5

من الخطبة ( 6 ) فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي مُسْتَأْثَراً عَلَيَّ مُنْذُ قَبَضَ اَللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ حَتَّى يَوْمِ اَلنَّاسِ هَذَا أقول : هذا الكلام صريح في بطلان أمر المتقدّمين عليه ، و كونهم غاصبين لحقّه ، و كونه عليه السلام مظلوما في تأخيرهم له .

و قال ابن أبي الحديد في عنوان قوله عليه السلام « اما انه سيظهر عليكم رجل رحب البلعوم » روى شيخنا أبو القاسم البلخي عن سلمة بن كهيل عن المسيب بن نجية قال : بينا علي عليه السلام يخطب إذ قام أعرابي فصاح « و امظلمتاه » فاستدناه علي عليه السلام فلما دنا منه قال له : « إنّما لك مظلمة واحدة و أنا قد ظلمت عدد المدر و الوبر » قال : و في رواية عباد بن يعقوب أنّه دعاه ، فقال له : « ويحك و أنا و اللّه مظلوم أيضا . هات فلندع على من ظلمنا » .

قال : و روى سدير الصيرفي عن أبي جعفر محمّد بن علي قال : اشتكى

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 109 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 128 ]

علي عليه السلام شكاة فعاده أبو بكر و عمر و خرجا من عنده ، فأتيا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فسألهما من أين جئتما ؟ قالا : عدنا عليّا . قال : كيف رأيتماه ؟ قالا : رأيناه يخاف عليه مما به . فقال : كلاّ إنّه لن يموت حتّى يوسع غدرا و بغيا ، و ليكوننّ في هذه الامّة عبرة يعتبر به الناس من بعده .

قال : و روى عثمان بن سعيد عن عبد اللّه الغنوي أنّ عليا عليه السلام خطب بالرحبة فقال : « أيّها الناس إنّكم قد أبيتم إلاّ أن أقولها ، و ربّ السّماء و الأرض إنّ من عهد النبي الامّي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليّ انّ الامّة ستغدر بك بعدي » . قال : و روى هيثم بن مشير عن إسماعيل بن سالم مثله ، و قال : و قد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ أو بقريب منه .

و روى أبو جعفر الاسكافي أيضا أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دخل على فاطمة عليه السلام فوجد عليا عليه السلام نائما فذهبت تنبّهه فقال : دعيه فربّ سهر له بعدي طويل ، و رب جفوة لأهل بيتي من أجله شديدة . فبكت فقال : لا تبكي فانّكما معي ، و في موقف الكرامة عندي .

قال : و روى يونس بن حباب عن أنس بن مالك قال : كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و علي بن أبي طالب معنا فمررنا بحديقة فقال علي : يا رسول اللّه ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة ؟ فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّ حديقتك في الجنّة أحسن منها إلى أن قال .

ثم إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم وقف فوقفنا فوضع رأسه على رأس علي و بكى ،

فقال علي : ما يبكيك يا رسول اللّه ؟ قال : ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني . فقال : يا رسول اللّه أفلا أضع سيفي على عاتقي فابيد خضراءهم ؟ قال : بل تصبر . قال : فإن صبرت ؟ قال : تلاقي جهدا . قال : أفي سلامة من ديني ؟ قال : نعم قال : فإذن لا ابالي .

[ 129 ]

قال : و روى جابر الجعفي عن محمّد بن علي قال : قال علي عليه السلام : ما رأيت منذ بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم رخاء . لقد أخافتني قريش صغيرا ، و أنصبتني كبيرا حتى قبض اللّه رسوله . فكانت الطامّة الكبرى ، و اللّه المستعان 1 .

قلت : و لم يختصّ الشكاية ، و التصريح بالمظلومية به عليه السلام بل كان أهل بيته أيضا يشكون ، و ان كانوا يتقون ، و كيف لا يتّقون ، و قد كان هو عليه السلام كما يفهم من الخبر المتقدم في خطبته عليه السلام في الرحبة من قوله عليه السلام « أيّها الناس إنّكم قد أبيتم إلاّ أقولها » الخبر أيضا يتّقي .

يشهد لما قلنا كتاب معاوية إلى الحسن عليه السلام في جواب كتابه رواه أبو الفرج و غيره ، و في الكتاب ذكرت وفاة رسول اللّه و تنازع المسلمين من بعده .

فرأيتك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق و عمر الفاروق ، و أبي عبيدة الأمين ، و حوارى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صلحاء المهاجرين و الأنصار فكرهت ذلك لك . فإنّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين الخ 2 فترى انه عليه السلام لما شكا من شيخيهم في تقدمهما على أمير المؤمنين عليه السلام خوّفه معاوية بالتكفير . افّ لدين يكفّر من شهد القرآن بعصمته و طهارته ، و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعلو درجته .

