
29
من الخطبة ( 148 ) حَتَّى إِذَا قَبَضَ اَللَّهُ رَسُولَهُ ص رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى اَلْأَعْقَابِ وَ غَالَتْهُمُ اَلسُّبُلُ وَ اِتَّكَلُوا عَلَى اَلْوَلاَئِجِ وَ وَصَلُوا غَيْرَ اَلرَّحِمِ وَ هَجَرُوا اَلسَّبَبَ اَلَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ وَ نَقَلُوا اَلْبِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَادِنُ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَ أَبْوَابُ كُلِّ ضَارِبٍ فِي غَمْرَةٍ قَدْ مَارُوا فِي اَلْحَيْرَةِ وَ ذَهَلُوا فِي اَلسَّكْرَةِ عَلَى سُنَّةٍ مِنْ ؟ آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مِنْ مُنْقَطِعٍ
-----------
( 1 ) جاءت قصّة موسى عليه السّلام و العبد الصالح في الآيات 60 82 من سورة الكهف .
-----------
( 2 و 3 ) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : 129 ، 130 ضمن خطبة .
[ 520 ]
إِلَى اَلدُّنْيَا رَاكِنٍ أَوْ مُفَارِقٍ لِلدِّينِ مُبَايِنٍ « حتّى إذا قبض اللَّه رسوله صلّى اللَّه عليه و آله » فيه تصريح بما تقوله الإمامية ، من ارتداد الناس بعد وفاة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ارتدادا معنويا ، إلاّ من عصم اللَّه من شيعته المخلصين .
« رجع قوم على الأعقاب » . . . أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم . . . 1 .
قال أبو المقدام للباقر عليه السّلام : إنّ العامّة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع النّاس كانت رضى للَّه ، و إنّ اللَّه ما كان ليضلّ امّة محمّد من بعده .
فقال عليه السّلام : أو ما تقرؤون كتاب أللَّه ؟ أو ليس اللَّه يقول : و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرّسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللَّه شيئا و سيجزي الشاكرين 2 ؟ فقلت له : إنّهم يفسّرونه على وجه آخر ، و يقولون : كيف يمكن كفرهم بعد ايمانهم ؟ فقال : أو ليس اللَّه عزّ و جلّ قد أخبر عن الّذين من قبلهم من الامم : أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات ، حيث قال : . . . و آتينا عيسى بن مريم البيّنات و أيّدناه بروح القدس و لو شاء اللَّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر و لو شاء اللَّه ما اقتتلوا و لكنّ اللَّه يفعل ما يريد 3 ؟ و في هذا ما يستدلّ به على أنّ أصحاب محمّد صلّى اللَّه عليه و آله قد اختلفوا من بعده : فمنهم من آمن ، و منهم من كفر .
و في ( استيعاب ابن عبد البر ) في عنوان بسر بن أرطاة : روى شعبة و سفيان الثوري عن المغيرة بن النّعمان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ،
قال : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : إنّكم محشورون إلى اللَّه عزّ و جلّ عراة عزّلا فذكر
-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 144 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 8 : 270 ح 398 ، و الآية 253 من سورة البقرة .
[ 521 ]
الحديث و فيه : فأقول : يا رب أصحابي فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ،
إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم 1 .
و روى مسندا عن أبي حازم عن سهل بن سعد ، قال : قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ يشرب ، و من شرب لم يظمأ أبدا ، و ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم و يعرفوني ، ثم يحال بيني و بينهم . قال أبو حازم : فسمعني النّعمان بن أبي عيّاش ، فقال : هكذا سمعت من سهل ؟ قلت : نعم . قال : فإنّي أشهد على أبي سعيد الخدري ، سمعته و هو يزيد فيها : فأقول : إنّهم منّي . فيقال :
إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك . فأقول : سحقا سحقا لمن غيّر بعدي 2 .
« و غالتهم السّبل » يقال : غاله : إذا أخذه من حيث لم يدر ، قال حارثة في ابنه زيد بن حارثة لمّا ذهبت به بنو القين :
فو اللَّه ما أدري و إن كنت سائلا
أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
و كلامه عليه السّلام إشارة إلى قوله تعالى : . . . و لا تتّبعوا السّبل فتفرّق بكم عن سبيله . . . 3 .
« و اتّكلوا » أي : اعتمدوا .
« على الولائج » هكذا في النسخ 4 ، و الظاهر وقوع سقط ، و أنّ الأصل :
« على غير الولائج » . فوليجة الرّجل خاصته و بطانته ، فيكون إشارة إلى قوله تعالى : أم حسبتم أن تتركوا و لمّا يعلم اللَّه الّذين جاهدوا منكم و لم يتّخذوا من دون اللَّه و لا رسوله و لا المؤمنين و ليجة و اللَّه خبير بما تعملون 5 .
-----------
( 1 ) الاستيعاب لابن عبد البر 1 : 160 .
-----------
( 2 ) الاستيعاب لابن عبد البر 1 : 159 .
-----------
( 3 ) الأنعام : 153 .
-----------
( 4 ) كذا في نهج البلاغة 2 : 36 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 417 ، و شرح ابن ميثم 3 : 216 .
-----------
( 5 ) التوبة : 16 .
[ 522 ]
و يحتمل أن يكون الأصل : « و اتّكلوا على الولائج من دون اللَّه » .
« و وصلوا غير الرّحم » أي : غير رحم النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، حيث تركوا أهل بيته و قطعوا رحمه التي امروا بوصلها ، و قد قال تعالى : الّذين ينقضون عهد اللَّه من بعد ميثاقه و يقطعون ما أمر اللَّه به أن يوصل و يفسدون في الأرض اولئك هم الخاسرون 1 .
« و هجروا » أي : تركوا .
« السّبب » هكذا في النسخ 2 ، و لا يبعد أن يكون محرّف ( النّسب ) بشهادة قوله :
« الّذي امروا بمودّته » قال تعالى : . . . قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودّة في القربى . . . 3 .
و قال ابن أبي الحديد : قوله عليه السّلام : « و هجروا السّبب . . . » ، إشارة إلى قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « خلّفت فيكم الثقلين : كتاب اللَّه ، و عترتي أهل بيتي ، حبلان ممدودان من السماء إلى الأرض ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض » . فعبّر أمير المؤمنين عن أهل البيت بلفظ السّبب ، لمّا كان النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله قال : « حبلان » .
و السّبب في اللغة : الحبل . . . 4 « و نقلوا البناء عن رصّ أساسه » من إضافة الصفة مع كون المصدر بمعنى المفعول ، أي : أساسه المرصوص ، كما قال تعالى : . . . بنيان مرصوص 5 . أي : ملصق بعضه ببعض .
-----------
( 1 ) البقرة : 27 .
-----------
( 2 ) كذا في نهج البلاغة 2 : 36 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 417 ، و شرح ابن ميثم 3 : 216 .
-----------
( 3 ) الشورى : 23 .
-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 417 .
-----------
( 5 ) الصف : 4 .
