6

من خطبة ( 190 ) في الخطبة القاصعة :

وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ بِالْقَرَابَةِ اَلْقَرِيبَةِ وَ اَلْمَنْزِلَةِ اَلْخَصِيصَةِ وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَ كَانَ يَمْضَغُ اَلشَّيْ‏ءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ إلى أن قال وَ لَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ اَلْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً وَ يَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَ لَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ ؟ بِحِرَاءَ ؟ فَأَرَاهُ وَ لاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي اَلْإِسْلاَمِ غَيْرَ ؟ رَسُولِ اَللَّهِ ص ؟ وَ ؟ خَدِيجَةَ ؟ وَ أَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ اَلْوَحْيِ وَ اَلرِّسَالَةِ وَ أَشُمُّ رِيحَ اَلنُّبُوَّةِ وَ لَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ اَلشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ اَلْوَحْيُ عَلَيْهِ ص فَقُلْتُ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ مَا هَذِهِ اَلرَّنَّةُ فَقَالَ هَذَا اَلشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَ تَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَ لَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَ إِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ إلى أن قال وَ هَلْ يُصَدِّقُكَ فِي أَمْرِكَ إِلاَّ مِثْلُ هَذَا يَعْنُونَنِي وَ إِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ لاَ تَأْخُذُهُمْ فِي اَللَّهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ سِيمَاهُمْ سِيمَا اَلصِّدِّيقِينَ وَ كَلاَمُهُمْ كَلاَمُ اَلْأَبْرَارِ عُمَّارُ اَللَّيْلِ وَ مَنَارُ اَلنَّهَارِ مُتَمَسِّكُونَ بِحَبْلِ ؟ اَلْقُرْآنِ ؟ يُحْيُونَ

-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 90 و عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 392 شرح الخطبة 137 و اللفظ لابن أبي الحديد و النقل‏بتصرف يسير .

[ 133 ]

سُنَنَ اَللَّهِ وَ سُنَنَ رَسُولِهِ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ وَ لاَ يَعْلُونَ وَ لاَ يَغُلُّونَ وَ لاَ يُفْسِدُونَ قُلُوبُهُمْ فِي اَلْجِنَانِ وَ أَجْسَادُهُمْ فِي اَلْعَمَلِ أقول : و رواه ابن طاووس في ( طرائفه ) عن كتاب موفق بن أحمد المكي باسناده إلى أبي ذر في مناشداته عليه السلام لأهل الشورى مع زيادات قبله 1 .

« و قد علمتم موضعي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالقرابة القريبة » فكان عليه السلام ابن عم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأبويه ، و لم يكن في رجال بني هاشم من كان بقربه عليه السلام ،

و لنعم ما قيل بالفارسيّة :

در ملك وجود پادشاه است على
جان و تن و عقل را پناه است على

چشم همه كاينات ختم رسل است
در مردم آن چشم نگاه است على

« و المنزلة الخصيصة » في ( الحلية ) روى أحمد بن حنبل عن ام سلمة قالت : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اذا غضب لم يجترئ عليه أحد إلاّ علي كرم اللّه وجهه 2 .

و رووا في ( صحاحهم ) عن ابن عباس قال : لمّا نزل « قل لا أسألكم عليه أجرا إلاّ المودّة في القربى » 3 قالوا : يا رسول اللّه من هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال : علي و فاطمة و ابناهما 4 .

و قال ابن طلحة الشافعي في ( مطالب سؤوله ) نقل عن علي الثقات ،

و النقلة الأثبات أنّه قال :

محمّد النبي أخي و صنوي
و حمزة سيّد الشهداء عمّي

-----------
( 1 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 2 : 414 .

-----------
( 2 ) حلية الاولياء 9 : 227 .

-----------
( 3 ) الشورى : 23 .

-----------
( 4 ) أخرجه الطبراني و ابن أبي حاتم و الحاكم في مناقب الشافعي عنهم الكاف الشاف 4 : 220 ، لكن لم أجده في صحاحهم .

[ 134 ]

و جعفر الّذي يضحي و يمسي
يطير مع الملائكة ابن امّي

و بنت محمّد سكني و عرسي
منوط لحمها بدمي و لحمي

و سبطا أحمد ولداي منها
فأيّكم له سهم كسهمي

سبقتكم إلى الاسلام طرّا
غلاما ما بلغت أوان حلمي

و أوجب لي ولايته عليكم
رسول اللّه يوم غدير خمّ

فويل ثم ويل ثم ويل
لمن يلقي الإله غدا بظلمي 1

و روى الكنجي الشافعي في ( مناقبه ) مسندا عن زيد بن علي قال : كانت قريش في حلقة فتفاخروا ، و ذكروا شيئا من الشعر ، فقالوا : يا أبا الحسن قل .

فقال عليه السلام لقد قلتم . فقالوا : نعم ، و أنت أيضا فقل فقال عليه السلام :

اللّه أكرمنا بنص نبيّه
و بنا أقام دعائم الاسلام

و بنا أعزّ نبيّه و كتابه
و أعزّنا بالنصر و الإقدام

في كلّ معركة تطير سيوفنا
فيها الجماجم عن فراخ الهام

ينتابنا جبريل في أبياتنا
بفرائض الاسلام و الأحكام

فنكون أوّل مستحلّ حلّه
و محرّم للّه كلّ حرام

نحن الخيار من البرية كلّها
و نظامها و زمام كلّ زمام

الخائضو غمرات كلّ كريهة
و الضامنون حوادث الأيام

و المبرمون قوى الأمور بعزمهم
و الناقضون صرائم الإبرام

إنّا لنمنع من أردنا منعه
و نجود بالمعروف و الإنعام

و تردّ غائلة الخميس سيوفنا
و تقيم رأس الأصيد القمقام 2

و روى أيضا عن ابن عباس أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر بسدّ الأبواب إلاّ باب

-----------
( 1 ) مطالب السؤول : 11 .

-----------
( 2 ) كفاية الطالب : 86 .

[ 135 ]

علي بن أبي طالب 1 و قال : و في ( خصائص النسائي ) مسندا عن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبواب شارعة في المسجد فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي ، فتكلّم في ذلك ناس فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال : أمّا بعد ما سددته و لا فتحته ، و لكن أمرت بشي‏ء فاتّبعته 2 .

« وضعنى في حجره و انا ولد » هكذا في ( المصريّة ) ، و الصواب : « وليد » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة » 3 .

في ( مقاتل أبي الفرج ) : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذ عليّا عليه السلام من أبيه ، و هو صغير في سنة أصابت قريش قحط نالهم ، و أخذ حمزة جعفرا و أخذ العباس طالبا ليكفوا أباهم مؤونتهم ، و يخففّوا عنه ثقلهم ، و أخذ هو عقيلا لميله إليه ،

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إخترت من اختار اللّه تعالى لي عليكم ، عليّا قال : حدّثني بذلك أحمد بن الجعد الوشاء قال : حدّثنا عبد الرحمن بن صالح قال : حدّثنا علي بن عابس عن هارون بن سعد عن زيد بن علي 4 .

« يضمّني إلى صدره » روى ابن المغازلي في ( مناقبه ) ، و المالكي في ( فصوله ) مسندا عن علي بن الحسين عليه السلام قال : كنت جالسا مع أبي ، و نحن زائرون قبر جدنا عليه السلام و هناك نسوان كثيرة إذ أقبلت امرأة منهن فقلت لها : من أنت يرحمك اللّه ؟ قالت : زيدة بنت قريبة بن العجلان من بني ساعدة ، فقلت لها :

فهل عندك شي‏ء تحدثينا ؟ قالت : إي و اللّه . حدثتني امّي امّ عمارة بنت عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان الساعدي أنّها كانت ذات يوم في نساء من العرب

-----------
( 1 ) أخرجه الكنجي في كفاية الطالب : 87 ، عن طريق الترمذي و اخرج الحديث الترمذي في سننه 5 : 641 ح 3732 .

-----------
( 2 ) أخرجه الكنجي في كفاية الطالب : 88 ، و النسائي في الخصائص : 72 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3 : 250 ، و شرح ابن ميثم 4 : 306 .

-----------
( 4 ) رواه ابو الفرج في المقاتل : 15 ، و النقل بتصرف في اللفظ .

[ 136 ]

إذ أقبل أبو طالب كئيبا حزينا فقلت : ما شأنك يا أبا طالب ؟ قال : إنّ فاطمة بنت أسد في شدة المخاض . ثم وضع يديه على وجهه ، فبينا هو كذلك إذ أقبل محمّد .

فقال له : ما شأنك يا عم ؟ فقال : إنّ فاطمة بنت اسد تشتكي المخاض .

فأخذ بيده و جاء و هي معه فجاء بها إلى الكعبة ، فأجلسها في الكعبة ثم قال :

إجلسي على اسم اللّه . فطلقت طلقة ، فولدت غلاما مسرورا نظيفا منظّفا لم أر كحسن وجهه فسمّاه أبو طالب عليّا ، و حمله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى أدّاه إلى منزلها .

الخبر 1 .

و في ( اثبات وصيّة المسعودي ) بعد ذكر ولادته عليه السلام : حنّكه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و وضعه في حجره و قمّطه في حضنه قبل كلّ أحد 2 .

