
3
الخطبة ( 37 ) و من كلام له عليه السلام يجرى مجرى الخطبة :
فَقُمْتُ بِالْأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا وَ تَطَلَّعْتُ حِينَ تَقَبَّعُوا وَ نَطَقْتُ حِينَ تَعْتَعُوا وَ مَضَيْتُ بِنُورِ اَللَّهِ حِينَ وَقَفُوا وَ كُنْتُ أَخْفَضَهُمْ صَوْتاً وَ أَعْلاَهُمْ فَوْتاً فَطِرْتُ بِعِنَانِهَا وَ اِسْتَبْدَدْتُ بِرِهَانِهَا كَالْجَبَلِ لاَ تُحَرِّكُهُ اَلْقَوَاصِفُ
-----------
( 1 ) صحاح اللغة 1 : 227 مادة نقب .
[ 64 ]
وَ لاَ تُزِيلُهُ اَلْعَوَاصِفُ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ فِيَّ مَهْمَزٌ وَ لاَ لِقَائِلٍ فِيَّ مَغْمَزٌ اَلذَّلِيلُ عِنْدِي عَزِيزٌ حَتَّى آخُذَ اَلْحَقَّ لَهُ وَ اَلْقَوِيُّ عِنْدِي ضَعِيفٌ حَتَّى آخُذَ اَلْحَقَّ مِنْهُ رَضِينَا عَنِ اَللَّهِ قَضَاءَهُ وَ سَلَّمْنَا لِلَّهِ أَمْرَهُ أَ تَرَانِي أَكْذِبُ عَلَى ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ وَ اَللَّهِ لَأَنَا أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَهُ فَلاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِي أَمْرِي فَإِذَا طَاعَتِي قَدْ سَبَقَتْ بَيْعَتِي وَ إِذَا اَلْمِيثَاقُ فِي عُنُقِي لِغَيْرِي أقول : قال الصاحب بن عبّاد مخاطبا له عليه السلام مشيرا إلى نحو ما عدّده عليه السلام من صفاته :
أيا ابن عم رسول اللّه أفضل من
ساد الأنام و ساس الهاشمينا
يا بدرة الدين يا فرد الزمان أصخ
لمدح مولى يرى تفضيلكم دينا
هل مثل سيفك في الإسلام لو عرفوا
و هذه الخصلة الغرّاء تكفينا
هل مثل علمك إن زلّوا و إن وهنوا
و قد هديت كما أصبحت تهدينا
هل مثل قولك إذ قالوا مجاهرة
لو لا علي هلكنا في فتاوينا
هل مثل جمعك للقرآن تعرفه
لفظا و معنى و تأويلا و تبيينا
هل مثل صبرك إذ خانوا و إذ فشلوا
حتى جرى ما جرى في يوم صفّينا
هل مثل بذلك للعاني الأسير و لل
طّفل الصغير و قد أعطيت مسكينا
و في ( مجالس المفيد ) : سئل الفضل بن شاذان عن الدليل على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام قال : الدليل عليه من كتاب اللّه تعالى و من سنّة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و من إجماع المسلمين . فأمّا كتاب اللّه فقوله تعالى يا أيّها الّذين آمنوا اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول و اولي الأمر منكم 1 فدعانا إلى طاعة اولي الأمر كما دعانا إلى طاعة نفسه و طاعة رسوله ، فاحتجنا إلى معرفة أولي الأمر كما يوجب
-----------
( 1 ) النساء : 59 .
[ 65 ]
علينا معرفة اللّه ، و معرفة رسوله فنظرنا في أقاويل الامّة فوجدناهم قد اختلفوا ، و أجمعوا في الآية على ما يوجب كونها في أمير المؤمنين ، فقال بعضهم : اولو الأمر هم امراء السرايا ، و قال بعضهم هم العلماء و قال بعضهم :
هم القوّام على الناس ، و الآمرون بالمعروف ، و الناهون عن المنكر ، و قال بعضهم : هم علي بن أبي طالب ، و الأئمة من ذريته .
فسألنا الفرقة الاولى ، فقلنا لهم : أليس علي بن أبي طالب من امراء السرايا ؟ فقالوا بلى : و قلنا للثانية : ألم يكن علي من العلماء ؟ فقالوا : بلى ، و قلنا للثالثة : أليس علي كان من القوّام على الناس بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ؟ فقالوا : بلى . فصار أمير المؤمنين عليه السلام معيّنا بالآية باتفاق الامّة و إجماعها ، و تيقّنّا ذلك بإقرار المخالف لنا في إمامته ، و الموافق عليها ، فوجب أن يكون إماما بهذه الآية لوجود الاتّفاق على أنّه معنيّ بها ، و لم يجز العدول الى غيره و الاعتراف بإمامة سواه لوجود الاختلاف في ذلك ، و عدم الاتفاق و ما يقوم مقامه في البرهان .
و أما السنّة ، فإنّا وجدنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم استقضى عليّا عليه السلام على اليمن ،
و أمّره على الجيوش ، و ولاّه الأموال ، و أمره بأدائها إلى بني جذيمة الّذين قتلهم خالد بن الوليد ظلما ، و اختار عليّا عليه السلام لأداء رسالات اللّه عزّ و جلّ و الإبلاغ عنه سورة براءة ، و استخلفه عند غيبته على من خلّف ، و لم نجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سنّ هذه السنن في غيره ، و لا اجتمعت هذه السنن في أحد بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما اجتمعت في علي عليه السلام ، و سنّة النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم واجبة بعد موته كوجوبها في حياته ، و إنّما تحتاج الامّة لهذه الخصال الّتي ذكرناها . فإذا وجدناها في رجل قد سنّها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيه كان أولى بالإمامة ممّن لم يسنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه شيئا من ذلك .
[ 66 ]
و أمّا الاجماع ، فإنّ إمامته تثبت من وجوه ، منها أنّهم قد أجمعوا على أنّ عليّا عليه السلام قد كان إماما ، و لو يوما واحدا ، و لم يختلف في ذلك أصناف أهل الملّة .
ثم اختلفوا فقالت طائفة : كان إماما في وقت كذا دون كذا ، و قالت طائفة : كان إماما بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في جميع أوقاته ، و لم تجتمع الامّة على غيره إنّه كان إماما في الحقيقة طرفة عين ، و الاجماع أحق أن يتّبع من الخلاف .
و منها أنهم أجمعوا جمعا على أنّ عليّا عليه السلام كان يصلح للإمامة ، و أنّ الإمامة تصلح لبني هاشم ، و اختلفوا في غيره ، فقالت طائفة : لم تكن تصلح لغير علي عليه السلام ، و لا تصلح لغير بني هاشم ، و الإجماع حق لا شبهة فيه و الاختلاف لا حجة فيه .