[ 523 ]
« فبنوه في غير موضعه » و قال تعالى : ذريّة بعضها من بعض . . . 1 .
و قد سأل السّلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي الحكيم سنائي الشاعر عن مذهبه ، فأجابه بقصيدة ، و هي بالفارسية ، و منها هذه الأبيات :
از پى سلطان ملك شه چون نميدارى روا
تخت و تاج سلطنت جز آنكه سنجر داشتن
از پى سلطان دين از چه همى دارى روا
جز عليّ و عترتش محراب و منبر داشتن 2
و روى ( أمالي الشيخ ) في مجلسه العشرين عن عليّ بن الحسين عليه السّلام في صلح عمّه عليه السّلام قال : قال الحسن عليه السّلام : إنّ معاوية بن صخر زعم أنّي رأيته للخلافة أهلا ، و لم أر نفسي لها أهلا ، كذب معاوية ايم اللَّه ، لأنّا أولى النّاس بالنّاس ، في كتاب اللَّه و على لسان رسوله ، غير أنّا أهل البيت لم نزل مخوّفين ،
مظلومين ، مضطهدين منذ قبض اللَّه النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، فاللَّه بيننا و بين من ظلمنا حقّنا و نزل على رقابنا ، و حمل النّاس على أكتافنا ، و منعنا سهمنا في كتاب اللَّه ، و منع امّنا فاطمة إرثها . إنّا لا نسمّي أحدا ، و لكن أقسم باللَّه ، لو أنّ الناس سمعوا قول اللَّه و قول رسوله ، لأعطتهم السماء قطرها ، و الأرض بركتها ، و لما اختلف في هذه الامّة سيفان ، و لأكلوها خضراء إلى يوم القيامة ، و ما طمعت فيها يا معاوية . و لكن لمّا أخرجت سالفا من معدنها ، و زحزحت عن قواعدها ،
تنازعتها قريش بينها ، و ترامتها كترامي الكرة حتّى طمعت فيها أنت يا معاوية و أصحابك من بعدك . و قد قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : ما ولّت امّة أمرها رجلا قط
-----------
( 1 ) آل عمران : 34 .
-----------
( 2 ) ترجمة البيتين : إن كنت تأبى أن يخلف ملكشاه ( أحد ملوك الدولة السلجوقية ) في العرش و التاج سوى سنجر ( خليفة ملكشاه ) فكيف تصبر على أن يخلف سلطان الدين ( النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ) في المحراب و المنبر سوى علي و عترته عليهم السّلام .
[ 524 ]
و فيهم من هو أعلم منه ، لم يزل أمرهم سفالا حتّى يرجعوا إلى ما تركوا ، و قد تركت بنو إسرائيل و كانوا أصحاب موسى هارون أخاه و خليفته و وزيره ،
و عكفوا على العجل ، و أطاعوا فيه سامريّهم و هم يعلمون أنّه خليفة موسى .
و قد سمعت هذه الامّة قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لأبي : « إنّه منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » ، و قد رأوا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم حين نصّبه لهم بغدير خم ،
و نادى له بالولاية ثم أمرهم أن يبلغ الشاهد الغائب و قد خرج النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله حذارا من قومه إلى الغار ، لمّا أجمعوا أن يمكروا به ، لمّا لم يجد عليهم أعوانا ، و لو وجد عليهم أعوانا لجاهدهم . و قد كفّ أبي و ناشدهم ، و استغاث أصحابه ، فلم يغث ، و لو وجد عليهم أعوانا ما أجابهم ، و قد جعل في سعة كما جعل النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله في سعة ، و قد خذلتني الامّة فبايعتك يابن حرب ، و لو وجدت عليك أعوانا ما بايعتك ، و قد جعل اللَّه هارون في سعة إذ استضعفه قومه ، و كذلك أنا و أبي في سعة حين تركتنا الامّة . . . 1 .
و روى الجوهري في ( سقيفته ) عن جرير عن المغيرة : أنّه لمّا بويع أبو بكر ، قال سلمان : أصبتم الخير ، و لكن أخطأتم المعدن 2 .
و روى عن حبيب بن أبي ثابت ، قال : قال سلمان يومئذ : أصبتم ذا السنّ منكم ، و لكنكم أخطأتم أهل بيت نبيّكم ، أما لو جعلتموها فيهم ما اختلف منكم اثنان ، و لأكلتموها رغدا 3 .
و رووا أيضا عن سلمان ، قال يومئذ : أصبتم و أخطأتم ، أصبتم سنّة الأوّلين ، و أخطأتم أهل بيت نبيّكم . و قال : ما أدري أنسيتم أم تناسيتم ؟
أجهلتم أم تجاهلتم ؟ و قال : و اللَّه ، لو أعلم أنّي أعزّ للَّه دينا ، أو أمنع للَّه ضيما
-----------
( 1 ) الامالي للطوسي 2 : 178 المجلس 3 ضمن حديث طويل .
-----------
( 2 ) أخرجهما الجوهري في السقيفة : 67 ، و لم يصرّح بكون الثاني رواية حبيب بن أبي ثابت .
-----------
( 3 ) أخرجهما الجوهري في السقيفة : 67 ، و لم يصرّح بكون الثاني رواية حبيب بن أبي ثابت .
[ 525 ]
لضربت بسيفي قدما قدما 1 .
و روى إبراهيم الثقفي عن يحيى الحماني عن عمرو بن حريث عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد الحماني عن عليّ عليه السّلام ، قال : في ما عهد إلى النّبيّ الامّي صلّى اللَّه عليه و آله : أنّ الامّة ستغدر بك 2 .
و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا جاؤوا بعليّ إلى بيعة أبي بكر قال : « اللَّه اللَّه يا معشر المهاجرين ، لا تخرجوا سلطان محمّد في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم ، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في النّاس و حقّه ، فو اللَّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ النّاس به ، لأنّا أهل البيت ، و نحن أحقّ بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارىء لكتاب اللَّه ، الفقيه في دين اللَّه ، العالم بسنن رسول اللَّه ،
المضطلع بأمر الرّعيّة ، المدافع عنهم الامور السّيئة ، القاسم بينهم بالسّوية ،
و اللَّه إنّه لفينا . فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللَّه ، فتزدادوا من الحقّ بعدا » .
قال : فقال بشير بن سعد الأنصاري : لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا عليّ قبل بيعتها لأبي بكر ، ما اختلف عليك اثنان 3 .
و فيه : و خرج عليّ كرّم اللَّه وجهه يحمل فاطمة بنت رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله على دابة ليلا في مجالس الأنصار ، تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول اللَّه قد مضت بيعتنا لهذا الرّجل ، و لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ، ما عدلنا به . فيقول عليّ كرّم اللَّه وجهه : أفكنت أدع رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله في بيته لم أدفنه ، و أخرج انازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ، و لقد صنعوا ما اللَّه حسيبهم و طالبهم 4 .
