2

من الخطبة ( 33 ) أَمَا وَ اَللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَفِي سَاقَتِهَا حَتَّى وَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا مَا عَجَزْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ وَ إِنَّ مَسِيرِي هَذَا لِمِثْلِهَا فَلَأَنْقُبَنَّ اَلْبَاطِلَ حَتَّى يَخْرُجَ اَلْحَقُّ مِنْ جَنْبِهِ مَا لِي وَ ؟ لِقُرَيْشٍ ؟ وَ اَللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُهُمْ كَافِرِينَ وَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ مَفْتُونِينَ وَ إِنِّي لَصَاحِبُهُمْ بِالْأَمْسِ كَمَا أَنَا صَاحِبُهُمُ اَلْيَوْمَ من الخطبة ( 102 ) وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا وَ اِسْتَوْثَقَتْ قِيَادَهَا مَا ضَعُفْتُ وَ لاَ جَبُنْتُ وَ لاَ خُنْتُ وَ لاَ وَهَنْتُ وَ اَيْمُ اَللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ اَلْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ اَلْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ أقول : قاله عليه السلام في ذى قار لمّا أراد الجمل كما صرّح به في الأوّل .

« و أيم اللّه » في الثاني بمعنى « أما و اللّه » في الاول .

-----------
( 1 ) رواه المدائني ، و عنه شرح ابن أبي الحديد 4 : 8 و غيره .

[ 12 ]

قال الجوهري : أيمن اللّه اسم وضع للقسم قال : و ربما حذفوا منه النون فقالوا : أيم اللّه و أيم اللّه أيضا بكسر الهمزة 1 .

« إن كنت » في الأوّل بمعنى « لقد كنت » في الثاني لأنّ « ان » فيه مخففة من الثقيلة .

« لفي ساقتها » و في الثاني « من ساقتها » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 2 و ( الخطّيّة ) لا « في ساقتها » كما في ( المصرية ) ، و ساقة جمع سائق كقادة في قائد من ساقة الجيش ، و في ( الأساس ) : رأيته يكرّ في سوق الحرب :

أي في حومة القتال و وسطه 3 .

« حتّى » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : « حتّى تولت » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 4 و كما في الثاني : أي : انقضت .

« بحذافيرها » : أي بأسرها و تمامها و جميع نواحيها .

قوله عليه السلام في الثاني « و استوثقت قيادها » هكذا في المصرية ، و الصواب « و استوسقت في قيادها » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطبة ) 5 و في ( المصباح ) قال الخليل : القود أن يكون الرجل أمام الدابة آخذا بقيادها إلى أن قال و المقود بكسر الميم : الحبل يقاد به و الجمع مقاود ، و القياد مثل المقود الخ 6 و استوسقت : أي اجتمعت و انتظمت .

قوله عليه السلام فيهما « ما ضعفت » هكذا في ( المصرية ) و في ( ابن أبي الحديد )

-----------
( 1 ) صحاح اللغة 6 : 2221 مادة ( يمن ) ، و النقل بتقطيع .

-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 199 لكن لفظ شرح ابن ميثم 3 : 21 مثل المصرية أيضا .

-----------
( 3 ) أساس البلاغة : 225 مادة ( سوق ) .

-----------
( 4 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 176 و شرح ابن ميثم 2 : 72 « ولت » أيضا .

-----------
( 5 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 199 و شرح ابن ميثم 3 : 21 .

-----------
( 6 ) المصباح المنير 2 : 203 مادة ( قود ) .

[ 13 ]

و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) 1 : « ما عجزت » ، و كيف كان فالمراد أنه عليه السلام لم يعجز و لم يضعف في سياقة غزوات الإسلام و سلطته كما عجز و ضعف باقيهم .

و في ( الإرشاد ) روى أصحاب الآثار عن الحسن بن صالح عن الأعمش عن أبي اسحاق عن ابن أبي عبد اللّه الجدلي قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : لمّا عالجت باب خيبر جعلته مجنّا لي . فقاتلتهم به . فلمّا أخزاهم اللّه وضعت الباب على حصنهم طريقا ، ثم رميت به في خندقهم . فقال له رجل : لقد حملت منه ثقلا . فقال : ما كان إلاّ مثل جنّتى الّتي في يدي في غير ذلك المقام ،

و فيه يقول الشاعر :

إنّ امرأ حمل الرتاج بخيبر
يوم اليهود بقدرة لمؤيّد

حمل الرتاج رتاج باب قموصها
و المسلمون و أهل خيبر حشّد

فرمى به و لقد تكلف ردّه
سبعون كلهم له يتشدّد

ردّوه بعد تكلّف و مشقّة
و مقال بعضهم لبعض ارددوا 2

« و لا جبنت » : أي : كما جبنوا ، ففي خيبر أخذ الراية أوّلا ، الأوّل ثمّ الثاني و رجعا منهزمين يجبّنان أصحابهما و يجبّنهما أصحابهما .

و في ( الإرشاد ) : روى أبو محمّد الحسن بن جمهور قال : قرأت على أبي عثمان المازني الشاعر :

بعث النبي براية منصورة
عمر بن حنتمة الدلام الأدلما
فمضى بها حتى إذا برزوا له
دون القماص ثنى و هاب و أحجما

-----------
( 1 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 2 : 176 و 199 ، و أيضا شرح ابن ميثم 2 : 72 ، و 3 : 21 « ضعفت » نعم في بعض نسخ شرح ابن ميثم في الاول « عجزت » .

-----------
( 2 ) الإرشاد : 67 .

[ 14 ]

فأتى النبي براية مردودة
الا تخوف عارها فتذمما
فبكى النبي له و انّبه بها
و دعا امرأ حسن البصيرة مقدما

فغدا بها في فيلق و دعا له
ألاّ يصد بها و ألاّ يهزما

فزوى اليهود الى القموص و قد كسا
كبش الكتبية ذا غرار مخذما

و ثنى بناس بعدهم فقراهم
طلس الذئاب و كل نسر قشعما 1

« و لا خنت و لا وهنت » كما خان و وهن غيري ، و في ( السير ) : لما انصرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم من احد إلى المدينة استقبلته فاطمة عليها السلام و معها إناء فيه ماء فغسل به وجهه و لحقه علي عليه السلام و قد خضب الدم يده إلى كتفه و معه ذو الفقار ،

فناوله فاطمة عليها السلام و قال لها : خذي هذا السيف . فقد صدقني اليوم و أنشأ يقول .

أفاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديد و لا بمليم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد و طاعة رب بالعباد عليم اميطي دماء القوم عنه فإنّه سقى آل عبد الدار كأس حميم و قال لها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : « خذيه يا فاطمة فقد أدّى بعلك ما عليه ، و قد قتل اللّه بسيفه صناديد قريش » 2 ، فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا بعث اللّه تعالى كما قال قبل هذا الكلام ساق الناس حتّى بوّأهم محلّتهم ، و بلّغهم منجاتهم فاستقامت قناتهم ، و اطمأنت صفاتهم ، و كان أمير المؤمنين عليه السلام كما قال هنا معينا له من أوّله إلى آخره ، و المتصدّي لغزواته عليه السلام بلا ضعف و لا جبن و لا خيانة و لا وهن ، كغيره ممّن ادّعى الأمر في قباله كما ستعرف ، فلا بدّ بحكم العقل أن يكون هو خليفته و قائما مقامه ، و من أنكر فقد كابر البداهة ، و من خالف فقد خالف مقتضى العقول .

-----------
( 1 ) الارشاد : 68 .

-----------
( 2 ) رواه المفيد في الارشاد : 48 .

[ 15 ]

و قد صرّحت بذلك سيّدة النساء صلوات اللّه عليها و على أبيها فقالت في خطبتها يوم أبي بكر كما في ( بلاغات أحمد بن أبي طاهر البغدادي ) من رجالهم « فأنقذكم اللّه برسوله بعد اللتيا و الّتي ، و بعد ما مني بهم الرجال ،

و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب كلّما حشوا نارا للحرب أطفاها ، و نجم قرن للضلال ، و فغرت فاغرة من المشركين قذف بأخيه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، و يخمد لهبها بحده ، مكدودا في ذات اللّه ، قريبا من رسول اللّه ، سيّدا في أولياء اللّه ، و أنتم في بلهنية و ادعون آمنون حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دار أنبيائه ، ظهرت خلة النفاق ، و سمل جلباب الدّين ،

و نطق كاظم الغاوين » إلى آخرها 1 .

و روى المصنّف في ( خصائصه ) باسناد مرفوع الى الأعمش عن ابن عطية قال : لمّا خرج عمر الى الشام و كان العباس معه يسايره و كان من يستقبله ينزل . فيبدأ بالعباس ، فيسلّم عليه ، يقدّر الناس أنّه الخليفة ، لجماله و بهائه و هيبته فقال عمر : لعلك تقدّر أنّك أحق بهذا الأمر منّي . فقال له العبّاس :

أحق به منّي و منك من خلّفناه بالمدينة . فقال عمر : من ذلك ، قال : من ضربنا بسيفه حتّى قادنا بالاسلام ، يعني عليّا عليه السلام 2 .

و روى أبو بكر بن الأنباري في ( أماليه ) و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر أنّ عليا عليه السلام جلس إلى عمر في المسجد ، و عنده ناس . فلمّا قام عرّض واحد بذكره ، و نسبه إلى التيه و العجب . فقال عمر : حق لمثله أن يتيه ،

و اللّه لو لا سيفه لما قام عمود الإسلام ، و هو بعد أقضى الامّة ، و ذو سابقتها و ذو شرفها . فقال له ذلك القائل : فما منعكم عنه . قال : كرهناه على حداثة السن

-----------
( 1 ) بلاغات النساء : 24 .

-----------
( 2 ) خصائص الائمة : 48 .

[ 16 ]

و حبّه بني عبد المطلب 1 .

قلت : لقد أجابه ابن عباس عن حداثة سنّه بأنّ اللّه تعالى ما استحدث سنّه حيث انزل جبرئيل ليأخذ سورة براءة من صاحبه أبي بكر ، و أمّا حبّه بني عبد المطلب ، فهل كان الاّ حبّ أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و من قال تعالى فيهم قل لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودّة في القربى 2 ؟ كره الرجل منه عليه السلام حبّه لبني عبد المطلب أقارب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أحبّائه . فلم يدع الأمر يصل إليه ، و لم يكره من عثمان تهالكه و تفدية نفسه لبني امية أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أعداء الإسلام فدبّر الأمر له ، و الحكم اللّه تعالى .

و روى محمّد بن بابويه في ( خصاله ) عن محمّد بن الحنفية ، أنّ رأس اليهود أتى إلى أمير المؤمنين عليه السلام عند منصرفه من وقعة النهروان ، و هو جالس في مسجد الكوفة فقال له : إنّي اريد أن أسألك عن أشياء لا يعلمها إلاّ نبيّ أو وصي نبيّ . قال : سل عمّا بدا لك يا أخا اليهود . قال : إنّا نجد في الكتب أنّ اللّه عزّ و جلّ إذا بعث نبيّا أوحى إليه أن يتّخذ من أهل بيته من يقوم بأمر امّته من بعده ، و أن يعهد إليهم فيه عهدا يحتذى به و يعمل به في امته من بعده ، و أنّ اللّه عزّ و جلّ يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء ، و يمتحنهم بعد وفاتهم إلى أن قال فقال له علي عليه السلام : إنّ اللّه تعالى يمتحن الأوصياء في حياة الأنبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم . فإذا رضي طاعتهم و محنتهم أمر الأنبياء أن يتّخذوهم أولياء في حياتهم ، و أوصياء بعد وفاتهم إلى أن قال قال الرجل : صدقت . فأخبرني كم امتحنك اللّه في حياة محمّد ، و كم

-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 115 شرح الخطبة 226 .

-----------
( 2 ) الشورى : 23 .

[ 17 ]

امتحنك بعد وفاته ، و إلى ما يصير آخر أمرك ؟ فأخذ علي عليه السلام بيده و قال :

انهض انبّئك . فقام إليه جماعة من أصحابه . فقالوا : أنبئنا بذلك معه . فقال : انّي أخاف ألاّ تحتمله قلوبكم . قالوا : و لم ؟ قال : لامور بدت من كثير منكم . فقام إليه الأشتر فقال له : أنبئنا بذلك فو اللّه إنّا لنعلم أنّه ما على ظهر الأرض وصي نبي سواك ، و إنّا لنعلم أنّ اللّه تعالى لا يبعث بعد نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نبيّا ، و أنّ طاعتك موصولة بطاعة نبيّنا . قال : فجلس علي عليه السلام و أقبل على اليهودي و قال له : إنّ اللّه عزّ و جلّ امتحنني في حياة نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في سبعة مواطن فوجدني فيهن من غير تزكية لنفسي ، بنعمة اللّه مطيعا . قال : فيم و فيم .

قال : أما أوّلهن : فانّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى نبيّنا و أنا أحدث أهل بيته سنّا أخدمه في بيته ، و أسعى في قضاء حوائجه بين يديه في أمره ، فدعا صغير بني عبد المطّلب و كبيرهم إلى شهادة ألا إله إلاّ اللّه ، و أنّه رسوله فامتنعوا من ذلك ، و أنكروا عليه و هجروه ، و نابذوه ، و اعتزلوه ، و اجتنبوه ، و سائر الناس مقصين له ، و مخالفين عليه ، قد استعظموا ما أورده عليهم ممّا لم تحتمله قلوبهم ، و تدركه عقولهم . فأجبته وحدي مسرعا إلى ما دعا إليه مطيعا موقنا لم يخالجني شك في ذلك ، فمكثنا بذلك ثلاث حجج ، و ما على وجه الأرض خلق يصلي أو يشهد له بما أتاه غيري و غير ابنة خويلد رحمها اللّه و قد فعل .

ثم أقبل على أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى يا أمير المؤمنين .

فقال : و أمّا الثانية : فإنّ قريشا لم تزل تجيل الآراء ، و تعمل الحيل في قتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتّى كان آخر ما اجتمعت في ذلك يوم الدار ، ( دار الندوة ) و ابليس اللعين حاضر في صورة أعور ثقيف ، فلم تزل تضرب أمرها ظهرا لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أن ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجل ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه ثمّ يأتي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو نائم على فراشه .