« و يكنفني إلى فراشه و يمسني جسده » رووا عن يزيد بن قعنب في خبر ولادته عليه السلام في الكعبة قال : ولدت ( فاطمة بنت أسد ) عليا عليه السلام و للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثلاثون سنة ، و أحبّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حبّا شديدا و قال لها : اجعلى مهده بقرب فراشي ، و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يلي أكثر تربيته ، و كان يطهّر عليا عليه السلام في وقت غسله ، و يوجره اللبن عند شربه ، و يحرّك مهده عند نومه ، و يناغيه في يقظته ،

و يحمله على صدره ، و يقول : هذا أخي و ولييّ و ناصري ، و صفييّ و ذخري ،

و كهفي ، و ظهري ، و ظهيري و وصيي ، و زوج كريمتي ، و أميني على وصيتي ،

و خليفتي ، و كان يحمله دائما و يطوف به جبال مكة و شعابها و أوديتها 3 .

« و يشمّني عرفه » بفتح العين : أي عرقه .

-----------
( 1 ) رواه ابن المغازلي في مناقبه : 6 ح 3 ، و ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة : 30 .

-----------
( 2 ) اثبات الوصية : 116 .

-----------
( 3 ) هذه الزيادة في حديث يزيد بن قعنب رواها العلاّمة الحلّي في نهج الحق 2 : 506 .

[ 137 ]

و في ( مناقب السروي ) في حديث أبي بصير عن الصادق عليه السلام : انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخذ يمسح العرق عن وجه علي عليه السلام و يمسح به وجهه 1 .

« و كان يمضغ الشي‏ء » أي : يليّنه بفمه .

« ثم يلقمنيه » قال ابن أبي الحديد : روى الحسين بن زيد بن علي بن الحسين عليه السلام عن أبيه قال : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يمضغ اللحمة و التمرة حتّى تلين ،

و يجعلها في فم علي عليه السلام و هو صغير في حجره ، و كذلك كان أبي علي بن الحسين عليه السلام يفعل بي و لقد كان يأخذ الشي‏ء من الورك ، و هو شديد الحرارة فيبرّده في الهواء أو ينفخ عليه حتّى يبرد ثم يلقمنيه . أفيشفق علي من حرارة لقمة ، و لا يشفق علي من النار ؟ لو كان أخي إماما بالوصية كما يزعم هؤلاء لكان أبي أفضى بذلك إليّ و وقاني من حرّ جهنّم 2 .

قلت : ذيل الخبر لا ربط له بالمقام إلاّ أنّه لمّا كان ابن أبي الحديد نقله و يمكن أن يولّد شبهة لا بدّ لنا من دفعها فنقول : إنّ الأخبار في مسلك زيد مختلفة ففي أخبار كثيرة أنه كان معترفا بإمامة أخيه الباقر عليه السلام و ابنه الصادق عليه السلام 3 و هي أكثر من هذا الخبر و ما من قبيل هذا الخبر ، فيسقط لشذوذه ، و في بعضها مضمون هذا الخبر مع الجواب عمّا تضمنه من الشبهة .

روى الكشي مسندا عن مؤمن الطاق قال : كنت عند أبي عبد اللّه عليه السلام فدخل زيد بن علي فقال لي : أنت الّذي تزعم انّ في آل محمّد إماما مفترض الطاعة معروفا بعينه قال : قلت : نعم . أبوك أحدهم قال : ويحك و ما يمنعه أن يقول لي ؟ فو اللّه لقد كان يؤتى بالطعام الحار فيقعدني على فخذه و يتناول

-----------
( 1 ) مناقب السروي 2 : 220 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 251 .

-----------
( 3 ) روى أحاديث بهذا المضمون الخزار في كفاية الاثر : 294 307 ، و غيره .

[ 138 ]

البضعة فيبرّدها ثم يلقمنيها . أفتراه يشفق علي من حرّ الطعام ، و لا يشفق علي من حرّ النار قال : قلت : كره أن يقول لك فتكفر ، فيجب عليك من اللّه الوعيد ، و لا يكون له فيك شفاعة ، فتركك مرجئا للّه فيك المشيّة ، و له فيك الشفاعة . فقال أبو عبد اللّه عليه السلام : أخذته من بين يديه ، و من خلفه ، فما تركت له مخرجا 1 .

و روى ( المناقب ) عن أبي العلاء العطار بإسناده عن عبد خير ، عن علي عليه السلام قال : أهدي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قنو موز فجعل يقشر الموزة ، و يجعلها في فمي فقال له قائل : انك تحبّ عليّا قال : أو ما علمت أنّ عليّا منّي و أنا منه 2 .

هذا ، و قال الفرزدق في شاعرين من قومه نزع إليهما :

هما نفثا في فيّ من فمويهما
على النابح العاوي أشد رجام

« و ما وجد لي كذبة في قول و لا خطلة » في ( الصحاح ) أخطل : أي : أفحش 3 .

« في فعل » روى ( الكافي ) : انّ الصادق عليه السلام قال لأبي كهمس : إذا أتيت عبد اللّه بن أبي يعفور فاقرأه السلام و قل له : إنّ جعفر بن محمّد يقول لك : انظر ما بلغ به علي عليه السلام عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فالزمه ، فإنّ عليّا عليه السلام إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بصدق الحديث ، و أداء الأمانة 4 .

و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) عن عكرمة ، عن ابن عباس في خبر و لقد عاتب اللّه أصحاب رسوله في القرآن ، و لم يذكر عليا عليه السلام إلاّ بخير 5 .

-----------
( 1 ) أخرجه الكشي في اختيار معرفة الرجال : 186 ح 329 ، و قوله اخيرا « فقال أبو عبد اللّه أخذته . . . » هو ذيل حديث آخر أخرجه هو في المصدر : 186 ح 328 .

-----------
( 2 ) رواه السروي في مناقبه 2 : 220 .

-----------
( 3 ) صحاح اللغة 4 : 1686 ، مادة ( خطل ) .

-----------
( 4 ) أخرجه الكليني في الكافي 2 : 104 ح 5 .

-----------
( 5 ) هذا ذيل حديث جاء صدره في تذكرة الخواص : 13 ، لكن رواه جمع من أهل الحديث منها ما أخرجه ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 2 : 429 و 430 ح 938 و 939 .

[ 139 ]

قلت : عاتبهم عموما في قوله جلّ و علا : ء أشفقتم أن تقدّموا بين يدي نجواكم صدقات 1 فلم يعمل بقوله عزّ و جلّ إذا ناجيتم الرسول فقدّموا بين يدي نجواكم صدقه 2 غيره حتّى نسخ ، و عاتب صدّيقهم خصوصا في قوله تعالى : و يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا 3 .

فروى كاتب الواقدي مع نصبه : أنّ القائل يوم حنين « لن نغلب اليوم من قلة » هو أبو بكر 4 قلت : و يدل على فراره قوله تعالى متصلا به : ثم ولّيتم مدبرين 5 كما يدلّ على عدم إيمانه قوله تعالى بعده : ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله و على المؤمنين 6 و لو كان منهم لقال « ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله و عليكم » .

هذا ، و قال ابن أبي الحديد : روى سعيد بن جبير قال : سألت أنس بن مالك فقلت : أرأيت قول عمر عن الستة « إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مات و هو عنهم راض » ألم يكن راضيا عن غيرهم من أصحابه فقال : بلى . مات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو راض عن كثير من المسلمين ، و لكن كان عن هؤلاء أكثر رضا . فقلت له : فأيّ الصحابة كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له أحمد ؟ قال : ما فيهم أحد إلاّ و قد سخط منه فعلا ،

و أنكر عليه أمرا إلاّ اثنان علي بن أبي طالب ، و أبو بكر بن أبي قحافة فإنّهما لم يقترفا منذ أتى اللّه بالاسلام أمرا أسخطا فيه النبي » صلّى اللّه عليه و آله و سلم 7 .

-----------
( 1 ) المجادلة : 13 .

-----------
( 2 ) المجادلة : 12 .

-----------
( 3 ) التوبة : 25 .

-----------
( 4 ) طبقات ابن سعد 2 ق 1 : 108 .

-----------
( 5 ) التوبة : 25 .

-----------
( 6 ) التوبة : 26 .

-----------
( 7 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 252 .

[ 140 ]

قلت : أمّا أصل قول عمر في موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم راضيا عن اولئك الستة ففرية بيّنة ، و يشهد له تكذيبه نفسه قال الجاحظ : إنّ عمر بعد قوله : « إنّ النبي مات و هو راض عن اولئك الستة » ذكر عيوب اولئك الستة ، و بعد بيان عيب الزبير أنّه يوما انسان و يوما شيطان « أقبل على طلحة و كان له مبغضا منذ قال لأبي بكر يوم وفاته ما قال في عمر فقا له : أقول أم أسكت ؟ قال : قل فإنّك لا تقول من الخير شيئا قال : « أما إنّى أعرفك بالبأو الّذي حديث لك ، و لقد مات النبي ساخطا عليك للكلمة الّتي قلتها يوم أنزلت آية الحجاب » 1 قال الجاحظ :

كلمة طلحة الّتي أشار إليها عمر هي أنّ طلحة لما انزلت آية الحجاب قال بمحضر من نقل عنه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما الّذي يغنيه حجابهن اليوم و سيموت غدا فننكحهن . قال الجاحظ : لو قال قائل لعمر أنت قلت : إنّ النبي مات و هو راض عن الستة فكيف تقول الآن لطلحة إنّه مات ساخطا عليك للكلمة الّتي قلتها لكان قد رماه بمشاقصه ، و لكن من الّذي كان يجسر على عمر أن يقول له مادون هذا فكيف هذا 2 .

