1

1 من الكتاب ( 21 ) وَ مِنْهُ فَإِنَّهُ لاَ سَوَاءَ إِمَامُ اَلْهُدَى وَ إِمَامُ اَلرَّدَى وَ وَلِيُّ ؟ اَلنَّبِيِّ ص ؟

وَ عَدُوُّ ؟ اَلنَّبِيِّ ص ؟ وَ لَقَدْ قَالَ لِي ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟ إِنِّي لاَ أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مُؤْمِناً وَ لاَ مُشْرِكاً أَمَّا اَلْمُؤْمِنُ فَيَمْنَعُهُ اَللَّهُ بِإِيمَانِهِ وَ أَمَّا اَلْمُشْرِكُ فَيَقْمَعُهُ اَللَّهُ بِشِرْكِهِ وَ لَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ كُلَّ مُنَافِقِ اَلْجَنَانِ عَالِمِ اَللِّسَانِ يَقُولُ مَا تَعْرِفُونَ وَ يَفْعَلُ مَا تُنْكِرُونَ قول المصنّف : و منه : انّما قال : « و منه » لأنّ قبله « فإن استطعتم يا أهل مصر أن تصدّق أقوالكم أفعالكم ، و أن يتوافق سرّكم و علانيتكم ، و لا يخالف ألسنتكم قلوبكم ، فافعلوا . عصمنا اللّه و إيّاكم ، و سلك بنا و بكم المحجّة الوسطى ، و إيّاكم و دعوة الكذّاب ابن هند ، و تأمّلوا و اعلموا » .

قوله عليه السّلام : « فإنّه لا سواء ، إمام الهدى و إمام الردى » : أي : الهلكة . قال ( ابن أبي الحديد ) يعنى عليه السّلام بإمام الهدى ، نفسه ، و بإمام الردى ، معاوية كما قال تعالى

-----------
( 1 ) قال الشارح ، و يأتي في العناوين 32 ، 33 ، 34 من الفصل التاسع كلامه عليه السلام في المهدي عليه السلام .

[ 4 ]

و جعلناهم أئمّة يدعون إلى النار 1 .

قلت : إنّه عليه السلام و إن قال ذلك ، و كان في قباله معاوية في ذلك الوقت إلاّ أنّه عليه السلام أراد بإمام الردى غيره مطلقا ، معاوية و الثلاثة المتقدّمة عليه ، ففي رواية الثقفي لعهده عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر الّذي هذا الكلام جزء منه و قد نقله ( ابن أبي الحديد ) نفسه عند قوله عليه السلام : « و قد أردت تولية مصر هاشم بن عتبة » :

« و اعلموا عباد اللّه إنّكم ان اتقيتم ربّكم ، و حفظتم نبيّكم في أهل بيته ، فقد عبدتموه بأفضل ما عبد ، و ذكرتموه بأفضل ما ذكر ، و شكرتموه بأفضل ما شكر ، و أخذتم بأفضل الصبر ، و جاهدتم بأفضل الجهاد ، و إن كان غيركم أطول صلاة منكم ، و أكثر صياما ، إذ كنتم أتقى للّه ، و أنصح لأولياء اللّه من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أخشع » 2 .

و هل كان معاوية إلاّ تابعا لهم ، و سالكا سبيلهم ، و في كتاب معاوية إلى محمّد ابن أبي بكر و كان ازرى على معاوية قيامه في قباله عليه السلام « فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، و إن يك جورا فأبوك أسّه ، و نحن شركاؤه و بهديه أخذنا ، و بفعله اقتدينا ، فعب أباك ما بدا لك أو دع » .

و فيه أيضا « ذكرت حق ابن أبي طالب و قديم سوابقه و قرابته من نبي اللّه ، و نصرته له و مواساته إيّاه في كل خوف و هول ، إلى أن قال : و قد كنّا و أبوك معنا في حياة من نبيّنا ، نرى حق ابن أبي طالب لازما لنا ، و فضله مبرزا علينا . فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده ، كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه و خالفه ، على ذلك اتّفقا و اتّسقا ، ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما و تلكأ

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 450 ، و الآية 41 من سورة القصص .

-----------
( 2 ) رواه الثقفي في الغارات 1 : 236 و نقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 26 شرح الخطبة 66 .