[ 18 ]

فيضربونه بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه ، و اذا قتلوه منعت قريش رجالها ، و لم تسلمها فيمضى دمه هدرا . فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنبأه بذلك ، و أخبره بالليلة الّتي يجتمعون فيها و الساعة الّتي يأتون فراشه ، و أمره بالخروج في الوقت الّذي خرج فيه إلى الغار . فاخبرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالخبر و أمرني أن اضطجع في مضجعه و أقيه بنفسي . فأسرعت إلى ذلك مطيعا له مسرورا بأن أقتل دونه ، فمضى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لوجهه و اضطجعت في مضجعه ، و أقبلت رجالات قريش موقنة في أنفسها أن تقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، فلما استوى بي و بهم البيت الّذي أنا فيه ناهضتهم بسيفي ،

فدفعتهم عن نفسي بما قد علمه اللّه .

ثم أقبل عليه السلام على أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى .

فقال عليه السلام : و أمّا الثالثة يا أخا اليهود ، فإنّ ابني ربيعة و الوليد بن عتبة ،

و كانوا فرسان قريش دعوا إلى البراز يوم بدر فلم يبرز لهم خلق من قريش .

فأنهضني مع صاحبيّ رضي اللّه عنهما و قد فعل ، و أنا أحدث أصحابي سنّا و أقلهم للحرب تجربة فقتل اللّه عزّ و جلّ بيدي وليدا و شيبة سوى من قتلت من حجاحجة قريش في ذلك اليوم ، و سوى من أسرت ، و كان منّي أكثر ممّا كان من أصحابي ، و استشهد ابن عمي في ذلك رحمة اللّه عليه .

ثم التفت إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى .

فقال : و أمّا الرابعة ، فإنّ أهل مكة أقبلوا إلينا على بكرة أبيهم قد استجابوا من يليهم من قبائل العرب طالبين بثار مشركي قريش في يوم بدر .

فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنبأه بذلك . فذهب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عسكر بأصحابه في سدّ احد ، و أقبل المشركون إلينا فحملوا علينا حملة رجل واحد ،

و استشهد من المسلمين من استشهد ، و كان من بقي ، من المنهزمة ، و بقيت مع

[ 19 ]

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ، و مضى المهاجرون و الأنصار إلى المدينة كلّ يقول : قتل النّبيّ و قتل أصحابه . ثم ضرب اللّه عزّ و جلّ وجوه المشركين ، و قد جرحت بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نيّفا و سبعين جرحة ، منها هذه و هذه ، ثم ألقى عليه السلام رداءه و أمرّ يده على جراحاته ، و كان منّي في ذلك ما على اللّه عزّ و جلّ ثوابه ، ثم التفت الى أصحابه ، فقال : اليس كذلك ؟ قالوا : بلى .

فقال : و اما الخامسة يا أخا اليهود ، فان قريشا و العرب تجمعت و عقدت عقدا و ميثاقا لا ترجع من وجهها حتّى تقتل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تقتلنا معاشر بني عبد المطلب معه ، ثم أقبلت بحدّها و حديدها حتّى أناخت علينا بالمدينة واثقة بأنفسها في ما توجّهت له ، فهبط جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأنبأه بذلك فخندق على نفسه و من معه من المهاجرين و الأنصار ، فقدمت قريش فأقامت على الخندق ، محاصرة لنا ، ترى في أنفسها القوّة و فينا الضعف ترعد و تبرق ،

و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يدعوها إلى اللّه تعالى و يناشدها بالقرابة و الرحم فتأبى ، و لا يزيدها ذلك إلاّ عتوّا ، و فارسها و فارس العرب يومئذ عمرو بن عبد ود يهدر كالبعير المغتلم ، يدعو إلى البراز ، و يرتجز ، و يخطر برمحه مرة ، و بسيفه مرة ،

لا يقدم عليه مقدم و لا يطمع فيه طامع ، و لا حميّة تهيجه ، و لا بصيرة تشجّعه ،

فأنهضني إليه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عمّمني بيده و أعطاني سيفه هذا و ضرب بيده إلى ذي الفقار و عمّمني فخرجت إليه ، و نساء أهل المدينة توالي إشفاقا علي من ابن عبد ود فقتله اللّه عزّ و جلّ بيدي ، و العرب لا تعدّ لها فارسا غيره ،

و ضربني هذه الضربة و أومأ بيده إلى هامته فهزم اللّه قريشا و العرب بذلك و بما كان مني فيهم من النكاية . ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟

قالوا : بلى .

فقال : و أمّا السادسة يا أخا اليهود ، فإنّا وردنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مدينة

[ 20 ]

أصحابك خيبر على رجال من اليهود و فرسانها من قريش و غيرها . فتلقونا بأمثال الجبال من الخيل و الرجال و السلاح ، و هم في أمنع واد و أكثر عدد ، كلّ ينادى و يدعو ، و يبادر الى القتال . فلم يبرز اليهم أحد من أصحابه إلاّ قتلوه حتى إذا احمرّت الحدق و دعيت إلى النزال ، و أهمّت كل امرئ نفسه ، و التفت بعض أصحابه إلى بعض ، و كلّ يقول : يا أبا الحسن إنهض ، أنهضني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى دارهم . فلم يبرز إليّ أحد منهم إلاّ قتلته ، و لا يثبت لي فارس إلاّ طحنته ، ثم شددت عليهم شدّة الليث على فريسته حتّى أدخلتهم جوف مدينتهم مشددا عليهم ، فاقتلعت باب حصنهم بيدي ، حتّى دخلت عليهم مدينتهم وحدي ، أقتل من يظهر فيها من رجالها ، و أسبي من أجد من نسائها ،

حتى أفتتحتها وحدي ، و لم يكن لي فيها معاون الاّ اللّه وحده .

ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى .

قال : و أما السابعة ، فإن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لمّا توجّه لفتح مكّة أحب أن يعذر اليهم و يدعوهم الى اللّه عزّ و جلّ آخرا كما دعاهم أوّلا ، فكتب إليهم كتابا يحذّرهم فيه ، و ينذرهم عذاب اللّه ، و يعدهم الصفح ، و يمنّيهم مغفرة ربهم .

و نسخ لهم في آخره سورة براءة ليقرؤوها عليهم ثمّ عرض على جميع أصحابه المضى به فكلهم يرى التثاقل فيهم ، فلمّا رأى ذلك ندب منهم رجلا .

فوجّهه به فأتاه جبرئيل فقال : يا محمّد لا يؤدّي عنك الاّ أنت أو رجل منك .

فأنبأني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بذلك ، و وجّهني بكتابه و رسالته إلى أهل مكّة ، و أهلها من قد عرفتم و ليس أحد منهم الاّ و لو قدر أن يضع كل جبل مني اربا لفعل ، و لو أن يبذل في ذلك نفسه و أهله و ولده و ماله ، فبلّغتهم رسالة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قرأت عليهم كتابه ، فكلهم يلقاني بالتهديد و الوعيد ، و يبدي لي البغضاء ، و يظهر الشحناء ، من رجالهم و نسائهم ، فكان مني في ذلك ما قد رأيتم .

[ 21 ]

ثم التفت عليه السلام إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا : بلى . . . 1 .

و في ( العقد الفريد ) : عن الشعبي في وفود ام الخير بنت حريش على معاوية و سؤال معاوية أصحابه عن كلامها في صفين فذكر له بعضهم كلامها ، و من جملته « فإلى أين تريدون رحمكم اللّه عن ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و صهره ، و أبي سبطيه ، خلق من طينته ، و تفرّع من نبعته ، و خصّه بسّره ، و جعله باب مدينته ، و أعلم بحبه المسلمين ، و أبان ببغضه المنافقين ،

و ها هو ذا مفلّق الهام ، و مكسّر الأصنام ، صلّى ، و الناس مشركون ، و أطاع ،

و الناس كارهون . فلم يزل في ذلك حتى قتل مبارزي بدر ، و أفنى أهل أحد ،

و هزم الأحزاب ، و قتل اللّه به أهل خيبر ، و فرّق به جمع هوازن ، فيالها من وقائع زرعت في قلوب نفاقا و ردّة و شقاقا ، و زادت المؤمنين ايمانا » . . . 2 .

و في ( بلاغات نساء أحمد بن أبي طاهر البغدادي ) في قصة منع أبي بكر فدك من فاطمة عليها السلام « لاثت خمارها على رأسها ، و أقبلت في لمة من حفدتها تطأ ذيولها ، ما تخرم من مشية رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم شيئا حتّى دخلت على أبي بكر و هو في حشد من المهاجرين و الأنصار ، فنيطت دونها ملاءة . ثم أنّت أنّة أجهش القوم لها بالبكاء ، و ارتجّ المجلس . فأملهت حتى سكن نشيج القوم ،

و هدأت فورتهم . فافتتحت الكلام بحمد اللّه و الثناء عليه و الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فعاد القوم في بكائهم . فلما أمسكوا عادت في كلامها . فقالت : لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم 3 . فإن تعرفوه تجدوه أبي دون آبائكم و أخا ابن عمّي دون

-----------
( 1 ) رواه عن محمّد ابن الحنفية و الامام الباقر عليه السلام الصدوق في الخصال 2 : 364 ح 58 باب السبعة ، و النقل بتصرف في اللفظ .

-----------
( 2 ) العقد الفريد 1 : 302 .

-----------
( 3 ) التوبة : 128 .

[ 22 ]

رجالكم فبلّغ النذارة صادعا بالرسالة ، مائلا على مدرجة المشركين ضاربا لثجهم ، آخذا بكظمهم . يهشم الأصنام ، و ينكت الهام حتّى هزم الجمع و ولّوا الدبر ، و تغرى الليل عن صبحه ، و اسفر الحق عن محضه ، و نطق زعيم الدين ،

و خرست شقاشق الشياطين و كنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب و نهزة الطامع و قبسة العجلان و موطئ الأقدام ، تشربون الطرق و تقتاتون الورق أذلة خاشعين تخافون ان يتخطّفكم الناس من حولكم . فأنقذكم اللّه برسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعد اللتيا و التي ، و بعد ما مني بهم الرجال و ذؤبان العرب و مردة أهل الكتاب ، كلما حشوا نارا للحرب اطفأها ، و نجم قرن للضلال ،

و فغرت فاغرة من المشركين ، قذف بأخيه في لهواتها ، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، و يخمد لهبها بحدّه ، مكدودا في ذات اللّه قريبا من رسول اللّه سيّدا في أولياء اللّه ، و أنتم في بلهنية و ادعون آمنون . . . 1 .

و قال محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في ( إرشاده ) في ذكر غزوات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : و أنّ الفتح فيها كان على يد أمير المؤمنين عليه السلام غزاة بدر أول حرب كان به الامتحان ، و ملأت رهبة صدور المعدودين من المسلمين في الشجعان ، و راموا التأخر عنها لخوفهم منها ، و كراهتهم لها على ما جاء به محكم الذكر في التبيان حيث يقول جل اسمه : كما أخرجك ربّك من بيتك بالحقّ و إنّ فريقا من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنّما يساقون إلى الموت و هم ينظرون إلى أن قال 2 .

و لم يزل أمير المؤمنين عليه السلام يقتل واحدا بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين ، و كانوا سبعين رجلا ، تولّى كافة من حضر بدرا من المسلمين مع

-----------
( 1 ) بلاغات النساء : 23 .

-----------
( 2 ) الانفال : 5 6 .

[ 23 ]

ثلاثة آلاف من الملائكة المسوّمين قتل الشطر منهم ، و تولّى أمير المؤمنين عليه السلام قتل الشطر الآخر وحده بمعونة اللّه تعالى له و تأييده و توفيقه و نصره ، و كان الفتح له بذلك على يديه ، و قد أثبتت رواة العامة و الخاصة أسماء الّذين تولّى عليه السلام قتلهم على اتفاق في ما نقلوه فكان ممّن سمّوه :

1 الوليد بن عتبة ، و كان شجاعا جريئا و قاحا فاتكا تهابه الرجال .

2 العاص بن سعيد و كان هولا عظيما تهابه الأبطال ، و هو الّذي حاد عنه عمر .

3 طعيمة بن عدي بن نوفل ، و كان من رؤوس أهل الضلال .

4 نوفل بن خويلد ، و كان من أشد المشركين عداوة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ،

و كانت قريش تقدّمه و تعظّمه و تطيعه ، و هو الّذي قرن أبا بكر و طلحة قبل الهجرة بمكة و أوثقهما بحبل و عذّبهما يوما إلى اللّيل حتى سئل في أمرهما ،

و لمّا عرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حضوره بدرا سأل اللّه تعالى أن يكفيه أمره فقال :

اللّهمّ اكفني نوفل بن خويلد . فقتله أمير المؤمنين .

5 زمعة بن الأسود .

6 عقيل بن الأسود .

7 الحارث بن زمعة .

8 النضر بن الحارث بن عبد الدار .

9 عمير بن عثمان بن كعب بن تيم عم طلحة .

10 و 11 عثمان و مالك ابنا عبيد اللّه ، أخوا طلحة .

12 مسعود بن أبي اميّة بن المغيرة .

13 حنظلة بن أبي سفيان .

14 عمرو بن مخزوم .

[ 24 ]

15 أبو المنذر بن أبي رفاعة .

16 منبه بن الحجاج السهمي .

17 العاص بن المنبه .

18 علقمة بن كلدة .

19 أبو العاص بن قيس بن عدي .

20 معاوية بن المغيرة بن أبي العاص .

21 لوذان بن ربيعة .

22 عبد اللّه بن المنذر بن أبي رفاعة .

23 مسعود بن اميّة بن المغيرة .

24 حاجب بن السائب بن عويمر .

25 أوس بن المغيرة ابن لوذان .

26 زيد بن مليص .

27 عاصم بن أبي عوف .

28 سعيد ابن وهب حليف بني عامر .

29 معاوية بن عبد القيس .

30 عبد اللّه ابن جميل بن زهير بن الحارث بن اسد .

31 السائب بن مالك .

32 أبو الحكم بن الاخنس .

33 هشام بن أبي أميّة بن المغيرة ، فذلك ثلاثة و ثلاثون رجلا . سوى من اختلف فيه أو شرك عليه السلام فيه غيره ، و هم أكثر من شطر المقتولين ببدر .