قلت : فلم جعلوه فاروقا مع كذبه و إتيانه بالتناقض ؟ ثم لم خصّ طلحة بذاك العيب و كان عثمان شريكه فيه ؟ فكان طلحة يريد عائشة ، و كان عثمان يريد أمّ سلمة ، و قالا : يجول بين خلاخيل نسائنا إذا متنا و نجول بين خلاخيل نسائه إذا مات 3 إلاّ أنّه خصّ طلحة لأنّ طلحة منع أبا بكر من استخلافه و عثمان لمّا أغمى على أبي بكر في احتضاره كتب من نفسه استخلافه عمر لمّا خاف أن لا يفيق .

-----------
( 1 ) يعني آية 53 من سورة الأحزاب .

-----------
( 2 ) نقله عن الجاحظ في السفيانية ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 63 ، شرح الخطبة 3 .

-----------
( 3 ) رواه عن السدي ابن طاووس في الطرائف 2 : 493 ، و أما نزول الآية في طلحة خاصة فرواه ابن سعد في الطبقات 8 : 145 ، و ابن ابي حاتم و عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن المنذر ، و عنهم : الدر المنثور 5 : 214 .

[ 141 ]

ثم لو كان قائل يقول : إنّ عمر لم يختص القول بتناقضه في مورد طلحة فليقل له لم خلّفت نفسك عن جيش اسامة مع لعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم للمتخلّف ، و لم نسبت الهجر إلى من قال تعالى في حقه و ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى 1 ، و لم منعته عن وصيته و أوجدت هذا التشتت في الإسلام و صرت سببا لضلال أكثر فرقهم إلاّ أنّ إخواننا يجعلون عمر إلها ، و قوله فوق قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

ثم إذ عرفت أصل الخبر لا تحتاج إلى البحث في فرعه مع أنّ اتّهام أنس بن مالك في حق أمير المؤمنين عليه السلام من ردّه له عن الدخول على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرارا و كان حاجبه في حديث الطير المتواتر حتّى أنكر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليه ذلك . فأجاب بأنّي أحببت أن يكون قولك « اللّهم ائتني بأحبّ خلقك إليّ » في أحد من قومي لا في علي ، و جحده لأمير المؤمنين عليه السلام كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الغدير لما استشهده حتّى دعا عليه السلام عليه ببياض لا تواريه العمامة فابتلي بالبرص في رأسه و وجهه أمر معلوم ، و لو كان قدر أن ينكر ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام لفعل ، و لكنّه لمّا لم يقدر أراد جعل شريك له حتّى لا يختص عليه السلام بهذه المزيّة .

مع أنّ قوله « منذ أتى اللّه بالإسلام » غلط فإنّه لم يقل أحد إنّ أبا بكر أسلم حين بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بل اتّفقوا على أنّه كان بعد مدّة ، و إنّما غالط النصاب في كونه أقدم اسلاما بكون أمير المؤمنين عليه السلام لمّا لم يكن بالغا مبلغ الرجال وقت البعثة كان إسلامه بلا أثر ، مع أنّه طعن منهم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث قبل إيمانه بل جعله في ذلك الوقت وصيّه و وزيره و خليفته حتى استهزأ بنو عبد المطلب بأبي طالب بأنّ ابن أخيك جعل ابنك أميرا عليك .

-----------
( 1 ) النجم : 4 .

[ 142 ]

ثم إسخاط أبي بكر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في مقامات معلوم . منها يوم الغار في جزعه و اضطرابه حتى قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « لا تحزن » 1 ، و منها في عدم قتله للخارجي الّذي أمره بقتله ، و منها تخلّفه عن جيش اسامة مع لعنه المتخلّف و بحضوره عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما دعا أمير المؤمنين عليه السلام فبعثت ابنته إليه ،

و بإسخاطه سيّدة نساء العالمين حتى ماتت غضبى عليه و قالت له : « لأدعونّ اللّه عليك بعد كلّ صلاة » و قد أقرّ لها أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : سخط فاطمة سخطي ، إلى غير ذلك ممّا ورد في ( صحاحهم ) و نقلوه بأنفسهم فضلا عما رواه الشيعة مع شواهد لصحة ما رووه .

« و لقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل » في ( الصحاح ) : الفصيل ولد الناقه إذا فصل عن امّه 2 .

« أثر امّه » روى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) مسندا عن جابر قال : قدم علي عليه السلام من اليمن . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : بما أهللت ؟ قال : بما أهلّ به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، قال : فاهد و امكث حراما كما أنت 3 .

و في ( فقيه ) ابن بابويه نزلت المتعة أي حج التمتع على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عند المروة بعد فراغه من السعي فقال : يا أيّها الناس هذا جبرئيل و أشار بيده إلى خلفه يأمرنى أن آمر من لم يسق هديا أن يحلّ ، و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم ، و لكنّي سقت الهدي ، و ليس لسائق الهدى أن يحلّ حتّى يبلغ الهدي محلّه إلى أن قال بعد ذكره قدوم أمير المؤمنين عليه السلام من اليمن على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكة قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فبم

-----------
( 1 ) التوبة : 40 .

-----------
( 2 ) صحاح اللغة 5 : 1791 ، مادة ( فصل ) .

-----------
( 3 ) طبقات ابن سعد 2 ق 1 : 134 .

[ 143 ]

أهللت أنت يا علي فقال : إهلالا كإهلال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال له : كن على إحرامك مثلي فأنت شريكي في هديي ، و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ساق معه مئة بدنة فجعل لعلي عليه السلام منها أربعا و ثلاثين ، و لنفسه ستّا و ستّين و نحرها كلّها بيده 1 .

و روى ( طبقات كاتب الواقدي ) : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر من كلّ بدنة من بدنه بمضغة فجعلت في قدر فأكل هو و علي من لحمها و شربا من مرقتها 2 .

و في خبر رواه الطبرى و غيره قال عمر لابن عباس : كره قومكم أن يجمعوا لكم النبوّة و الخلافة فتجحفوا الناس جحفا . فقال ابن عباس : لو كنّا جحفنا بالخلافة جحفنا بالقرابة ، و لكنّا قوم أخلاقنا مشتقّة من خلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم الّذي قال اللّه تعالى و إنّك لعلى خلق عظيم 3 و قال له صلّى اللّه عليه و آله و سلم و اخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين الخبر 4 و لفظ عمر و ابن عباس و ان كان في عامة بني هاشم إلاّ أنّ مغزاهما هو عليه السلام خاصّة كما لا يخفى .

« يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب :

« يرفع لي كل يوم علما من اخلاقه » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 5 .

قال هشام بن عبد الملك لمحمّد بن علي الباقر عليه السلام : من أين ورثتم ما ليس لغيركم ، و ليس بعد محمّد نبي ، و ما أنتم أنبياء ؟ قال : من قوله تعالى : لا تحرّك به لسانك لتعجل به 6 فالّذي أبداه فهو للناس كافة ، و الّذي لم يحرّك

-----------
( 1 ) الفقيه 2 : 153 ح 15 ، و للحديث ذيل .

-----------
( 2 ) طبقات ابن سعد 2 ق 1 : 127 .

-----------
( 3 ) القلم : 4 .

-----------
( 4 ) رواه الطبري في تاريخه 3 : 289 ، سنة 23 ، و الجوهري في السقيفة : 70 ، و غيرهما و النقل بالمعنى .

-----------
( 5 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 3 : 250 ، و شرح ابن ميثم 4 : 307 ، ايضا نحو المصرية .

-----------
( 6 ) القيامة : 16 .

[ 144 ]

به لسانه أمره تعالى أن يخصّنا به دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي به أخاه عليا دون أصحابه ، و أنزل تعالى قرآنا فقال : و تعيها اذن واعية 1 . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين أصحابه : يا علي سألت اللّه أن يجعلها اذنك ، و لذلك قال علي عليه السلام بالكوفة « علّمني رسول اللّه ألف باب من العلم ينفتح من كل باب ألف باب » خصّه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من مكنون علمه ما خصّه اللّه به فصار إلينا و توارثناه من دون قومنا . فقال له هشام : إنّ عليّا كان يدّعي علم الغيب ، و انّ اللّه لم يطلع على غيبه أحدا فكيف ادّعى ذلك ؟ فقال عليه السلام له : إنّ اللّه تعالى أنزل على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كتابا بيّن فيه ما كان و ما يكون إلى يوم القيامة في قوله تعالى :

و نزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكلّ شي‏ء و هدى و رحمة و بشرى للمسلمين 2 و في قوله تعالى : ما فرّطنا في الكتاب من شي‏ء 3 و في قوله تعالى : و ما من غائبة في السماء و الأرض إلاّ في كتاب مبين 4 و أوحى إلى نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ألاّ يبقي في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلاّ ناجى عليا به ، و أمره أن يؤلف القرآن من بعده ، و يتولّى غسله و تحنيطه و تكفينه من دون قومه ، و قال لأهله و أصحابه : حرام أن تنظروا إلى عورتي غير أخي علي فهو منّي و أنا منه ، له ما لي ، و عليه ما علي ، و هو قاضي ديني ، و منجز و عدي . و قال لأصحابه « علي يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله » . و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله و تمامه إلاّ عند علي عليه السلام و لذلك قال لأصحابه : أقضاكم علي .

و قال عمر بن الخطاب « لو لا علي لهلك عمر » أفيشهد له عمر و يجحد غيره 5 .

-----------
( 1 ) الحاقة : 12 .

-----------
( 2 ) النحل : 89 .

-----------
( 3 ) الانعام : 38 .

-----------
( 4 ) النمل : 75 .