[ 5 ]

عليهما فهمّا ، به الهموم ، و أرادا به العظيم ، فبايع و سلّم لهما لا يشركانه و لا يطلعانه على سرّهما حتّى قبضا » رواه المسعودي و نصر بن مزاحم و أشار إليه الطبري لكنّه كفّ عن نقله عنادا و قال : لا تحتمله العامة 1 .

كما أنّ ما قاله من أنه عليه السلام أراد بامام الهدى نفسه ، صحيح ، لكن لم يرد نفسه بالخصوص بل مع عترته ، و كان عليه السلام ميزانا في تمييز المؤمنين من المنافقين من عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و قد قال تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه و في عترته :

إنّما أنت منذر و لكلّ قوم هاد 2 .

« و وليّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم » قال تعالى : إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون 3 .

قال سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) : ذكر الثعلبي في ( تفسيره ) عن السدّي ، و عتبة بن أبي حكيم ، و غالب بن عبد اللّه قالوا : انزلت آية إنّما وليكم اللّه في عليّ عليه السلام مرّ به سائل و هو في المسجد راكع فأعطاه خاتمه 4 .

و روى الثعلبي أيضا مسندا عن أبي ذر قال : صلّيت يوما صلاة الظهر في المسجد و النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حاضر فقام سائل فسأل . فلم يعطه أحد شيئا إلى أن قال فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : اللهم و أنا محمّد صفيّك و نبيّك فاشرح لي صدري ،

و يسّر لي أمري ، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به أزري أو قال ظهري ،

قال أبو ذر : فو اللّه ما استتم الكلام حتّى نزل جبرئيل عليه السلام من عند اللّه تعالى فقال : يا محمّد اقرأ إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا الّذين يقيمون

-----------
( 1 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 3 : 12 و ابن مزاحم في وقعة صفين : 119 و البلاذري في انساب الاشراف 2 :

396 و اشار اليه الطبري في تاريخه 3 : 557 سنة 36 .

-----------
( 2 ) الرعد : 7 .

-----------
( 3 ) المائدة : 55 .

-----------
( 4 ) تذكرة الخواص : 15 .

[ 6 ]

الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون 1 .

و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المتواتر : « من كنت مولاه فعلي مولاه » قال سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) : روى أحمد بن حنبل في ( مسنده ) و في ( فضائله ) ،

و الترمذي في ( سننه ) عن زاذان قال : سمعت عليّا عليه السلام يقول في الرحبة و هو ينشد الناس : انشد اللّه رجلا سمع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول في يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه ، فقام ثلاثة عشر رجلا من الصحابة فشهدوا أنّهم سمعوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول ذلك 2 .

و روى في فضائله عن رياح بن حارث قال : جاء رهط إلى على عليه السلام فقالوا : السلام عليك يا مولانا و كان بالرحبة فقال : كيف أكون مولاكم و أنتم قوم عرب ؟ قالوا : سمعنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » قال رياح : فقلت : من هؤلاء ؟ فقيل : نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم 3 .

و عن عبد الملك بن عطية العوفي قال : أتيت زيد بن أرقم فقلت له : إنّ ختنا لي حدّثني عنك بحديث في شأن علي عليه السلام يوم الغدير و أنا أحبّ أن أسمعه منك فقال : إنّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم ، فقلت : ليس عليك منّي بأس فقال : نعم . كنّا بالجحفة ، فخرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علينا ظهرا و هو آخذ بعضد علي عليه السلام فقال : أيّها الناس ألستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟

فقالوا : بلى ، فقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » قالها أربع مرات 4 .

و عن البراء بن عازب قال : كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنزلنا بغدير خم ، فنودي

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 15 . و الآية 55 من سورة المائدة .

-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 28 .

-----------
( 3 ) تذكرة الخواص : 29 .

-----------
( 4 ) تذكرة الخواص : 29 .

[ 7 ]

فينا الصلاة جامعة ، و كسح للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين شجرتين ، فصلّى الظهر و أخذ بيد علي عليه السلام و قال : « اللهم من كنت مولاه فهذا مولاه » قال : فلقيه عمر بعد ذلك فقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب ، أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة 1 .

و في ( تاريخ أعثم الكوفي ) و هو من رجالهم أيضا أنّ ابن الزبير لمّا كان يحثّ خالته على الخروج ، و أنكر أن يكون النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : إنّ عليّا وليّ الناس قالت له امّ سلمة : إن لم تكن سمعت ذلك فهذه خالتك عائشة سلها هل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال لعلي عليه السلام أنت خليفتي في حياتي ، و بعد مماتي ؟ فقالت عائشة : نعم . سمعت ذلك 2 .