و منها أنّهم أجمعوا على أنّ عليّا عليه السلام كان بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ظاهر العدالة واجبة له الولاية . ثم اختلفوا فقال قوم : انّه كان مع ذلك معصوما من الكبائر و الضلال ، و قال آخرون : لم يكن معصوما و لكن كان عدلا برّا تقيّا لا يشوب ظاهره الشوائب . فحصل الإجماع على عدالته ، و اختلفوا في نفي العصمة عنه ،
ثم أجمعوا كلّهم على أنّ أبا بكر لم يكن معصوما و اختلفوا في عدالته . فقالت طائفة : كان عدلا و قالت اخرى : لم يكن عدلا لأنّه أخذ ما ليس له . فمن أجمعوا على عدالته و اختلفوا في عصمته أولى بالإمامة ممّن اختلفوا في عدالته ،
و أجمعوا على نفي العصمة عنه 1 .
قول المصنّف « و من كلام له عليه السلام يجري مجرى الخطبة » قال ابن أبي الحديد : هذه فصول أربعة لا يمتزج بعضها ببعض ، و إنّما الرضيّ التقطها من كلام له عليه السلام طويل منتشر قاله بعد النهروان ، ذكر فيه حاله منذ توفي
-----------
( 1 ) ليس هذا في مجالس المفيد بل رواه المفيد في العيون و المحاسن و عنه الفصول المختارة 1 : 82 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 67 ]
النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى آخر وقته .
الفصل الأوّل : قوله عليه السلام « فقمت إلى و استبددت برهانها » يذكر فيه مقاماته في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أيّام أحداث عثمان ، و كون المهاجرين كلهم لم ينكروا و لم يواجهوه بما كان هو عليه السلام يواجهه به و ينهاه عنه .
و الفصل الثاني : قوله عليه السلام « كالجبل إلى رضينا » ذكر فيه حاله عليه السلام بعد أيّام خلافته .
و الفصل الثالث : من قوله عليه السلام « رضينا إلى فنطرت » قاله عليه السلام لما تفرّس من قوم في عسكره أنّهم يتّهمونه في ما يخبرهم به عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الملاحم و الغائبات .
و الفصل الرابع ، من قوله « فنظرت » الى آخره ، يذكر فيه حاله بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أنّه كان معهودا إليه أن لا ينازع في الأمر 1 .
قلت : قلنا في أوّل الكتاب 2 : إن ما ينسبه إلى الرضي رحمه اللّه انّه يسرد ما يلتقط من كلام واحد أو متعدد ، خلاف طريق المحاورة ، و لا يناسب مع البلاغة الّتي جعلها الرضي موضوع كتابه ، و إنّا رأينا الرضيّ رحمه اللّه يقول في ما اذا ما حذف من خطبة او كلام او كتاب « و منها » و « و منه » فإن كان له هنا في ما قاله سند فليأت به ، و ان كان قاله : حدسا ، فالظن لا يغني من الحق شيئا .
و ممّا يدل على بطلان زعمه في خصوص الفصلين الأولين ، ورود مضمونيهما متصلين في زيارته عليه السلام في المبعث « و قمت بالأمر حين فشلوا ،
و نطقت حين تعتعوا ، و مضيت بنور اللّه اذ وقفوا ، فمن اتّبعك فقد اهتدى . كنت
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 207 و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) مر في شرح فقرة « و لا أقصد التقالي » من خطبة المصنف .
[ 68 ]
اوّلهم كلاما . و أشدّهم خصاما ، و أصوبهم منطقا ، و أسدّهم رأيا ، و أشجعهم قلبا ، و أكثرهم يقينا و أحسنهم عملا ، و أعرفهم بالامور . كنت للمؤمنين أبا رحيما . إذ صاروا عليك عيالا ، فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، و حفظت ما أضاعوا ، و رعيت ما أهملوا ، و شمّرت إذ جبنوا ، و علوت إذ هلعوا ، و صبرت إذ جزعوا ، كنت على الكافرين عذابا صبّا ، و غلظة و غيظا ، و للمؤمنين غيثا و خصبا و علما ، و لم تفلل حجتك ، و لم يزغ قلبك ، و لم تضعف بصيرتك ، و لم تجبن نفسك . كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ، و لا تزيله القواصف ، كنت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قويا في بدنك متواضعا في نفسك ، عظيما عند اللّه ، كبيرا في الأرض ، جليلا في السماء ، لم يكن لأحد فيك مهمز ، و لا لقائل فيك مغمز ، و لا لخلق فيك مطمع ، و لا لأحد عندك هوادة ، يوجد الضعيف الذليل عندك قويا عزيزا حتى تأخذ له بحقه ، و القوي العزيز عندك ضعيفا ذليلا حتّى تأخذ منه الحق ، القريب و البعيد عندك في ذلك سواء ، شأنك الحق و الصدق و الرفق ،
و قولك حكم و حتم ، و أمرك حلم و عزم ، و رأيك علم و حزم . إعتدل بك الدين ،
و سهل بك العسير ، و اطفئت بك النيران ، و قوي بك الإيمان ، و ثبت بك الإسلام » 1 .
و ما أنكر ابن أبي الحديد من اتصالهما مع كون كليهما وصف حاله و شرح صفاته ، و يشهد لاتصالهما أيضا ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني في ( كافيه ) مسندا عن أسيد الصحابي قال : لمّا كان اليوم الّذي قبض فيه أمير المؤمنين عليه السلام ارتجّ الموضع بالبكاء ، و دهش الناس كيوم قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ،
و جاء رجل باكيا و هو يقول : « اليوم إنقطعت خلافة النبوّة » حتّى وقف على باب البيت الّذي فيه أمير المؤمنين عليه السلام فقال : « رحمك اللّه يا أبا الحسن ، كنت
-----------
( 1 ) رواه المجلسي في بحار الانوار 100 : 376 ، و بتفاوت هو في المصدر 100 : 322 عن طرق .
[ 69 ]
أوّل القوم إسلاما ، و أخلصهم إيمانا ، و أشدّهم يقينا ، و أخوفهم للّه ، و أعظمهم عناء ، و أحوطهم على رسول اللّه ، و آمنهم على أصحابه ، أفضلهم مناقب ،
و أكرمهم سوابق ، و أرفعهم درجة ، و أقربهم من رسول اللّه ، و أشبههم به هديا و خلقا و سمتا و فعلا ، و أشرفهم منزلة ، و أكرمهم عليه . فجزاك اللّه عن الإسلام و عن رسوله و عن المسلمين خيرا . قويت حين ضعف أصحابه ، و برزت حين استكانوا ، و نهضت حين و هنوا ، و لزمت منهاج رسول اللّه إذ همّ أصحابه ، كنت خليفته حقّا لم تنازع و لم تضرع ، برغم المنافقين ، و غيظ الكافرين ، و كره الحاسدين ، و ضغن الفاسقين . فقمت بالأمر حين فشلوا ، و نطقت حين تعتعوا ،
و مضيت بنور اللّه إذ وقفوا ، فاتّبعوك فهدوا ، و كنت أخفضهم صوتا ، و أعلاهم قنوتا ، و أقلّهم كلاما ، و أصوبهم نطقا ، و أكبرهم رأيا ، و أشجعهم قلبا ، و أشدهم يقينا ، و أحسنهم عملا ، و أعرفهم بالامور ، كنت و اللّه يعسوبا للدّين أوّلا و آخرا .