-----------
( 5 ) رواه ابن طاووس في الامان : 54 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 145 ]

و قال الصادق عليه السلام : عمّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا عليه السلام بيده فسدلها من بين يديه و قصرها من خلفه قدر أربع اصابع ، ثم قال : أدبر ، فأدبر . ثم قال : أقبل ،

فأقبل ، ثمّ قال : هكذا تيجان الملائكة 1 .

« و يأمرني بالاقتداء به » قال الحسن بن علي عليه السلام : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إذا نزل عليه الوحي نهارا لم يمس حتّى يخبر به عليّا و إذا نزل عليه ليلا لم يصبح حتى يخبر به عليّا 2 .

و في ( شرف الخركوشي ) جاء جبرئيل ( إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ) بأعلى مكّة و علّمه الصلاة فانفجرت من الوادي عين حتّى توضأ جبرئيل بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تعلّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم منه الطهارة ثم أمر به عليّا عليه السلام 3 .

« و لقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء » في ( بلدان الحموي ) : « حراء » بالكسر و التخفيف و المد : جبل من جبال مكّة على ثلاثة أميال قال جرير :

أ لسنا أكرم الثقلين طرا
و أعظمهم ببطن حراء نارا

قال : إنّه ذهب به إلى البلدة الّتي حراء بها فلم يصرفه .

قال : و كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل أن يأتيه الوحي يتعبّد في غار من هذا الجبل و فيه أتاه جبرئيل عليه السلام 4 .

و في ( كامل الجزري ) ، و عبد المطلب أوّل من تحنّث أي : أقام بحراء فكان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء و أطعم المساكين جميع الشهر 5 .

« فأراه و لا يراه غيري » قال ابن أبي الحديد : ورد في ( الصحاح ) أنّ

-----------
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 6 : 46 ح 4 .

-----------
( 2 ) رواه ابو جعفر الطوسي في اماليه 2 : 237 ، مجلس 12 ، عن عبد الله بن الحسن و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 3 ) رواه عنه السروي في مناقبه 2 : 14 .

-----------
( 4 ) معجم البلدان 2 : 233 ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 5 ) كامل ابن الاثير 2 : 15 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 146 ]

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان يجاور في حراء من كل سنة شهرا و كان يطعم في ذلك الشهر من جاءه من المساكين ، فإذا قضى جواره من حراء كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف أن يأتي باب الكعبة قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء اللّه من ذلك ، ثم يرجع إلى بيته حتّى جاءت السنة الّتي أكرمه اللّه تعالى فيها بالرسالة ، فجاور في حراء شهر رمضان و معه أهله خديجة و علي بن أبي طالب و خادم لهم ، فجاءه جبرئيل بالرسالة 1 .

قلت : كلامه عليه السلام متضمن أنّ في مدّة مجاورته صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ذلك الجبل لا يراه غيره ، و خبره متضمن أنّه يراه كل أحد فلا عبرة به .

« و لم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و خديجة و أنا ثالثهما » روى أبو مخنف عن جابر عن تميم الناجي و قد نقله ابن أبي الحديد في شرح كتابه عليه السلام إلى أهل الكوفة قال : قدم علينا الحسن بن علي عليه السلام و عمّار يستنفران الناس إلى علي عليه السلام و معهما كتابه ، فلمّا فرغا من قراءة كتابه قام الحسن عليه السلام و هو فتى حدث و اللّه إنّي لارثي له من حداثة سنّه و صعوبة مقامه فرماه الناس بأبصارهم إلى أن قال .

فقال : و لقد علمتم أنّ عليّا عليه السلام صلّى مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم وحده ، و انّه يوم صدّق به لفي عاشرة من سنّه ، ثم شهد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم جميع مشاهده ، و كان من اجتهاده في مرضاة اللّه ، و طاعة رسوله ، و آثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم ، و لم يزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم راضيا عنه حتّى غمّضه بيده ، و غسّله وحده ، و الملائكة أعوانه ، و الفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ، ثم أدخله حفرته ، و أوصاه بقضاء دينه و عداته ، و غير ذلك من

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 254 .

[ 147 ]

اموره ، كلّ ذلك منّ من اللّه عليه الخبر 1 .

و قال ابن أبي الحديد : امّا حديث أنّ الإسلام لم يجتمع عليه بيت واحد يومئذ إلاّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو عليه السلام و خديجة فخبر عفيف الكندي المشهور ، و قد ذكرناه من قبل ، و أنّ أبا طالب قال له : أتدري من هذا ؟ قال : لا . قال : هذا ابن أخي محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب ، و هذا ابني علي ، و هذه المرأة خلفهما خديجة بنت خويلد زوجة محمّد ابن أخي ، و أيم اللّه ما أعلم على الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة 2 : قلت : إنّما في خبر عفيف الكندي أن العباس قال لعفيف ما قال ، لا أبو طالب ، و في خبره فقلت للعباس : و من هذا الفتى ؟ قال : علي بن أبي طالب ابن عمه ، قلت : فما هذا الّذي يصنع ؟ قال : يصلّي و يزعم أنّه نبي و لم يتبعه على أمره إلاّ امرأته و ابن عمّه هذا الفتى ، و هو يزعم انه ستفتح عليه كنوز كسرى و قيصر قال : و كان عفيف يقول و قد أسلم : لو كان اللّه رزقني الإسلام يومئذ كنت ثانيا .

رواه بأسانيد ، و رواه بطريق آخر ، و فيه : فقال العبّاس : تدري من هذا ؟

قلت : لا . قال : هذا محمّد بن عبد اللّه ابن أخي ، و هذا علي بن أبي طالب ، هذه خديجة بنت خويلد زوجة ابن أخي . إنّ ابن أخي هذا حدّثنا أنّ ربّه ربّ السماوات و الأرض أمره بهذا الدين الّذي هو عليه ، و لا و اللّه ما أعلم على وجه الأرض أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة 3 و أبو طالب إنّما ورد في خبر إسلام جعفر بن أبي طالب . ففي ( أسد الغابة ) روى أن أبا طالب رأى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و عليّا يصليان ، و علي عن يمينه فقال لجعفر : صلّ

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 296 ، شرح الكتاب 1 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 254 .

-----------
( 3 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 376 ، و 3 : 261 ، شرح الخطبة 57 و 190 ، عن الاستيعاب و نقض الاسكافي و النقل بتصرف يسير .

[ 148 ]

جناح ابن عمك و صلّ عن يساره 1 .

ثم لم عبّر ابن أبي الحديد بما ظاهره حصر الحديث في عفيف ، و قد روى الاسكافي رواية جمع في ذلك ، و منهم ابن مسعود فقال : « روى شريك بن عبد اللّه ، عن سليمان بن المغيرة ، عن زيد بن وهب عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال : أوّل شي‏ء علمته من أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّي قدمت مكّة مع عمومة لي و ناس من قومي ، و كان في أنفسنا شراء عطر ، فارشدنا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه ، و هو جالس إلى زمزم ، فبينا نحن عنده جلوسا إذ أقبل رجل من باب الصفا ، و عليه ثوبان أبيضان و له و فرة إلى انصاف اذنيه ، جعدة ، أشمّ أقنى ، أدعج العينين ، كثّ اللحية ، برّاق الثنايا ، أبيض تعلوه حمرة ، كأنّه القمر ليلة البدر ، و على يمينه غلام مراهق أو محتلم حسن الوجه ، تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها ، حتّى قصدوا نحو الحجر فاستلمه و استلمه الغلام ثم استلمته المرأة . ثم طاف بالبيت سبعا ، و الغلام و المرأة يطوفان معه ، ثم استقبل الحجر فقام و رفع يديه و كبّر ، و قام الغلام إلى جانبه ، و قامت المرأة خلفهما فرفعت يديها و كبّرت ، فأطال القنوت ثم ركع ، و ركع الغلام و المرأة ثم رفع رأسه فأطال ، و رفع الغلام و المرأة معه ( ثمّ سجد و سجد الغلام و المرأة معه ) يصنعان مثل ما يصنع ، فلمّا رأينا شيئا ننكره و لا نعرفه بمكّة ، أقبلنا على العباس فقلنا : يا أبا الفضل انّ هذا الدّين ما كنّا نعرفه فيكم . قال : أجل و اللّه . قلنا :

فمن هذا ؟ قال : هذا ابن أخي . هذا محمّد بن عبد اللّه ، و هذا الغلام ابن أخي أيضا هذا علي بن أبي طالب ، و هذه المرأة زوجة محمّد هذه خديجة بنت خويلد ، و اللّه ما على الأرض أحد يدين بهذا الدّين إلاّ هؤلاء الثلاثة .

-----------
( 1 ) اسد الغابة 1 : 287 .

[ 149 ]

و قد نقله ابن أبي الحديد بعد أيضا 1 .

و منهم أبو أيّوب الأنصاري فقال الاسكافي : و روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه قال : لقد صلّت الملائكة علي و على علي سبع سنين ، و ذلك انّه لم يصلّ معي رجل فيها غيره 2 .

و منهم أبو ذر فقال الاسكافي : روى محمّد بن عبد اللّه بن أبي رافع عن أبيه عن جده ابن رافع قال : أتيت أبا ذر بالربذة اودّعه ، فلمّا أردت الانصراف قال لي و لا ناس معي : ستكون فتنة فاتقوا اللّه ، و عليكم بالشيخ علي بن أبي طالب فاتّبعوه فإني سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول له : أنت أوّل من آمن بي ،

و أول من يصافحني يوم القيامة ، و أنت الصّديق الأكبر ، و أنت الفاروق الّذي يفرق بين الحق و الباطل ، و أنت يعسوب المؤمنين ، و المال يعسوب الكافرين ،

و أنت أخي و وزيري و خير من اترك بعدي تقضي ديني و تنجز موعودي 3 .