و كان ظلمهم له عليه السلام في التقديم عليه مع اتقائه عليه السلام و اتقاء أهل بيته من الاجهار به أمرا مشتهرا غير قابل للانكار . روى أحمد بن أبي طاهر في ( بلاغاته ) في دخول أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية أنّ أروى قالت لمعاوية في جملة كلامها « حتّى قبض اللّه نبيّه مغفورا ذنبه ، مرفوعا درجته ، شريفا عند اللّه مرضيا . فصرنا أهل البيت منكم بمنزلة قوم موسى من

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 372 ، شرح الخطبة 57 .

-----------
( 2 ) رواه ابو الفرج في المقاتل : 36 : و المدائني ، و عنه شرح ابن أبي الحديد 4 : 9 ، شرح الكتاب 31 .

[ 130 ]

آل فرعون يذبّحون أبناءهم ، و يستحيون نساءهم ، و صار ابن عم سيد المرسلين فيكم بعد نبيّنا بمنزلة هارون من موسى حيث يقول : يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلوني 1 ، و لم يجمع لنا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لنا شمل ، و لم يسهل لنا و عر و غايتنا الجنة ، و غايتكم النار 2 » .

و روى ( البلاغات ) أيضا في خطبة سيّدة نساء العالمين عند منع أبي بكر ايّاها فدك : « حتّى إذا اختار اللّه لنبيّه دار أنبيائه ظهرت خلة النفاق ، و سمل جلباب الدين ، و نطق كاظم الغاوين ، و نبغ خامل الآفلين ، و هدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم ، و اطلع الشيطان رأسه من مغرزه صارخا بكم فوجدكم لدعائه مستجيبين ، و للغرة فيه ملاحظين ، فاستنهضكم فوجدكم خفافا ،

و أجمشكم فالفاكم غضابا . فوسمتم غير ابلكم ، و أوردتم غير شربكم ، هذا و العهد قريب ، و الكلم رحيب ، و الجرح لما يندمل . بدارا زعمتم خوف الفتنة ، ألا في الفتنة سقطوا ، و إنّ جهنّم لمحيطة بالكافرين . فهيهات منكم ، و انّى بكم ،

و انّى تؤفكون ، و هذا كتاب اللّه بين أظهركم . و زواجره بيّنة ، و شواهده لائحة ،

و أوامره واضحة . أرغبة عنه تدبرون أم بغيره تحكمون ؟ بئس للظالمين بدلا و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ، و هو في الآخرة من الخاسرين 3 . ثم لم تريثوا إلاّ ريث ان تسكن نغرتها ، تشربون حسوا ،

و تسرّون في رتغاء و نصبر منكم على مثل حزّ المدى إلى ان قال ثم انحرفت إلى قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هي تقول :

قد كان بعدك أنباء و هنبثة
لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب

-----------
( 1 ) الأعراف : 150 .

-----------
( 2 ) بلاغات النساء : 43 .

-----------
( 3 ) آل عمران : 85 .

[ 131 ]

إنّا فقدناك فقد الأرض و ابلها
و اختلّ قومك فاشهد هم و لا تغب

قال : فما رأينا يوما كان أكثر باكيا و لا باكية من ذلك اليوم 1 .

و في ( الطبري ) بعد ذكر بيعة عبد الرحمن بن عوف لعثمان قال علي عليه السلام لابن عوف « ليس هذا أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فصبر جميل ، و اللّه المستعان على ما تصفون إلى أن قال .

فقال المقداد : ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم . إنّي لأعجب من قريش إنّهم تركوا رجلا ما أقول إنّ أحدا أعلم ، و لا أقضى منه بالعدل . أما و اللّه لو أجد عليه أعوانا إلى أن قال .

فقال رجل للمقداد : رحمك اللّه من أهل هذا البيت ، و من هذا الرجل قال :

أهل البيت بنو عبد المطلب ، و الرجل علي بن أبي طالب فقال علي عليه السلام : انّ الناس ينظرون إلى قريش ، و قريش تنظر إلى بيتها ، فتقول : ان ولّي عليكم بنو هاشم لم تخرج منهم أبدا ، و ما كانت في غيرهم من قريش تداولتموها بينكم 2 .

و روى الجوهري في ( سقيفته ) و قد نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر انّه نادى عمار يوم الشورى : يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحوّلونه ها هنا مرّة ، و ها هنا مرّة ما أنا آمن أن ينزعه اللّه منكم ، و يضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ،

و وضعتموه في غير أهله فقال له هاشم بن الوليد بن المغيرة المخزومي :

يا ابن سمية لقد عدوت طورك ، و ما عرفت قدرك ما أنت و ما رأت قريش لأنفسها انّك لست في شي‏ء من امرها و امارتها فتنحّ عنها قال : و تكلّمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار و انتهروه فقال عمار « الحمد للّه رب العالمين ما زال

-----------
( 1 ) بلاغات النساء : 25 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 297 و 298 ، سنة 24 .

[ 132 ]

أعوان الحق أذلاّء » ثم قام فانصرف 1 .