
31
من الخطبة ( 180 ) منها :
قَدْ لَبِسَ لِلْحِكْمَةِ جُنَّتَهَا وَ أَخَذَهَا بِجَمِيعِ أَدَبِهَا مِنَ اَلْإِقْبَالِ عَلَيْهَا وَ اَلْمَعْرِفَةِ بِهَا وَ اَلتَّفَرُّغِ لَهَا فَهِيَ عِنْدَ نَفْسِهِ ضَالَّتُهُ اَلَّتِي يَطْلُبُهَا وَ حَاجَتُهُ
-----------
( 1 ) الاسراء : 83 .
-----------
( 2 ) الكافي للكليني 2 : 85 ح 5 .
-----------
( 3 ) الصحيفة السجادية : 14 ، المقدمة .
[ 548 ]
اَلَّتِي يَسْأَلُ عَنْهَا فَهُوَ مُغْتَرِبٌ إِذَا اِغْتَرَبَ اَلْإِسْلاَمُ وَ ضَرَبَ بِعَسِيبِ ذَنَبِهِ وَ أَلْصَقَ اَلْأَرْضَ بِجِرَانِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ بَقَايَا حُجَجِهِ خَلِيفَةٌ مِنْ خَلاَئِفِ أَنْبِيَائِهِ أقول : قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام فسّره كلّ طائفة على حسب اعتقادها ، فالإماميّة تزعم أنّ المراد به المهدي المنتظر عندهم ، و الصوفية يزعمون أنّه يعني به ولي اللَّه في الأرض ، و عندهم أنّ الدّنيا لا تخلو عن الأبدال و هم أربعون ، و عن الأوتاد و هم سبعة ، و عن القطب و هو واحد ، فإذا مات القطب صار أحد السبعة قطبا عوضه ، و صار أحد الأربعين و تدا عوض ذاك الوتد ، و صار بعض الأولياء الّذين يصطفيهم اللَّه تعالى بدلا بدل ذلك البدل .
و أصحابنا يزعمون أنّ اللَّه تعالى لا يخلي الامّة من جماعة المؤمنين العلماء بالعدل و التوحيد ، و أنّ الإجماع إنّما يكون حجّة باعتبار أقوال اولئك العلماء ، لكن لمّا تعذّرت معرفتهم بأعيانهم اعتبر إجماع سائر العلماء ، و إنّما الأصل قول اولئك ، قالوا : و كلام أمير المؤمنين عليه السّلام ليس يشير فيه إلى جماعة اولئك العلماء من حيث هم جماعة ، و لكنّه يصف حال كلّ واحد منهم ، فيقول :
من صفته كذا و من صفته كذا ، و الفلاسفة يزعمون أنّ مراده عليه السّلام بهذا الكلام العارف ، و لهم في العرفان ، و في صفات أربابه كلام يعرفه من له انس بأقوالهم ، و ليس يبعد عندي أن يريد عليه السّلام به القائم من آل محمّد صلّى اللَّه عليه و آله في آخر الوقت إذا خلقه اللَّه تعالى ، و إن لم يكن الآن موجودا فليس في الكلام ما يدلّ على وجوده الآن ، و قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أنّ الدّنيا و التكليف لا ينقضي إلاّ عليه 1 .
قلت : إنّ كلّ طائفة و إن فسّرت كلامه عليه السّلام على حسب اعتقادها إلاّ أنّ
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 515 .
[ 549 ]
المتّبع ما شفّع بالبرهان ، و هو قول الامامية : أمّا أصله فقد أقرّ باتّفاق فرق المسلمين عليه ، و أمّا فرعه و هو كونه موجودا الآن ؟ فيدلّ عليه كلامه عليه السّلام المتواتر عنه لكميل المذكور في النّهج : « اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم للَّه بحجّة ، إمّا ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا ، لئلاّ تبطل حجج اللَّه و بيّناته » 1 كما اعترف به ثمّة 2 ، و أمّا قول الصوفية و المعتزلة و الفلاسفة فسبحانه ،
و لهم ما يشتهون .
« قد لبس للحكمة جنّتها » في ( الصحاح ) : الجنّة بالضّم : ما استترت به من سلاح 3 ، و يكفي في شرافة الحكمة قوله تعالى : . . . و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا . . . 4 .
« و أخذها بجميع أدبها » أي : شرائطها و آدابها .
« من الإقبال عليها ، و المعرفة بها و التّفرّغ » عن الشواغل .