و منهم عباد الأسدي عنه عليه السلام فقال أيضا : روى ابن أبي شيبة عن عبد اللّه بن نمير ، عن العلاء بن صالح ، عن المنهال بن عمرو ، عن عباد بن عبد اللّه الأسدي ، قال : سمعت علي بن أبي طالب يقول : أنا عبد اللّه و أخو رسوله ، و أنّا الصّدّيق الأكبر ، لا يقولها غيري إلاّ كذّاب ، و لقد صلّيت قبل الناس سبع سنين 4 .

و منهم عمر بن الخطّاب فقال أيضا : روى ياسين بن محمّد بن أيمن ، عن أبي حازم مولى ابن عبّاس أنّه قال : سمعت عمر يقول : كفّوا عن علي فانّي سمعت من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه خصالا لو أنّ خصلة منها في جميع آل الخطاب كان

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 260 ، شرح الخطبة 190 ، و ما بين القوسين من زيادة الشارح .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 262 ، شرح الخطبة 190 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 261 ، شرح الخطبة 190 .

-----------
( 4 ) المصدر نفسه .

[ 150 ]

أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس . كنت ذات يوم و أبو بكر و عثمان و عبد الرحمن بن عوف و أبو عبيدة مع نفر من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نطلبه إلى أن قال فخرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فسرنا حوله فاتّكا على علي و ضرب بيده على منكبه فقال : أبشر يا علي بن أبي طالب إنّك مخاصم و إنّك تخصم الناس بسبع لا يجاريك أحد في واحدة منهن . أنت أوّل الناس إسلاما ، و أعلمهم بأيّام اللّه . . . الخبر 1 .

و منهم الشعبي و الحسن البصري فقال أيضا : قد روى اسماعيل بن نصر الصفار عن محمّد بن ذكوان ، عن الشعبي قال : قال الحجّاج للحسن ،

و عنده جماعة من التابعين و ذكر عليا عليه السلام ما تقول أنت يا حسن ؟ فقال : « ما أقول هو أوّل من صلّى إلى القبلة ، و اجاب دعوة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم و إنّه لعلى منزلة من ربّه ، و قرابة من رسوله ، و قد سبقت له سوابق لا يستطيع ردّها أحد » فغضب الحجّاج غضبا شديدا ، و قام عن سريره فدخل بعض البيوت ، و أمر بصرفنا قال الشعبي : و كنّا جماعة ما منّا أحد الاّ من نال من علي عليه السلام مقاربة للحجّاج غير الحسن 2 . و قد صرّح به ابنه الحسن عليه السلام كما مر ، و ابنه الحسين عليه السلام يوم الطف كما رواه الطبري 3 بل لا يحصى من رواه .

و لم نقف على ذكره لخبر عفيف قبل في شرح الفقرات ، و انّما ذكر قبل عن الطبري روايته عن محمّد بن إسحاق قال : كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكّة ، و خرج معه علي عليه السلام مستخفيا من عمه أبي طالب ، و من جميع أعمامه و سائر قومه فيصليان الصلوات فيها ، فإذا

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 262 ، شرح الخطبة 190 .

-----------
( 2 ) المصدر نفسه .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 4 : 322 ، سنة 61 .

[ 151 ]

أمسيا رجعا ، فمكثا كذلك ما شاء اللّه أن يمكثا ، ثم إنّ أبا طالب عثر عليهما يوما ،

و هما يصليان فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يا ابن أخي ما هذا الّذي أراك تدين به ؟ قال : يا عم هذا دين اللّه ، و دين ملائكته و دين رسله ، و دين أبينا ابراهيم أو كما قال بعثني به رسولا إلى العباد ، و أنت يا عم أحقّ من بذلت له النصيحة و دعوته إلى الهدى ، و أحقّ من أجابني إليه و أعانني عليه أو كما قال فقال أبو طالب : يا ابن أخي إنّي لا استطيع أن افارق ديني و دين آبائي و ما كانوا عليه ، و لكن و اللّه لا يخلص إليك شي‏ء تكرهه ما بقيت و قد روى هؤلاء المذكورون أنّ أبا طالب قال لعليّ عليه السلام : يا بنيّ ما هذا الّذي أنت عليه ؟ فقال : يا أبت إنّي آمنت باللّه و برسوله ، و صدّقته بما جاء به ، و صلّيت للّه معه قال : فزعموا انّه قال له : أما إنّه لا يدعو إلاّ إلى خير فالزمه 1 .

هذا ، و لا يكاد تعجبي ينقضي كيف تؤثّر التشكيكات حتى تصيّر البديهيّات نظريات حتّى تحتاج إلى الاثبات . و إلاّ فالتزام أمير المؤمنين عليه السلام بالإسلام ساعة بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر ضروري كادعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم النبوّة ،

و عمدة تشكيكهم أنه عليه السلام لم يكن بالغا مبلغ الرجال حين إسلامه . فلا يعتبر إلاّ بعد بلوغه . و نكتفي في جواب تشكيكهم الركيك بجواب المأمون الخليفة العباسي قال ابن عبد ربه في ( عقده ) في عنوان احتجاج المأمون على الفقهاء في فضل علي عليه السلام قال المأمون لإسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل بن حماد بن زيد : أيّ الأعمال كان أفضل يوم بعث اللّه رسوله أليس السبق إلى الاسلام ؟

قال : نعم قال : إقرأ ذلك في كتاب اللّه و السابقون السابقون اولئك المقرّبون 2 إنّما عنى من سبق إلى الإسلام . فهل علمت أحدا سبق عليا عليه السلام

-----------
( 1 ) جاء ذلك في شرح ابن أبي الحديد 3 : 251 ، شرح الخطبة 233 ، و تاريخ الطبري 2 : 58 .

-----------
( 2 ) الواقعة : 10 11 .

[ 152 ]

إلى الإسلام . قال : إن عليّا أسلم و هو حدث السنّ لا يجوز عليه الحكم ، و أبو بكر أسلم و هو مستكمل يجوز عليه الحكم . قال : أخبرني أيّهما أسلم قبل ثم اناظرك بعد في الحداثة و الكمال : قال : علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشرطية .

قال : فأخبرني عن إسلام علي حين أسلم لا يخلو من ان يكون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاما من اللّه . قال إسحاق : فأطرقت .

فقال لي : يا إسحاق لا تقل إلهاما فتقدّمه على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يعرف الاسلام حتّى أتاه جبرئيل عن اللّه تعالى . قلت : أجل بل دعاه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : يا إسحاق فهل يخلو النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين دعاه من ان يكون دعاه بامر اللّه تعالى او تكلّف ذلك من نفسه . قال : فاطرقت . فقال : يا إسحاق لا تنسب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم التكلف فإنّ اللّه تعالى يقول عنه : و ما أنا من المتكلّفين 1 . قلت : أجل . بل دعاه بأمر اللّه . قال : فهل من صفة الجبار جلّ ذكره أن يكلّف رسوله دعاء من لا يجوز عليه حكم ؟ قلت : أعوذ باللّه . فقال :

افتراه في قياس قولك « انّ عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم » قد كلّف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من دعاء الصبيان ما لا يطيقون فهل يدعوهم الساعة ، و يرتدّون بعد ساعة فلا يجب عليهم في ارتدادهم شي‏ء ، و لا يجوز عليهم حكم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ قلت : أعوذ باللّه قال : يا إسحاق فأراك انّما قصدت لفضيلة فضّل بها النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليا عليه السلام على هذا الخلق ابانة بها منهم ليعرفوا فضله ، و لو كان اللّه امره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليّا عليه السلام . قلت : بلى . قال : فهل بلغك ان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعا أحدا من الصبيان من أهله و قرابته لئلا تقول إن عليّا ابن عمه ؟ قلت : لا أدري فعل أم

-----------
( 1 ) ص : 86 .

[ 153 ]

لم يفعل . قال : أرايت ما لم تدره هل تسئل عنه ؟ قلت : لا قال : فدع ما قد وضعه اللّه الخ 1 .

و لقد اجاد ابن البيّع منهم في ( معرفة اصول الحديث ) بأن قال : إيمان علي عليه السلام في صغره كان بمنزلة عيسى و هو ابن ساعة يقول في المهد « انّي عبد اللّه آتاني الكتاب » 2 و بمنزلة يحيى عليه السلام يقول تعالى فيه « و آتيناه الحكم صبيا » 3 .

ثم انا لا نعبّر انّه عليه السلام أوّل من أسلم لانّه يوهم أن يكون مثل غيره أسلم عن كفر و عبادة صنم ، و قد سئل بعضهم عن إسلامه عليه السلام متى أسلم فقال :

و متى كفر إلاّ انّه جدّد الإسلام .

و عن ( تفسير قتادة ) و ( كتاب الشيرازي ) قال ابن عباس : و اللّه ما من عبد آمن باللّه إلاّ و قد عبد الصنم فقال تعالى و هو الغفور لمن تاب من عبادة الأصنام الاّ علي بن أبي طالب عليه السلام فانّه آمن باللّه من غير أن يعبد صنما فذلك قوله تعالى و هو الغفور الودود 4 يعنى المحب لعليّ بن أبي طالب عليه السلام إذ آمن به من غير شرك 5 .

بل نعبّر نحن كما عبر نفسه عليه السلام لم يجمع بيت واحد في الاسلام غير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و غيره عليه السلام و غير خديجة يومئذ .

و روى الخطيب مع نصبه في « يحيى بن الحسين » مسندا عن جابر قال :

-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 319 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) مريم : 30 .