-----------
( 1 ) السقيفة لسليم بن قيس : 90 بفرق يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الثقفي عنه تلخيص الثاني 3 : 50 ، و الجوهري في السقيفة : 69 .
-----------
( 3 ) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 : 12 .
-----------
( 4 ) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 : 12 .
[ 526 ]
و روى الطبراني عن الدّبري عن عبد الرّزاق عن أبيه عن مينا عن ابن مسعود قال : كنت مع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ليلة و فد الجنّ ، فلمّا انصرف تنفس ، قلت : ما شأنك يا رسول اللَّه ؟ قال : نعيت إليّ نفسي . قلت : فاستخلف . قال : من ؟ قلت : أبو بكر . فسكت ، ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفّس . قلت : ما شأنك ؟ قال : نعيت إليّ نفسي .
قلت : فاستخلف . قال : من ؟ قلت : عمر . فسكت ، ثمّ مضى ساعة ثمّ تنفس ، فقلت :
ما شأنك ؟ قال : نعيت إليّ نفسي . قلت : فاستخلف . قال : من ؟ قلت : عليّ بن أبي طالب . قال : أما و الّذي نفسي بيده لئن أطاعوه ليدخلنّ الجنّة أجمعين 1 .
و روى أيضا عن محمّد بن عبد اللَّه الحضرمي ، عن عليّ بن الحسين بن بردة العجلي الذّهبي ، عن يحيى بن يعلى الأسلمي ، عن حرب بن صبيح ، عن سعيد بن مسلم ، عن أبي مرّة الصنعاني ، عن أبي عبد اللَّه الحذلي ، عن ابن مسعود قال : استتبعني رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ليلة الجنّ إلى أن قال قال : و ما أظن أجلي إلاّ قد اقترب . قلت : يا رسول اللَّه ألا تستخلف أبا بكر ؟ فأعرض عنّي ،
فرأيت أنّه لم يوافقه ، فقلت : يا رسول اللَّه ألا تستخلف عمر ؟ فأعرض عنّي ،
فرأيت أنّه لم يوافقه ، فقلت : يا رسول اللَّه ألا تستخلف عليّا ؟ قال : ذاك و الذي لا إله غيره لو بايعتموه ، و أطعتموه أدخلكم الجنّة أكتعين 2 .
و إنّما طعن ابن الجوزي لنصبه في الخبر الأوّل بكون مينا في طريقه شيعيا ، و أمّا الخبر الثاني فلم يطعن فيه كما صرّح به السيوطي 3 .
« معادن كلّ خطيئة ، و أبواب كلّ ضارب في غمرة » أي : شدّة ، و غمرات الموت : شدائده ، و لقد أقرّ معاوية و يزيد في جوابيهما لكتابي محمّد بن أبي بكر ، و عبد اللَّه بن عمر لما طعنا فيهما بقتال أمير المؤمنين عليه السّلام ، و قتل سيّد
-----------
( 1 ) أخرجه الطبراني في معجمه عنه اللآلىء المصنوعة 1 : 168 .
-----------
( 2 ) أخرجه الطبراني في معجمه عنه اللآلىء المصنوعة 1 : 168 .
-----------
( 3 ) اللآلىء المصنوعة 1 : 168 .
[ 527 ]
شباب أهل الجنّة بأنّ أبويهما هما اللّذان أسسّا لهما الأمر ، و هما تابعان لهما في أعمالهما ، كما رواه نصر بن مزاحم ، و أبو الفرج و المسعودي و البلاذري و غيرهم 1 .
و روى ( أغاني أبي الفرج ) عن محمّد بن سهل صاحب الكميت : أنّه أنشد أبا عبد اللَّه جعفر بن محمّد ، فكثر البكاء حين أتى على هذا البيت :
يصيب به الرّامون عن قوس غيرهم
فيا آخرا أسدى له الغيّ أوّل
و رفع أبو عبد اللَّه يديه ، و قال : اللهمّ اغفر للكميت ما قدّم و ما أخّر ، و ما أسرّ و ما أعلن ، و أعطه حتّى يرضى 2 .
« قد ماروا » قال الجوهري : مار : أي تحرّك و جاء و ذهب 3 .
« في الحيرة » أي : في التّحير .
« و ذهلوا » أي : غفلوا .
« في السّكرة » فيكون مورهم أشدّ مور ، و ذهولهم أشدّ ذهول .
« على سنّة من آل فرعون » على سيرتهم و طريقتهم ، فكما أنّ فرعون استخفّ قومه ، و قال لهم : . . . أنا ربّكم الأعلى 4 فأطاعوه ، قال لهم الثّاني : إنّ الأول صاحب نبيّكم في الغار ، و رضيه في صلاته بكم لدينكم ، فكيف لا ترضونه لدنياكم ، و لا تبايعونه ؟ فجعل أمر الخلافة أدون من إمام الجماعة ،
-----------
( 1 ) جواب معاوية لمحمد بن أبي بكر رواه نصر بن مزاحم في وقعة صفين : 119 ، و المسعودي في مروج الذهب 3 : 12 ،
و البلاذري في أنساب الاشراف 2 : 396 ، و لم أجده عن أبي الفرج ، لا في الأغاني و لا في المقاتل ، و جواب يزيد لابن عمر رواه عن أنساب الأشراف ابن طاووس في الطرائف 1 : 247 ح 348 ، لكن لم يوجد في ترجمة الامام الحسين عليه السّلام ، و لا ترجمة يزيد من أنساب الأشراف .
-----------
( 2 ) الأغاني 17 : 24 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة للجوهري 2 : 820 مادة ( مور ) .
-----------
( 4 ) النازعات : 24 .
[ 528 ]
مع أنّهم يجوّزون الصلاة خلف كلّ فاسق ، مضافا إلى ما في كونه صاحب الغار من العوار ، و ما في تقديمه للصّلاة من الشّنار ، فهل حيرة فوق هذا ، و هل سكرة أشدّ من هذا ؟
« من منقطع إلى الدّنيا راكن » إليها ككثير من المهاجرين و الأنصار الّذين أسلموا زمن النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله طوعا ، لكن بعده اتّبعوا الأوّل طمعا أن ينالوا ثروة أو إمرة ، و لم يبق مع أمير المؤمنين عليه السّلام بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلاّ ثلاثة أو أربعة ، و بعد شهرين صاروا سبعة ، و هم الّذين صلّوا معه عليه السّلام على سيّدة النساء صلوات اللَّه عليها . و ليس ذئبان ضاريان في غنم بأكثر فسادا من حبّ جاه الدّنيا و مالها للمرء المسلم في دينه .