و في ( استيعاب ابن عبد البر ) : روى بريدة و أبو هريرة ، و جابر ، و البراء بن عازب ، و زيد بن أرقم كل واحد منهم عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه » 3 .

و في ( اسد الغابة ) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : شهدت عليّا في الرحبة يناشد الناس : انشد اللّه من سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعلي مولاه » لما قام ، قال عبد الرحمن : فقام اثنا عشر بدريّا كأنّي أنظر إلى أحدهم عليه سراويل فقالوا : نشهد أنّا سمعنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول يوم غدير خم : « الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم و أزواجي أمهاتهم ؟ قلنا : بلى فقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه اللهمّ و ال من والاه و عاد من عاداه » 4 .

« و عدوّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم » قال ابن أبي الحديد : جعل أمير المؤمنين عليه السلام

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 29 .

-----------
( 2 ) الفتوح لابن أعثم 2 : 282 و النقل بتلخيص .

-----------
( 3 ) الاستيعاب 3 : 36 .

-----------
( 4 ) اسد الغابة 4 : 28 .

[ 8 ]

معاوية عدوّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لكونه عدوّه عليه السلام و قد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له : « وليّك وليّي ،

و وليّي وليّ اللّه ، و عدوّك عدوّي ، و عدوّي عدوّ اللّه » و لأن دلائل النفاق كانت ظاهرة عليه من فلتات لسانه ، و من أفعاله ، و قد قال أصحابنا في هذا المعنى أشياء كثيرة فلتطلب من كتبهم خصوصا من كتب شيخنا أبي عبد اللّه و كتب أبي جعفر الاسكافي و أبي القاسم البلخي 1 .

قلت : و ان صحّ ما قاله من كون معاوية عدوا للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بما ذكره من القياس إلاّ أنه كان عدوّا له صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالأساس أيضا . روى المسعودي في ( مروجه ) : أنّ المغيرة بن شعبة قال لمعاوية : بلغت أملك ، فلو أظهرت عدلا .

فقال له : إنّ أخا هاشم يصرّح به في كل يوم خمس مرات « أشهد ان محمّدا رسول اللّه » فأيّ أمل يبقى مع هذا لا امّ لك لا و اللّه إلاّ دفنا دفنا 2 .

و في ( الطبري ) عن كتاب المأمون الذي أمر بإنشائه في لعن معاوية « و منه الحديث المرفوع المشهور أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال : إن معاوية في تابوت من نار في أسفل درك منها ينادي يا حنان يا منان ( فيقال له ) آلآن و قد عصيت قبل و كنت من المفسدين » 3 ؟

و في ( صفين نصر بن مزاحم ) مسندا عن رجل شامي صحابي قال :

سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقول : « شرّ خلق اللّه خمسة : ابليس ، و ابن آدم الّذي قتل أخاه ، و فرعون ذو الأوتاد ، و رجل من بني اسرائيل ردّهم عن دينهم ، و رجل من هذه الامّة يبايع على كفره عند باب لدّ » قال الرجل : إنّي لمّا رأيت معاوية بايع عند باب لدّ ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلحقت بعلي عليه السلام فكنت معه 4 .

-----------
( 1 ) قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 450 و النقل بالمعنى .

-----------
( 2 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 3 : 454 و النقل بتصرف .

-----------
( 3 ) رواه الطبري في تاريخه 8 : 186 سنة 284 .

-----------
( 4 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 217 .

[ 9 ]

« و لقد قال لي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا و لا مشركا ، أمّا المؤمن فيمنعه اللّه بإيمانه ، و أمّا المشرك فيقمعه اللّه ( أي يقهره و يذلّه ) بشركه ،

و لكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان ، عالم اللّسان ، يقول ما تعرفون ، و يفعل ما تنكرون » لقد صدق صلوات اللّه عليه فكل فتنة كانت في الإسلام كانت من المسلمين الّذين وصفهم عليه السلام ، جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أبا بكر كصاحبه في جيش اسامة لئلاّ يوجب الفتنة بعده ، فتخلّف عنه مع تأكيداته حتّى لعن المتخلّف عن الجيش ، حتّى ينال الإمرة ، و لمّا نال مرامه أراد التلبيس على الناس بأنه لا بدّ أن يجري أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الجيش .