الأول حين تفرّق الناس ، و الآخر حين فشلوا . كنت للمؤمنين أبا رحيما إذ صاروا عليك عيالا . فحملت أثقال ما عنه ضعفوا ، و حفظت ما أضاعوا ، و رعيت ما أهملوا ، و شمّرت إذ اجتمعوا ، و علوت إذ هلعوا ، و صبرت إذ أسرعوا ،
و أدركت أوتار ما طلبوا ، و نالوا بك ما لم يحتسبوا إلى أن قال و بكى ، و بكى أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثمّ طلبوه فلم يصادفوه 1 .
و من أين أنّ ما جعله الفصل الثالث و الرابع لم يكن ربطهما بقرائن حالية عرفها الشاهدون كأن يكون قوله عليه السلام « رضينا » إلى آخر كلامه جوابا لتعبير المنافقين له بقوده كالجمل المخشوش لبيعة أبي بكر ، و أنّ ما يدّعيه من أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له : « إنّ الامّة ستغدر بك » 2 افتراء منه عليه السلام عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم
-----------
( 1 ) رواه الكليني في الكافي 1 : 454 ح 4 .
-----------
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 140 و 142 ، و الثقفي في تاريخه ، و عنه تلخيص الشافي 3 : 50 و 51 ، و غيرهما .
[ 70 ]
و أنّه عليه السلام كان مأمورا من قبله صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصبر على ما يرى بعده منهم ، مع أنّه لو تجمد على ربط حاقّ اللفظ كان عليه أن يجعل كلامه عليه السلام فصولا خمسة لأنّ قوله عليه السلام « أ تراني أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم » إلخ أربط له بقوله عليه السلام « رضينا عن اللّه قضاءه . . . » و قد جعلهما كلاما واحدا ، ثمّ على فرض كون كلامه فصولا من أين أنّ المراد بها ما قاله ؟ فهو رجم بالغيب و ستعرف المراد بها مع الشواهد ، مع أنّ قوله : « أنّ الفصل الأوّل يذكر عليه السلام فيه مقاماته في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أيّام أحداث عثمان ، و كون المهاجرين كلّهم لم ينكروا و لم يواجهوا عثمان بما كان عليه السلام يواجهه به و ينهاه عنه » 1 غلط فإنّ عثمان لم يكن له رفعة حتّى يفتخر عليه السلام بذلك ، و المهاجرون كلّهم أنكروا عليه ،
مؤمنوهم و منافقوهم ، حتّى عمرو بن العاص ، و كيف و من رؤوس المهاجرين عندهم طلحة و الزبير و عائشة ، و هم الذين سبّبوا قتله ؟ و أمر عثمان كان أمرا أنكره كلّ برّ و فاجر ، و اشترك في قتله المهاجرون و الأنصار و التابعون ،
و انكار جمع سيّرهم إلى الشام لانكارهم مذكور في السير ، و انكارات أبي ذر حتّى سيّره أوّلا إلى الشام ، ثمّ إلى الربذة ، معروفة ، و إنكارات عمّار حتّى داسوا بطنه لذلك ، و حدث به فتق و خيف هلاكه ، معلومة ، و لم نعلم في المهاجرين من لم ينكر على عثمان ، اللّهمّ إلاّ أن يريد بما قال أبا سفيان بن حرب ، و معاوية بن أبي سفيان ، و الوليد بن عقبة ، و مروان بن الحكم ، و عبد اللّه بن أبي سرح أخا عثمان من الرضاعة ، و باقي بني أميّة و ذويه ممّن قاموا معه « يخضمون مال اللّه خضمة الإبل نبتة الربيع » 2 ، نعم تصدّى عليه السلام أيّام عثمان لبعض الامور ممّا لم يجترئ عليه غيره . كمشايعته أباذر لمّا أخرجه عثمان
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 207 .
-----------
( 2 ) هذا جزء من الخطبة الشقشقية رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 1 : 35 ، الخطبة 3 .
[ 71 ]
إلى الربذة ظلما ، و إقامته عليه السلام الحدّ على أخي عثمان لامّه الوليد بن عقبة لمّا سكر و صلّى الصبح بالناس أربعا و غنّى في صلاته .
« فقمت بالأمر حين فشلوا » بالكسر : أي جبنوا . روى الطبري : أنّ يوم احد لمّا قتل علي عليه السلام أصحاب الألوية ، أبصر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جماعة من مشركي قريش . فقال لعلي عليه السلام : إحمل عليهم ، فحمل عليهم ففرّق جماعتهم كرارا و قتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي . فقال جبرئيل عليه السلام يا رسول اللّه : انّ هذه للمواساة . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّه منّي و أنا منه ، فقال جبرئيل : و أنا منكما ،
فسمعوا صوتا : لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي 1 .
و روى أيضا أن أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك ، انتهى إلى عمر بن الخطاب ، و طلحة بن عبيد اللّه في رجال من المهاجرين و الأنصار ، و قد ألقوا بأيديهم . فقال : ما يجلسكم قالوا : قتل محمّد رسول اللّه . قال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، ثم استقبل القوم فقاتل إلى أن قال .
و فشا في الناس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد قتل ، فقال بعض أصحاب الصخرة :
ليت لنا رسولا إلى عبد اللّه بن ابيّ . فيأخذ لنا أمنة من أبي سفيان . يا قوم انّ محمّدا قد قتل ، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم .
قال أنس بن النضر : يا قوم إن كان محمّد قد قتل فإنّ ربّ محمّد لم يقتل ،
فقاتلوا على ما قاتل عليه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم . اللّهم إنّي أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء ،
و أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء ثمّ شدّ بسيفه فقاتل حتّى قتل إلى أن قال فقال اللّه عزّ و جلّ للّذين قالوا : انّ محمّدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 197 سنة 3 .
[ 72 ]
ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا 1 .
و هو و إن أجمل في الذيل ، إلاّ أنّ إفصاح الصدر يكفي لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد .
« و تطلّعت حين تقبّعوا » يقال : قبع القنفذ إذا أدخل رأسه في جلده .
