
30
من الخطبة ( 188 ) اِلْزَمُوا اَلْأَرْضَ وَ اِصْبِرُوا عَلَى اَلْبَلاَءِ وَ لاَ تُحَرِّكُوا بِأَيْدِيكُمْ وَ سُيُوفِكُمْ فِي هَوَى أَلْسِنَتِكُمْ وَ لاَ تَسْتَعْجِلُوا بِمَا لَمْ يُعَجِّلْهُ اَللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ عَلَى مَعْرِفَةِ حَقِّ رَبِّهِ وَ حَقِّ رَسُولِهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ مَاتَ شَهِيداً وَ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اَللَّهِ 4 : 100 وَ اِسْتَوْجَبَ ثَوَابَ مَا نَوَى مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ وَ قَامَتِ اَلنِّيَّةُ مَقَامَ إِصْلاَتِهِ لِسَيْفِهِ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مُدَّةً وَ أَجَلاً « الزموا الأرض و اصبروا على البلاء » قال ابن أبي الحديد : أمر أصحابه أن
-----------
( 1 ) الرحمن : 27 .
-----------
( 2 ) رواه ابن عبد البر في الاستيعاب 1 : 487 ، و النقل بالمعنى .
[ 543 ]
يثبتوا و لا يعجلوا في محاربة من كان مخالطا لهم من ذوي العقائد الفاسدة ،
كالخوارج و من كان يبطن هوى معاوية ، و ليس خطابه هذا تثبيطا لهم عن حرب أهل الشام ، كيف ، و هو لا يزال يقرعهم و يوبّخهم عن التقاعد و الابطاء في ذلك ؟ و لكن قوم من خاصّته كانوا يطلعون على ما عند قوم من أهل الكوفة ،
و يعرفون نفاقهم و فسادهم ، و يرومون قتلهم و قتالهم ، فنهاهم عن ذلك ، و كان يخاف فرقة جنده و انتشار حبل عسكره ، فأمرهم بلزوم الأرض و الصبر على البلاء 1 .
و قال ابن ميثم : الخطاب خاص بمن يكون بعده بدلالة سياق الكلام ،
و لزوم الأرض كناية عن الصبر في مواطنهم ، و قعودهم عن النّهوض بجهاد الظالمين في زمن عدم قيام الإمام بالحقّ بعده 2 .
و قال الخوئي : الأظهر ما قاله ابن أبي الحديد 3 .
قلت : بل الصواب ما قاله ابن ميثم ، كما يشهد له أخبار أهل بيته ، فروى أنّ عبد الحميد الواسطي قال للباقر عليه السّلام : لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر .
فقال عليه السّلام : أترى من حبس نفسه على اللَّه عزّ و جلّ لا يجعل اللَّه له مخرجا ؟ بلى و اللَّه ليجعلنّ له مخرجا . رحم اللَّه عبدا حبس نفسه علينا ، رحم اللَّه عبدا أحيا أمرنا 4 .
« و لا تحرّكوا بأيديكم و سيوفكم في هوى » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب :
( و هوى ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 5 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 220 .
-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 4 : 210 .
-----------
( 3 ) شرح الخوئي 5 : 206 .
-----------
( 4 ) كمال الدين للصدوق : 644 ح 2 ، و المحاسن للبرقي : 173 ح 148 في صدر حديث .
-----------
( 5 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3 : 219 ، و شرح ابن ميثم 4 : 202 مثل المصرية أيضا .
[ 544 ]
« ألسنتكم » روى النعماني في ( غيبته ) عن أبي الجارود ، قال : قلت لأبي جعفر عليه السّلام : أوصني . فقال : أوصيك بتقوى اللَّه ، و أن تلزم بيتك ، و تقعد في دهماء هؤلاء النّاس ، و إيّاك و الخوارج منّا فإنّهم ليسوا على شيء ،
و لا إلى شيء ، و اعلم أنّ لبني اميّة ملكا لا يستطيع الناس أن تردعه ،
و أنّ لأهل الحقّ دولة إذا جاءت ولاّها اللَّه من يشاء منّا أهل البيت ،
من أدركها منكم كان عندنا في السّنام الأعلى ، و إن قبضه اللَّه قبل ذلك جاز له . . . 1 .