و في ما صنعه عليه السلام ببدر قال اسيد بن أبي إياس يحرّض مشركي قريش عليه :

[ 25 ]

في كلّ مجمع غاية اخزاكم
جذع ابتر على المذاكلى القرّح

للّه درّكم ألمّا تنكروا
قد ينكر الحر الكريم و يستحي

هذا ابن فاطمة الّذي أفناكم
ذبحا و قتلا قعصة لم يذبح

أعطوه خرجا و اتّقوا تضريبه
فعل الذليل و بيعة لم تربح

اين الكهول ؟ و أين كل دعامة
في المعضلات ؟ و أين زين الابطح ؟

افناهم قعصا و ضربا يفتري
بالسيف يعمل حدّه لم يصفح

قال المفيد : ثم تلت بدرا غزاة احد ، و كان الفتح له في هذه الغزاة كما كان له ببدر سواء ، و اختص بحسن البلاء فيها و الصبر و ثبوت القدم عند ما زلّت من غيره الاقدام ، و كان له من العناء بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما لم يكن لسواه من اهل الإسلام ، و قتل اللّه بسيفه رؤوس أهل الشرك و الضلال ، و فرّج اللّه به الكرب عن نبيّه ، و خطب بفضله عليه السلام في ذلك المقام جبرئيل عليه السلام في ملائكة الأرض و السماء ، و أبان نبي الهدى عليه السلام من اختصاصه عليه السلام به ما كان مستورا عن عامة الناس إلى أن قال :

قال الراوي للحديث و هو زيد بن وهب : قلت لابن مسعود : إنهزم الناس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حتى لم يبق معه إلاّ علي بن أبي طالب ، و أبو دجانة و سهل بن حنيف ؟ فقال : إنهزم الناس إلاّ علي بن أبي طالب وحده ، و ثاب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نفر ، و كان أولهم عاصم بن ثابت ، و أبو دجانة ، و سهل بن حنيف ، و لحقهم طلحة ابن عبيد اللّه فقلت له : و اين كان أبو بكر و عمر ؟ قال : كانا ممّن تنّحى . قلت :

و أين كان عثمان ؟ قال جاء بعد ثلاثة من الوقعة . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لقد ذهبت فيها عريضة . فقلت له : و اين كنت ؟ قال : كنت ممّن تنحّى قلت : إن ثبوت علي عليه السلام في ذلك المقام لعجب فقال : إن تعجبت من ذلك فقد تعجّبت منه الملائكة ، أما علمت أنّ جبرئيل قال في ذلك اليوم و هو يعرج إلى السماء : لا

[ 26 ]

سيف إلاّ ذو الفقار ، و لا فتى إلاّ علي ؟ قلت : فمن أين علم ذلك من جبرئيل . فقال :

سمع الناس صائحا يصيح في السماء بذلك . فسألوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عنه . فقال :

ذاك جبرئيل .

قال : و روى سلام بن مسكين عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال : لو رأيت مقام علي عليه السلام يوم أحد لوجدته قائما على ميمنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يذبّ عنه بالسيف ، و قد ولّى غيره الأدبار .

قال : و روى محمّد بن مروان عن عمارة عن عبد اللّه قال : سمعت عليا عليه السلام يقول : لمّا انهزم الناس يوم احد عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أن قال فنظر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الى كتيبة قد اقبلت إليه . فقال لي : ردّ عنّي يا علي هذه الكتيبة . فحملت عليها بسيفي اضربها يمينا و شمالا حتّى ولّوا الأدبار . فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم :

اما تسمع مديحك في السماء ان ملكا يقال له رضوان ينادي : « لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي » فبكيت سرورا ، و حمدت اللّه تعالى على نعمته .

قال : و في حديث عمران بن حصين : لمّا تفرّق الناس عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يوم احد جاء علي عليه السلام متقلّدا سيفه حتّى قام بين يديه فرفع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رأسه اليه فقال له : ما بالك لم تفرّ مع الناس فقال : أرجع كافرا بعد اسلامي ؟ فأشار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له إلى قوم انحدروا من الجبل . فحمل عليهم فهزمهم . ثم أشار إلى قوم آخرين فحمل عليهم فهزمهم . فجاء جبرئيل عليه السلام فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لقد عجبت الملائكة و عجبنا معها من حسن مواساة علي عليه السلام لك بنفسه . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : و ما يمنعه من هذا و هو منّي و أنا منه . فقال جبرئيل له : و أنا منكما .

قال : و قد ذكر أهل السير قتلى احد من المشركين و كان جمهورهم قتلى أمير المؤمنين عليه السلام . فروى عبد الملك بن هشام عن زياد بن عبد اللّه عن محمّد

[ 27 ]

بن إسحاق قال : كان صاحب لواء قريش يوم أحد طلحة بن أبي طلحة من عبد الدار ، قتله علي بن أبي طالب ، و قتل ابنه أبا سعيد بن طلحة ، و قتل أخاه كلدة بن أبي طلحة و قتل عبد اللّه بن حميد بن أسد بن عبد العزى ، و قتل ابا الحكم بن الأخنس بن شريق الثقفي ، و قتل الوليد بن أبي حذيفة بن المغيرة ، و قتل أخاه اميّة بن أبي حذيفة ، و قتل أرطاة بن شرحبيل ، و قتل هشام بن اميّة ، و عمرو بن عبد اللّه الجمحي و بشر بن مالك ، و قتل ثوابا مولى بني عبد الدار ، و كان الفتح له أولا ، و رجوع الناس من هزيمتهم الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الآخر بمقامه يذبّ عنه دونهم ، و توجّه العتاب من اللّه تعالى الى كافّتهم بهزيمتهم يومئذ ، سواه ، و من ثبت معه من رجال الأنصار ، و كانوا ثلاثة ، و قيل : أربعة أو خمسة قال : و في قتله عليه السلام من قتل يوم أحد ، و عنائه في الحرب ، و حسن بلائه ، يقول الحجاج بن علاط السلمي :

للّه أيّ مذبّب عن حزبه
أعني ابن فاطم المعمّ المحولا

جادت يداك له بعاجل طعنة
تركت طليحة للجبين مجدلا

و شددت شدة باسل فكشفتهم
بالسفح إذ يهوون أسفل أسفلا

و عللت سيفك بالدماء و لم تكن
لتردّه حرّان حتى ينهلا

قال : و لمّا توجّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى بني النضير ، عمد إلى حصارهم فضرب قبّته في أقصى بني حطمة من البطحاء . فلما جنّ الليل رمى رجل منهم اليهم بسهم فأصاب القبّة ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يحوّل قبّته الى السفح ، و أحاط به المهاجرون و الأنصار ، فلمّا فقد الظلام فقدوا أمير المؤمنين عليه السلام . فقالوا للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : لا نرى عليا . فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : أراه في بعض ما يصلح شأنكم ، فلم يلبث أن جاء برأس اليهودي الّذي رمى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كان يقال له عزور فطرحه بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقال له : كيف صنعت يا أبا الحسن ؟ فقال عليه السلام : إني

[ 28 ]

رأيت هذا الخبيث جريئا شجاعا فكمنت له و قلت : ما أجرأه ان يخرج إذا اختلط اللّيل يطلب منّا غرّة . فاقبل مصلتا بسيفه في تسعة نفر من اليهود . فشددت عليه ، و قتلته . فأفلت أصحابه ، و لم يبرحوا قريبا ، فابعث معي نفرا فإنّي أرجو أن أظفر بهم ، فبعث معه عشرة فيهم أبو دجانة و سهل بن حنيف . فأدركوهم قبل أن يلجوا الحصن . فقتلوهم و جاءوا برؤوسهم إليه . فأمر أن تطرح في بعض آبار بني حطمة ، و كان ذلك سبب فتح حصون بني النضير و في تلك اللّيلة قتل كعب بن أشرف ، و اصطفى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أموال بني النضير ، و كانت أول صافية قسّمها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بين المهاجرين الاوّلين ، و أمر عليا عليه السلام فحاز ماله منها فجعله صدقة ، و كان في يده مدّة حياته عليه السلام ثم في يد أمير المؤمنين عليه السلام بعده ، و هو في يد ولد فاطمة عليها السلام حتّى اليوم .

و في ما كان من أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة و قتله اليهودي و مجيئه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم برؤوس النفر التسعة ، يقول حسان بن ثابت :

للّه أيّ كريهة أبليتها
ببني قريظة و النفوس تطلّع

أودى رئيسهم و آب بتسعة
طورا يشلّهم و طورا يدفع

قال : و كانت غزوة الأحزاب بعد بني النضير ، و ذلك أنّ جماعة من اليهود ، منهم سلام بن أبي الحقيق النضيري ، و حيّ بن أخطب ، و كنانة بن الربيع ، و هوذة بن قيس الوالبي ، و أبو عمارة الوالبي في نفر من بني والبة ،

خرجوا حتّى قدموا مكّة . فصاروا إلى أبي سفيان لعلمهم بعداوته للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و تسرّعه إلى قتاله فذكروا له ما نالهم منه و سألوه المعونة لهم على قتاله .

فقال لهم : أنا لكم حيث تحبّون . فاخرجوا إلى قريش فادعوهم إلى حربه ،

و اضمنوا النصرة لهم و الثبوت معهم حتى تستأصلوه ، فطافوا على وجوه قريش ، و دعوهم الى حرب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قالوا لهم : أيدينا مع أيديكم ، و نحن

[ 29 ]

معكم حتى نستأصله ثم خرجوا حتى جاءوا غطفان ، و قيس عيلان ، فدعوهم الى حربه ، و ضمنوا لهم النصرة و المعونة ، و أخبروهم باتّباع قريش لهم على ذلك ، و اجتمعوا معهم و خرجت قريش ، و قائدها اذ ذاك أبو سفيان ، و خرجت غطفان ، و قائدها عيينة بن حصن في بني فزارة ، و الحرث بن عوف في بني مرّة ، و وبرة بن طريف في قومه من أشجع . فلما سمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم باجتماع الأحزاب عليه ، و قوة عزيمتهم في حربه ، استشار أصحابه ، فاجتمع رأيهم على المقام بالمدينة ، و حرب القوم ان جاءوا إليهم على أنقابها ، فأشار سلمان رحمه اللّه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالخندق إلى أن قال :

روى الواقدي عن عبد اللّه بن جعفر بن أبي عون عن الزهري قال : جاء عمرو ابن عبد ود ، و عكرمة بن أبي جهل ، و هبيرة بن أبي وهب ، و نوفل بن عبد اللّه بن المغيرة ، و ضرار بن الخطاب في يوم الخندق فجعلوا يطوفون به يطلبون مضيقا منه فيعبرون ، حتى انتهوا الى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت ، و جعلوا يجيلون خيولهم في ما بين الخندق و سلع ، و المسلمون وقوف لا يقدم منهم أحد عليهم . و جعل عمرو بن عبد ود يدعو الى البراز و يعرّض بالمسلمين و يقول :

و لقد بححت من النداء
بجمعهم هل من مبارز ؟

و في كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه السلام ليبارزه فيأمره بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره ، و المسلمون كأنّ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود ، و الخوف منه ، و ممّن معه ، و من وراءه ، فلمّا طال نداء عمرو بالبراز ،

و تتابع قيام علي عليه السلام قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم : ادن منّي يا علي . فدنا منه . فنزع عمامته من رأسه ، و عمّمه بها ، و أعطاه سيفه ، و قال له : إمض لشأنك ، ثم قال :

اللهم أعنه . فسعى نحو عمرو و معه جابر الأنصاري لينظر ما يكون منه ، و من

[ 30 ]

عمرو . فلما انتهى عليه السلام إليه قال له : يا عمرو انّك كنت في الجاهلية تقول : لا يدعوني أحد إلى ثلاث ، و اللات و العزى الاّ قبلتها أو واحدة منها ؟ قال : أجل ،

قال : فإني أدعوك إلى شهادة ألاّ اله إلاّ اللّه ، و أنّ محمّدا رسوله ، و أن تسلم لربّ العالمين . قال : يا ابن أخي أخّر هذه عنّي . فقال عليه السلام : أما إنّها خير لك لو أخذتها ،

ثم قال : فهاهنا اخرى . قال : و ما هي ؟ قال : ترجع من حيث جئت . قال : لا تحدّث نساء قريش بهذا أبدا قال : فها هنا اخرى . قال : و ما هي ؟ قال : فتنزل و تقاتلني .

فضحك عمرو و قال : إنّ هذه الخصلة ما كنت أظنّ أنّ أحدا من العرب يرومني عليها ، إنّي لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك ، و قد كان أبوك لي نديما .

قال عليه السلام : لكنّي احبّ أن أقتلك ، فانزل إن شئت . فاسف عمرو و نزل و ضرب وجه فرسه حتى رجع . قال جابر : فثارت بينهما قترة فما رأيتهما فسمعت التكبير تحتها . فعلمت أنّ عليا عليه السلام قد قتله . فانكشف أصحابه حتّى طفرت خيولهم الخندق ، و تبادر أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم . فوجدوا نوفل بن عبد اللّه في جوف الخندق لم ينهض به فرسه .

فجعلوا يرمونه بالحجارة . فقال لهم : قتلة أجمل من هذه ، ينزل إليّ بعضكم اقاتله . فنزل إليه أمير المؤمنين عليه السلام فضربه حتى قتله ، و لحق هبيرة فأعجزه ،

و سقطت درع كانت له ، و فرّ عكرمة ، و هرب ضرار بن الخطاب فقال جابر . فما شبّهت قتل علي عليه السلام عمرا إلاّ بما قصّ اللّه تعالى من قصّه داود و جالوت حيث يقول جلّ شأنه : فهزموهم بإذن اللّه و قتل داود جالوت 1 .

قال : و قد روى قيس بن الربيع قال : حدّثنا أبو هارون العبدي عن ربيعة السعدي قال : أتيت حذيفة بن اليمان فقلت له : يا عبد اللّه إنّا لنتحدّث عن علي و مناقبه فيقول لنا اهل البصرة : إنّكم لتفرطون في علي ، فهل أنت محدّثى

-----------
( 1 ) البقرة : 251 .