قال القمّي : كانت راية قريش يوم احد مع طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار ، فبرز و نادى : يا محمّد تزعمون أنّكم تجهّزونا بأسيافكم إلى النار ،
و نجهّزكم بأسيافنا إلى الجنّة ، فمن شاء أن يلحق بجنّته فليبرز إليّ . فبرز إليه أمير المؤمنين عليه السلام ، فقال له طلحة : من أنت يا غلام ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب ،
قال : قد علمت يا قضيم أنّه لا يجسر علي غيرك إلى أن قال :
سئل أبو عبد اللّه عليه السلام عن معنى قول طلحة له عليه السلام : يا قضيم فقال : إن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا كان بمكّة ، و لم يجسروا عليه لمكان أبي طالب يغرون به صبيانهم . فكانت صبيانهم إذا خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يرمونه بالحجارة و التراب .
فشكا ذلك إلى علي عليه السلام . فقال له : بأبي أنت و امّي إذا خرجت فأخرجنى معك .
فخرج معه ، و تعرّض الصبيان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كعادتهم ، فحمل عليهم علي عليه السلام و كان يقضمهم في وجوههم ، و آنافهم ، و آذانهم ، فكان الصبيان يرجعون باكين إلى آبائهم ، و يقولون : قضمنا علي ، قضمنا علي ، فسمّى لذلك القضيم 2 .
و في ( الطبري ) : فرّ يوم احد عثمان بن عفان ، و رجلان من الأنصار ، حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة فأقاموا به ثلاثا الخبر 3 .
و لما كان يوم الأحزاب ، و برز عمرو بن عبد ود و طلب المبارز مرّة بعد
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 199 سنة 3 ، و الآية 144 من آل عمران .
-----------
( 2 ) تفسير القمى 1 : 112 و 114 و النقل بتقطيع و تصرّف .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 203 سنة 3 .
[ 73 ]
مرّة حتى بحّ صوته ، فتقبعوا و أدخلوا رؤسهم في أعناقهم كالقنفذ ، تطلّع عليه السلام إليه و بادر الى حربه حتى قتله .
و ممّا يدلّ على فشل صحابتهم الذين يبخبخون بهم ، و على تقبّعهم ما رواه الطبري في الأحزاب عن محمّد بن كعب قال : قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة : يا أبا عبد اللّه رأيتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صحبتموه ؟ قال : نعم يا ابن أخي ،
قال : فكيف كنتم تصنعون . قال : و اللّه لقد رأيتنا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالخندق ،
و صلّى هويّا من اللّيل ثم التفت إلينا قال : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم يشرط له رسول اللّه أنّه يرجع ادخله اللّه الجنّة . قال : فما قام منّا رجل . قال : ثم صلّى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم هويا من اللّيل ثم التفت إلينا . فقال : من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم . ثم يرجع و يشرط له رسول اللّه الرجعة ، و أسأل اللّه أن يكون رفيقي في الجنة . قال : فما قام رجل من القوم من شدّة الخوف و شدّة الجوع و شدّة البرد ، فلمّا لم يقم أحد دعاني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني الخبر 1 .
و ما رواه الطبري في الحديبيّة عن المسوّر قال : لمّا فرغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من قضيته قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا . قال : فو اللّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات . فلمّا لم يقم أحد قام فدخل على ام سلمة فذكر لها ما لقي من الناس 2 .
و روي عن ابن عباس قال : حلق يوم الحديبية ، و قصّر آخرون . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يرحم اللّه المحلّقين قالوا : و المقصّرين يا رسول اللّه . قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
يرحم اللّه المحلّقين ، قالوا : و المقصرين يا رسول اللّه . قال : يرحم اللّه المحلقين
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 1 : 244 سنة 5 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 283 ، سنة 6 .
[ 74 ]
قالوا يا رسول اللّه و المقصرين . قال : يرحم اللّه المحلقين و المقصّرين قالوا : يا رسول اللّه فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصرين قال : لأنّهم لم يشكّوا 1 .
قلت : و قصّة شك عمر ذلك اليوم و إنكاره على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم معروفة قال الطبري قال الزهري : ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عمرو بن لؤي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قالوا له : إيت محمّدا فصالحه ، و لا يكن في صلحه إلاّ أن يرجع عنّا عامه هذا . فو اللّه لا تحدّث العرب أنّه دخل علينا عنوة أبدا . قال : فأقبل سهيل إلى أن قال فلمّا انتهى سهيل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم تكلّم . فأطال الكلام و تراجعا . ثم جرى بينهما الصلح . فلمّا التام الأمر ، و لم يبق إلاّ الكتاب ، وثب عمر . فأتى أبا بكر فقال : يا أبا بكر أليس برسول اللّه ؟ قال : بلى . قال : أو لسنا بالمسلمين . قال : بلى . قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى . قال : فعلام نعطي الدنيّة في ديننا . إلى أن قال ثم أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : يا رسول اللّه ألست برسول اللّه . قال : بلى . قال : أولسنا بالمسلمين . قال : بلى . قال : أو ليسوا بالمشركين . قال : بلى . قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ فقال : أنا عبد اللّه و رسوله لن اخلف أمره و لن يضيعني 2 .
و زاد في خبر آخر : فقام عمر مغضبا و قال : و اللّه لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنيّة أبدا إلى أن قال :
فلما كان يوم الفتح و أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مفتاح الكعبة قال : ادعوا لي عمر فجاء فقال هذا الذي كنت و عدتكم به 3 .
« و نطقت حين تمنّعوا » هكذا في ( المصرية ) و الصواب « تعتعوا » كما في
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 283 ، سنة 6 .
-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 280 سنة 6 .
-----------
( 3 ) لم يوجد في تاريخ الطبري نعم روى هذا المعنى الواقدي في المغازي 1 : 607 و 609 .
[ 75 ]
( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 1 و التعتعة التردد في الكلام من حصر أوعيّ ،
و قال الشاعر :
اخاطب جهرا اذ لهن تخافت
و شتّان بين الجهر و المنطق الخفت
و في الآثار أنّ رجلين اختصما إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بقرة قتلت حمارا ،
فقال أحدهما يا رسول اللّه بقرة هذا الرجل قتلت حماري . فقال : اذهبا إلى أبي بكر فاسألاه عن ذلك فجاءا إليه ، و قصا عليه قصّتهما . قال : كيف تركتما النبي و جئتماني ؟ قالا : هو أمرنا بذلك . فقال لهما : بهيمة قتلت بهيمة لا شيء على ربّها . فعادا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فاخبراه .
فقال لهما : إمضيا إلى عمر فمضيا ، فقال لهما : كيف تركتما النبي و جئتماني ؟ فقالا : إنّه أمرنا ، قال : كيف لم يأمركما بالمصير إلى أبي بكر ؟ قالا :
قد أمرنا و صرنا إليه ، قال : فما الّذي قال ؟ قالا : كيت و كيت قال : ما أرى إلاّ رأي أبي بكر فعادا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
فقال لهما : إذهبا إلى علي بن أبي طالب . فمضيا إليه . فقال عليه السلام : إن كانت البقرة دخلت على الحمار في مأمنه . فعلى ربها قيمة الحمار لصاحبه ، و إن كان الحمار دخل على البقرة في مأمنها فقتلته فلا غرم على صاحبها . فعادا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فأخبراه بقضيّته . فقال عليه السلام : لقد قضى علي بن أبي طالب بينكما بقضاء اللّه تعالى ، ثم قال : الحمد للّه الّذي جعل فينا أهل البيت من يقضي على سنن داود في القضاء 2 .