« أو مفارق للدّين مبائن » أي : منفصل عن الدّين ، كعمرو بن العاص ،
و المغيرة بن شعبة ، و خالد بن الوليد ، و عكرمة بن أبي جهل ، و سهيل بن عمرو ، و أبي سفيان ، و إبنيه يزيد و معاوية ، و نظرائهم من المنافقين و المؤلّفة الذين أسلموا بعد غلبة الإسلام كرها ، بأنّهم شدّوا أمر أبي بكر ، فضلا عن أن بايعوه و تابعوه ، قال الجاحظ في ( بيانه : ) قال الحسن بن عليّ لحبيب بن مسلمة : ربّ مسير لك في غير طاعة اللَّه . فقال : أمّا مسيري إلى أبيك فلا . قال :
بلى و لكنّك أطعت معاوية على دنيا قليلة ، فلعمري لئن كان قام بك في دنياك لقد قعد بك في دينك ، و لو أنّك إذ فعلت شرّا قلت خيرا ، كنت كما قال اللَّه تعالى :
خلطوا عملا صالحا و آخر سيّئا . . . 1 . و لكنّك كما قال تعالى : كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون 2 .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد بعد العنوان : فإن قلت : أليس الفصل صريحا
-----------
( 1 ) التوبة : 102 .
-----------
( 2 ) البيان و التبيين للجاحظ 2 : 99 ، و الآية 14 من سورة المطففين .
[ 529 ]
في تحقيق مذهب الإمامية ؟ قلت : لا ، بل نحمله على أنّه عليه السّلام عنى اعداءه الّذين حاربوه من قريش ، و غيرهم من أفناء العرب في أيّام صفّين ، و هم الّذين نقلوا البناء ، و هجروا السّبب ، و وصلوا غير الرحم ، و اتّكلوا على الولائج ، و غالتهم السّبل ، و رجعوا على الأعقاب ، كعمرو بن العاص ، و المغيرة بن شعبة ،
و مروان بن الحكم ، و الوليد بن عقبة ، و حبيب بن مسلمة و بسر بن أرطاة ،
و عبد اللَّه بن الزبير ، و سعيد بن العاص ، و حوشب ، و ذوي الكلاع ، و شرحبيل بن الصمت ، و أبي الأعور السلمي ، و غيرهم ممّن تقدّم ، ذكرنا له في الفصول المتعلّقة بصفين ، و أخبارها . فإنّ هؤلاء نقلوا الإمامة عنه إلى معاوية ، فنقلوا البناء عن رصّ أصله إلى غير موضعه .
قال : فإن قلت : لفظ الفصل يشهد بخلاف ما تأوّلته ، لأنّه عليه السّلام قال : « حتّى إذا قبض اللَّه رسوله رجع قوم على الأعقاب » فجعل رجوعهم على الأعقاب عقيب قبض الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله ، و ما ذكرته أنت كان بعد قبض الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله بنيّف و عشرين سنة . قلت : ليس يمتنع أن يكون هؤلاء المذكورون رجعوا على الأعقاب لمّا مات النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، و أضمروا في أنفسهم مشاقّة أمير المؤمنين عليه السّلام و أذاه ، و قد كان فيهم من يتحكّك به في أيّام أبي بكر ، و عمر ، و عثمان ،
و يتعرّض له ، و لم يكن أحد منهم و لا من غيرهم يقدم على ذلك في حياة النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله . و لا يمتنع أيضا أن يريد برجوعهم على الأعقاب ارتدادهم عن الإسلام ، فإنّ كثيرا من أصحابنا يطعنون في ايمان بعض من ذكرناه ،
و يعدّونهم من المنافقين ، و قد كان سيف النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله يقمعهم و يردعهم عن إظهار ما في أنفسهم من النّفاق ، فأظهر قوم منهم بعده ما كانوا يضمرونه من ذلك ، خصوصا فيما يتعلّق بأمير المؤمنين عليه السّلام ، الّذي ورد في حقّه : « ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب » و هو
[ 530 ]
خبر محقّق مذكور في الصّحاح 1 .
قال : فإن قلت : يمنعك من هذا التأويل قوله : « و نقلوا البناء عن رصّ أساسه فجعلوه في غير موضعه » . و ذلك لأنّ ( إذا ) ظرف ، و العامل فيها قوله :
« رجع قوم على الأعقاب » ، و قد عطف عليه قوله : « و نقلوا البناء » . فإذا كان الرجوع على الأعقاب واقعا في الظرف المذكور و هو وقت قبض الرّسول وجب أن يكون نقل البناء الى غير موضعه واقعا في ذلك الوقت أيضا ، لأنّ أحد الفعلين معطوف على الآخر ، و لم ينقل أحد وقت قبض الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله البناء إلى معاوية عن أمير المؤمنين عليه السّلام ، و إنّما نقل عنه إلى شخص آخر ، و في إعطاء العطف حقّه إثبات مذهب الإمامية صريحا .
قلت : إذا كان الرّجوع على الأعقاب واقعا وقت قبض النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ، فقد قمنا بما يجب من وجود عامل في الظّرف ، و لا يجب أن يكون نقل البناء إلى غير موضعه واقعا في تلك الحال أيضا ، بل يجوز أن يكون واقعا في زمان آخر ، إمّا بأن يكون الواو للاستيناف لا للعطف ، أو بأن يكون للعطف في مطلق الحدث ،
لا في وقوع الحدث في عين ذلك الزّمان المخصوص ، كقوله تعالى : . . . حتّى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه . . . 2 . فالعامل في الظرف استطعما و يجب أن يكون استطعامهما وقت إتيانهما أهلها لا محالة ، و لا يجب ان تكون جميع الأفعال المذكورة المعطوفة واقعة في حال الإتيان أيضا ، ألا ترى أنّ من جملتها فأقامه و لم يكن إقامة الجدار حال إتيانهما القرية ، بل متراخيا عنه بزمان ما ، اللهمّ إلاّ أن يقول قائل : أشار بيده إلى الجدار ، فقام ، أو قال له : قم . فقام ، لأنّه
-----------
( 1 ) سنن الترمذي 5 : 635 ح 3717 عن أبي سعيد الخدري .
-----------
( 2 ) الكهف : 77 .
[ 531 ]
لا يمكن أن يجعل إقامة الجدار مقارنة للإتيان إلاّ على هذا الوجه ، و هذا لم يكن ،
و لا قاله مفسّر . و لو كان قد وقع على هذا الوجه لما قال له : . . . لو شئت لاتّخذت عليه أجرا ، لأنّ الأجر إنّما يكون على احتمال عمل فيه مشقّة ، و إنّما يكون فيه مشقّة إذا بناه بيده ، و باشره بجوارحه و أعضائه .
قال : و اعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام على ما يقتضيه سؤدده الجليل ، و منصبه العظيم ، و دينه القويم ، من الإغضاء عمّا سلف ممّن سلف ،
فقد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدهر . فإمّا أن يكون ما كانوا فيه حقّهم ، أو حقّه ، فتركه لهم رفعا لنفسه عن المنازعة ، أو لما رآه من المصلحة .
و على أي التقديرين ، فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله و أقواله بالنّسبة إليهم ، و بين أوّلها ، فإنّ بعد تأويل من يتأوّله من كلامه ، فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد و العدل الآيات المتشابهة في القرآن ، و لم يمنع بعدها من الخوض في تأويلها محافظة على الاصول المقرّرة ، فكذلك هاهنا 1 .