[ 31 ]

بحديث فيه ، فقال حذيفة : يا ربيعة و ما تسألني عن علي فو الّذي نفسي بيده ،

لو وضع جميع أعمال أصحاب محمّد في كفّة من الميزان منذ بعث اللّه محمّدا إلى يوم الناس هذا ، و وضع عمل علي عليه السلام في الكفة الاخرى لرجح عمل علي عليه السلام على جميع أعمالهم . فقال ربيعة : هذا الّذي لا يقام له ، و لا يقعد ، فقال حذيفة : يا لكع كيف لا تحمل و اين كان أبو بكر و عمر و حذيفة ، و جميع أصحاب محمّد يوم عمرو بن عبد ود ، و قد دعا إلى المبارزة . فاحجم الناس كلهم ما خلا عليّا عليه السلام فإنّه برز إليه و قتله اللّه على يده ، و الّذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل أصحاب محمّد إلى يوم القيامة .

قال : و روى عمر بن أبي الأزهر عن عمرو بن عبيد عن الحسن ، أنّ عليّا عليه السلام لمّا قتل عمرو بن عبد ود ، إحتزّ رأسه و حمله فألقاه بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فقام أبو بكر و عمر فقبّلا رأس علي عليه السلام .

و روى علي بن الحكم الأودي قال : سمعت أبا بكر بن عياش يقول : لقد ضرب علي عليه السلام ضربة ما كان في الإسلام أعزّ منها ، و لقد ضرب عليه السلام ضربة ما ضرب في الإسلام أشأم منها ، يعني ضربة ابن ملجم لعنه اللّه له .

قال : و في الأحزاب أنزل تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم و من أسفل منكم و اذ زاغت الأبصار و بلغت القلوب الحناجر و تظنّون باللّه الظنونا . هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا . و إذ يقول المنافقون و الّذين في قلوبهم مرض ما وعدنا اللّه و رسوله إلاّ غرورا إلى و كفى اللّه المؤمنين القتال و كان اللّه قويّا عزيزا 1 فتوجّه العتب إليهم ، و التوبيخ و التقريع ، و لم ينج من ذلك أحد بالاتّفاق إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام اذ كان الفتح له و على يديه ، و كان قتله عليه السلام عمرا ، و نوفل بن عبد اللّه سبب هزيمة المشركين . و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم

-----------
( 1 ) الاحزاب : 10 25 .

[ 32 ]

بعد قتله عليه السلام هؤلاء : الآن نغزوهم و لا يغزونا .

قال : و قد روى يوسف بن كليب ، عن سفيان بن زيد ، عن قرة و غيره ، عن عبد اللّه بن مسعود انه كان يقرأ و كفى اللّه المؤمنين القتال بعلى و كان اللّه قويا عزيزا 1 و في قتل عمرو بن عبد ود يقول حسّان بن ثابت :

امسى الفتى عمرو بن عبد يبتغي
بجنوب يثرب غارة لم تنظر

و لقد وجدت سيوفنا مشهورة
و لقد وجدت جيادنا لم تقصر

و يقال : انه لمّا بلغ شعر حسّان ، بني عامر أجابه فتى منهم . فقال : يردّ عليه في افتخاره بالأنصار :

كذبتم و بيت اللّه لا تقتلوننا
و لكن بسيف الهاشميين فافخروا

بسيف ابن عبد اللّه أحمد في الوغى
بكفّ علي نلتم ذاك فاقصروا

و لم تقتلوا عمرو بن عبد ببأسكم
و لكنه الكفو الهزبر الغضنفر

علي الّذي في الفخر طال بناؤه
و لا تكثروا الدعوى علينا فتحقروا

ببدر خرجتم للبراز فردّكم
شيوخ قريش جهرة و تأخّروا

إلى أن قال :

فجال علي جولة هاشمية
فدمّرهم لمّا عتوا و تكبّروا

فليس لكم فخر علينا بغيرنا
و ليس لكم فخر يعدّ و يذكر

و قالت اخته :

فاذهب علي فما ظفرت بمثله
قول سديد ليس فيه تحامل

و الثأر عندي يا علي فليتني
أدركته و العقل منّي كامل

ذلّت قريش بعد مقتل فارس
فالذّلّ مهلكها و خزي شامل

ثم قالت : و اللّه لا ثارت قريش بأخي ما حنّت النيب .

-----------
( 1 ) الأحزاب : 25 ، و لفظ المصحف « و كفى اللّه المؤمنين القتال و كان اللّه قويا عزيزا » .

[ 33 ]

قال : و لما انهزم الأحزاب ، و ولّوا عن المسلمين الدبر ، عمد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على قصد بني قريظة ، و أنفذ إليهم أمير المؤمنين عليه السلام في ثلاثين من الخزرج إلى أن قال قال عليه السلام : و سرت حتى دنوت من سورهم . فاشرفوا علي . فلمّا رأوني صاح صائح منهم قد جاءكم قاتل عمرو ، و قال آخر : قد أقبل إليكم قاتل عمرو ، و جعل بعضهم يصيح ببعض و يقولون ذلك ، و ألقى اللّه في قلوبهم الرعب ، و سمعت راجزا يرتجز :

قتل علي عمرا
صاد علي صقرا

قصم علي ظهرا
أبرم علي أمرا

هتك علي سرّا

فقلت : الحمد للّه الّذي أظهر الإسلام ، و قمع الشرك إلى أن قال فأقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حاصرا لهم خمسا و عشرين حتّى سألوه النزول على حكم سعد ابن معاذ ، فحكم بقتل الرجال ، و سبي الذراري و النساء ، و قسمة الاموال . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم :

« لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة » و أمر بإنزال الرجال منهم ،

و كانوا تسعمائة ، فجي‏ء بهم الى المدينة ، و قسّم الاموال ، و استرق الذراري و النسوان ، و لما جي‏ء بالاسارى إلى المدينة حبسوا في دار من دور بني النجار ، و خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى موضع سوق اليوم فخندق فيه خنادق ،

و حضر أمير المؤمنين عليه السلام ، و أمر بهم أن يخرجوا ، و تقدم إلى أمير المؤمنين عليه السلام أن يضرب أعناقهم في الخندق ، فاخرجوا أرسالا ، و فيهم حيّ بن أخطب ، و كعب بن أسد ، و هما اذ ذاك رئيسا القوم إلى أن قال :

ثم اقيم حيّ بن أخطب بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام و هو يقول : قتلة شريفة بيد شريف فقال عليه السلام : إنّ خيار الناس يقتلون شرارهم ، و شرارهم

[ 34 ]

يقتلون خيارهم ، فالويل لمن قتله الأشراف الأخيار ، و السعادة لمن قتله الارذال الكفار . فقال : صدقت ، لا تسلبني حلّتي . فقال عليه السلام : هي أهون علي من ذاك . فقال : سترتني سترك اللّه ، و مدّ عنقه فضربها علي عليه السلام ، و لم يسلبه من بينهم قال : و كان الظفر ببني قريظة ، و فتح اللّه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأمير المؤمنين عليه السلام و ما كان من قتله من قتل منهم و ما ألقاه اللّه عزّ و جلّ في قلوبهم من الرعب ، و ماثلت هذه الفضيلة ما تقدمها من فضائله عليه السلام .

قال : و قد كان منه عليه السلام في غزوة وادي الرمل ، و يقال : ذات السلسلة ، ما حفظه العلماء ، و دوّنه الفقهاء ، و نقله أصحاب الآثار ، و رواه نقلة الأخبار ، ممّا ينضاف إلى مناقبه عليه السلام في الغزوات ، و يماثل فضائله في الجهاد ، أنّ أصحاب السير ذكروا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان ذات يوم جالسا إذ جاء أعرأبي فجثا بين يديه ، ثم قال : إنّي جئت لأنصحك . قوم من العرب قد عمدوا على أن يبيّتوك بالمدينة . و وصفهم له ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصلاة جامعة . فاجتمعوا فصعد المنبر و أثنى عليه ثم قال : « أيّها الناس ان هذا عدوّ اللّه و عدوّكم قد أقبل إليكم يزعم أنّه يبيّتكم بالمدينة فمن للوادي ؟ » فقام رجل من المهاجرين ، فقال : أنا .

فناوله اللواء ، و ضمّ إليه سبعمائة رجل ، و قال له : إمض . فمضى فوافى القوم ضحوة . فقالوا : من الرجل ؟ قال : رسول للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إمّا أن تقولوا : لا إله الاّ اللّه ، و أنّ محمّدا عبده و رسوله ، أو لأضربنّكم بالسيف . قالوا له : إرجع إلى صاحبك فإنّا في جمع لا تقوم له . فرجع فأخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بذلك ، فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « من للوادي ؟ » فقام رجل آخر من المهاجرين فقال : أنا . فدفع إليه الراية و مضى و عاد لمثل ما عاد صاحبه الأوّل فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « أين علي بن أبي طالب ؟ » فقام عليه السلام فقال : أنا ذا قال : « امض الى الوادي » قال : نعم ، و كانت له عصابة لا يعتصب بها حتى يبعثه في وجه شديد . فمضى الى منزل

[ 35 ]

فاطمة عليها السلام فالتمس العصابة منها ، فقالت : أين تريد ؟ و أين بعثك أبي ؟ قال : إلى وادي الرمل . فبكت إشفاقا عليه . فدخل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هي على تلك الحال . فقال لها : « تبكين أتخافين أن يقتل بعلك ؟ كلاّ إن شاء اللّه تعالى » .

فقال علي عليه السلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لا تنفس علي بالجنّة ، ثم خرج و معه لواء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فمضى حتّى وافى القوم بسحر . فأقام حتّى أصبح ثمّ صلّى بأصحابه الغداة و صفّهم صفوفا ، و اتّكأ على سيفه مقبلا على العدو . فقال : يا هؤلاء أنا رسول رسول اللّه إليكم أن تقولوا لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا عبده و رسوله أو لأضربنّكم بالسيف . قالوا له : إرجع كما رجع صاحباك . قال : أنا لا أرجع . لا و اللّه حتّى تسلموا أو أضربكم بسيفي هذا ، أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب . فاضطرب القوم لمّا عرفوه ثم اجترأوا على مواقعته . فواقعهم فقتل منهم ستّة أو سبعة ، و انهزم المشركون و ظفر المسلمون و حازوا الغنائم ، و توجّه عليه السلام إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

فروي عن ام سلمة قالت : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قائلا في بيتي إذ انتبه فزعا من منامه فقلت له : اللّه جارك قال : صدقت ، اللّه جاري ، لكن هذا جبرئيل يخبرني انّ عليا قادم . ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا عليه السلام . فقام المسلمون له صفّين مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلما بصر عليه السلام بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ترجل عن فرسه و أهوى إلى قدميه يقبّلهما فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إركب فإن اللّه تعالى و رسوله عنك راضيان ، فبكى عليه السلام و تسلّم المسلمون الغنائم . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لبعض من كان معه في الجيش : كيف رأيتم أميركم ؟ قالوا : لم ننكر منه شيئا إلاّ أنّه لم يؤمّ بنا في صلاة إلاّ قرأ بنا فيها ب قل هو اللّه احد فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : سأسأله عن ذلك . فلمّا جاءه قال له : لم لم تقرأ بهم في فرائضك إلاّ بسورة الإخلاص ؟ فقال عليه السلام : أحببتها . قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فإنّ اللّه

[ 36 ]

قد أحبّك كما أحببتها . ثم قال له : يا علي لو لا اشفق ان تقول فيك طوائف من امّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمرّ بملأ منهم الاّ اخذوا التراب من تحت قدميك .

قال : فكان الفتح في هذه الغزاة لأمير المؤمنين عليه السلام خاصّة بعد ان كان من غيره فيها من الافساد ما كان ، و اختصّ عليه السلام من مديح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بها بفضائل لم يحصل منها شي‏ء لغيره .

قال : و قد ذكر كثير من أصحاب السير أنّ في هذه الغزاة نزل على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و العاديات ضبحا 1 إلى آخر السورة فتضمنت ذكر الحال في ما فعله أمير المؤمنين عليه السلام فيها .

قال : ثم كان من بلائه عليه السلام ببني المصطلق ما اشتهر عند العلماء ، و كان الفتح له في هذه الغزاة بعد أن اصيب يومئذ ناس من بني عبد المطلب ،

و قتل عليه السلام رجلين من القوم و هما مالك و ابنه ، و أصاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم منهم سبيا كثيرا و قسّمه في المسلمين ، و كان ممّن اصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت حارث ، فأعتقها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جعلها في جملة ازواجه .

قال : ثم تلا ببني المصطلق الحديبيّة ، و كان اللواء يومئذ إلى أمير المؤمنين عليه السلام كما كان إليه في المشاهد قبلها ، و كان من بلائه في ذلك اليوم عند صفّ القوم في الحرب و القتال ما ظهر خبره ، و استفاض ذكره ،

و ذلك بعد البيعة التي أخذها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على أصحابه و العهود اليهم في الصبر ، و كان أمير المؤمنين عليه السلام المبايع للنساء عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و كانت بيعته لهن يومئذ أن طرح ثوبا بينهن و بينه ثم مسحه بيده فكانت مبايعتهن للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمسح الثوب ، و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يمسح ثوب علي عليه السلام مما يليه ، و لما

-----------
( 1 ) العاديات : 1 .

[ 37 ]

رأى سهيل بن عمرو توجه الأمر عليهم ، ضرع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الصلح ،

و نزل عليه الوحي بالاجابة إلى ذلك ، و أن يجعل أمير المؤمنين عليه السلام كاتبه يومئذ و المتولي لعقد الصلح بخطه . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له عليه السلام : اكتب « بسم اللّه الرحمن الرحيم » فقال سهيل : و هذا الكتاب بيننا و بينك يا محمّد . فافتتحه بما نعرفه ، و اكتب « باسمك اللهم » فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له : امح ما كتبت و اكتب « باسمك اللهم » فقال عليه السلام : لو لا طاعتك ما محوت « بسم اللّه الرحمن الرحيم » ثم محاها و كتب باسمك اللهم .

فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : اكتب « هذا ما قاضى عليه محمّد رسول اللّه سهيل بن عمرو » فقال سهيل : لو أجبتك في الكتاب الّذي بيننا إلى هذا لأقررت لك بالنبوّة فسواء شهدت على نفسي بالرضا بذلك أو أطلقته من لساني ، امحّ هذا الإسم و اكتب : « هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد اللّه » فقال له علي عليه السلام : إنّه و اللّه رسول اللّه حقّا على رغم أنفك . فقال سهيل : اكتب اسمه يمضى الشرط فقال عليه السلام : ويلك يا سهيل كفّ عن عنادك .