« لها » لأهميتها ، و روي القمي في تفسير قوله تعالى : و لقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر للَّه . . . 5 عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام ، قال : أما و اللَّه ما اوتي لقمان الحكمة بحسب و لا مال و لا أهل و لا بسط في جسم و لا جمال ، و لكنّه كان رجلا قويّا في أمر اللَّه ، متورّعا في اللَّه ساكتا سكّيتا عميق النظر ، طويل الفكر ، حديد النّظر ، مستعبرا بالعبر ، لم ينم نهارا قط ، و لم يره أحد من الناس على بول و لا غائط ، و لا اغتسال لشدّة تستّره و تحفّظه في أمره ، و لم يضحك من شيء قط مخافة الإثم ، و لم يغضب قط ، و لم يمازح إنسانا قط ، و لم يفرح بشيء من أمر
-----------
( 1 ) نهج البلاغة 4 : 37 الحكمة 147 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 313 شرح الحكمة 147 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 5 : 2094 مادة ( جن ) .
-----------
( 4 ) البقرة : 269 .
-----------
( 5 ) لقمان : 12 .
[ 550 ]
الدّنيا أتاه ، و لا حزن منها على شيء قط ، و قد نكح من النّساء ، و ولد له من الأولاد الكثير ، و قدّم أكثرهم افراطا ، فما بكى على أحد منهم ، و لم يمرّ برجلين يختصمان أو يقتتلان إلاّ أصلح بينهما ، و لم يمض عنهما حتّى يتحاجزا ، و لم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلاّ سأل عن تفسيره ، و عمّن أخذه ، و كان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء ، و كان يغشى القضاة و الملوك و السلاطين .
فيرثى للقضاة بما ابتلوا به ، و يرحم الملوك و السلاطين لغرّتهم باللَّه ،
و اطمينانهم في ذلك ، و يعتبر ما يغلب به نفسه ، و يجاهد به هواه ، و يحترز به من الشيطان .
فكان يداوي قلبه بالفكر ، و يداوي نفسه بالعبر ، و كان لا يظعن إلاّ في ما يعنيه فبذلك اوتي الحكمة ، و منح العصمة . فإنّ اللَّه تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النّهار ، و هدأت العيون بالقابلة أن ينادوا لقمان حيث يسمع و لا يراهم : هل لك أن يجعلك اللَّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس ؟
فقال : إن أمرني اللَّه بذلك فالسّمع و الطاعة ، ألا و إن فعل بي ذلك أعانني عليه ،
و علّمني و عصمني ، و إن هو خيّرني قبلت العافية . فقالت الملائكة : لم ؟ قال :
لأنّ الحكم بين النّاس بأشدّ المنازل من الدين ، و أكثر فتنا و بلاء ، يخذل صاحبه ، و لا يعذر ، و يغشاه الظلمة من كلّ مكان ، و صاحبه فيه بين أمرين : إن أصاب فيه الحقّ فبالحري أن يسلم ، و إن أخطأ أخطأ طريق الجنّة إلى أن قال فلمّا أمسى و أخذ مضجعه من الليل أنزل اللَّه عليه الحكمة ، فغشّاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم فاستيقظ و هو أحكم النّاس في زمانه ، فخرج على النّاس ينطق بالحكمة و يبثّها فيهم إلى أن قال و كان داود عليه السّلام يقول له : طوبى لك يا لقمان اوتيت الحكمة ، و صرف عنك البلية . قال : و اعطي داود الخلافة
[ 551 ]
و ابتلي بالحكم و الفتنة 1 .
« و هي » أي : الحكمة .
« عند نفسه ضالّته التي يطلبها » كما قالوا : الحكمة ضالّة المؤمن 2 .
« و حاجته التي يسأل عنها » و يكفي في فضلها أنّ اللَّه تعالى نقل حكم لقمان للناس في كتابه 3 .
« فهو مغترب إذا اغترب الاسلام » لعلّ وجه ربطه بسابقه إن لم يكن في الكلام سقط أنّ مقتضى لبسه للحكمة جنّتها التي تحفظها من سلاح العدو ،
و أخذها بآدابها أن ( يغترب ) ، و يعتزل حيث اغترب الاسلام ، و اعتزله الناس ،
لكن روى النّعماني في ( غيبته ) عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام :
أخبرني عن قول أمير المؤمنين عليه السّلام : إن الاسلام بدأ غريبا و سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء فقال : يا أبا محمّد إذا قام القائم عليه السّلام استأنف دعاء جديدا كما دعا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم 4 .
