري فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانوا يحذرون 3 .

قال القمي : أخبر اللَّه تعالى نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله بما لقى موسى عليه السّلام و أصحابه من فرعون من القتل و الظلم ، ليكون تعزية له في ما يصيبه في أهل بيته من امته ،

ثمّ بشّره بعد تعزيته أنّه يتفضّل عليهم بعد ذلك ، و يجعلهم خلفاء في الأرض و أئمّة على امّته يقول : . . . منهم ما كانوا يحذرون 4 أي : من آل محمّد ، و لو كانت نزلت في موسى لقال : منه ما كانوا يحذرون . و لم يقل منهم 5 .

و قال ابن أبي الحديد : و الإمامية تزعم أنّ ذلك وعد منه بالإمام الغائب الّذي يملك الأرض في آخر الزّمان ، و أصحابنا يقولون إنّه وعد بإمام يملك الأرض و يستولي على الممالك ، و لا يلزم من ذلك أنّه لا بد أن يكون موجودا ،

و أن يكون غائبا إلى أن يظهر ، بل يكفي في صحّة هذا الكلام أن يخلق في آخر الوقت 6 .

قلت : الإماميّة إنّما قالوا إنّه إشارة إلى الإمام المنتظر ، و أمّا وجوده

-----------
( 1 ) صحاح اللغة 2 : 939 مادة ( ضرس ) .

-----------
( 2 ) أمالي الصدوق : 396 ح 3 المجلس 74 .

-----------
( 3 ) القصص : 6 .

-----------
( 4 ) القصص : 6 .

-----------
( 5 ) تفسير القمي 2 : 133 ، و النقل بتلخيص .

-----------
( 6 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 336 .

[ 497 ]

و غيبته فيثبتونه بأدلّة اخرى عقليّة و نقليّة ، و قد مرّ من النّقليّة قوله عليه السّلام : « لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحجّة إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا » 1 و قوله عليه السّلام : « إذا خوى نجم طلع نجم » 2 .

و قال ابن أبي الحديد أيضا : و قال بعض أصحابنا : إنّه إشارة إلى ملك السّفاح و المنصور 3 .

قلت : لا بد إن كان ذاك البعض من النّصاب ، و كيف يصحّ قوله و لم يكن شماس الدّنيا على أهل بيته في زمان العبّاسيين أقل من زمان الامويين ؟

هذا ، و مثل تلك الآية في البشارة لأهل بيته عليه السّلام قوله تعالى : و لقد كتبنا في الزّبور من بعد الذّكر أنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون 4 ، و قوله تعالى : وعد اللَّه الذين آمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم و ليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدّلنّهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا . . . 5 .

و لم يكن عباد صالحون و لا مؤمنون عاملون للصالحات مثل أهل البيت عليهم السّلام ، فلا بد بمقتضى الآيتين أن يرثوا الأرض و يستلخفوا فيهما حسبما و عد تعالى ، و نرى أنّ ذلك لم يتّفق في زمان الأحد عشر منهم ، فلا بد أن يكون في عصر ثاني عشرهم ، و حيث إنّ الجميع بمنزلة نفس واحدة يصدق بإرثه الأرض إرثهم ، و باستخلافه فيها ، و تمكين اللَّه تعالى له دينه الذي ارتضاه له ، و تبديل خوفه بالأمن ، استخلافهم و تمكينهم و تبديل خوفهم

-----------
( 1 ) مرّ في العنوان 1 من هذا الفصل .

-----------
( 2 ) مرّ في العنوان 22 من هذا الفصل .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 336 .

-----------
( 4 ) الأنبياء : 105 .

-----------
( 5 ) النور : 55 .

[ 498 ]

صلوات اللَّه عليهم أجمعين .