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام : أمحها . فقال : إنّ يدي لا تنطلق بمحو اسمك من النبوّة . قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فضع يدي عليها . فمحاها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بيده و قال لعلي عليه السلام : « ستدعى إلى مثلها فتجيب و أنت على مضض » ثمّ تمّم الكتاب . و لمّا تمّ الصلح نحر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم هديه في مكانه فكان نظام تدبير هذه الغزاة متعلقا بأمير المؤمنين عليه السلام ، و كان ما جرى فيها من البيعة ، و صفّ الناس للحرب ثم الهدنة و الكتاب كلّه لأمير المؤمنين عليه السلام ، و كان في ما هيّأه اللّه له من ذلك حقن الدماء ، و صلاح أمر الإسلام .

قال : و قد روى الناس له عليه السلام في هذه الغزاة بعد الّذي ذكرناه فضيلتين اختص بهما و انضافتا إلى فضائله العظام ، و مناقبه الجسام .

[ 38 ]

فروى إبراهيم بن عمر ، عن رجاله ، عن فائد مولى عبد اللّه بن سالم قال :

لمّا خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في غزوة الحديبية نزل الجحفة ، فلم يجد فيها ماء ، فبعث سعد بن مالك بالروايا حتى اذا كان غير بعيد رجع و قال : ما أستطيع أن أمضي لقد وقفت قدماي رعبا من القوم . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إجلس ، ثم بعث آخر .

فخرج بها حتى إذا كان بالمكان الذي انتهى إليه الاوّل رجع ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم رجعت ؟ قال : و الّذي بعثك بالحق نبيّا ما استطعت أن أمضى رعبا ، فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام فارسله بها ، و خرج السقاة ، و هم لا يشكّون في رجوعه لما رأوا من جزع من تقدمه . فخرج عليه السلام بالروايات حتى ورد الحرار و استقى . ثم أقبل بها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لها زجل ، فلما دخل كبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دعا له بخير .

قال : و في هذه الغزاة أقبل سهيل بن عمرو إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : يا محمّد إنّ أرقّائنا لحقوا بك فارددهم علينا ، فغضب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى تبين الغضب في وجهه ثم قال : لتنتهينّ يا معشر قريش أو ليبعثنّ اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان يضرب رقابكم على الدين .

فقال بعض من حضر : أبو بكر ذلك الرجل ؟ قال : لا ، قال : فعمر ؟ قال : لا .

و لكنّه خاصف النعل في الحجرة ، فتبادر الناس الى الحجرة ينظرون من الرجل . فإذا هو علي بن أبي طالب عليه السلام .

قال : و قد روى هذا الحديث جماعة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، و قالوا فيه :

إنّ عليا عليه السلام قصّ هذه القصة ثم قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول « من كذب عليّ متعمدا فليتبوّأ مقعده من النار » و كان الّذي أصلحه عليه السلام من نعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم شسعها فإنّه كان انقطع فخصف موضعه و أصلحه .

قال : ثم تلت الحديبية خيبر و كان الفتح فيها لأمير المؤمنين عليه السلام بلا

[ 39 ]

ارتياب ، و ظهر من فضله في هذه الغزاة ما أجمع على نقله الرواة ، و تفرد عليه السلام فيها من المناقب بما لم يشركه فيها أحد من الناس . فروى محمّد بن يحيى الأزدي عن مسعدة بن اليسع ، و عبد اللّه بن عبد الرحيم عن عبد الملك بن هشام و محمّد بن إسحاق ، و غيرهما من أصحاب الآثار ، قالوا : حاصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خيبر بضعا و عشرين ليلة ، و كانت الراية يومئذ لأمير المؤمنين عليه السلام . فلحقه رمد فمنعه من الحرب و كان المسلمون يناوشون اليهود من بين أيدي حصونهم ، و جنباتها ، فلما كان ذات يوم فتحوا الباب و كانوا خندقوا على أنفسهم خندقا ، و خرج مرحب برجله يتعرض للحرب . فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبا بكر .

فقال له : خذ الراية . فأخذها في جمع من المهاجرين فلم يغن شيئا ، فعاد يؤنّب القوم الّذين اتبعوه و يؤنّبونه ، فلما كان من الغد تعرّض لها عمر فسار بها غير بعيد ثم رجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه فقال : ليست هذه الراية لمن حملها جيئوني بعلي بن أبي طالب . فقيل له : انه ارمد قال : ارونيه تروني رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله يأخذها بحقّها ليس بفرّار فجاءوا بعليّ عليه السلام يقودونه إليه فقال له : ما تشتكي ؟ قال : رمد ما ابصر معه ، و صداع برأسي .

فقال له عليه السلام : إجلس وضع رأسك على فخذي ففعل عليه السلام ذلك . فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فتفل في يده فمسح بها على عينه و رأسه . فانفتحت عيناه ، و سكن ما يجده من الصداع و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم في دعائه له : اللهمّ قه الحر و البرد ، و أعطاه الراية و كانت راية بيضاء و قال : خذها و امض بها فجبرئيل معك ، و النصر أمامك ، و الرعب مبثوث في صدور القوم ، و اعلم انهم يجدون في كتابهم أنّ الّذي يدمّر عليهم ، اسمه إيليا فإذا لقيتهم فقل : أنا علي فإنّهم يخذلون إن شاء اللّه تعالى قال عليه السلام : فمضيت بها حتّى أتيت الحصن فخرج مرحب ، و عليه مغفر و حجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ، و هو يرتجز و يقول :

[ 40 ]

قد علمت خيبر أني مرحب
شاكي السلاح بطل مجرب

فقلت :

أنا الذي سمتني امّي حيدرة
كليث غابات شديد قسورة

اكيلكم بالسيف كيل السندرة

و اختلفنا ضربتين فبدرته و ضربته . فقددت الحجر و المغفر و رأسه حتّى وقع السيف في أضراسه فخرّ صريعا .

قال : و جاء في الحديث انّه عليه السلام لما قال : أنا علي بن أبي طالب قال حبر من أحبارهم : غلبتم و ما انزل على موسى . فدخل على قلوبهم من الرعب ما لم يمكنهم معه الاستيطان به ، و لما قتل عليه السلام مرحبا رجع من كان معه و أغلقوا باب الحصن عليهم دونه عليه السلام ، فصار إليه ، فعالجه حتّى فتحه و أكثر الناس من جانب الخندق لم يعبروا معه ، فأخذ عليه السلام باب الحصن ، فجعله على الخندق جسرا لهم حتّى عبروا ، فظفروا بالحصن و نالوا الغنائم ، فلمّا انصرفوا من الحصن أخذ الباب بيمناه . فدحا به اذرعا من الأرض و كان الباب يغلقه عشرون رجلا ، و لما فتح عليه السلام الحصن ، و قتل مرحبا ، و أغنم اللّه المسلمين أموالهم استأذن حسّان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يقول فيه عليه السلام شعرا فقال له : قل ،

فانشأ يقول :

و كان علي أرمد العين يبتغي
دواء فلما لم يحسّ مداويا

شفاه رسول اللّه منه بتفلة
فبورك مرقيا و بورك راقيا

و قال ساعطي الراية اليوم صارما
كميّا محبّا للرسول مواليا

يحبّ إلهي و الإله يحبّه
به يفتح اللّه الحصون الأوابيا

فأصفى بها دون البرية كلها
عليّا و سمّاه الوزير المؤاخيا 1

-----------
( 1 ) هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد : 38 67 .

[ 41 ]

قلت : و لبروز تلك القوة الإلهية منه عليه السلام في خيبر ضلّ فيه جمع . فزعموا إلهيته . قال شاعرهم :

إنّما خالق الخلائق من زع
زع أركان خيبر جذبا

قد رضينا به إلها و سجد
ناله مولى و ربّا

قال : ثم تلا غزاة خيبر مواقف لم تجر مجرى ما تقدمها فنعمد لذكرها و أكثرها كان بعوثا لم يشهدها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و لا كان الاهتمام بها كالاهتمام بما سلف لضعف العدو ، و غناء بعض المسلمين عن غيرهم فيها فأضربنا عن تعدادها و ان كان لأمير المؤمنين عليه السلام في جميعها حظ وافر من قول او عمل .

قال : ثم كانت غزوة الفتح ، و هي التي وطّدت أمر الإسلام ، و مهّدت الدين بما منّ اللّه سبحانه على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيها ، و كان الوعد بها تقدم في قوله تعالى إذا جاء نصر اللّه و الفتح و رأيت الناس يدخلون في دين اللّه افواجا 1 و قوله عزّ و جلّ قبلها بمدة طويلة لتدخلن المسجد الحرام ان شاء اللّه آمنين محلّقين رؤوسكم و مقصّرين لا تخافون 2 و كانت الاعين اليها ممتدة ،

و الرقاب إليها متطاولة ، و دبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الأمر فيها بكتمان مسيره إلى مكّة ،

و سرّ عزيمته عن مراده بأهلها ، و سأل اللّه تعالى أن يطوي خبره عن أهلها حتى يبغتهم بدخولها ، و كان المؤتمن على هذا السرّ من بين الجماعة أمير المؤمنين عليه السلام ، و كان الشريك للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الرأي ثم أنماه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى جماعة بعد ، و استتبّ الأمر فيه على أحوال كان أمير المؤمنين عليه السلام في جميعها متفرّدا من الفضل بما لم يشركه فيه غيره من الناس .

-----------
( 1 ) النصر : 1 2 .

-----------
( 2 ) الفتح : 27 .

[ 42 ]

قال : فمن ذلك أنه لمّا كتب حاطب بن أبي بلتعة و كان من أهل مكّة ، و قد شهد بدرا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كتابا إلى أهل مكّة يطلعهم على سرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المسير إليهم . فجاء الوحي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بما صنع ، و بنفوذ كتاب حاطب إلى القوم ، تلافى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك بأمير المؤمنين عليه السلام ، و لو لم يتلافه به لفسد التدبير الّذي بتمامه كان نصر المسلمين .

قال : و لما دخل أبو سفيان المدينة لتجديد العهد بينه و بين قريش عند ما كان من بني بكر في خزاعة ، و قتلهم من قتلوا منها فقصد أبو سفيان ليتلافى الفارط من القوم ، و قد خاف من نصرة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لهم ، و أشفق مما حلّ بهم يوم الفتح فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و كلّمه في ذلك . فلم يردّ عليه جوابا . فقام من عنده فلقيه أبو بكر فتشبث به ، فظن انه يوصله إلى بغيته من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

فقال : ما أنا بفاعل ذلك لعلمه بأنّ سؤاله في ذلك لا يغني شيئا . فظنّ أبو سفيان بعمر ما ظنه بأبي بكر فكلّمه في ذلك . فدفعه بغلظة و فظاظة كاد أن يفسد الرأي على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فعدل إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام فاستأذن عليه فأذن له و عنده فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام . فقال له : إنّك امسّ القوم بي رحما ،

و أقربهم منّي قرابة . فلا ارجعن كما جئت خائبا اشفع لى في ما قصدته . فقال له عليه السلام : و يحك يا أبا سفيان لقد عزم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على أمر لا نستطيع أن نكلّمه فيه .

فالتفت أبو سفيان إلى فاطمة عليها السلام فقال : يا بنت محمد هل لك أن تأمري ابنيك أن يجيرا بين الناس . فيكونا سيدي العرب إلى آخر الدهر . فقالت : ما بلغ بنيّاي أن يجيرا بين الناس ، و ما يجير أحد على رسول اللّه ، فتحيّر أبو سفيان و سقط في يديه .

ثم أقبل على أمير المؤمنين فقال له : أرى الامور التبست علي فانصح لي

[ 43 ]

فقال عليه السلام له : ما أرى شيئا يغني عنك و لكنّك سيّد بني كنانة ، قم و اجر بين الناس ثم الحق بارضك . قال : فترى ذلك مغنيا عنّي شيئا قال : لا و اللّه ، ما أظن و لكن ما أجد غير ذلك .

فقام أبو سفيان في المسجد . فقال : أيّها الناس إنّي قد أجرت بين الناس ثم ركب بعيره و انطلق فلمّا قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟ قال : جئت محمّدا فكلّمته فو اللّه ما ردّ علي شيئا ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد فيه خيرا ، ثم لقيت ابن الخطاب فوجدته فظّا غليظا لا خير فيه ، ثم جئت عليا فوجدته ألين القوم لي ، و أشار علي بشي‏ء فصنعته . فو اللّه ما أدرى يغني عنّي شيئا أم لا .

قالوا : بما أمرك ؟ قال : أمرني أن اجير بين الناس ففعلت . فقالوا : هل أجاز ذلك محمّد قال : لا . قالوا : ويلك فو اللّه ما زاد الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنك .

فقال أبو سفيان : لا . و اللّه ما وجدت غير ذلك ، و كان الّذي فعله أمير المؤمنين عليه السلام من أصوب رأى لتمام أمر المسلمين ، و أصحّ تدبير ، و تمّ به للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله في القوم ما تم ، ألا ترى أنه عليه السلام صدق أبا سفيان عن الحال ثم لان له بعض اللين حتّى خرج عن المدينة ، و هو يظنّ أنّه على شي‏ء فانقطع بخروجه على تلك الحال موادّ كيده الّتي كان يتشعث بها الأمر على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و ذلك انّه لو خرج آيسا حسب ما آيسه الرجلان لتجدد للقوم من الرأي في حربه عليه السلام ، و التحرز منه ما لم يخطر لهم ببال مع مجي‏ء أبي سفيان إليهم بما جاء اذ كان يقيم بالمدينة على التمحّل لتمام مراده بالاستشفاع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيتجدّد بذلك أمر يصدّه عن قصد قريش أو يثبّطه عنهم تثبيطا يفوته معه المراد ، و كان التوفيق من اللّه تعالى لرأي أمير المؤمنين عليه السلام في ما رآه من تدبير الأمر مع أبي سفيان حتّى انتظم بذلك للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم من فتح مكّة ما أراد .