« و مضيت بنور اللّه حين وقفوا » لما كان حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بعزيمة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على فتح مكّة ، و اعطى الكتاب امرأة سوداء
-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 207 و بعض نسخ شرح ابن ميثم 2 : 92 .
-----------
( 2 ) رواه المفيد في الارشاد : 106 و السروي في المناقب 2 : 354 و النقل بتصرف يسير .
[ 76 ]
كانت وردت المدينة لتستميح الناس ، و جعل لها جعلا ان توصله إلى قوم سمّاهم لها من أهل مكّة ، و أمرها أن تأخذ على غير الطريق ، فنزل الوحي بذلك .
فاستدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام و قال له : إنّ بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكّة يخبرهم بخبرنا ، و قد كنت سألت اللّه تعالى أن يعمّي أخبارنا عليهم ، و الكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق ، فخذ سيفك و الحقها ، و انزع الكتاب منها و خلّها . ثم استدعى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الزبير ، و قال : له إمض مع علي في هذا الوجه ، فمضيا ، و أخذا على غير الطريق ، فأدركا المرأة ،
فسبق إليها الزبير ، فسألها عن الكتاب الّذي معها . فأنكرته ، و حلفت أنّه لا شيء معها ، و بكت . فقال الزبير : ما أرى يا أبا الحسن معها كتابا . فارجع بنا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لنخبره ببراءة ساحتها . فقال عليه السلام : يخبرني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّ معها كتابا ، و يأمرني بأخذه منها ، و تقول أنت : لا كتاب معها ، ثم اخترط سيفه ،
و تقدم إليها فقال : أما و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك . ثم لأضربن عنقك .
فقالت : إذا كان لا بدّ من ذلك . فأعرض بوجهك عنّي . فأعرض عليه السلام فكشفت قناعها ، و أخرجت الكتاب من عقيصتها ، فأخذه و صار به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم 1 .
« و كنت أخفضهم صوتا » خفض الصوت من ممدوح الصفات ، و ضدّه من مذمومها . قال تعالى حاكيا عن لقمان لابنه : و اغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير 2 » .
« و أعلاهم فوتا » أي : من أن يفوت منه شيء و يسبق عليه ، و في النهاية « فاتنى فلان بكذا » اي سبقني به 3 .
-----------
( 1 ) رواه المفيد في الارشاد : 33 و الواقدي في المغازي 2 : 797 ، و ابن هشام في السيرة 4 : 29 .
-----------
( 2 ) لقمان : 19 .
-----------
( 3 ) النهاية 3 : 477 مادة فوت .
[ 77 ]
و في ( تفسير القمي ) : كانت هند بنت عتبة قد أعطت في غزوة احد ،
و حشيا عهدا لئن قتلت محمّدا أو عليّا أو حمزة لأعطينّك رضاك و كان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا فقال لها : أمّا محمّد فلا أقدر عليه ، و أمّا علي فرأيته رجلا حذرا كثير الالتفات ، فلم أطمع فيه ، و لكن أكمن لحمزة إلخ 1 .
« فطرت » الكلمة مركبة من فاء التعقيب ، و المتكلم وحده من طار .
« بعنانها » أي : طرت بعنان فرس السبق . فقالوا في المضمار يستحق من سبق و لو بعنق فرسه من السبقة و ما وقع عليه لراهنه ، و يمكن أن تكون السبقة مشتركة بين المجلي و المصلي و التالي و البارع و المرتاع و الخطي و العاطف و الموئل و اللطيم و السكيت دون الفسكل و هو الأخير لأنه يصدّق في كل من سواه التقدم على الآخر في الجملة ، و لكن من كان سبقه كمن طار بعنان فرسه لا بد أن يستقل بالرهان ، و لا يكون له فيه شريك من باقي الفرسان 2 .
« كالجبل لا تحرّكه القواصف » أي : الرياح الكاسرة للأشجار .
« و لا تزيله العواصف » أي : الرياح الشديدة الناقلة للأشياء من محلّ إلى محلّ آخر .
و لما بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لقبض ما صالح عليه أهل نجران ، ففعل و رجع ،
و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم توجّه و ساق البدن ، و أشركه عليه السلام في هديه تقدم عليه السلام على الجيش للقاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . ثم عاد إليهم ، و وجدهم قد لبسوا الحلل الّتي كانت معهم فأنكر ذلك عليهم ، و انتزعها منهم ، و شدّها في الأعدال فاضطغنوا
-----------
( 1 ) تفسير القمي 1 : 116 و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) اسقط الشارح هنا شرح فقرة « و استبددت برهانها » .
[ 78 ]
ذلك عليه ، فلمّا دخلوا مكّة على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أكثروا الشكاية منه عليه السلام . فأمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مناديا ينادي في الناس « إرفعوا ألسنتكم عن علي بن أبي طالب فإنّه خشن في ذات اللّه عزّ و جلّ غير مداهن في دينه » فكفّوا 1 .
« لم يكن لأحد فيّ مهمز » أي : محل عيب . قيل للصادق عليه السلام : إنّ قوما هاهنا ينتقصون عليّا عليه السلام . قال : بم ينتقصونه لا أبا لهم ، و هل فيه موضع نقيصة .
و اللّه ما عرض لعليّ عليه السلام أمران قط كلاهما للّه طاعة إلاّ عمل بأشدّهما و أشقّهما ، و لقد كان يعمل العمل كأنّه قائم بين الجنّة و النّار ، ينظر الى ثواب هؤلاء فيعمل له ، و ينظر الى عقاب هؤلاء فيعمل له ، و ان كان ليقوم الى الصلاة ،
فإذا قال « وجّهت وجهي » تغيّر لونه حتّى يعرف ذلك في وجهه ، و لقد أعتق ألف عبد من كدّ يده كلهم يعرق فيه جبينه و تحفى فيه كفّه ، و لقد بشّر بعين انبعثت في ماله مثل عنق الجزور . فقال : « بشّر الوارث . بشّر الوارث » ثم جعلها صدقة على الفقراء و المساكين و ابن السبيل الخبر 2 .
« و لا لقائل فيّ مغمز » أي : موضع طعن .