-----------
( 3 ) ليس هذا كلام ابن البيّع ، بل نقل السروي في مناقبه 2 : 11 ، كلاما عن ابن البيع في معرفة اصول الحديث ثم قال « فأقول » ، فهذا كلام السروي نفسه ، و الآية 12 من سورة مريم .

-----------
( 4 ) البروج : 14 .

-----------
( 5 ) رواه عنهما السروي في مناقبه 2 : 8 .

[ 154 ]

قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين : مؤمن آل يس ، و علي بن أبي طالب ، و آسية امرأة فرعون 1 .

و روى أحمد بن حنبل في ( فضائله ) و الثعلبي في ( تفسيره ) ، عن ابن أبي ليلى و الخطيب في ( اربعينه ) ، عن ابن عباس قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ سبّاق الامم ثلاثة لم يكفروا طرفة عين : علي بن أبي طالب ، و صاحب ( يس ) ، و مؤمن آل فرعون 2 .

« أرى نور الوحي و الرسالة » قال ابن أبي الحديد : روى عن جعفر بن محمد الصادق قال كان علي عليه السلام يرى مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل الرسالة الضوء و يسمع الصوت و قال له : لو لا أنّي خاتم الأنبياء لكنت شريكا في النبوّة فإن لا تكن نبيا فإنّك وصيّ نبيّ و وارثه ، بل أنت سيد الأوصياء و امام الأتقياء 3 .

و روى ابن مردويه ، و المظفر السمعاني ، و سهل المروزي في ( أماليه ) كما في ( مناقب السروي ) انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : انّ الملائكة صلّت علي و على علي سبع سنين قبل أن يسلم بشر 4 .

و فيه عن القطّان ، و وكيع ، و الثوري ، و السدّي و مجاهد في تفاسيرهم عن ابن عباس في خبر طويل قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : ما كتبت يا علي حرفا إلاّ و جبرئيل ينظر إليك ، و يفرح و يستبشر بك 5 .

و روى أحمد بن حنبل في ( فضائله ) عنه عليه السلام قال : لمّا كانت ليلة بدر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من يستقي لنا من الماء ؟ فأحجم الناس ، فقمت فاحتضنت قربة ثم

-----------
( 1 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 14 : 155 .

-----------
( 2 ) رواه عنهم السروى في مناقبه 2 : 6 ، عن ابن أبي ليلى لا ابن عباس .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 254 .

-----------
( 4 ) مناقب السروي 2 : 7 .

-----------
( 5 ) مناقب السروي 2 : 24 .

[ 155 ]

أتيت قليبا بعيد القعر مظلما فانحدرت فيه . فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل تأهّبوا لنصرة محمّد و حزبه قال : فهبطوا من السماء ، لهم دويّ يذهل من يسمعه ، فلمّا حاذوا القليب و قفوا و سلّموا علي من عند آخرهم إكراما و تبجيلا و تعظيما .

قال سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) بعد نقله الخبر عن ( فضائل أحمد بن حنبل ) و ذكره أرباب المغازي أيضا 1 .

« و أشمّ ريح النبوّة » قال سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) : قال عكرمة و سمع ( ابن عباس ) اقواما يتناولون عليا عليه السلام فقال : و يحكم أتذكرون رجلا كان يسمع وطء جبرئيل عليه السلام فوق بيته 2 .

« و لقد سمعت رنّة الشيطان » أي : صيحته . قال الشاعر :

عمدا فعلت ذاك بيد أنّي
أخال إن هلكت لم ترنّي

« حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقلت : يا رسول اللّه ما هذه الرنّة فقال هذا الشيطان أيس » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : ( قد أيس ) كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .

« من عبادته » في ( الخصال ) : عن الصادق عليه السلام : رنّ ابليس اربع رنّات ،

أوّلهنّ يوم لعن ، و حين اهبط إلى الأرض ، و حين بعث محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم الخبر 4 .

و قال ابن أبي الحديد : روى أحمد بن حنبل في ( مسنده ) عن علي عليه السلام قال : كنت مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم صبيحة اللّيلة الّتي اسري به فيها ، و هو بالحجر يصلّي فلما قضى صلاته و قضيت صلاتى سمعت رنّة شديدة فقلت : يا رسول

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 46 .

-----------
( 2 ) تذكرة الخواص : 152 .

-----------
( 3 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3 : 250 ، لكن في شرح ابن ميثم 4 : 307 ، ايضا نحو المصرية .

-----------
( 4 ) الخصال 1 : 263 ح 141 ، باب الاربعة .

[ 156 ]

اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما هذه الرنّة ؟ قال : ألا تعلم هذه رنّة الشيطان . علم انّي اسري بي اللّيلة إلى السماء فأيس من أن يعبد في هذه الأرض 1 .

« إنّك تسمع ما أسمع » قال الصادق عليه السلام : لمّا هبط جبرئيل عليه السلام بالأذان على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان رأسه في حجر علي عليه السلام فأذّن جبرئيل ، و اقام . فلمّا انتبه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : يا علي سمعت ؟ قال : نعم . قال : حفظت ؟ قال : نعم . قال : ادع بلالا فعلّمه . فدعا علي عليه السلام بلالا فعلّمه 2 .

« و ترى ما أرى إلاّ أنّك لست بنبيّ ، و لكنّك وزير ، و انّك لعلى خير » قال ابن أبي الحديد : أمّا خبر الوزارة فقد ذكره الطبري في ( تاريخه ) عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال : لمّا أنزلت هذه الآية و انذر عشيرتك الأقربين 3 إلى أن قال قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي و خليفتي فيكم إلى ان قال فاسمعوا له و أطيعوا إلى أن قال بعد ذكر قيامه عليه السلام و قوله : انّا أؤازرك يا رسول اللّه ، و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له : أنت أخي و وصيّي و خليفتي فاسمعوا له و أطيعوا فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع 4 .

و قال أيضا و روى أيضا انّ رجلا قال لعليّ عليه السلام : بم ورثت ابن عمك دون عمك ؟ فقال علي عليه السلام : هاؤم ثلاث مرات حتى اشرأب الناس و نشروا آذانهم ثم قال : جمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بني عبد المطلب بمكّة و هم رهط كلهم يأكل الجذعة و يشرب الفرق فصنع مدا من طعام حتّى اكلوا و شبعوا ، و بقي الطعام كما هو كأنّه لم يمسّ ، ثم دعا بغمر فشربوا و رووا و بقي الشراب كأنه لم

-----------
( 1 ) نسبه إلى مسند أحمد ، ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 254 .

-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 3 : 302 ح 2 ، و الصدوق في الفقيه 1 : 183 ح 2 ، و الطوسي في التهذيب 2 : 277 ح 1 .

-----------
( 3 ) الشعراء 214 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 255 ، و تاريخ الطبري 2 : 63 .

[ 157 ]

يشرب ، ثم قال : يا بني عبد المطلب إنّي بعثت إليكم خاصّة ، و إلى الناس عامّة ،

فأيّكم يبايعني على أن يكون أخي ، و صاحبي و وارثي . فلم يقم إليه أحد . فقمت إليه و كنت من أصغر القوم ، فقال : إجلس ثم قال : ذلك ثلاث مرّات كل ذلك أقوم إليه . فيقول إجلس حتّى كان في الثالثة . فضرب بيده على يدي فعند ذلك ورثت ابن عمي دون عمي 1 .

قلت : أيّ نصّ أصرح من هذا ، و لو لم يكن له عليه السلام إلاّ هذا لكفاه مع أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم دلّ على استخلافه من حين بعثته إلى حين وفاته عموما ، و في غدير خم خصوصا .

و قال ابن أبي الحديد أيضا : و يدلّ على أنّه وزير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من نصّ الكتاب و السنّة قوله تعالى : و اجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري و اشركه في أمري 2 و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الاسلام : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي » فأثبت له جميع مراتب هارون من موسى عليه السلام فاذن هو عليه السلام وزير رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و شادّ أزره ، و لو لا أنّه خاتم النبيين لكان شريكا في أمره 3 .

قلت : فإذا كان جميع مراتب هارون من موسى غير النبوة تكون له عليه السلام من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيّ شي‏ء بقي للرجلين حتّى قاما مقامه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أخّراه عليه السلام عن ذلك ، و من مراتب هارون من موسى كونه خليفته في قومه . قال تعالى :

و قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي و أصلح و لا تتّبع سبيل المفسدين 4 .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 255 ، و تاريخ الطبري 2 : 63 .

-----------
( 2 ) طه : 29 32 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 3 : 255 .

-----------
( 4 ) الاعراف : 142 .

[ 158 ]

و في ( العقد ) : أنّ المأمون استدلّ على استخلافه بالآية مع الرواية فقال له إسحاق بن إبراهيم من فقهاء العامة أنّ موسى خلّف هارون في قومه و هو حيّ و مضى إلى ربه . و انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خلّف عليا كذلك حين خرج إلى غزاته ،

فقال له المأمون : ليس كما قلت . أخبرني عن موسى عليه السلام حين خلّف هارون هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من أصحابه أو أحد من بني إسرائيل ؟ قال :

لا . قال : أ و ليس استخلفه على جماعتهم قال : نعم قال : فأخبرني عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين خرج إلى غزاة تبوك هل خلّف إلاّ الضعفاء و النساء و الصبيان فأنّى يكون مثل ذلك 1 .

و قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما ورد في دعاء الندبة : أشهد أنّ الايمان خالط لحمك ، و دمك يا علي كما خالط لحمي و دمي 2 .