« و لا تستعجلوا بما لم يعجّله اللَّه لكم » روى النّعماني عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام في قوله تعالى : أتى أمر اللَّه فلا تستعجلوه . . . 2 قال : هو أمرنا أمر اللَّه عزّ و جلّ لا يستعجل به ، يؤيّده ثلاثة أجناد : الملائكة و المؤمنون و الرّعب ،
و خروجه عليه السّلام كخروج النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ، و ذلك قوله تعالى : كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق . . . 3 .
و عنه عليه السّلام قال لمّا قيل له : متى هذا الأمر ؟ : كذب المتمنّون ، و هلك المستعجلون ، و نجا المسلّمون ، و إلينا تصيرون 4 .
و عن أبي جعفر عليه السّلام قال : مثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار و وقع من وكره ، فتلاعبت به الصّبيان 5 .
و روى ابن بابويه في ( معانيه ) عن الرّضا عليه السّلام في تفسير قول جدّه الصادق عليه السّلام في خروج إبراهيم بن عبد اللَّه بن الحسن : « اتقوا اللَّه ، و اسكنوا ما
-----------
( 1 ) الغيبة للنعماني : 129 ، 132 .
-----------
( 2 ) النحل : 1 .
-----------
( 3 ) الغيبة للنعماني : 132 ، و الآية 5 من سورة الأنفال .
-----------
( 4 ) الغيبة للنعماني : 131 .
-----------
( 5 ) الغيبة للنعماني : 133 في ذيل حديث .
[ 545 ]
سكنت السماء و الأرض » . يعني : ما سكنت السماء من النّداء باسم صاحبك ( أي : القائم عليه السّلام ) ، و ما سكنت الأرض من الخسف بالجيش 1 .
« فإنّه من مات منكم على فراشه و هو على معرفة حقّ ربّه و حقّ رسوله و أهل بيته مات شهيدا ، و وقع أجره على اللَّه » روى النّعماني في ( غيبته ) عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : من مات منكم على هذا الأمر منتظرا ، كان كمن هو في الفسطاط الّذي للقائم عليه السّلام 2 .
و عنه عليه السّلام : من سرّه أن يكون من أصحاب القائم عليه السّلام فلينتظر ، و ليعمل بالورع و محاسن الأخلاق و هو منتظر ، فإن مات و قام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه . . . 3 .
« و استوجب ثواب ما نوى من صالح عمله » روى النّعماني في ( غيبته ) عن حمران بن أعين قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : اعرف إمامك ، فإذا عرفته لم يضرّك تقدّم هذا الأمر أم تأخّر ، فإنّه عزّ و جلّ يقول : يوم ندعو كلّ اناس بإمامهم . . . 4 فمن عرف إمامه كان كمن هو في فسطاطه ( أي : القائم ) عليه السّلام 5 .
و روى ( محاسن البرقي ) عن أبي عروة السلمي عن الصادق عليه السّلام : أنّ اللَّه يحشر النّاس على نيّاتهم يوم القيامة 6 .
و عن أبي عثمان العبدي عنه عليه السّلام ، عن آبائه عليهم السّلام قال النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله :
لا قول إلاّ بعمل ، و لا قول و لا عمل إلاّ بنيّة ، و لا قول و لا عمل و لا نيّة
-----------
( 1 ) معاني الأخبار للصدوق : 266 ح 1 .
-----------
( 2 ) الغيبة للنعماني : 133 .
-----------
( 3 ) الغيبة للنعماني : 134 .
-----------
( 4 ) الاسراء : 71 .
-----------
( 5 ) الغيبة للنعماني : 230 .
-----------
( 6 ) المحاسن للبرقي : 262 ح 325 .
[ 546 ]
إلاّ بإصابة السنة 1 .