قلت : إنّما كان الأولى له أن يريح نفسه و يقول ككثير من نصّابهم إنّه و إن صرّح أنّ النّاس ارتدّوا بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلاّ أنّا لا نقبل قوله ، و أنّا لا نقبل أقوال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله فيه . فقد صرّح فاروقهم لمّا منع النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من الوصيّة : بأنّه علم ما أضمر النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله من تعيينه لعليّ ، إلاّ أنّي منعته من ذلك ، لأنّه لم يكن صلاح الامّة ، فكيف نقبل ما يقوله من نفسه و يدّعيه لنفسه ، و لا يذكر هذه التأويلات التي توجب التهوّع ، و لا يخرج في تطويلاته إلى كلام البلهاء ،
و اصلاحه حال المتقدّمين عليه عليه السّلام بتأويلاته كما قال الشاعر :
تروح إلى العطار تبغي شبابها
و هل يصلح العطار ما أفسد الدّهر
و هل حمله قوله عليه السّلام : « حتّى إذا قبض اللَّه رسوله صلّى اللَّه عليه و آله رجع قوم على
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 418 .
[ 532 ]
الأعقاب » على من ذكر من ابن العاص ، و المغيرة ، و مروان ، و باقيهم يصحّح مذهبهم ؟ و ما يفعل بامّ مؤمنيهم الّتي ولاؤها عندهم كأبيها و صاحبه جزء دينهم ؟ فإنّها كانت السّبب الأعظم في تزلزل أمر أمير المؤمنين عليه السّلام و استيلاء معاوية ، و أمّا من سمّاه فكان الناس يعرفونهم بالنّفاق قديما و حديثا ، و من كان يعتني بهم ، لو لا عايشة في الجمل الّذي سبّب صفيّن و النهروان ، حتّى انجرّ الأمر إلى ما انجرّ من خلافة معاوية ؟
و إذا عدّ ابن الزبير فلم لم يعدّ أباه حواريهم ، و طلحة أحد عشرتهم و ستّتهم و ولاؤهما أيضا عندهم ركن الدّين ؟ و هما أيضا كأميرة مؤمنيهم كانا العامل الأهم ، و السبب الأعظم في تزلزل أمر أمير المؤمنين عليه السّلام و انتقال السلطان إلى معاوية . فكتب معاوية الى سعيد بن العاص : « فقد أيّدتكم بأسد و تيم » . مريدا بأسد الزبير و بتيم طلحة . فكان معاوية كتب إلى كلّ منهما : « أنّه أخذ البيعة بالشام له ، و لصاحبه على أنّ الأمر للمقدّم ، ثمّ لصاحبه من بعده » .
و كان كتب الى يعلى بن اميّة : « و قد كتبت إلى طلحة أن يلقاك بمكّة ، حتّى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة ، و الطلب بدم عثمان » . فكان معاوية لم ير نفسه أهلا للقيام في قباله عليه السّلام ، حتّى يكتب الى طلحة و الزبير : أنّه أحكم الأمر لهما حتّى يزلزلا أمره ، فيتمكّن من القيام عليه .
و لم عدّ المغيرة ، و لم يعضد المغيرة معاوية وقت قيام أمير المؤمنين عليه السّلام ، بل عاضد أمير المؤمنين عليه السّلام بنصحه على السياسة الدنيوية ،
بأن يكتب إلى معاوية بإقراره على عمله ، ثمّ يعزله بعد استقرار أمره ، و إن لم يقبل أمير المؤمنين عليه السّلام ذلك منه على حسب وظيفته الدينية ، فكان عليه السّلام ملتزما بالجري على حاق الشريعة . بخلاف صدّيقهم و فاروقهم ، فإنّهما في قيامهما فزعا إلى المغيرة ، لأن يرى لهما رأيا يستحكم به أمرهما ، فرأى لهما أن يعرضا على العبّاس عمّ النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله تشريكه ، تضعيفا لأمر أمير المؤمنين ،
[ 533 ]
قال ابن قتيبة في ( خلفائه ) بعد ذكره إباء أمير المؤمنين عليه السّلام عن بيعة أبي بكر :
ثمّ خرج ( أبو بكر ) فأتى المغيرة بن شعبة . فقال : الرّأي يا أبا بكر أن تلقوا العبّاس ، فتجعلوا له في هذه الإمرة نصيبا يكون له و لعقبه ، و تكون لكما الحجّة على عليّ و بني هاشم ، إذا كان العبّاس معكم . فانطلق أبو بكر و عمر و أبو عبيدة و المغيرة حتّى دخلوا على العبّاس 1 .
و العبّاس و إن لم يقبل ذلك و أنكره و قال لأبي بكر كما في ( الخلفاء ) أيضا : إن كنت برسول اللَّه طلبت فحقنا أخذت ، و إن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدّمون فيهم ، و إن كان هذا الأمر إنّما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنّا كارهين ، فأمّا ما بذلت لنا ، فإن يكن حقّا لك فلا حاجة لنا فيه ، و إن يكن حقّا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم ، و إن كان حقّنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض . . . 2 .
الا أنّ أصل تصدّي أبي بكر صار سببا لانتقال الأمر إلى جبابرة بني العبّاس ، كجبابرة بني امية ، فلو كان ابن أبي الحديد قال : إنّ المغيرة صار دخيلا في انتقال الأمر منه عليه السّلام إلى أبي بكر ، كان له وجه ، و إلاّ فإنّه أيّام ادعاء معاوية الأمر في قباله عليه السّلام لم يحارب أمير المؤمنين عليه السّلام و لا نصر معاوية ،
بل اعتزل لدهائه لينظر كيف يصير عاقبة الأمر ، بل صرّح في أهل الجمل الطالبين بدم عثمان : أنّهم قتلته ، و أنّ الحقّ معه عليه السّلام 3 .
و كذلك عدّه سعيد بن العاص غلط ، فإنّه مع كونه من بني امية منع معاوية من قيامه ، فروى الزّبير بن بكار : أنّ معاوية كتب إليه : إنّ كتاب مروان ورد عليّ من ساعة وقعت النازلة ، تقبل به البرد بسير المطيّ الوجيف تتوجس
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 15 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 15 .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة لابن قتيبة 1 : 63 .