« و ضرب بعسيب ذنبه » و في ( الصحاح ) : عسيب الذنب : منبته من الجلد و العظم 5 . و لكن في ( النهاية ) للجزري في حديث عليّ عليه السّلام ذكر فتنة فقال : « إذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه » . و اليعسوب السيّد و الرّئيس و المقدم ،
و أصله فحل النّحل . أي : فارق أهل الفتنة ، و ضرب في الأرض ذاهبا في أهل دينه و أتباعه الّذين يتبعونه على رأيه و هم الأذناب . و قال الزمخشري : الضّرب
-----------
( 1 ) تفسير القمي 2 : 162 .
-----------
( 2 ) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 4 : 80 الحكمة 18 عن علي عليه السّلام .
-----------
( 3 ) وردت حكم لقمان و مواعظه في الآية 13 19 من سورة لقمان .
-----------
( 4 ) الغيبة للنعماني : 221 في صدر حديث .
-----------
( 5 ) صحاح اللغة 1 : 181 مادة ( عسب ) .
[ 552 ]
بالذنب هاهنا مثل للإقامة و الثبات ، يعني : أنّه يثبت هو و من تبعه على الدّين 1 .
قلت : الظاهر أنّه اشار إلى كلامه في ( فائقه ) 2 . و قال في ( أساسه ) أيضا :
و قال عليّ عليه السّلام في فساد الزّمان : « فاذا كان كذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه » و هو مستعار من يعسوب النّحل و هو فحلها 3 .
قلت : و ( تفسير الزمخشري ) يؤيّده الجملة الآتية بعده على ما ترى .
« و الصق الأرض بجرانه » و في ( الصحاح ) : جران البعير : مقدّم عنقه من مذبحه إلى منحره ، و الجمع جرن ، و كذلك من الفرس 4 . و ضرب الأرض بالجران كناية عن التمكين . فمرّ في فصل النّبوّة قوله عليه السّلام و كان سئل عن قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله : « غيّروا الشّيب » : إنّما قال صلّى اللَّه عليه و آله ذلك و الدّين قل ، فأمّا الآن و قد اتسع نطاقه ، و ضرب بجرانه فامرؤ و ما اختار 5 . و مرّ أيضا ما في ( الصحيفة الثالثة ) : اللّهمّ و قد استحصد زرع الباطل ، و بلغ نهيته ، و استحكم عموده ،
و خذرف وليده ، و وسق طريده ، و ضرب بجرانه 6 .
و قال ابن أبي الحديد : معنى الكلام أنّه إذا صار الاسلام غريبا مقهورا ،
و صار الاسلام كالبعير البارك يضرب الأرض بعسيبه و هو أصل الذنب و يلصق جرانه و هو صدره في الأرض فلا يكون له تصرّف و لا نهوض 7 .
و هو كما ترى .
-----------
( 1 ) النهاية لابن الأثير 3 : 234 مادة ( عسب ) ، و النقل بتصرف في الترتيب .
-----------
( 2 ) الفائق للزمخشري 2 : 150 مادة ( عسب ) .
-----------
( 3 ) أساس البلاغة 301 مادة ( عسب ) .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 5 : 2091 مادة ( جرن ) .
-----------
( 5 ) مرّ في العنوان 43 من الفصل السادس .
-----------
( 6 ) رواه أفندي التبريزي في الصحيفة الثالثة عنه صحيفة السيد الأمين : 92 دعاء 31 ، و لم يسبق نقله في هذا الكتاب .
-----------
( 7 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 516 .
[ 553 ]
و كيف كان ، فيمكن أن يكون الكلام إشارة إلى غيبة المهدي . روى ( الإكمال ) عن عبد اللَّه بن الفضل الهاشمي عن الصادق عليه السّلام قال : إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل . فقلت : و لم جعلت فداك ؟ قال :
لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم . قلت : فما وجه الحكمة في غيبته ؟ قال : وجه الحكمة في غيبته : وجه الحكمة في غيبات من تقدّمه من حجج اللَّه تعالى ذكره ،
إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره ، كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السّلام من خرق السفينة ، و قتل الغلام ، و إقامة الجدار لموسى عليه السّلام إلى وقت افتراقهما 1 .