و إنّما أراد عمر الغمز فيه عليه السلام كباقي ستة الشورى فلم يجد شيئا ،
فاضطر إلى أن يستهجن فضائله عليه السلام فأخرج حسن خلقه عليه السلام في لباس سوء ،
فسمّاه دعابة و تبعه عمرو بن العاص ، و أراد معاوية همزة عليه السلام . ففضح نفسه و المؤسّسين له فكتب إليه عليه السلام : « انك كنت تقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى بايعت أبا بكر » 3 فأجابه عليه السلام : « لقد أردت أن تذمّ فمدحت ، و أن تفضح فافتضحت ، و ما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما ما لم يكن
-----------
( 1 ) رواه المفيد في الارشاد : 91 و 92 و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 373 ، شرح الخطبة 57 .
-----------
( 3 ) هذا المعنى جاء في رواية ابن مزاحم في وقعة صفين : 87 ، و الشريف الرضي في نهج البلاغة 3 : 33 ، الكتاب 28 ،
و ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 457 ، شرح الكتاب 28 ، و أقرب الألفاظ لابن مزاحم .
[ 79 ]
شاكّا في دينه و لا مرتابا بيقينه » 1 .
« الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له » روى ابن عبد ربه في ( عقده ) .
و البغدادي في ( بلاغاته ) في وفود سودة بنت عمارة الهمدانية على معاوية قالت له : لا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك ، و يبطش بسلطانك ،
فيحصدنا حصد السنبل ، و يدوسنا دوس البقر ، و يسومنا الخسيسة ، و يسلبنا الجليلة ، و هذا بسر بن أرطاة قدم علينا من قبلك . فقتل رجالي ، و أخذ مالي يقول لي : فوهي بما أستعصم اللّه منه و ألجأ إليه فيه و لو لا الطاعة لكان فينا عز و منعة ، فإمّا عزلته عنّا فشكر ناك ، و إمّا لا فعر فناك . فقال لها معاوية : أتهدّديني بقومك ، لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس فأردّك إليه ينفّذ فيك حكمه . قال :
فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول :
صلّى الإله على جسم تضمنه
قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلا
فصار بالحق و الايمان مقرونا
فقال لها : و من ذاك ؟ قالت : علي بن أبي طالب . قال : و ما صنع بك حتّى صار عندك كذلك ؟ قالت : قدمت عليه في رجل ولاّه صدقاتنا قدم علينا من قبله فكان بيني و بينه ما بين الغث و السمين ، فأتيت عليا لأشكو إليه ما صنع .
فوجدته قائما يصلّي . فلما نظر إليّ انفتل من صلاته . ثم قال لي برأفة و تعطف :
ألك حاجة ؟ فأخبرته الخبر . فبكى ثم قال : « اللهم إنّك أنت الشاهد علي و عليهم .
أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ، و لا بترك حقك » .
ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب فكتب فيها « بسم اللّه الرحمن الرحيم قد جاءتكم بيّنة من ربكم ف أوفوا الكيل و الميزان بالقسط ،
و لا تبخسوا الناس أشياءهم ، و لا تعثوا في الأرض مفسدين . بقية اللّه خير لكم
-----------
( 1 ) رواه الشريف الرضي في نهج البلاغة 3 : 33 ، الكتاب 28 .
[ 80 ]
إن كنتم مؤمنين و ما أنا عليكم بحفيظ 1 إذا قرأت كتابي فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك و السلام » . قالت : فاخذته منه و اللّه ما ختمه بطين ، و لا خزمه بخزام فقرأته . فقال لها معاوية : لقد لمظكم ابن أبي طالب الجرأة على السلطان فبطيئا ما تفطمون الخبر 2 .
و المراد بقول سودة « فوهي بما أستعصم اللّه منه » : أي سبّي عليّا ،
و أستعيذ باللّه من ذلك .
« و القوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه » في ( المناقب ) : أخذ ( علي ) عليه السلام رجلا من بني أسد في حدّ . فاجتمع قومه ليكلّموه فيه ، و طلبوا إلى الحسن عليه السلام أن يصحبهم . فقال : إيتوه فهو أعلى بكم عينا . فدخلوا عليه و سألوه ، فقال : لا تسألوني شيئا أملك إلاّ أعطيتكم . قال : فخرجوا يرون انّهم قد أنجحوا ، فسألهم الحسن عليه السلام فقالوا : أتينا خير مأتيّ ، و حكوا له قوله . فقال : « ما كنتم فاعلين إذا جلد صاحبكم فاصنعوه » قال : فأخرجه علي عليه السلام فحدّه ثم قال : « هذا و اللّه لست أملكه » 3 .
هذا و رووا و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر عن أسلم أبي زيد بن أسلم قال : خلا عمر لبعض شأنه و قال : أمسك علي الباب . فطلع الزبير .
فكرهته حين رأيته فأراد أن يدخل . فقلت : هو على حاجة قال : فلم يلتفت إلىّ ،
و أهوى ليدخل فوضعت يدي في صدره . فضرب أنفي . فأدماه . ثم رجع فدخلت على عمر فقال : ما بك ؟ قلت : الزبير . فأرسل الى الزبير ، فلما دخل جئت فقمت لأنظر ما يقول له . فقال : ما حملك على ما صنعت ادميتني للناس ، فقال
-----------
( 1 ) هود : 85 86 .
-----------
( 2 ) رواه ابن عبد ربه في العقد الفريد 1 : 291 ، و البغدادي في بلاغات النساء : 48 و اللفظ للبغدادي .
-----------
( 3 ) رواه السروي في المناقب 2 : 147 .
[ 81 ]
الزبير : يحكيه و يمطّط في كلامه أدميتني . اتحتجب عنّا يا ابن الخطاب ؟
فو اللّه ما احتجب عني رسول اللّه و لا أبو بكر . فقال عمر كالمعتذر : إنّي كنت في بعض شأني . قال اسلم فلمّا سمعته يعتذر إليه يئست من أن يأخذ لي بحقي فخرج الزبير . فقال عمر : انّه الزبير و آثاره ما تعلم .
و في ( عيون ابن قتيبة ) : تنازع إثنان ، أحدهما سلطاني و الآخر سوقي ،
فضربه السلطاني فصاح و اعمراه ، و رفع خبره إلى المأمون ، فأمر بإدخاله عليه . قال : من أين أنت ؟ قال : من أهل فامية ، فقال : إنّ عمر كان يقول : من كان جاره نبطيا و احتاج إلى ثمنه فليبعه فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه 1 .
« رضينا عن اللّه قضاءه و سلمنا للّه أمره » يمكن ربط هذا بما قبله . انّه لمّا بيّن عليه السلام مقاماته ، و رفعه على الباقين كرفع السماوات على الأرضين كان عليه السلام بمقتضى بداهة العقول مستحقا لمقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أي : لسلطانه ، و إلاّ فمقام إمامته كان أمرا من عند اللّه تعالى و قد كان المتقدمون عليه حازوا سلطانه فسلّى نفسه بما قال « رضينا . . . » .