[ 534 ]
توجّس الحيّة الذكر خوف ضربة الفأس ، و قبضة الحاوي ، و مروان الرّائد لا يكذب أهله فعلام الافكاك يابن العاص ؟ و لات حين مناص ، ذلك أنّكم يا بني اميّة عمّا قليل تسألون أدنى العيش من أبعد المسافة ، فينكركم من كان منكم عارفا ، و يصدّ عنكم من كان لكم واصلا ، متفرّقين في الشعاب ، تتمنون لمظة المعاش . إنّ أمير المؤمنين ( يعني عثمان ) عتب عليه فيكم ، و قتل في سبيلكم ،
ففيم القعود عن نصرته ، و الطلب بدمه و أنتم بنو أبيه و ذوو رحمه ، و أقربوه و طلاّب ثأره ؟ أصبحتم مستمسكين بشظف معاش زهيد عمّا قليل ينزع منكم عند التخاذل و ضعف القوى ، فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البرء في الجسد النحيف ، و سر سير النجوم تحت الغمام ، و احسد حسد الذّرة في الصيف لانحجارها في الصرد ، فقد أيّدتكم بأسد و تيم إلى أن قال فكتب إليه سعيد :
أمّا بعد ، فإنّ الحزم في التثبّت و الخطأ في العجلة ، و الشّؤم في البدار ، و السّهم سهمك ما لم ينبض به الوتر ، و لن يرد الحالب في الضرع اللبن . ذكرت حق أمير المؤمنين علينا ( أي عثمان ) و قرابتنا منه ، و أنّه قتل فينا ، فخصلتان ذكرهما نقص و الثالثة تكذب ، و أمرتنا بطلب دم عثمان ، فأيّ جهة تسلك فيها أبا عبد الرحمن ردمت الفجاج ، و احكم الأمر عليك ، و ولّي زمامه غيرك ؟ فدع مناواة من لو كان افترش فراشه صدر الأمر لم يعدل به غيره ، و قلت : كأنّا عن قليل لا نتعارف ، فهل نحن إلاّ حي من قريش ، إن لم تنلنا الولاية ، لم يضق عنّا الحقّ ؟
انّها خلافة منافية . و باللَّه أقسم قسما مبرورا لئن صحّت عزيمتك على ما ورد به كتابك لألفينّك بين الحالبين طليحا ، و هبني أخالك بعد خوض الدّماء تنال الظفر ، هل في ذلك عوض من ركوب المآثم ، و نقص الدّين ؟ أمّا أنا فلا على بني امية و لا لهم . أجعل الحزم داري ، و البيت سجني ، و أتوسد الإسلام ، و استشعر العافية . فاعدل أبا عبد الرحمن زمام راحلتك إلى محجّة الحق ، و استوهب العافية لأهلك ، و استعطف النّاس على قومك ، و هيهات من قبولك ما أقول حتّى
[ 535 ]
يفجّر مروان ينابيع الفتن تأجّج في البلاد ، و كأنّي بكما عند ملاقاة الأبطال تعتذران بالقدر ، و لبئس العاقبة الندامة ، و عمّا قليل يضحّ لك الأمر 1 .
و المغيرة أيضا دعاه أمير المؤمنين عليه السّلام إلى نصرته ، فاعتذر بارادته الاعتزال ، لما علم أنّ أعداءه عليه السّلام لا يخلّونه يصفو له الأمر ، ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) : أنّ عليّا عليه السّلام قال للمغيرة : هل لك في اللَّه ؟ قال : فأين هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : تأخذ سيفك فتدخل معنا في هذا الأمر ، فتدرك من سبقك ،
و تسبق من معك ، فإنّي أرى امورا لا بدّ للسيوف أن تشحذ لها و تقطف الرؤوس بها . فقال المغيرة : إنّي و اللَّه يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيبا و لا قتله صوابا ، و إنّها لظلمة تتلوها ظلمات ، فاريد يا أمير المؤمنين إن أذنت لي أن أضع سيفي و أنام في بيتي ، حتّى تنجلي الظّلمة و يطلع قمرها ،
فنسري مبصرين نقفوا آثار المهتدين ، و نتقي سبيل الجائرين . قال علي : قد أذنت لك ، فكن من أمرك على ما بدا لك . فقام عمّار فقال : معاذ اللَّه يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا ، يغلبك من غلبته و يسبقك من سبقته ؟ انظر ما ترى و ما تفعل ، فأمّا أنا فلا أكون إلاّ في الرعيل الأوّل . فقال له المغيرة : يا أبا اليقظان إيّاك أن تكون كقاطع السلسلة ، فرّ من الضّحل فوقع في الرّمضاء . فقال عليّ لعمّار : دعه فإنّه لن يأخذ من الآخرة إلاّ ما خالطته الدّنيا ، أما و اللَّه يا مغيرة إنّها المثوبة المؤدّية ، تؤدّي من قام فيها إلى الجنّة و لما اختار بعدها ، فإذا غشيناك فنم في بيتك . فقال المغيرة : أنت و اللَّه يا أمير المؤمنين أعلم منّي ، و لئن لم اقاتل معك لا اعين عليك ، فإن يكن ما فعلت صوابا فإيّاه أردت ، و إن يكن خطأ فمنه
-----------
( 1 ) كتاب معاوية الى سعيد رواه الزبير بن بكار في الموفقيات عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 561 ، شرح الخطبة 182 ،
و جواب سعيد نقله في المصدر : 563 .
[ 536 ]
نجوت ، و لي ذنوب كثيرة لا قبل لي بها إلاّ الاستغفار منها 1 .
و إنّما طوّلت في الاستشهاد بالتاريخ ليظهر لك خبطه في التمثيل كالممثّل و إنّما المغيرة في من و ممّن نقل البناء يوم السقيفة ، كما مرّ ، و قال الجوهري : سمعت ابن شبّه يحدّث رجلا بحديث لم أحفظ أسناده : أنّ المغيرة مرّ بأبي بكر و عمر ، و هما جالسان على باب النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله حين قبض ، فقال : و ما يقعدكما ؟ قالا : ننتظر هذا الرّجل يخرج فنبايعه يعنيان عليّا فقال : أتريدون أن تنظروا خيل الحلبة من أهل هذا البيت ، و شعوها في قريش تتّسع ؟ فقاما إلى سقيفة بني ساعدة . . . 2 .
و ممّا يوضّح ما قلنا من أنّ مراده عليه السّلام برجوع قوم على الأعقاب عقيب وفاته صلّى اللَّه عليه و آله : ما قلناه من المنافقين و الطلقاء ، الذين هم شدّوا أمر أبي بكر يوم السقيفة ، كما هو صريح الفصل و تشكيكه الرّكيك لا أثر له ما رواه الزّبير بن بكار في ( موفقيّاته ) عن ابن مخرمة عن إبراهيم بن سعد عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، قال : لمّا بويع أبو بكر و استقرّ أمره ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته ، و لام بعضهم بعضا ، و ذكروا عليّ بن أبي طالب ، و هتفوا باسمه ، و إنّه في داره لم يخرج إليهم ، و جزع لذلك المهاجرون و كثر في ذلك الكلام ، و كان أشدّ قريش على الأنصار نفر منهم ، و هم سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي ، و الحرث بن هشام و عكرمة بن أبي جهل المخزوميان ،
و هؤلاء أشراف قريش الّذين حاربوا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله ثم دخلوا في الاسلام ، و كلّهم موتور قد وتره الأنصار ، أمّا سهيل بن عمرو فأسره مالك بن الدّخشم يوم بدر ، و أمّا الحرث بن هشام فضربه عروة بن عمرو فجرحه يوم بدر ، و هو فارّ
-----------
( 1 ) رواه ابن قتيبة في الإمامة و السياسة 1 : 50 .
-----------
( 2 ) السقيفة للجوهري : 67 .