و روى عنه عليه السّلام : أنّ العبد المؤمن الفقير ليقول : يا رب ارزقني حتّى أفعل كذا و كذا من البرّ و وجوه الخير . فإذا علم اللَّه ذلك منه بصدق نيّته كتب اللَّه له من الأجر مثل ما يكتب له لو عمله ، إنّ اللَّه واسع كريم 2 .
و روى ( العلل ) عن زيد الشّحام قال للصادق عليه السّلام : سمعتك تقول : نيّة المؤمن خير من عمله . فكيف تكون النيّة خيرا من العمل ؟ قال : لأنّ العمل ربما كان رياء للمخلوقين ، و النيّة خالصة لربّ العالمين ، فيعطي عزّ و جلّ على النيّة ما لا يعطي على العمل ، و أنّ العبد لينوي من نهاره أن يصلّي بالليل فتغلبه عينه فينام ، فيثبت اللَّه له صلاته ، و يكتب نفسه تسبيحا و يجعل نومه عليه صدقة 3 .
و روى عن أبي جعفر عليه السّلام : نيّة المؤمن أفضل من عمله ، و ذلك لأنّه ينوي من الخير ما لا يدركه ، و نيّة الكافر شرّ من عمله ، و ذلك لأنّ الكافر ينوي الشّرّ و يأمل من الشّرّ ما لا يدركه 4 .
« و قامت النّية مقام إصلاته لسيفه » أي : إخراجه من غمده ، روى النعماني :
أنّ أبا بصير قال لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : أتراني أدرك القائم عليه السّلام ؟ فقال : يا أبا بصير ألست تعرف إمامك ؟ فقال : بلى و اللَّه ، و أنت هو . فقال : و اللَّه ما تبالي يا أبا بصير أن لا تكون محتبيا بسيفك في ظل رواق القائم عليه السّلام 5 .
و روى ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال : إنّما خلّد أهل النّار في النار ، لأنّ
-----------
( 1 ) المحاسن للبرقي : 221 ح 134 ، و الكافي 1 : 70 ح 9 ، و البصائر للصفّار : 31 ح 4 ، و المقنعة للمفيد : 48 ، و التهذيب 4 :
186 ح 3 .
-----------
( 2 ) المحاسن للبرقي : 261 ح 320 ، و الكافي للكليني 2 : 85 ح 3 .
-----------
( 3 ) علل الشرائع للصدوق : 524 ح 1 .
-----------
( 4 ) علل الشرائع للصدوق : 524 ح 2 .
-----------
( 5 ) الغيبة للنعماني : 230 .
[ 547 ]
نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو خلّدوا فيها أن يعصوا اللَّه أبدا ، و إنّما خلّد أهل الجنّة في الجنّة ، لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللَّه أبدا ،
فبالنيّات خلّد هؤلاء و هؤلاء . ثمّ تلا قوله تعالى : قل كلّ يعمل على شاكلته . . . 1 . قال : على نيّته 2 .
« و أنّ لكلّ شيء مدّة و أجلا » أي : وقتا ، فما دام لم تنقض مدّته لا يحصل ذاك الشيء .
و في حديث ( الصحيفة السّجادية ) المذكور في سندها ، قال المتوكّل بن هارون : قال لي الصادق عليه السّلام : كيف قال لك يحيى بن زيد : إنّ عمّي محمّد بن عليّ و ابنه جعفر دعوا النّاس إلى الحياة ، و نحن دعوناهم إلى الموت ؟ قلت :
نعم ، قد قال لي ابن عمّك يحيى ذلك إلى أن قال قال أبو عبد اللَّه عليه السّلام : فأطلع اللَّه نبيّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم : أنّ بني اميّة تملك سلطان هذه الامّة طول هذه المدّة ، فلو طاولتهم الجبال لطالوا عليها ، حتّى يأذن اللَّه تعالى بزوال ملكهم إلى أن قال ثمّ قال عليه السّلام : ما خرج منّا ، و لا يخرج منّا إلى قيام قائمنا أحد ليدفع ظلما أو ينعش حقّا إلاّ اصطلمته البليّة ، و كان قيامه زيادة في مكروهنا و مكروه شيعتنا 3 .