« أ تراني أكذب على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم » هكذا في ( المصرية ) ،
و الصواب : « صلّى اللّه عليه و آله و سلم » كما في ( ابن أبي الحديد ) و غيره 2 .
« و اللّه لأنا أوّل من صدّقه فلا أكون أوّل من كذب عليه » قد عرفت أنّ ابن أبي الحديد قال : انه كلام قاله عليه السلام لمّا تفرّس من جمع انّهم يتّهمونه في ما يخبرهم به عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الملاحم و الغائبات 3 .
قلت : إذا كان عليه السلام يخبرهم عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالملاحم لم يكن لهم دواع
-----------
( 1 ) عيون الاخبار 1 : 330 .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 207 و في شرح ابن ميثم 2 : 93 « عليه و آله » .
-----------
( 3 ) مر في صدر هذا العنوان .
[ 82 ]
إلى تكذيبه ، و انّما كان عليه السلام يخبرهم بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عيّنه خليفته و وصيّه و قائما مقامه ، و قد رووا أنفسهم ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الدار ، يوم جمع بني عبد المطلب و قال : أيّكم يوازرني على أن يكون خليفتي ، و يوم تبوك لما قال المنافقون : خلّفه على المدينة استثقالا له ، و يوم غدير خم و قد رووه متواترا 1 ، و مواقع اخر ، فكان المنافقون إذا كان عليه السلام يخبرهم بذلك و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يشير اليه عليه السلام من يوم بعثته إلى ساعة رحلته تصريحا و تلويحا و قولا و عملا ينسبونه إلى الكذب على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
و في خبر رواه ( الاحتجاج ) عن عبادة بن الصامت ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لأبي بكر و عمر : و كأنّي بكما قد سلبتماه ملكه و تحاربتما عليه ، و أعانكما على ذلك أعداء اللّه و أعداء رسوله ، و كأنّي بكما قد تركتما المهاجرين و الأنصار يضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف على الدنيا ، و لكانّي بأهل بيتي ، و هم المقهورون المشتّتون في أقطارها ، و ذلك لأمر قد قضي ثم بكى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى سالت دموعه ثم قال : يا علي الصبر الصبر حتّى ينزل الأمر 2 .
و في خبر سليم بن قيس أن الأشعث قال لأمير المؤمنين عليه السلام : ما منعك حين بويع أخوتيم ، و أخو عدي ، و أخو اميّة ، أن تقاتل و تضرب بسيفك ، و أنت لم تخطبنا خطبة منذ قدمت العراق إلاّ قلت فيها قبل أن تنزل عن المنبر « و اللّه إنّي لأولى الناس بالناس ، و ما زلت مظلوما منذ قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم » فقال عليه السلام :
منعني من ذلك أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و عهده إليّ ، أخبرني بما الامّة صانعة بعده ،
فلم أك بما صنعوا حين عاينته بأعلم به قبل ذلك .
-----------
( 1 ) حديث يوم الدار و المنزلة و الغدير مر تخريج كل منها كرارا في مواضعه .
-----------
( 2 ) رواه الطبرسي في الاحتجاج 1 : 196 ، في ضمن حديث .
[ 83 ]
قال عليه السلام : فقلت للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فما تعهد إلىّ إذا كان ذلك ؟ قال : إن وجدت أعوانا فانبذ إليهم و جاهدهم ، و ان لم تجد أعوانا . فكفّ يدك و احقن دمك 1 .
و روى المدائني منهم ، عن عبد اللّه بن جنادة قال : قدمت من الحجاز أريد العراق في أوّل أمارة علي عليه السلام . فمررت بمكّة فاعتمرت . ثم قدمت المدينة فدخلت مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذ نودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ،
و خرج علي عليه السلام متقلدا سيفه . فشخصت الأبصار نحوه . فحمد اللّه تعالى و صلّى على رسوله . ثم قال : « أمّا بعد ، فانّه لمّا قبض اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا نحن أهله و ورثته ، و عترته و أولياؤه دون الناس ، لا ينازعنا سلطانه أحد ، و لا يطمع في حقّنا طامع إذ انبرى لنا قومنا فغصبونا سلطان نبيّنا . فصارت الإمرة لغيرنا . و صرنا سوقة يطمع فينا الضعيف و يتعزز علينا الذليل . فبكت الأعين منا لذلك ، و خشنت الصدور و جزعت النفوس الخبر 2 .
« فنظرت في أمري فإذا طاعتي قد سبقت بيعتي ، و اذا الميثاق في عنقي لغيري » قال ابن أبي الحديد : أي وجوب طاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و امتثالي أمره سابق على بيعتي للقوم . فلا سبيل لي إلى الامتناع من البيعة لأنّه أمرني بها 3 .
قلت : ما ذكره بلا محصّل و انّما معناه أنّ وجوب طاعته على جميع الناس كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى قوله تعالى إنّما وليكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون 4 المتفق على
-----------
( 1 ) رواه سليم بن قيس في كتابه : 126 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 101 ، شرح الخطبة 22 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 211 .
-----------
( 4 ) المائدة 55 .
[ 84 ]
نزوله فيه عليه السلام 1 ، و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المتواتر « أ لست أولى بكم من أنفسكم ؟ فقالوا : بلى . فقال : فمن كنت مولاه فعلي مولاه » حتّى أنّه قال ابن الخطاب في ما رواه أئمّتهم : « بخ بخ لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة » 2 سبق علي بيعته الاجبارية بالمقطوع للقوم ،
و كيف لا و قد هددوه بضرب عنقه يوم أبي بكر و يوم عثمان و عمر لم يكن ذا بيعة بعد نصب أبي بكر له ، إلاّ أنّ أخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الميثاق منه بعدم التكلّم كان يمنعه عن قيامه ، لا تلك البيعة .
و روى الطبري أنّه عليه السلام قال يوم الشورى : « فنحن بيت النبوّة ، و معدن الحكمة ، و أمان أهل الأرض ، و نجاة لمن طلب . لنا حقّ إن نعطه نأخذه ، و إن نمنعه نركب أعجاز الابل و لو طال السرى . لو عهد إلينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عهدا لأنفذنا عهده ، و لو قال لنا قولا لجادلنا عليه حتّى نموت . لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق » الخبر 3 .
و في خبر المدائني المتقدم « و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ،
و أن يعود الكفر و يبور الدين ، لكنّا على غير ما كنّا لهم » الخبر 4 .
ثم انّ ابن أبي الحديد قال في هذا العنوان : فإن قيل : فهذا تصريح بمذهب الإماميّة قيل : ليس الأمر كذلك بل هذا تصريح بمذهب أصحابنا من البغداديين لأنّهم يزعمون أنّه الأفضل ، و الأحق بالإمامة ، و أنّه لو لا ما يعلمه اللّه و رسوله
-----------
( 1 ) رواه جمع كثير من أهل الاثر و جمع بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 2 : 293 و 294 و المجلسي في بحار الانوار 35 : 183 ، باب 4 .