[ 537 ]
عن أخيه ، و أمّا عكرمة بن أبي جهل فقتل أباه ابنا عفرة ، و سلبه درعه يوم بدر زياد ابن لبيد ، و في أنفسهم ذلك .
فلمّا اعتزلت الأنصار تجمّع هؤلاء ، فقام سهيل فقال : يا معشر قريش :
إنّ هؤلاء القوم قد سمّاهم اللَّه الأنصار ، و أثنى عليهم في القرآن ، فلهم بذلك حظّ عظيم و شأن غالب ، و قد دعوا إلى أنفسهم و إلى عليّ بن أبي طالب ، و عليّ في بيته لو شاء لردّهم ، فادعوهم إلى صاحبكم و إلى تجديد بيعته ، فإن أجابوكم و إلاّ قاتلوهم . فو اللَّه إني لأرجو اللَّه أن ينصركم عليهم كما نصرتم بهم .
ثمّ قام الحرث ، فقال : إن يكن الأنصار تبوّأت الدّار و الايمان من قبل ،
و نقلوا النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله إلى دورهم من دورنا فآووا و نصروا ، ثمّ ما رضوا حتّى قاسمونا الامور و كفونا العمل ، فإنّهم قد لهجوا بأمر إن ثبتوا عليه فانّهم قد خرجوا ممّا و سموا به ، و ليس بيننا و بينهم معاتبة إلاّ السيف ، و إن نزعوا عنه فقد فعلوا الأولى بهم و المظنون معهم .
ثمّ قام عكرمة بن أبي جهل ، فقال : و اللَّه لو لا قول رسول اللَّه : « الأئمّة من قريش » ما أنكرنا إمرة الأنصار ، و لكانوا لها أهلا ، و لكنّه قول لا شك فيه و لا خيار ، و قد عجّلت الأنصار علينا ، و اللَّه ما قبضنا عليهم الأمر ، و لا أخرجناهم من الشورى ، و إنّ الّذي هم فيه من فلتات الامور و نزغات الشيطان ، و ما لا يبلغه المنى ، و لا يحمله الأمل . اعذروا إلى القوم ، فإن أبوا فقاتلوهم ، فو اللَّه لو لم يبق من قريش كلّها إلاّ رجل واحد لصيّر اللَّه هذا الأمر فيه .
و حضر أبو سفيان ، فقال : يا معشر قريش إنّه ليس للأنصار أن يتفضّلوا على الناس حتّى يقرّوا بفضلنا عليهم ، فإن يفعلوا فحسبنا حيث انتهى بنا ، و إلاّ فحسبهم حيث انتهى بهم ، و ايم اللَّه لئن بطروا المعيشة و كفروا النّعمة لنضربنّهم على الاسلام كما ضربونا عليه . فأمّا عليّ بن أبي طالب ،
فأهل و اللَّه أن نسوّده على قريش و تطيعه الأنصار .
[ 538 ]
فلمّا بلغ الأنصار قول هؤلاء الرّهط ، قام خطيبهم ثابت بن قيس بن شماس ، فقال : يا معشر الأنصار إنّما كان يكبر عليكم هذا القول لو قاله أهل الدّين من قريش ، فأمّا إذا كان من أهل الدّنيا ، و لا سيما من أقوام كلّهم موتور ،
فلا يكبرنّ عليكم ، إنّما الرّأي و القول مع الأخيار من المهاجرين ، فإن تكلّمت رجال قريش الّذين هم أهل الآخرة مثل كلام هؤلاء ، فعند ذلك قولوا ما أحببتم ،
و إلاّ فامسكوا . و قال حسّان بن ثابت يذكر ذلك :
تنادى سهيل و ابن حرب و حارث
و عكرمة الشاني لنا ابن أبي جهل 1
و قال أيضا الزبير بن بكار : و كان خالد بن الوليد شيعة لأبي بكر و من المنحرفين عن عليّ ، فقام خطيبا . ثم نقل خطبته بطولها 2 .
و قوله : « إنّ هؤلاء نقلوا الإمامة عنه إلى معاوية . . . » كلام مختل بلا محصّل ، فإنّه عليه السّلام كان عند جمهور المسلمين إماما و خليفة ، و عدم انقياد معاوية و كورة الشام له غير مضر ، فكان في عصر أكثر الخلفاء خوارج كذلك ،
و إنّما كان عمرو بن العاص لمّا جعله معاوية حكما ، قال : إنّي خلعت عليّا و نصبت معاوية . و لم يكن لفعله و قوله أثر ، و إنّما كانت معاضدة هؤلاء لمعاوية سببا لسلطنة معاوية بعده عليه السّلام و عدم بقاء الخلافة لأهل بيته ، و كما أن السبب لذلك فعل الأوّلين ، فكانوا يقولون : هم قدّموه لنا . كما في كتاب معاوية إلى محمّد بن أبي بكر ، و لا بدّ أن يكونوا يقولون لهم : أنتم قدّمتموه لنا .
كما أنّ ما طوّله في معنى العطف و تمثيله بالآية تطويل بلا طائل ،
و شطط و غلط ، فعطف كلامه عليه السّلام بالواو ، و عطف الآية بالفاء ، و قد أجابوه عن ذلك .
و قوله : « إنّ الاستطعام كان وقت إتيان القرية لا إقامة الجدار إلاّ أن يقول
-----------
( 1 ) الموفقيات للزبير بن بكار عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 9 ، شرح الخطبة 65 .
-----------
( 2 ) الموفقيات للزبير بن بكار عنه شرح ابن أبي الحديد 2 : 9 ، شرح الخطبة 65 .
[ 539 ]
قائل : أشار إلى الجدار فقام . . . » 1 كلام مضحك ، فأيّ مانع أن نقول : كانت إقامة الجدار أيضا وقت الإتيان ؟ فهذه امور عرفيّة ، فإنّ معنى الآية إنّ في وقت إتيان القرية عمل عملين : عمل أوّلا الاستطعام ، و عمل ثانيا إقامة الجدار ، و لم استدلّ على عدم إقامة الجدار بالإشارة باتخاذ الأجر ؟ فإنّه مجرّد فرض لا يحتاج في نفيه إلى استدلال ، مع أنّه لو فرض وقوعه ، أيّ مانع أن يقول له موسى : . . . لو شئت لاتّخذت عليه أجرا 2 لأنّ إشارته لم تكن إشارة عادية بل من قبل اللَّه ،
فكانت أعظم من عمل فيه مشقّة .