[ 44 ]

قال : و لمّا أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سعد بن عبادة بدخول مكّة بالراية غلظ على القوم و أظهر ما في نفسه من الحنق عليهم ، فدخل و هو يقول « اليوم يوم الملحمة . اليوم تسبى الحرمة » فسمعها العباس . فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : أما تسمع ما يقول سعد بن عبادة ، و إنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السلام أدرك سعدا فخذ الراية منه ، و كن أنت الّذي تدخل بها مكّة . فأدركه عليه السلام فأخذها منه و لم يمتنع عليه سعد من دفعها إليه ،

و كان تلافي الفارط من سعد في هذا الأمر بأمير المؤمنين عليه السلام ، و لم ير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أحدا من المهاجرين و الأنصار يصلح لأخذ الراية من سيد الأنصار سواه عليه السلام ، و علم أنّه لو رام ذلك غيره لامتنع سعد عليه ، و كان في امتناعه فساد التدبير و اختلاف الكملة بين الأنصار و المهاجرين ، و لمّا لم يكن سعد يخفض جناحه لأحد من المسلمين و كافة الناس سوى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و لم يكن وجه الرأي توليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذ الراية منه بنفسه ، ولّى ذلك من يقوم مقامه و لا يتميز عنه ، و لا يعظم أحد من المقرين بالملة عن الطاعة له ، و لا يراه دونه في الرتبة ، و في هذا من الفضل الّذي يخصّصه بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما لم يشركه فيه أحد ، و لا ساواه في نظير له مساو ، و كان علم اللّه تعالى و رسوله في تمام المصلحة بإنفاذ أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ما كشف به عن اصطفائه لجسيم الامور ، كما كان علم اللّه تعالى في من اختاره للنبوّة ، و كمال المصلحة ببعثه ، كاشفا عن كونه أفضل الخلق أجمعين .

ثم ذكر فتح مكّة و ما وقع و قال : و في ما ذكرنا من أعمال أمير المؤمنين عليه السلام في قتل من قتل من أعداء اللّه بمكّة ، و إخافة من أخاف ،

و معونته النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على تطهير المسجد من الأصنام ، و شدّة بأسه في اللّه ،

و قطعه الأرحام في اللّه عزّ و جلّ أدلّ دليل على تخصيصه من الفضل بما لم

[ 45 ]

يكن لأحد منهم سهم فيه حسبما قدّمناه .

قال : ثم اتّصل بفتح مكّة إنفاذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ابن عامر و كانوا بالغميصاء يدعوهم إلى اللّه ، و إنّما أنفذه للترة التي كانت بينه و بينهم ، و ذلك أنّهم كانوا أصابوا في الجاهلية نسوة من بني المغيرة ، و قتلوا الفاكه بن المغيرة عم خالد بن الوليد ، و قتلوا عوفا أبا عبد الرحمن بن عوف . فأنفذه لذلك ، و أنفذ معه عبد الرحمن بن عوف للترة الّتي كانت بينه و بينهم ، و لو لا ذلك لما رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خالدا أهلا للامارة على المسلمين ، و كان من أمره ما قدّم ذكره ، فخالف عهد اللّه ، و عهد رسوله ، و عمل فيه على سنّة الجاهلية ، و اطّرح حكم الإسلام وراء ظهره فبرأ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من صنيعه ، و تلافى فارطه بأمير المؤمنين عليه السلام 1 .

قلت : و في ( تاريخ أحمد بن أبي يعقوب ) لمّا أصلح علي عليه السلام ما أفسده خالد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لما فعلت أحبّ إليّ من حمر النعم ، و يومئذ قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعلي عليه السلام : فداك أبواى 2 .

و في ( الطبري ) : بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم داعيا و لم يبعثه مقاتلا ، فلمّا رأوا خالدا أخذوا السلاح فقال لهم : ضعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا . فلمّا وضعوه أمر بهم فكتفوا ثم عرضهم على السيف 3 .

ثم ذكر ( إرشاد المفيد ) بعد ما مر ، غزوة حنين و قال : خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في عشرة آلاف ، و أعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال : « لن نغلب اليوم من قلة » و كان الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ، و في ذلك أنزل تعالى : و يوم حنين إذ

-----------
( 1 ) هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد : 68 73 .

-----------
( 2 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 61 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 341 سنة 8 .

[ 46 ]

أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا و ضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثمّ ولّيتم مدبرين ثمّ أنزل اللّه سكينته على رسوله و على المؤمنين 1 يعني أمير المؤمنين عليه السلام و من ثبت معه من بني هاشم و هم يومئذ ثمانية .

قال : فانظر الى مناقب أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الغزاة ، و تأملها ، و فكّر في معانيها تجده عليه السلام قد تولّى كل فضل كان فيها ، و اختصّ من ذلك بما لم يشركه فيه أحد من الامة ، و ذلك أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ثبت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند انهزام الناس كافة الاّ النفر الّذين كان ثبوتهم بثبوته عليه السلام ، و ذلك أنّا قد احطنا علما بتقدمه في الشجاعة و البأس ، و الصبر و النجدة ، على العباس و ابنه الفضل ، و أبي سفيان بن الحرث ، و النفر الباقين لظهور أمره في المقامات الّتي لم يحضرها أحد منهم ، و اشتهار خبره في منازلة الأقران ، و قتل الأبطال ، و لم يعرف لأحد من هؤلاء مقام من مقاماته ، و لا قتيل عزي إليهم بالذكر ، فعلم بذلك أنّ ثبوتهم كان به عليه السلام ، و لو لاه كانت الجناية على الدين لا تتلافى ، و أنّ بمقامه ذلك المقام ، و صبره مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان رجوع المسلمين إلى الحرب ،

و تشجعهم في لقاء العدو .

ثم ما كان من قتله عليه السلام أبا جرول متقدم المشركين ما كان هو السبب في هزيمة القوم و ظفر المسلمين بهم .

و كان من بلية المتقدم عليه في مقام الخلافة بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ان عان المسلمين باعجابه بالكثرة ، و كانت هزيمتهم بسبب ذلك أو كان أحد اسبابها .

ثم ما كان من صاحبه أي عمر من قتل الاسرى من القوم ، و قد نهى النبي صلّى اللّه عليه و آله عن قتلهم ، ما ارتكب به عظيم الخلاف للّه تعالى و لرسوله حتى أغضبه ذلك ، و آسفه فأنكره و أكبره ، و كان من صلاح أمر الأنصار بمعونة

-----------
( 1 ) التوبة : 25 26 .

[ 47 ]

أمير المؤمنين عليه السلام للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في جمعهم و خطابهم ما قوي به الدين ، و زال به الخوف من الفتنة التي أظلّت القوم بسبب القسمة . فساهم أمير المؤمنين عليه السلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في فضل ذلك ، و شركه فيه دون من سواه ،

و تولّى من أمر العباس ابن مرداس ما كان سبب استقرار الإيمان في قلبه و زوال الريب في الدين من نفسه ، و الانقياد إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الطاعة لأمره ،

و الرضا بحكمه .

ثم جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الحكم على المعترض في قضائه علما على حق أمير المؤمنين عليه السلام في فعاله ، و صوابه في حروبه ، و نبّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم على وجوب طاعته صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و حظر معصيته ، و أنّ الحق في حيّزه و جنبه ، و شهد له بأنّه خير الخليقة ، و هذا يباين ما كان من خصومة الغاصبين لمقامه من الفعال ،

و يضادّ ما كانوا عليه من الأعمال ، و يخرجهم من الفضل الى النقص الذي يوبق صاحبه أو يكاد ، فضلا عن سموّه على أعمال المخلصين في تلك الغزاة ،

و قربهم بالجهاد الذي تولّوه ، فبانوا به ممّن ذكرناه بالتقصير الّذي وصفناه .

قال : و لما فضّ اللّه جمع المشركين بحنين تفرقوا فرقتين . فأخذت الأعراب و من تبعهم إلى أوطاس ، و أخذت ثقيف و من تبعها إلى الطائف إلى أن قال :

ثم سار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنفسه الى الطائف فحاصرهم أيّاما ، ثم أنفذ أمير المؤمنين عليه السلام في خيل و أمره ان يطأ ما وجد ، و يكسر كلّ صنم وجده ،

فخرج حتّى لقيته خيل خثعم في جمع كثير . فبرز لهم رجل من القوم يقال له شهاب في غبش الصبح فقال له : هل من مبارز فقال عليه السلام : من له ؟ فلم يقم اليه أحد فبرز عليه السلام إليه و هو يقول :

ان على كلّ رئيس حقا
أن يروى الصعدة او تدقّا

[ 48 ]

ثم ضربه فقتله ، و مضى في تلك الخيل حتى كسر الأصنام ، و عاد إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو محاصر أهل الطائف . فلمّا رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كبّر للفتح ، و أخذ بيده فخلابه ، و ناجاه طويلا .

فروى عبد الرحمن بن سيابة ، و الأجلح جميعا عن أبي الزبير عن جابر الأنصاري أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا خلا بعلي عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب . فقال : أتناجيه دوننا و تخلو به فقال : يا عمر ما أنا انتجيته ، بل اللّه انتجاه ، فأعرض عمر و هو يقول : هذا كما قلت لنا قبل الحديبية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللّه آمنين . فلم ندخله و صدّونا . فناداه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لم أقل لكم إنّكم تدخلونه في ذلك العام ، ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فلقيه أمير المؤمنين ببطن وجّ فقتله ، و انهزم المشركون ،

و لحق القوم الرعب . فنزل جماعة منهم الى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسلموا . و كان حصار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الطائف بضعة عشر يوما ، و هذه الغزاة أيضا ممّا خصّ اللّه سبحانه فيها أمير المؤمنين عليه السلام بما انفرد به من كافة الناس ، و كان الفتح فيها على يده و قتل من قتل من خثعم ، به دون من سواه ، و حصل له من المناجاة الّتي أضافها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى اللّه عزّ اسمه ما ظهر به من فضله ،

و خصوصيته من اللّه تعالى بما بان به من كافة الخلق ، و كان من عدوّه فيها ما دلّ على باطنه ، و كشف اللّه عن حقيقة سرّه و ضميره ، و في ذلك عبرة لاولي الألباب .

قال : ثم كانت غزوة تبوك فأوحى اللّه عزّ اسمه إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ان يسير إليها بنفسه ، و يستنفر الناس للخروج ، و أعلمه أنّه لا يحتاج فيها إلى حرب ، و لا يمنى بقتال عدوّ ، و أنّ الامور تنقاد له بغير سيف ، و تعبّده بامتحان أصحابه بالخروج معه و اختبارهم ليتميزوا بذلك ، و تظهر به سرائرهم ،

[ 49 ]

فاستنفرهم الى بلاد الروم ، و قد أينعت ثمارهم ، و اشتد القيظ عليهم . فأبطأ أكثرهم عن طاعته رغبة في العاجل ، و حرصا على المعيشة و إصلاحها ،

و خوفا من شدة القيظ و بعد المسافة ، و لقاء العدو . ثم نهض بعضهم على استثقال و تخلّف آخرون ، و لمّا أراد الخروج استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في أهله و ولده و أزواجه و مهاجره و قال له : إنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك .

و ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم علم من خبث نيات الأعراب ، و كثير من أهل مكّة ،

و من حولها ممّن غزاهم ، و سفك دماءهم . فأشفق أن يطلبوا المدينة عند نأيه عنها ، و حصوله ببلاد الروم أو نحوها ، فمتى لم يكن فيها من يقوم مقامه لم يؤمن معرّتهم ، و ايقاع الفساد في دار هجرته ، و التخطّي إلى ما يشين أهله و مخلّفيه ، و علم أنّه لا يقوم مقامه في ارهاب العدو و حراسة دار الهجرة ،

و حياطة من فيها إلاّ أمير المؤمنين عليه السلام ، فاستخلفه استخلافا ظاهرا ، و نصّ عليه بالإمامة نصّا جليا .

و ذلك في ما تظاهرت به الرواية أنّ أهل النفاق لمّا علموا باستخلاف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له عليه السلام على المدينة حسدوه لذلك ، و عظم عليهم مقامه فيها بعد خروجه ، و علموا أنّها تتحرّس به ، و لا يكون فيها للعدوّ مطمع . فساءهم ذلك و كانوا يؤثرون خروجه معه لما يرجونه من وقوع الإفساد ، و الاختلاط عند نأي النبي صلّى اللّه عليه و آله ، و خلّوها من مرهوب مخوف يحرسها ، و غبطوه على الرفاهية و الدعة بمقامه في أهله ، و تكلّف من خرج منهم المشاق بالسفر و الخطر ،

فأرجفوا بأمير المؤمنين عليه السلام و قالوا : لم يستخلفه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إكراما له و إجلالا و مودّة ، و انّما خلّفه استثقالا له . فبهتوه بهذا الإرجاف كبهت قريش للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالجنّة تارة ، و بالشعر اخرى ، و بالسحر مرة ، و بالكهانة اخرى ،

و هم يعلمون ضدّ ذلك و نقيضه كما علم المنافقون ضدّ ما أرجفوا به على

[ 50 ]

أمير المؤمنين و خلافه ، و أنّه كان أخصّ الناس به ، و أحبّ الناس إليه ،

و أسعدهم عنده ، و أحظاهم و أقضاهم لديه ، فلمّا بلغه عليه السلام إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم ، و اظهار فضيحتهم ، فلحق بالنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : إنّ المنافقين يزعمون انّك إنّما خلّفتني استثقالا لي و مقتا . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله : « إرجع يا أخي إلى مكانك ، فإنّ المدينة لا تصلح إلاّ بي أو بك ، فأنت خليفتي في أهل بيتي و دار هجرتي و قومي ، أما ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ انّه لا نبيّ بعدي » .

فتضمن هذا القول من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نصه على أمير المؤمنين بالإمامة ،

و إبانته من الكافة بالخلافة ، و دلّ به على فضل لم يشركه فيه أحد سواه ،

و أوجب له به جميع منازل هارون من موسى إلاّ المستثنى منها لفظا و عقلا .