« بقية من بقايا حججه ، و خليفة من خلائف أنبيائه » روى ابن بابويه في ( إكماله ) عن الورّاق عن سعد بن عبد اللَّه ، عن أحمد بن إسحاق الأشعري ، قال :
دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليّ عليه السّلام و أنا اريد أن أسأله عن الخلف من بعده ، فقال لي مبتدئا : يا أحمد بن إسحاق إنّ اللَّه تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم ، و لا يخلّيها إلى أن تقوم السّاعة من حجّة اللَّه على خلقه ، به يدفع اللَّه البلاء عن أهل الأرض ، و به ينزل الغيث ، و به تخرج بركات الأرض . فقلت له : يابن رسول اللَّه فمن الإمام و الخلف بعدك ؟ فنهض مسرعا فدخل البيت ، ثمّ خرج و على عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر من أبناء ثلاث سنين . فقال : يا أحمد لو لا كرامتك على اللَّه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك ابني هذا ، إنّه سميّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله ، و كنيّه الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما ،
يا أحمد مثله في هذه الامة مثل الخضر ، و مثل ذي القرنين ، و اللَّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلاّ من ثبّته اللَّه عزّ و جلّ على القول بإمامته ، و وفّقه فيها للدعاء بتعجيل فرجه . قال أحمد : فقلت : يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 481 ح 11 .
[ 554 ]
قلبي ؟ فنطق الغلام بلسان فصيح فقال : أنا بقية اللَّه في أرضه ، و المنتقم من أعدائه ، و لا تطلب يا أحمد أثرا بعد عين . فخرجت فرحا ، فلمّا كان من الغد عدت إليه ، فقلت : يابن رسول اللَّه لقد عظم سروري بما مننت به عليّ ، فما السّنّة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين ؟ قال : طول الغيبة . قلت : و إنّ غيبته لتطول ؟ قال : إي و ربي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به . . . 1 .
هذا ، و قال ابن أبي الحديد بعد نقل الفقرة : « بقية من بقايا حججه ،
و خليفة من خلائف أنبيائه » : فإن قلت : أليس لفظ الحجّة و لفظ الخليفة مشعرا بما تقوله الامامية ؟ قلت : لا ، فإنّ أهل التصوّف يسمّون صاحبهم حجّة و خليفة ، و كذلك الفلاسفة ، و أصحابنا لا يمتنعون من إطلاق هذه الألفاظ على العلماء المؤمنين في كلّ عصر ، لأنّهم حجج اللَّه ، أي : إجماعهم حجّة ، و قد استخلفهم اللَّه في أرضه ليحكموا بحكمه ، و على ما اخترناه نحن فالجواب ظاهر 2 .
قلت : أمّا المتصوّفة و الفلاسفة و أصحابه المعتزلة ، فقد عرفت أنّهم و إن ادّعوا ما ادّعوا إلاّ أنّهم لا بيّنة لهم ، و إنّ ما قالوا إلاّ أسماء سمّوها . و أمّا الإمامية فإنّما استندوا إلى المتواتر من قول النّبيّ صلّى اللَّه عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السّلام و المعصومين من عترته عليهم السّلام .
و أمّا قوله : « إنّ المراد به القائم عليه السّلام في آخر الوقت إذا خلقه اللَّه » 3 فقد عرفت أيضا كونه خلاف المتواتر من قول أمير المؤمنين من عدم خلوّ الأرض من الحجّة 4 .
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 384 ح 1 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 516 ، 515 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 516 ، 515 .
-----------
( 4 ) مرّ في العنوان 1 من هذا الفصل .
[ 555 ]
هذا ، و قوله عليه السّلام : « بقية » و قوله : « خليفة » بدون تعريف نكتة أنّ القائم عليه السّلام كان أمره مستورا حتّى ادّعت العامة كما رأيت من ( ابن أبي الحديد ) عدم وجوده بعد ، روى محمّد بن بابويه عن ابن الوليد عن الصفار عن يعقوب بن يزيد عن أيوب بن نوح و كلّهم أجلّة ثقات قال : قلت للرّضا عليه السّلام : إنّا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر ، و أن يردّه اللَّه إليك من غير سيف ، فقد بويع لك ، و ضربت الدراهم باسمك . فقال : ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب ، و سئل عن المسائل و أشارت إليه الأصابع ، و حملت إليه الأموال إلاّ اغتيل أو مات على فراشه ، حتّى يبعث اللَّه عزّ و جلّ لهذا الأمر رجلا خفي المولد و المنشأ غير خفيّ في نسبه 1 .