و لم ينحصر الشكاية من الأوّلين به عليه السّلام ، فشيعته كانوا مثله أيضا ،
روى الجوهري في ( سقيفته ) عن محمّد بن قيس الأسدي عن معروف بن سويد قال : كنت بالمدينة أيّام بويع عثمان ، فرأيت رجلا في المسجد جالسا و هو يصفق بإحدى يديه على الاخرى و الناس حوله ، و يقول : و اعجبا من قريش و استئثارهم بهذا الأمر على أهل هذا البيت معادن الفضل ، و نجوم الأرض ، و نور البلاد و اللَّه إنّ فيهم لرجلا ما رأيت رجلا بعد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله أولى منه بالحقّ ، و لا أقضى بالعدل ، و لا آمر بالمعروف ، و لا أنهى عن المنكر ،
فسألت عنه ، فقيل : هذا مقداد . فتقدّمت إليه ، و قلت : أصلحك اللَّه ، من الرّجل الذي تذكره ؟ فقال : ابن عمّ نبيّك رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله عليّ بن أبي طالب . قال : فلبثت ما شاء اللَّه ، ثمّ إنّي لقيت أبا ذر فحدّثته ما قال مقداد ، فقال : صدق . قلت : فما يمنعكم أن تجعلوا هذا الأمر فيهم ؟ قال : أبى ذلك قومهم . . . 3 .
و أمّا قول ابن أبي الحديد : « و اعلم أنّا نحمل كلام أمير المؤمنين عليه السّلام
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 418 .
-----------
( 2 ) الكهف : 77 .
-----------
( 3 ) السقيفة للجوهري : 81 .
[ 540 ]
على ما يقتضيه سؤدده الجليل ، و منصبه العظيم ، و دينه القويم ، من الإغضاء عمّا سلف » 1 . فإنّما الإغضاء عمّا سلف لمن رجع أخيرا ، و جبر ما جرح أوّلا ،
و أمير المؤمنين عليه السّلام ليس عمله خلاف قول اللَّه تعالى و رضاه ، و اللَّه تعالى لا يرضى إلاّ عمّن تاب و أناب ، لا من أذنب و ألّب ، و لم يكن ذلك إليه عليه السّلام ، كما لم يكن إلى النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، فقال تعالى له : . . . إن تستغفر لهم سبعين مرّة فلن يغفر اللَّه لهم . . . 2 . و كيف يعفو اللَّه تعالى عمّن صار سببا لجميع الفتن و الأحداث التي حدثت في الإسلام ، و الأحداث التي تحدث إلى يوم القيامة ؟ و كيف يقول :
عفا أمير المؤمنين عليه السّلام ، و قد كان يتظلّم إلى حال احتضاره ، و لم يستقرّ به المنبر في أيّامه إلاّ كان يتظلّم ؟
و قول ابن أبي الحديد : « فالواجب علينا أن نطبّق بين آخر أفعاله و أقواله بالنسبة إليهم ، و بين أوّلها » 3 لا يغني عنه من اللَّه شيئا ، و روى إبراهيم الثقفي أنّ عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لأمير المؤمنين عليه السّلام : إنّا كنّا نقول : لو رجعت إليكم بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله لم ينازعكم فيها أحد . و اللَّه ما أدري ما أقول إذا سئلت ،
أزعم أنّ القوم كانوا أحقّ بما كانوا فيه منك ، فعلام نصبك النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله بعد حجّة الوداع ، و قال : « أيّها النّاس من كنت مولاه فعليّ مولاه » ؟ و إن قلت : أنت أولى منهم بما كانوا فيه ، فعلام نتولاّهم ؟ فقال عليه السّلام : يا عبد الرّحمن إنّ اللَّه تعالى قبض نبيّه ، و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا ، و قد كان من النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم إليّ عهد لو خزموني بأنفي لأقررت سمعا للَّه و طاعة ، و إنّ أوّل ما انتقضا بعد النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم إبطال حقّنا في الخمس ، فلمّا رقّ أمرنا طمعت رعيان
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 418 .
-----------
( 2 ) التوبة : 80 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 418 .
[ 541 ]
البهم من قريش فينا إلى أن قال و إنّما يعرف الهدى بقلّة من يأخذه من النّاس ، فإذا سكت فاعفوني فإذا جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم ،
فكفّوا عنّي ما كففت عنكم . فقال عبد الرّحمن : فأنت يا أمير المؤمنين كما قال الأوّل :
لعمري لقد أيقظت من كان نائما
و أسمعت من كانت له اذنان 1
و أمّا قوله : « و قد كان صاحبهم بالمعروف برهة من الدّهر » . فيقال له :
إنّما كانت مصاحبتهم بالمعروف بعد إتمام الحجّة عليهم يوم تمكّن من المحاجة ، كيوم السقيفة يوم أبي بكر ، و يوم الشورى يوم عثمان ، و أمّا يوم عمر فلم يمكنه التكلّم ، لأنّه كانت سلطنته مستقرة فوّضها أبو بكر إلى عمر ،
و الإمام كالكعبة يؤتى و لا يأتي ، و لم يكن له عليه السّلام رغبة في السلطنة من حيث السلطنة ، بل كان يريدها لإقامة الحق ، كما صرّح عليه السّلام بذلك في الشقشقية 2 ،
و لم يكن عليه السّلام مثل اولئك الذين صاروا عارا على الاسلام بتركهم جنازة نبيّهم بلا تجهيز ، و منازعتهم على الرياسة ، و جعلهم تسلية أهل بيته إحضار النّار لإحراقهم .
و أمّا قول ابن أبي الحديد : « إنّ بعد تأويل ما نتأوّله من كلامه فليس بأبعد من تأويل أهل التوحيد و العدل الآيات المتشابهة » 3 فيقال له : بل بينهما بعد المشرقين ، لأنّ كلامه عليه السّلام ليس بمتشابه ، بل كالآيات المحكمات ، مع أنّ كثيرا من المتشابهات كقوله تعالى : . . . يد اللَّه فوق أيديهم . . . 4 ، و كقوله جلّ
-----------
( 1 ) نقله عنه المفيد في أماليه : 223 المجلس 26 .
-----------
( 2 ) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1 : 30 الخطبة 3 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 418 .
-----------
( 4 ) الفتح : 10 .
[ 542 ]
و علا : و يبقى وجه ربّك ذو الجلال و الاكرام 1 أهل العرف يفهمون أنّها استعارات ، و أنّ ظاهرها غير مراد . و أمّا القول بأنّ أمير المؤمنين عليه السّلام رضي عن الثلاثة ، و أمضى أفعالهم ، و صحّح نتايج أعمالهم ، فليس بأبعد من أن يقال :
إنّ الجمع بين عبادة اللَّه ، و عبادة الأصنام و الأوثان غير ضائر . و من أن يقال :
إنّ موسى عليه السّلام لم يكن مخالفا لفرعون ، و إنّ محمّدا صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم لم يكن منكرا لأبي جهل . و إن كان إخواننا يلتزمون بالجمع بين الضّدّين ، ففي ( الاستيعاب ) رأى عمرو بن شرحبيل في النّوم عمّارا و أصحابه في روضة ، و ذا ظليم و ذا الكلام في روضة . فقيل : و كيف ، و قد قتل بعضهم بعضا ؟ فقال : وجدوا اللَّه واسع المغفرة 2 .
و لعمري إنّ هذا دين حنيفة التي أكلت ربها عام المجاعة ، لا الدّين الحنيف الذي أمر اللَّه عباده باتّباعه و مدح أتباعه .