و قد علم كل من تأمل معانى القرآن ، و تصفّح الروايات و الأخبار أنّ هارون كان أخا موسى عليه السلام لأبيه و امّه و شريكه ، و وزيره على نبوّته ، و تبليغ رسالات ربّه ، و أنّ اللّه سبحانه شدّ به أزره ، و أنّه كان خليفته على قومه ،

و كان له من الإمامة عليهم و فرض الطاعة ، كامامته و فرض طاعته ، و أنّه كان أحبّ قومه إليه ، و أفضلهم لديه قال عزّ و جلّ حاكيا عن موسى رب اشرح لي صدري و يسّر لي أمري و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري و أشركه في أمري كي نسبّحك كثيرا و نذكرك كثيرا 1 . فأجاب اللّه مسألته و أعطاه سؤله في ذلك و امنيته حيث يقول عزّ و جلّ : قد اوتيت سؤلك يا موسى 2 و قال تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام و قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي

-----------
( 1 ) طه : 25 34 .

-----------
( 2 ) طه : 36 .

[ 51 ]

و أصلح و لا تتّبع سبيل المفسدين 1 .

فلمّا جعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام منه بمنزلة هارون من موسى أوجب له بذلك جميع ما عددناه إلاّ ما خصّه العرف من الاخوة ، و استثناه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لفظا من النبوّة ، و هذه فضيلة لم يشرك فيها أحد من الخلق أمير المؤمنين عليه السلام ، و لا ساواه في معناه و لا قاربه فيها على حال ، و لو علم اللّه تعالى أنّ لنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في هذه الغزاة حاجة إلى الحرب لما أذن له في تخليفه عنه بالمدينة حسب ما قدّمناه ، بل علم أنّ المصلحة في استخلافه ، و أنّ إقامته في دار هجرته مقامه أفضل الأعمال فدبّر اللّه تعالى الخلق و الدين بما قضاه في ذلك ، و امضاه على ما بيّناه و شرحناه .

قال : و لما انصرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من تبوك قدم عليه عمرو بن معديكرب .

فآمن به و آمن معه من قومه ناس ، و رجعوا إلى قومهم ثم انّ عمرا نظر إلى ابيّ ابن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته ثم جاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : أعدني على هذا الفاجر الذي قتل أبي .

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية » فانصرف عمرو مرتدّا فأغار على قوم من بني الحرث بن كعب ، و مضى إلى قومه ، فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام ، و أمّره على المهاجرين ، و أنفذه إلى بني زبيد ،

و أرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب ، و أمره أن يعمد لجعفي ، و إذا التقيا فأمير الناس علي عليه السلام فسار أمير المؤمنين عليه السلام ، و استعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن العاص ، و استعمل خالد على مقدمته أبا موسى الأشعري .

فأمّا جعفى فإنّها لما سمعت بالجيش افترقت فرقتين ، فذهبت فرقة الى اليمن ،

و انضمّت الفرقة الاخرى إلى بني زبيد . فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام : فكتب إلى

-----------
( 1 ) الاعراف : 142 .

[ 52 ]

خالد بن الوليد أن قف حيث أدركك رسولي . فلم يقف . فكتب إلى خالد بن سعيد تعرّض له حتّى تحبسه ، فاعترض له حتّى حبسه ، و أدركه أمير المؤمنين عليه السلام .

فعنّفه على خلافه . ثمّ سار حتّى لقي بني زبيد بواد يقال له كسر .

فلما رآه بنو زبيد قالوا لعمرو : كيف أنت إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الأتاوة قال : سيعلم إن لقيني ، و خرج عمرو فقال : من يبارز فنهض أمير المؤمنين عليه السلام إليه . فصاح به صيحة ، فانهزم عمرو و قتل اخوه ، و ابن أخيه ، و اخذت امرأته ركانة بنت سلامة ، و سبي منهم نسوان ، و انصرف أمير المؤمنين عليه السلام و خلّف عليهم خالد بن سعيد ليقبض صدقاتهم ، و يؤمّن من عاد إليه من هرّابهم مسلما .

فرجع عمرو و استأذن على خالد ، فأذن له . فعاد إلى الإسلام ، فكلّمه في امرأته و ولده . فوهبهم له ، و قد كان عمرو لمّا وقف بباب خالد ، وجد جزورا قد نحرت فجمع قوائمها فضربها بسيفه فقطعها جميعا و كان يسمّى سيفه الصمصامة فوهبه لخالد .

قال : و كان أمير المؤمنين عليه السلام قد اصطفى من السبي جارية فبعث خالد بن الوليد بريدة الأسلمي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له : تقدم الجيش إليه . فأعلمه بما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه ، وقع فيه ، فسار بريدة حتى انتهى إلى باب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلقيه عمر . فسأله عن حال غزوتهم ، و عن الّذي أقدمه . فأخبره أنّه إنّما جاء ليقع في علي و ذكر له اصطفاء الجارية من الخمس لنفسه . فقال له عمر : إمض لما جئت له فإنه سيغضب لابنته ممّا صنع علي . فدخل بريدة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و معه كتاب من خالد بن الوليد بما ارسل به بريدة . فجعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقرأه و وجهه يتغيّر . فقال له بريدة : انّك إن رخّصت للناس في مثل هذا اذهب فيئهم .

[ 53 ]

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : و يحك يا بريدة احدثت نفاقا . إنّ عليّا يحلّ له من الفي‏ء ما يحلّ لي ، انّ عليّا خير الناس لك و لقومك ، و خير من أخلّف من بعدي لكافة امّتي ، يا بريدة احذر أن تبغض عليّا فيبغضك اللّه . قال بريدة : فتمنيت أنّ الأرض انشقت لي فسخت فيها ، و قلت : أعوذ باللّه من سخط اللّه ، و سخط رسوله ، يا رسول اللّه استغفر لي ، فلن ابغض عليا أبدا ، و لا أقول فيه إلاّ خيرا ،

فاستغفر له .

قال : و في هذه الغزاة من المنقبة له عليه السلام ما لا يماثلها منقبة لأحد سواه و الفتح فيها كان على يديه عليه السلام خاصّة ، و ظهر من فضل أمير المؤمنين عليه السلام و مشاركته للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ما احلّ اللّه له من الفي‏ء و اختصاصه من ذلك بما لم يكن لغيره من الناس ، و بان من مودّة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له و تفضيله إيّاه ما كان خفيا على من لا علم له بذلك ، و كان من تحذير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بريدة و غيره من بغضه و عداوته و حثّه له على مودّته و ولايته و ردّ كيد أعدائه في نحورهم ما دلّ على أنّه افضل البريّة عند اللّه تعالى و عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . و أحقهم بمقامه بعده و أخصّهم به في نفسه و آثرهم عنده 1 .

قال : فمن ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جمع خاصّة أهله و عشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام فعرض عليهم الإيمان ، و استنصرهم على أهل الكفر و العدوان ، و ضمن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا و الشرف و ثواب الجنان ،

فلم يجبه أحد منهم إلاّ أمير المؤمنين . فنحله بذلك تحقيق الاخوة و الوزارة و الوراثة و الخلافة ، و أوجب له به الجنة ، و ذلك في حديث الدار الّذي أجمع على صحّته نقّاد الآثار حين جمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بني عبد المطّلب في دار أبي طالب و هم أربعون رجلا يومئذ يزيدون رجلا أو ينقصون رجلا في ما ذكره

-----------
( 1 ) هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد : 74 86 .

[ 54 ]

الرواة و أمر أن يصنع لهم طعام ، فخذ شاة مع مدّ من برّ ، و ان يعدّ لهم صاع من اللبن ، و قد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد ، و بشرب الفرق من الشراب في ذلك المقعد ، فأراد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بإعداد قليل الطعام و الشراب لجماعتهم إظهار الآية في شبعهم و ريّهم ممّا كان لا يشبع واحدا منهم و لا يرويه ، ثمّ أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتقديمه لهم . فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملّوا منه ، و لم يبن ما أكلوه منه و شربوا ، فبهرهم بذلك ، و بيّن لهم آية نبوّته ، و علامة صدقه ببرهان اللّه تعالى .

ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام و رووا من الشراب : يا بني عبد المطّلب إنّ اللّه بعثني إلّى الخلق كافّة ، و بعثني اليكم خاصّة . فقال و أنذر عشيرتك الأقربين و أنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب و العجم ، و تدخلون بهما الجنّة ، و تنجون بهما من النار « شهادة الاّ إله إلاّ اللّه و أنّي رسول اللّه » . فمن يجيبني إلى هذا الأمر ،

و يوازرني عليه ، و على القيام به يكن أخي و وصيّي و وزيري و وارثي و خليفتي من بعدي . فلم يجبه أحد منهم .

قال أمير المؤمنين عليه السلام : فقمت بين يديه من بينهم ، و أنا أصغرهم سنّا ،

و احمشهم ساقا ، و أرمصهم عينا . فقلت : أنا يا رسول اللّه اوازرك على هذا الأمر . فقال : اجلس .

ثم أعاد على القوم القول ثانية ، فاصمتوا . فقمت أنا و قلت مثل مقالتي الاولى فقال : اجلس . ثم أعاد على القوم ثالثة . فلم ينطق أحد منهم بحرف . فقمت و قلت : انا اوازرك يا رسول اللّه على هذا الأمر فقال :

اجلس . فأنت أخي ، و وصيي ، و وزيري و وارثي ، و خليفتي من بعدي .

فنهض القوم ، و هم يقولون لأبي طالب : « ليهنأك اليوم ان دخلت في دين

[ 55 ]

ابن أخيك ، فقد جعل ابنك أميرا عليك » .

و هذه منقبة جليلة اختصّ بها أمير المؤمنين عليه السلام ، و لم يشركه فيها أحد من المهاجرين الأولين و لا الأنصار ، و لا أحد من أهل الإسلام ، و ليس لغيره عدل لها من الفضل و لا مقارب على حال ، و في الخبر بها ما يفيد أنّ بأمير المؤمنين عليه السلام تمكّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من تبليغ الرسالة و اظهار الدعوة و الصدع بالإسلام و لولاه لم تثبت الملّة ، و لا استقرّت الشريعة و لا ظهرت الدعوة فهو ناصر الإسلام ، و وزير الداعي إلى الإسلام من قبل اللّه عزّ و جلّ و بضمانه له النصرة تمّ له في النبوّة ما أراد ، و في ذلك من الفضل ما لا توازنه الجبال فضلا ، و لا تعادله الفضائل كلها محلا و قدرا .

قال : و من ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا أمره بالهجرة عند اجتماع الملأ من قريش على قتله ، فلم يتمكن من مظاهرتهم بالخروج عن مكّة ، و أراد الاستسرار بذلك ، و تعمية خبره عنهم ليتم له الخروج على السلامة منهم ، ألقى خبره إلى أمير المؤمنين عليه السلام و استكتمه إيّاه ، و كلّفه الدفاع عنه بالمبيت على فراشه من حيث لا يعلمون انّه هو البائت على الفراش ، و يظنّون أنّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بائتا على حاله الّتي كان يكون عليها في ما سلف من اللّيالي .

فوهب عليه السلام نفسه للّه تعالى ، و شراها من اللّه تعالى في طاعته ، و بذلها دون نبيّه عليه السلام لينجو به من كيد الأعداء ، و يتمّ له بذلك السلامة و البقاء ، و ينتظم له به الغرض في الدعاء إلى الملة ، و إقامة الدين ، و إظهار الشريعة .

فبات على فراشه متسترا بإزاره ، و جاءه القوم الذين تمالأوا على قتله فأحدقوا به و عليهم السلاح يرصدونه طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا ، فيذهب دمه فرغا بمشاهدة بني هاشم قاتليه من جميع القبائل ، و لا يتمّ لهم الأخذ بثأره منهم لاشتراك الجماعة في دمه ، و قعود كل قبيلة عن قتال رهطه ، و مباينة

[ 56 ]

أهله ، فكان ذلك سبب نجاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و حفظ دمه ، و بقائه حتى صدع بأمر ربه .

و لو لا أمير المؤمنين عليه السلام و ما فعله من ذلك ، لما تمّ له التبليغ و الأداء ، و لا استدام له العمر و البقاء ، و لظفر به الحسدة و الأعداء . فلمّا أصبح القوم و أرادوا الفتك به ، ثار أمير المؤمنين عليه السلام إليهم فتفرّقوا عنه حين عرفوه ، و كان بذلك انتظام الايمان و إرغام الشيطان ، و خذلان أهل الكفر و العدوان ، و لم يشاركه في هذه المنقبة أحد من أهل الإسلام ، و لا احيط بنظير لها على حال ، و لا مقارب لها في الفضل بصحيح الاعتبار .

و في أمير المؤمنين عليه السلام و مبيته على الفراش أنزل سبحانه و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه و اللّه رءوف بالعباد .

قال : و من ذلك أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان أمين قريش على ودائعهم ، فلمّا فجأه من الكفار ما أحوجه إلى الهرب من مكّة ، لم يجد في قومه و أهله من يأتمنه على ما كان مؤتمنا عليه سوى أمير المؤمنين عليه السلام ، فاستخلفه في ردّ الودائع إلى أربابها ، و قضاء ما كان عليه دين لمستحقيه ، و جمع بناته و نساء أهله ، و أزواجه و الهجرة بهم اليه ، و لم ير أنّ أحدا يقوم مقامه في ذلك من كافة الناس ، فوثق بأمانته ، و عوّل على نجدته و شجاعته ، و اعتمد في الدفاع عن أهله و حامّته على بأسه و قدرته ، و اطمأنّ إلى ثقته على أهله و حرمه ، و عرف من ورعه و عصمته ما تسكن معه النفس إلى أمانته على ذلك ، فقام عليه السلام به أحسن القيام ، و ردّ كلّ وديعة إلى أهلها ، و أعطى كلّ ذي حقّ حقّه ، و حفظ بنات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و حرمه ، و هاجر بهم ماشيا على قدميه يحوطهم من الأعداء ،

و يكلأهم من الخصماء ، و يرفق بهم في المسير حتّى أوردهم عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم المدينة على أتمّ صيانة و حراسة ، و رفق و رأفة ، و حسن تدبير ، فأنزله

[ 57 ]

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند وروده المدينة داره و أحلّه قراره ، و خلطه بحرمه و أولاده ،

و لم يميّزه من خاصة نفسه ، و لا احتشمه في باطن أمره و سرّه .