و روى مسندا عن عبد العظيم بن عبد اللَّه الحسني قال : قلت لمحمّد بن عليّ بن موسى عليه السّلام : إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم ،
الّذي يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما ، فقال عليه السّلام : يا أبا القاسم ما منّا إلاّ و هو قائم بأمر اللَّه عزّ و جلّ و هاد إلى دين اللَّه ، و لكن القائم الّذي يطهّر اللَّه عزّ و جلّ به الأرض من أهل الكفر و الجحود ، و يملؤها عدلا و قسطا هو الّذي تخفى على النّاس ولادته ، و يغيب عنهم شخصه ، و يحرم عليهم تسميته ، و هو سميّ رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و آله و كنيّه ، و هو الّذي تطوى له الأرض ، و يذلّ له كلّ صعب ،
و يجتمع إليه أصحابه عدّة أهل بدر : ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض ، و ذلك قول اللَّه عزّ و جلّ : . . . أينما تكونوا يأت بكم اللَّه جميعا إنّ اللَّه على كلّ شيء قدير 2 ، فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر اللَّه أمره ، فإذا كمل له العقد و هو عشرة آلاف رجل خرج بإذن اللَّه عزّ و جلّ ، فلا
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 370 ح 1 .
-----------
( 2 ) البقرة : 148 .
[ 556 ]
يزال يقتل أعداء اللَّه حتّى يرضى اللَّه عزّ و جلّ . قال عبد العظيم : فقلت له : يا سيّدي و كيف يعلم أنّ اللَّه تعالى قد رضي ؟ قال : يلقي في قلبه الرّحمة فإذا دخل المدينة اخرج اللات و العزّى فأحرقهما 1 .
هذا ، و في باب ( ما يهدى إلى الكعبة من الكافي ) عن أبي الحر عن الصادق عليه السّلام في من أوصى بجارية هديا للبيت : أنّ الكعبة لا تأكل و لا تشرب ما أهدى لها فهو لزوّارها بع الجارية ، و قم على الحجر ، و ناد هل منقطع به ،
و هل من محتاج من زوّارها ؟ فإذا أتوك فسل عنهم و اعطهم و أقسم فيهم عنها قال : فقلت له : إنّ بعض من سألته أمرني بدفعها إلى بني شيبة . فقال : أمّا إنّ قائمنا عليه السّلام لو قد قام أخذهم قطع أيديهم ، و طاف بهم ، و قال : هؤلاء سرّاق اللَّه 2 .
و في ( نوادر حجّه ) : عن أبي بصير عنه عليه السّلام : أنّ القائم إذا قام ردّ البيت الحرام إلى أساسه ، و مسجد الرسول إلى أساسه ، و مسجد الكوفة إلى أساسه 3 .
و في آخر ( هداية الصدوق ) باب نادر : قال الصادق عليه السّلام : إنّ اللَّه عزّ و جلّ آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأجساد بألفي عام ، فإذا قام قائمنا قائم أهل البيت ورّث الأخ الذي اخي بينهما في الأظلة ، و لم يورّث الأخ من الولادة 4 .
و في ( نوادر حج الفقيه ) قال الصادق عليه السّلام : أوّل ما يظهر القائم عليه السّلام من العدل أن ينادي مناديه أن يسلّم أصحاب النافلة لأصحاب الفريضة الحجر
-----------
( 1 ) كمال الدين للصدوق : 377 ح 2 .
-----------
( 2 ) هذا حديث سعيد بن عمرو أخرجه الكليني في الكافي 4 : 242 ح 4 ، و اما حديث أبي الحر فلفظه غير هذا و أخرجه هو في الصدر 4 : 242 ح 3 .
-----------
( 3 ) الكافي للكليني 4 : 543 ح 16 .
-----------
( 4 ) أخرجه الصدوق في الهداية : 64 .
[ 557 ]
الأسود ، و الطواف بالبيت 1 .
و روى ( الكافي و الفقيه ) عن أبان بن تغلب عن الصادق عليه السّلام و اللفظ للثاني قال : دمان في الاسلام حلال من اللَّه تعالى ، لا يقتضى فيهما أحد حتّى يبعث اللَّه قائمنا أهل البيت عليه السّلام ، فإذا بعث اللَّه عزّ و جلّ قائمنا حكم فيهما بحكم اللَّه تعالى ، الزّاني المحصن يرجمه ، و مانع الزّكاة يضرب عنقه » . و في الأول :
حكم فيهما بحكم اللَّه لا يريد عليهما بيّنة 2 .
و في ( فضل مساجد الفقيه ) : و قال أبو جعفر عليه السّلام : أوّل ما يبدأ قائمنا عليه السّلام سقوف المساجد ، فيكسرها ، و يأمر بها فتجعل عريشا كعريش موسى عليه السّلام 3 .