فروى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) عن ابن عمر ، أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعث سرية فيهم أبو بكر و عمر ، و استعمل عليهم اسامة . فكان الناس طعنوا فيه .

فبلغ ذلك النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فصعد المنبر . فحمد اللّه و أثنى عليه ، و قال : إنّ الناس قد طعنوا في إمارة اسامة و قد كانوا طعنوا في إمارة أبيه من قبله ، و إنّهما لخليقان لها الخبر 1 .

و في ( الطبري ) : نادى منادي أبي بكر من بعد الغد من متوفّى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليتمّ بعث اسامة ، ألا لا يبقينّ بالمدينة أحد من جند اسامة إلاّ خرج إلى عسكره بالجرف 2 .

و فيه أيضا قال أبو بكر : لو خطفتني الكلاب و الذئاب لم أردّ قضاء قضى به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم 3 .

و فيه أيضا ان عمر قال له : ان الأنصار أمروني أن ابلغك و إنّهم يطلبون

-----------
( 1 ) طبقات ابن سعد 2 ، ق 2 : 41 و 4 ، ق 1 : 46 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 460 سنة 11 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 462 سنة 11 .

[ 10 ]

إليك أن تولّي أمرهم رجلا أقدم سنّا من اسامة . فوثب أبو بكر و كان جالسا فأخذ بلحية عمر و قال له : ثكلتك امك و عدمتك يا ابن الخطاب استعمله النّبيّ ،

و تأمرني أن أنزعه 1 .

و هذا عمر ، يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال : دعوه إنّه ليهجر 2 .

و في ( طبقات كاتب الواقدي ) عن ابن عباس قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : هلمّ اكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده . فقال عمر : انّ رسول اللّه قد غلبه الوجع و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه إلى أن قال .

فكان ابن عباس يقول : ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم 3 .

ثم يقول ذلك الرجل من ولهه بزعمهم بعد قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : انّه ما مات و لكنّه غاب . ففي ( الطبري ) : لما توفي النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قام عمر فقال : إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول اللّه توفّي ، و إنّ رسول اللّه و اللّه ما مات ، و لكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة . ثم رجع بعد أن قيل قد مات ، و اللّه ليرجعن رسول اللّه . فليقطّعنّ أيدي رجال و أرجلهم ،

يزعمون أن رسول اللّه مات 4 .

و انّما فعل ذلك ليصل إليه أبو بكر و كان غائبا حتى يدبّر أمر السقيفة ،

و في كتاب ابن عباس الى الحسن عليه السلام بعد أبيه « و اعلم أنّ عليّا أباك عليه السلام إنّما رغب الناس عنه إلى معاوية أنه آسى بينهم في الفي‏ء ، و سوّى بينهم في

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 462 سنة 11 .

-----------
( 2 ) أخرج هذا الحديث جماعة منهم البخاري في صحيحه 1 : 32 و 4 : 7 و 271 و مسلم في صحيحه 3 : 1259 ح 22 .

-----------
( 3 ) طبقات ابن سعد 2 ، ق 2 : 37 .

-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 2 : 442 سنة 11 .

[ 11 ]

العطاء ، فثقل عليهم ، و اعلم أنّك تحارب من حارب اللّه و رسوله في ابتداء الإسلام حتّى ظهر امر اللّه فلمّا وحّد الرب و محق الشرك ، و عزّ الدين ، أظهروا الايمان و قرأوا القرآن مستهزئين بآياته ، و قاموا إلى الصلاة و هم كسالى ،

و أدّوا الفرائض و هم لها كارهون فلمّا رأوا أنّه لا يعزّ في الدين إلاّ الأتقياء الأبرار ، توسّموا بسيما الصالحين ليظنّ المسلمون بهم خيرا ، فما زالوا بذلك حتّى شركوهم في أماناتهم ، و قالوا : حسابهم على اللّه فإن كانوا صادقين فإخواننا في الدين ، و إن كانوا كاذبين كانوا بما اقترفوا هم الأخسرين ، و قد منيت باولئك ، و بأبنائهم و بأشباههم ، و اللّه ما زادهم طول العمر إلاّ غيّا ، و لا زادهم ذلك لأهل الدين إلاّ مقتا » 1 .