و روى ابن مردويه عن أمّ سلمة انّه كان لها مولى لا يصلّي صلاة إلاّ سبّ عليا عليه السلام فقالت له : ما حملك على ذلك ؟ قال : لأنّه قتل عثمان و شرك في دمه فقالت له : لو لا انّك مولاي و أنك عندي بمنزلة ولدي ما حدّثتك بسرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . قد أقبل يوما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و كان يومي منه و انّما كان نصيبي من تسعة ايّام يوما واحدا فدخل و هو يتخلخل أصابعه في أصابع علي عليه السلام واضعا يده عليه فقال : يا أمّ سلمة اخرجي من البيت و أخليه لنا . فخرجت و أقبلا يتناجيان ، و أسمع الكلام ، و لا أدري ما يقولان حتّى اثّاقلت ، و قد انتصف النهار فاقبلت و قلت : السلام عليك ءألج ؟ فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لا . فرجعت و جلست حتّى قلت : قد زالت الشمس ، الآن تخرج إلى الصلاة فتذهب يومي ،

و لم أر يوما قطّ أطول منه ، فأقبلت أمشي حتّى وقفت و قلت : السلام عليك ءألج .

-----------
( 1 ) العقد الفريد 5 : 325 ، و النقل بتصرف في اللفظ .

-----------
( 2 ) رواه ابن طاووس في مصباح الزائر و عنه مفاتيح الجنان : 1149 ، و لفظه « و الايمان مخالط . . . » .

[ 159 ]

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : نعم . فدخلت و علي واضع يده على ركبة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ،

فدخلت و فم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على اذن علي يتسارّان و علي عليه السلام معرض وجهه حتى دخلت ، و خرج فأخذني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حجره ، و أصاب منّي ما يصيب الرجل من أهله من اللطف و الاعتذار ، ثم قال : يا ام سلمة لا تلوميني . فإنّ جبرئيل أتاني بما هو كائن بعدي ، و أمرني أن اوصي به عليّا من بعدي ، و كنت بين جبرئيل و علي ، جبرئيل عن يميني ، و علي عن شمالي ، فأمرني جبرئيل أن آمر عليا بما هو كائن بعدي إلى يوم القيامة . فاعذريني ، و لا تلوميني . انّ اللّه عزّ و جلّ اختار من كل أمّة نبيّا ، و اختار لكلّ نبيّ وصيا ، و أنا نبيّ هذه الامّة ،

و علي وصيي في عترتي و أهل بيتي و امّتي من بعدي قالت له : فهذا ما شهدت من علي عليه السلام الآن فسبّه اودعه . قال : فأقبل مولاها يناجى اللّيل و النهار « اللهمّ اغفر لي ما جهلت من أمر علي عليه السلام » 1 .

و روى الخطيب في ( لا هز ) عن أنس قال : بعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبي برزة الأسلمي فقال له و أنا أسمعه : يا أبا برزة إن ربّ العالمين تعالى عهد إليّ في علي ابن أبي طالب عهدا فقال : « علي راية الهدى ، و منار الإيمان ، و إمام أوليائي ، و نور جميع من أطاعني . يا أبا برزة علي معي غدا يوم القيامة على حوضي ، و صاحب لوائي ، و معي غدا على مفاتيح خزائن جنّة ربّي 2 .

و روى زرارة ، و محمّد بن مسلم عن محمّد بن علي عليه السلام و حمران بن أعين . عن جعفر بن محمّد عليه السلام أنّ جبرئيل أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم برمّانتين ، فأكل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إحداهما و كسر ااخرى بنصفين ، فأكل نصفا ، و أطعم عليا عليه السلام نصفا ثم قال له : يا أخي هل تدري ما هاتان الرمّانتان ؟ قال : لا . قال : أمّا الاولى

-----------
( 1 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 1 : 24 ح 22 .

-----------
( 2 ) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 14 : 99 .

[ 160 ]

فالنبوّة ليس لك فيها نصيب ، و أما الاخرى ، فالعلم أنت شريكي فيه . فلم يعلم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حرفا ممّا علّمه اللّه تعالى إلاّ علّمه عليّا عليه السلام الخبر 1 .

و روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) : عن عمر بن سعد ، عن مسلم الملائي عن حبّة عن علي قال : لما نزل علي عليه السلام الرقّة بمكان يقال له : بليخ على جانب الفرات نزل راهب من صومعته فقال لعلي عليه السلام : انّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى بن مريم عليه السلام اعرضه عليك . قال علي عليه السلام : نعم فما هو ؟

قال الراهب : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم الّذي قضى في ما قضى ، و سطر في ما سطّر أنه باعث في الاميين رسولا منهم يعلّمهم الكتاب و الحكمة إلى أن قال .

فيمرّ رجل من امّته بشاطئ هذا الفرات يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقضي بالحق ، و لا يرتشي في الحكم ، و الدنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت الريح ، و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظماء ، يخاف اللّه في السرّ ، و ينصح له في العلانية ، و لا يخاف في اللّه لومة لائم ، من أدرك ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من أهل هذه البلاد فآمن به كان ثوابه رضوانه و الجنّة ، و من أدرك ذلك العبد الصالح فلينصره فإنّ القتل معه شهادة .

و قال الراهب له عليه السلام : « فأنا مصاحبك غير مفارقك حتّى يصيبني ما أصابك » فبكي علي عليه السلام ثم قال : « الحمد للّه الّذي لم يجعلني عنده منسيا ، الحمد للّه الّذي ذكرني في كتب الأبرار » .

و مضى الراهب معه عليه السلام و كان في ما ذكروا يتغدّى معه عليه السلام و يتعشّى حتى اصيب يوم صفّين ، فلمّا خرج الناس يدفنون قتلاهم ، قال علي عليه السلام :

-----------
( 1 ) أخرجه الصفار في البصائر : 313 ح 2 و 3 و 5 ، عن زرارة و محمد بن مسلم عن الباقر عليه السلام و أخرجه هو في المصدر : 312 ح 1 ، عن حمران عن الباقر عليه السلام ، و أخرجه في المصدر : 311 ح 6 ، بفرق في العبارة عن حمران عن الصادق عليه السلام .

[ 161 ]

اطلبوه ، فلمّا و جدوه صلّى عليه و دفنه ، و قال : هذا من أهل البيت ، و استغفر له مرارا 1 .

« و هل يصدقّك في امرك إلاّ مثل هذا يعنونني » قال السروي في رواية الحرث بن نوفل ، و أبي رافع ، و عباد بن عبد اللّه الأسدي عن علي عليه السلام في خبر طلب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بني عبد المطلب معاضدته حتى يفوّض إليهم وزارته و خلافته فقلت : أنا يا رسول اللّه قال : أنت ، و أدناني إليه و تفل في فيّ ، و قاموا يتضاحكون ، و يقولون : بئس ما حبا ابن عمه إذ اتّبعه و صدّقه 2 .

« و انّي لمن قوم لا تأخذهم في اللّه لومة لائم » روى الطبري عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة قال : لمّا أقبل علي عليه السلام من اليمن ليلقى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمكّة تعجّل إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و استخلف على جنده الّذين معه رجلا من أصحابه . فعمد ذلك الرجل فكسا رجالا من القوم حللا من البزّ الذّي كان مع علي عليه السلام فلمّأ دنا جيشه خرج علي عليه السلام ، ليلقاهم فإذا هم عليهم الحلل فقال :

ويحك ما هذا ؟ قال : كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس . فقال : ويلك انزع من قبل ان تنتهي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فانتزع الحلل من الناس ، و ردّها في البز ، و أظهر الجيش شكايته لما صنع بهم قال ابو سعيد الخدري : شكا الناس عليا فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فينا خطيبا . فسمعته يقول : يا أيّها الناس لا تشكوا عليا فو اللّه إنّه لا خشن في ذات اللّه 3 .

« سيماهم سيما الصديقين ، و كلامهم كلام الأبرار » روى المسعودي في ( مروجه ) في قصة الجمل عن المنذر بن الجارود قال : لمّا قدم علي عليه السلام

-----------
( 1 ) وقعة صفين : 147 .

-----------
( 2 ) مناقب السروي 2 : 25 .

-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 401 402 ، سنة 10 .

[ 162 ]

البصرة دخل ممّا يلي الطف فأتى الزاوية . فخرجت انظر إليه . فورد موكب نحو الف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب ، عليه قلنسوة و ثياب بيض ،

متقلد سيفا معه راية ، و اذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض و الصفرة ،

مدّججين في الحديد و السلاح . فقلت : من هذا ؟ فقيل ، أبو أيوب الأنصاري صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هؤلاء الأنصار .

ثم تلاهم فارس آخر عليه عمامة صفراء ، و ثياب بيض ، متقلّد سيفا ،

متنكب قوسا ، معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس . فقلت : من هذا ؟

فقيل : خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين .

ثم مرّ بنا فارس آخر على كميت معتمّ بعمامة صفراء من تحتها قلنسوة بيضاء ، و عليه قباء أبيض مصقول ، متقلد سيفا ، متنكّب قوسا ، في نحو ألف فارس و معه راية فقلت : من هذا ؟ فقيل : أبو قتادة بن ربعي .

ثم مرّ بنا فارس آخر على فرس أشهب عليه ثياب بيض ، و عمامة سوداء قد سدلها بين يديه ، و من خلفه ، شديد الأدمة ، على سكينة و وقار ، رافع صوته بقراءة القرآن ، متقلد سيفا ، متنكّب قوسا ، معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان ، حوله مشيخة و كهول و شبان . كأن قد أوقفوا للحساب ،

عليهم أثر السجود قد أثّر في جباههم فقلت : من هذا ؟ فقيل : عمار بن ياسر في عدّة من الصحابة من المهاجرين و الأنصار و أبنائهم .