-----------
( 2 ) حديث الغدير المتواتر أخرجه جمع كثير منه ما أخرجه من طرق كثيرة ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 2 : 5 90 ، ح 503 593 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 3 : 300 سنة 24 .
-----------
( 4 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 101 ، شرح الخطبة 22 .
[ 85 ]
من الأصلح للمكلّفين من تقديم المفضول عليه لكان من تقدم عليه هالكا .
فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبره أنّ الإمامة حقه ، و انّه أولى بها من الناس أجمعين .
و أعلمه أنّه في تقديم غيره و صبره على التأخر عنها مصلحة للدين راجعة إلى المكلّفين ، و أنّه يجب عليه أن يمسك عن طلبها ، و يغضي عنها لمن هو دون مرتبته ، فامتثل ما أمره به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و لم يخرجه تقدم من تقدم عليه من كونه الأفضل و الأولى و الأحق ، و قد صرّح شيخنا أبو القاسم البلخي بهذا ، و صرّح به تلامذته ، و قالوا : لو نازع عقيب وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و سلّ سيفه لحكمنا بهلاك كل من خالفه و تقدم عليه كما حكمنا بهلاك من نازعه حين أظهر نفسه ، و لكنه مالك الأمر ، و صاحب الخلافة ، إذا طلبها وجب علينا القول بتفسيق من ينازعه فيها ، و إذا أمسك عنها وجب علينا القول بعدالة من أغضى له عليها ، و حكمه في ذلك حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنّه قد ثبت عنه في الأخبار الصحيحة أنّه قال : « علي مع الحق ، و الحق مع علي يدور حيثما دار » و قال له غير مرة : « حربك حربي و سلمك سلمي » و هذا المذهب هو أعدل المذاهب عندي و به أقول 1 .
قلت : إنّي لأستحي للرجل و لأصحابه البغدايين من أهل العالم . فهل نزاعه عليه السلام مع الثلاثة أمر يلتبس بعد تواتر الأخبار به و ملء السير منه ؟ و ما ذكره من عدم سلّه عليه السلام سيفه تخليط . فإنّما سلّ السيف لمن كان له سيف ،
و النفر الواحد أنّي يكون له سيف في قبال جميع الناس ، فهو نظير أن يقال : إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يكن في مدة مقامه بمكّة نبيّا لأنّه ما سلّ سيفا و انّما كان نبيّا حين هاجر و سلّ سيفه .
و ما نقله عن البلخي و أتباعه من قولهم بتفسيق من نازعهم كأهل
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 211 .
[ 86 ]
الجمل و صفين ، و تعديل من أغضى عنهم كالثلاثة ، نظير أن يقول أحد إنّ المالك إذا لم يخف من الغاصب و ادعى حقه . فالغاصب فاسق ، و ان خاف منه و سكت ، فالغاصب عادل ، و تهديدهم له بالقتل يوم السقيفة و يوم الشوى ، ممّا اتّفق عليه التاريخ .
و ما ذكره من أنّ تقدّم الثلاثة عليه عليه السلام كان مصلحة للدين راجعة إلى المكلّفين ، أعجب من كل عجيب . هل مصلحة الدين في تبديل الشريعة ،
و التسبب لإيجاد الفرق الضالّة و المذاهب الباطلة ، و شيوع البدع ، و اذلال المؤمنين ، و إعزاز المنافقين و استئصال عترة سيّد المرسلين ، و إنّما كان في إملاء اللّه تعالى لهم حكمة ، و هي امتحان الامّة أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين 1 .
كما أنّ في قعوده عليه السلام و سكوته مصالح ، و منها ما مر في خبر المدائني في قوله عليه السلام : « و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة بين المسلمين ، و أن يعود الكفر ،
و يبور الدين ، لكنّا لهم على غير ما كنّا لهم » 2 .
و سأل الباقلاّني المفيد عن علّة سكوته فقال له : أولا : إنّ الامام المعصوم من الخطأ و الزلل لا اعتراض عليه في قيامه و قعوده ، و ثانيا : نعلم في الجملة أنّ قعوده لمصلحة ابين بعض وجوهها ، و هو أنّه عليه السلام علم أنّ في المخالفين من يرجع عن الباطل إلى الحق بعد مدة فكان ترك قتله مصلحة ،
و يمكن أن يكون اللّه علم أنّ في ظهورهم مؤمنين لا يجوز اجتياحهم فكان في ترك قتلهم مصلحة ، و يمكن أن يكون أنّه شفقة منه على ولده و شيعته أن
-----------
( 1 ) العنكبوت : 2 3 .
-----------
( 2 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 101 ، شرح الخطبة 22 .
[ 87 ]
يصطلموا فينقطع نظام الإمامة 1 . و تقديم المفضول قبيح عقلي فكيف يرضاه اللّه تعالى .
و روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قام في صفين في الناس عشية الثلاثاء بعد العصر . فقال : « الحمد للّه الذي لا يبرم ما نقض ، و لا ينقض ما أبرم ، و لو شاء ما اختلف اثنان من هذه الامّة ، و لا من خلقه ،
و لا تنازعت الامة في شيء من أمره ، و لا جحد المفضول ذا الفضل فضله » الخبر 2 .
هذا ، و يناسب كلامه عليه السلام في العنوان كلام ابنه الحسن عليه السلام لمّا أرسله عليه السلام مع عمّار الى الكوفة لمّا أراد حرب البصرة . روى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : أنّ الحسن عليه السلام قال بعد حمده تعالى : « أيّها الناس إنّا جئنا ندعوكم إلى اللّه ، و الى كتابه ، و سنة رسوله ، و إلى أفقه من تفقّه من المسلمين ، و أعدل من تعدّلون ، و أفضل من تفضّلون ، و أوفى من تبايعون . من لم يعبه القرآن ، و لم تجهله السنة ، و لم تقعد به السابقة ،
إلى من قرّبه اللّه تعالى و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم قرابتين : قرابة الدين و قرابة الرحم ،
إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة ، إلى من كفى اللّه به رسوله و الناس متخاذلون ، فقرب منه و هم متباعدون ، و صلّى معه و هم مشركون ،
و قاتل معه و هم منهزمون ، و بارز معه و هم محجمون ، و صدّقه و هم يكذبون .
إلى من لم تردّ له راية و لم تكافأ له راية سابقة ، و هو يسألكم النصر و يدعوكم إلى الحقّ » 3 .
-----------
( 1 ) جاء في ضمن عدة رسائل الشيخ المفيد : 182 .
-----------
( 2 ) وقعة صفين : 225 .
-----------
( 3 ) رواه عن أبي مخنف ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 296 ، شرح الكتاب 1 .
[ 88 ]