و هذه منقبة توحّد أمير المؤمنين عليه السلام بها من كافة أهل بيته و أصحابه ،

و لم يشركه فيها أحد من أشياعه و أتباعه ، و لم يحصل لغيره من الخلق فضل سواها يعادلها عن السبر ، و لا يقاربها على الامتحان ، و هي مضافة الى ما قدّمناه من مناقبه القاهر فضلها ، الباهرة بشرفها قلوب العقلاء ، قال : و من ذلك ما أجمعت عليه السير أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم الى الإسلام و أنفذ معه جماعة من المسلمين فيهم البراء بن عازب ،

و أقام خالد على القوم ستّة أشهر يدعوهم فلم يجبه أحد منهم ، فساء ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فدعا أمير المؤمنين عليه السلام و أمره أن يقفل خالدا و من معه ، و قال له :

إن أراد ممّن مع خالد أن يعقب معك فاتركه . قال البراء : فكنت في من عقب معه ،

فلمّا انتهينا إلى أوايل أهل اليمن ، و بلغ القوم الخبر تجمّعوا له . فصلّى بنا الفجر ثم تقدم بين أيدينا ، فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه ، ثم قرأ على القوم كتاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسلمت همدان كلها في يوم واحد ، و كتب عليه السلام بذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاستبشر ، و ابتهج ، و خرّ ساجدا شكرا للّه تعالى ، ثم رفع رأسه و جلس و قال « السلام على همدان » ثم تتابع بعد اسلام همدان أهل اليمن على الإسلام .

و هذه أيضا منقبة له عليه السلام ليس لأحد من الصحابة مثلها و لا مقاربها ،

و ذلك أنّه لما وقف الأمر في ما بعث له خالد و خيف الفساد لم يوجد من يتلافى ذلك سواه ، فندب عليه السلام له فقام به أحسن قيام ، و جرى على عادة اللّه تعالى عنده في التوفيق لما يلائم إيثار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و كان بيمنه و رفقه و حسن تدبيره ،

و خلوص نيّته في طاعة اللّه عزّ و جلّ هداية من اهتدى بهديه من الناس ،

[ 58 ]

و اجابة من أجاب إلى الإسلام و عمارة الدين ، و قوة الإيمان و بلوغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما آثره من المراد و انتظام الأمر على ما قرّت به عينه ، و ظهر استبشاره به و سروره بتمامه لكافّة أهل الإسلام ، و قد ثبت أنّ الطاعة تعظم بتعاظم النفع فيها كما تعظم المعصية بتعاظم الضرر بها ، و لذلك صار الأنبياء عليهم السلام أعظم الخلق ثوابا لتعاظم النفع بدعوتهم على سائر المنافع بأعمال من سواهم من الناس .

قال : و مثل ذلك أيضا ما جاء في قصّة « براءة » و قد دفعها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبي بكر لينبذ بها عهد المشركين . فلمّا سار غير بعيد نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : إنّ اللّه يقرؤك السلام و يقول : « لا يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك » فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام و قال له : إركب ناقتي العضباء و ألحق أبا بكر فخذ « براءة » من يده و امض بها إلى مكّة ، و انبذ بها عهد المشركين إليهم و خيّر أبا بكر بين أن يسير مع ركابك أو يرجع إليّ ، فركب عليه السلام ناقته العضباء ، و سار حتّى لحق أبا بكر . فلمّا رآه فزع من لحوقه به و استقبله و قال :

فيم جئت يا أبا الحسن ؟ أسائر أنت معي أم لغير ذلك ؟ فقال عليه السلام له : أمرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن ألحقك ، فأقبض منك الآيات من « براءة » و أنبذ بها عهد المشركين إليهم ، و أمرني أن اخيّرك بين أن تسير معي أو ترجع إليه . فقال : بل أرجع إليه ، و عاد إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له : إنّك أهّلتني لأمر طالت الأعناق إليّ فيه . فلمّا توجّهت له رددتني عنه ، مالي ؟ أنزل فيّ قرآن ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لا .

و لكنّ الأمين جبرئيل عليه السلام هبط إليّ عن اللّه عزّ و جلّ بأنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك ، و علي منّي و لا يؤدّي عنّي إلاّ علي في حديث مشهور .

و كان نبذ العهد مختصا بمن عقده او بمن يقوم مقامه في فرض الطاعة و جلالة القدر ، و علو الرتبة ، و شرف المقام ، و من لا يرتاب بفعاله ، و لا يعترض عليه في مقاله ، و من هو كنفس العاقد و أمره أمره . فإذا حكم بحكم مضى

[ 59 ]

و استقر ، و امن الاعتراض فيه ، و كان بنبذ العهد قوة الإسلام ، و كمال الدين ،

و صلاح أمر المسلمين ، و فتح مكّة ، فأحبّ اللّه تعالى أن يجعل ذلك في يد من ينوّه باسمه ، و يعلي ذكره ، و ينبّه على فضله ، و يدلّ على علو قدره ، و يبيّنه به عمّن سواه .

قال : و أمثال ما عدّدناه كثير ان عمدنا إلى ايراده طال الكتاب ، و في ما أثبتناه كفاية لذوي الألباب 1 .

قلت : و لمّا قال عمر لابن عباس : إنّ قريشا قدّموا أبابكر و أخّروا صاحبك لأنّهم استصغروه ، قال له ابن عباس : لكن اللّه لم يستصغره حيث أمره أن يأخذ براءة من صاحبك 2 .

و قال هشام بن الحكم العجب من إخواننا نصبوا من عز له اللّه تعالى من السماء ، و عزلوا من نصبه من السماء 3 .

قوله عليه السلام في الأوّل « و إنّ مسيري هذا لمثلها » : أي و إنّ مسيري إلى أهل الجمل مثل مسيري في غزوات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بدر إلى حنين ، و يشهد لكون غزواته بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل غزواته مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قول عمّار في صفين مشيرا إلى معاوية « لقد قاتلت صاحب هذه الراية ثلاثا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هذه الرابعة ما هي بأبرّ و أتقى من تلك » 4 .

هذا ، و جعل ( إرشاد المفيد ) هذه الفقرة بعد الفقرة الآتية « و اللّه لقد قاتلتهم كافرين ، و لأقاتلنّهم مفتونين » و فيه « و ان مسيري

-----------
( 1 ) هذا تلخيص كلام المفيد في الارشاد : 29 38 .

-----------
( 2 ) رواه الزبير بن بكار في الموفقيات ، عنه شرح ابن أبي الحديد 3 : 105 ، شرح الخطبة 226 ، و الجوهري في السقيفة :

70 و غيرهما و النقل بالمعنى .

-----------
( 3 ) رواه في تكملة فهرست ابن النديم : 224 ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 4 ) روى هذا المعنى ابن مزاحم في وقعة صفين : 340 .

[ 60 ]

هذا عن عهد إليّ فيه » 1 .

و مسيره الأوّل كان على تنزيل القرآن ، و مسيره الأخير على تأويله و في ( إرشاد ) محمّد بن محمّد بن النعمان روى إسماعيل بن علي العمي ، عن نائل بن نجيح عن عمرو بن شمر ، عن جابر بن يزيد ، عن أبي جعفر محمّد بن علي ، عن أبيه عليهم السلام قال : انقطع شسع نعل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فدفعها إلى علي عليه السلام يصلحها ثم مشى في نعل واحد غلوة أو نحوها ، و أقبل على أصحابه ، و قال : إنّ منكم من يقاتل على التأويل كما قاتل معي على التنزيل . فقال أبو بكر : أنا ذاك يا رسول اللّه ؟ قال : لا ، فقال عمر : فأنا يا رسول اللّه ؟ قال : لا . قال : فأمسك القوم ،

و نظر بعضهم إلى بعض . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لكنّه خاصف النعل و أومأ بيده إلى علي عليه السلام و انّه يقاتل على التأويل اذا تركت سنّتي و نبذت ، و حرّف كتاب اللّه ، و تكلّم في الدين من ليس له ذلك . فيقاتلهم علي على إحياء دين اللّه تعالى 2 3 .

« و اللّه لقد قاتلتهم كافرين و لا قاتلنّهم مفتونين » قال ابن أبي الحديد : « هذا الكلام يؤكّد قول أصحابنا إنّ أصحاب صفّين و الجمل ليسوا بكفّار خلافا للامامية » 4 .

قلت : إنّ الإماميّة لا يدّعون أنّهم كانوا كافرين ظاهرا بل باطنا ، و كونهم كافرين باطنا لا يمنع من اطلاق اسم المسلمين المفتونين عليهم ، و من مقابلتهم للكافرين الظاهرين .

و يشهد لقول الاماميّة بكفرهم باطنا قوله تعالى : فمنهم من

-----------
( 1 ) الارشاد : 132 .

-----------
( 2 ) الإرشاد : 65 .

-----------
( 3 ) في الاولى فقرة « فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه » فأخره الشارح و فقرة « ما لي و لقريش » فأسقط شرحه .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 176 .

[ 61 ]

آمن و منهم من كفر 1 روى نصر بن مزاحم و هو من رجالهم في ( صفّينه ) عن يحيى عن علي بن حزّور ، عن الأصبغ بن نباتة قال : جاء رجل إلى علي عليه السلام فقال : يا أمير المؤمنين ، هؤلاء القوم الّذين نقاتلهم ،

الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة ، و الحجّ واحد ، فبم نسمّيهم ؟ قال : تسمّيهم بما سمّاهم اللّه في كتابه قال : ما كل في الكتاب أعلمه قال : أما سمعت اللّه تعالى قال تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض إلى و لو شاء اللّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر 2 فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه ، و بالكتاب و بالنبيّ و بالحق . فنحن الّذين آمنوا ، و هم الّذين كفروا ، و شاء اللّه قتالهم فقاتلناهم هدى بمشية اللّه ربّنا و ارادته 3 .

ثم ما يفعل بأهل النهروان فظاهر كلامه عليه السلام كونهم أيضا من المفتونين لا الكافرين مع أنّ أصحابه أيضا يقولون بكفرهم .

و الإمامية لا يقتصرون على أصحاب الجمل و صفّين ، بل يطردون كلامه عليه السلام في معنى الآية في الثلاثة المتقدّمين عليه و يأتون في ذلك ببراهين كما مرّ نبذ مرارا ، و يأتي نبذ كرارا .

« و إنّي لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم » إلى هنا العنوان الأول في نسخنا و زاد ابن أبي الحديد بعده « و اللّه ما تنقم منّا قريش إلاّ أنّ اللّه اختارنا عليهم . فادخلناهم في حيّزنا فكانوا كما قال الاول :

-----------
( 1 ) البقرة : 253 .

-----------
( 2 ) البقرة : 253 .

-----------
( 3 ) وقعة صفين : 322 .

[ 62 ]

ادمت لعمري شربك المحض صابحا
و اكلك بالزبد المقشرة البجرا

و نحن و هبناك العلاء و لم تكن
عليّا و حطنا حولك الجرد و السّمرا 1

و ابن ميثم أيضا اقتصر على ما في نسخنا لكن قال : قد نقل في بعض النسخ في تمام هذه الخطبة « لتضجّ قريش ضجيجها ان تكن فينا النبوّة و الخلافة و اللّه ما أتينا إليهم إلاّ إنّا اجترأنا عليهم » الخ 2 .

هذا ، و في ( إرشاد المفيد ) : هذه الخطبة خطب عليه السلام بها لمّا نزل الربذة في توجهه إلى البصرة ، فلقيه بها آخر الحاج . فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه ، و هو في خبائه . قال ابن عباس : فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له : نحن إلى ان تصلح أمرنا أحوج إلى ما تصنع . فلم يكلّمني حتى فرغ من نعله . ثم ضمّها إلى صاحبتها ، و قال لي : قوّمها . فقلت : ليس لهما قيمة . قال : على ذاك . قلت : كسر درهم . قال : و اللّه لهما أحبّ إليّ من أمركم هذا إلاّ أن اقيم حقّا أو أدفع باطلا قلت إنّ الحاجّ اجتمعوا ليسمعوا من كلامك . فتأذن لي في أن أتكلم فإن كان حسنا كان منك و إن كن غير ذلك كان منّي ؟ قال : لا . أنا أتكلّم . ثم وضع يده على صدري و كان شثن الكفين فآلمني ثم قام فاخذت بثوبه ، و قلت : نشدتك اللّه و الرحم قال : لا تنشدني ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال :

أما بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ليس في العرب أحد يقرأ كتابا و لا يدّعي نبوّة ، فساق الناس إلى منجاتهم أم و اللّه ما زلت في ساقتها الى آخر ما مر 3 .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 176 .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 2 : 75 .

-----------
( 3 ) رواه المفيد في الارشاد : 132 ، و النقل بتصرف يسير في غير المتن .

[ 63 ]

قوله عليه السلام في الأوّل « فلأنقبّن الباطل حتّى يخرج الحق من جنبه » و في الثاني « و أيم اللّه لأبقرن الباطل حتى اخرج الحق من خاصرته » دالّ على أنّ المتقدّمين عليه لبسوا الحقّ بالباطل على حدّ بلّعوا الباطل الحق حتّى صار الحقّ في جوف الباطل ، و أنّه عليه السلام يجدّ و يسعى في أنّ ينقب الباطل و يبقر بطنه حتى يخرج الحق من جنبه و خاصرته .

و كان بلغ من لبسهم على الناس بتبليغاتهم الباطلة أنّ مسلم بن عقبة لمّا حضره الموت قال : اللهمّ إنّك تعلم أنّي لم أغشّ خليفة قطّ في سرّ و علانية ،

و ان أزكى عمل عملته بعد شهادة ألاّ اله إلاّ اللّه قتلي أهل الحرّة ، و لئن دخلت النار بعد قتلهم إنّي لشقي ، و قال لطبيبه الّذي بعثه يزيد معه لمرضه : اليك عنّي إنّما كنت احبّ أن أبقى حتّى أشتفي من قتلة عثمان ، و قد أدركت ما أردت فما شي‏ء أحبّ إليّ من أن أموت على طهارتي قبل أن أحدث حدثا ، فإنّ اللّه قد طهّرني بقتل هؤلاء الأرجاس .

و في ( الصحاح ) : « نقب البيطار سرّة الدابة ليخرج منها ما اصفرّ ، و تلك الحديدة منقب ، و المكان منقب بالفتح قال اقبّ لم ينقب البيطار سرّته » و قولهم أبقرها عن جنينها : أي : شق بطنها عن ولدها ، و الخصر وسط الانسان 1 .