ثم مرّ بنا فارس على فرس أشقر ، عليه ثياب بيض و قلنسوة بيضاء ،

و عمامة صفراء ، متنكب قوسا ، متقلد سيفا ، تخطّ رجلاه في الارض ، في الف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة و البياض معه راية صفراء قلت : من هذا ؟ قيل : قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار و أبنائهم ، و غيرهم من قحطان .

ثم مرّ بنا فارس على فرس أشهل ما رأينا احسن منه ، عليه ثياب بيض ،

[ 163 ]

و عمامة سوداء قد سدلها بين يديه ، بلواء . قلت : من هذا ؟ قيل : هو عبد اللّه بن عباس في عدّة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

ثم أقبلت المواكب و الرايات يقدم بعضها بعضا و اشتبكت الرماح .

ثم ورد موكب فيه خلق من الناس عليهم السلاح و الحديد مختلفوا الرايات في أوّله راية كبيرة يقدمهم رجل كأنّما كسر و جبر ، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق ، كانّما على رؤوسهم الطير ، و عن ميمنته شاب حسن الوجه ، و عن ميسرته شاب حسن الوجه . قلت : من هؤلاء ؟ قيل : هذا علي بن أبي طالب ، و هذان الحسن و الحسين عن يمينه و شماله ، و هذا محمّد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى ، و هذا الّذي خلفه عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ،

و هؤلاء ولد عقيل ، و غيرهم من فتيان بني هاشم ، و هؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين و الانصار . فساروا حتى نزلوا المعروف بالزاوية . فصلّى علي عليه السلام أربع ركعات ، و عفّر خدّيه على التراب و قد خالط ذلك دموعه .

ثم رفع يديه يدعو : « اللهمّ ربّ السماوات و ما اظلّت ، و الأرضين و ما اقلّت ، و رب العرش العظيم هذه البصرة أسألك من خيرها ، و أعوذ بك من شرّها اللهم أنزلنا فيها خير منزل ، و أنت خير المنزلين ، اللهم هؤلاء القوم قد خلعوا طاعتي ، و بغوا علي و نكثوا بيعتي ، اللهم احقن دماء المسلمين » .

قال : و بعث إليهم من يناشدهم اللّه في الدماء و قال : « علام تقاتلوني ؟ » فأبوا إلاّ الحرب فبعث رجلا من أصحابه يقال له مسلم معه مصحف يدعوهم إلى اللّه فرموه بسهم فقتل 1 .

و في ( مطالب السؤول ) لابن طلحة الشافعي ، عن ( تفسير الثعلبي ) ، عن أبي ذر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « علي قائد البررة ، و قاتل الكفرة ، منصور من نصره ،

-----------
( 1 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 2 : 359 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 164 ]

مخذول من خذله . . . » 1 ، و هو في تصدّقه في الصلاة و نزول آية انّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون فيه عليه السلام 2 .

« عمّار الليل » رووا انّ رجلا من التابعين سمع أنس بن مالك يقول : نزل قوله تعالى أمّن هو قانت آناء الليل ساجدا و قائما يحذر الآخرة و يرجو رحمة ربه 3 فيه عليه السلام ، فأتاه لينظر إلى عبادته في ليلة ، فوجده كذلك ، فخرج و هو يقول : أشهد أنّ الآية نزلت فيه 4 .

و عن ( إبانة التلعكبري ) ، عن سليمان بن المغيرة ، عن امّه قالت : سألت ام سعيد سريّة علي عليه السلام عن صلاة علي في شهر رمضان فقالت : رمضان و شوال سواء يحيي الليل كله 5 .

و عن ( مسند أبي يعلى ) عنه عليه السلام قال : « ما تركت صلاة الليل منذ سمعت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم صلاة الليل نور » فقال ابن الكواء : و لا ليلة الهرير ؟ قال : « و لا ليلة الهرير » 6 .

« و منار النهار » قال زاذان : كان علي عليه السلام يمشي في الأسواق وحده ، و هو في ذاك يرشد الضالّ ، و يعين الضعيف ، و يمرّ بالبيّاع و البقّال فيفتح عليه القرآن و يقرأ : تلك الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا

-----------
( 1 ) مطالب السؤول : 31 .

-----------
( 2 ) المائدة : 55 .

-----------
( 3 ) الزمر : 9 .

-----------
( 4 ) رواه الفتال في الروضة 1 : 117 ، و عنه السروي في مناقبه 2 : 124 ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 5 ) رواه عن كتاب الابانة لابن بطة العكبري ، السروي في مناقبه 2 : 123 ، و التلعكبري غلط واضح .

-----------
( 6 ) رواه عنه السروي في مناقبه 2 : 123 .

[ 165 ]

فسادا و العافية للمتقين 1 .

و روى محمد بن علي بن بابويه في ( أماليه ) عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان علي عليه السلام كل بكرة يطوف في اسواق الكوفة سوقا سوقا ، و معه الدرة على عاتقة ، و كان لها طرفان ، و كانت تسمّى السبيبة فيقف على سوق سوق فينادي : يا معشر التجار قدّموا الاستخارة ، و تبرّكوا بالسهولة ، و اقتربوا من المبتاعين ، و تزيّنوا بالحلم ، و تناهوا عن الكذب و اليمين ، و تجافوا عن الظلم ،

و أنصفوا المظلومين ، و لا تقربوا الربا ، و أوفوا الكيل و الميزان ، و لا تبخسوا الناس أشياءهم ، و لا تعثوا في الأرض مفسدين . يطوف في جميع أسواق الكوفة فيقول هذا ثم يقول :

تفنى اللذاذة ممّن نال صفوتها
من الحرام و يبقى الإثم و العار

تبقى عواقب سوء في مغبّتها
لا خير في لذة من بعدها النار

و كانوا اذا انظروا إليه عليه السلام قد أقبل إليهم و قال : « أيا معشر التجار » أمسكوا أيديهم ، و أصغوا إليه بآذانهم ، و رمقوه بأعينهم حتى يفرغ من كلامه ،

فإذا فرغ قالوا : السمع و الطاعة ، ثم يرجع فيقعد للناس 2 .

و قال ابن أبي الحديد في موضع آخر : روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال : كان علي عليه السلام إذا صلّى الفجر لم يزل معقّبا إلى أن تطلع الشمس ، فإذا طلعت اجتمع إليه الفقراء و المساكين ( فيعطيهم و اجتمع ) غيرهم من الناس فيعلّمهم الفقه و القرآن ، و كان له وقت يقوم فيه من مجلسه . فقام يوما فمرّ برجل فرماه بكلمة هجر ، فرجع عوده على بدئه حتى صعد المنبر ، و امر

-----------
( 1 ) أخرجه ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 3 : 249 ح 1267 ، و غيره و النقل بتصرف في اللفظ ، و الآية 83 من سورة القصص .

-----------
( 2 ) أخرجه الصدوق في اماليه : 402 ح 6 ، مجلس 75 .

[ 166 ]

فنودي الصلاة جامعة فحمد اللّه و أثنى عليه ، و صلّى على نبيه ثم قال : « أيّها الناس إنّه ليس شي‏ء احبّ إلى اللّه ، و لا اعمّ نفعا من حلم امام و فقهه ، و لا شي‏ء أبغض اللّه ، و لا أعمّ ضررا من جهل امام و خرقه ، ألا و إنه من لم يكن له من نفسه واعظ لم يكن له من اللّه تعالى حافظ ، ألا و إنه من انصف من نفسه لم يزده اللّه إلاّ عزّا ، ألا و إنّ الذلّ في طاعة اللّه أقرب إلى اللّه من التعزّز في معصيته .

ثم قال : أين المتكلّم آنفا . فلم يستطع الانكار . فقال : ها أنا ذا يا أمير المؤمنين فقال : « أما إنّي لو أشاء لقلت » فقال : ان تعف و تصفح فأنت أهل ذلك . قال عليه السلام :

« قد عفوت و صفحت » قال : فقيل لأبي جعفر عليه السلام ما أراد ان يقول ؟ قال : أراد ان ينسبه 1 .

و في ( المناقب ) عن الباقر عليه السلام قال : رجع علي عليه السلام إلى داره في وقت القيظ فاذا امرأة قائمة تقول : انّ زوجي ظلمني ، و أخافني ، و تعدّى علي ، و حلف ليضربني فقال : يا امة اللّه أصبري حتى يبرد النهار ثم أذهب معك . فقالت : يشتدّ غضبه و حرده علي . فطأطأ رأسه ثم رفعه و هو يقول « أو يؤخذ للمظلوم حقّه غير متعتع . أين منزلك ؟ » فمضى إلى بابه فوقف و قال : « السلام عليكم » فخرج شابّ فقال عليه السلام له : « يا عبد اللّه اتّق اللّه فإنّك أخفتها ، و أخرجتها » فقال الفتى : و ما أنت و ذاك و اللّه لاحرقنّها لكلامك .

فقال عليه السلام مسلتا سيفه « أنهاك عن المنكر ، و تستقبلني بالمنكر ، و تنكر المعروف » و أقبل الناس من الطرق يقولون : السلام عليك يا أمير المؤمنين فسقط الرجل في يديه فقال : أقلني عثرتي يا أمير المؤمنين فو اللّه لأكونن لها أرضا تطأني . فأغمد عليه السلام سيفه و قال : يا أمّة اللّه ادخلي منزلك ،

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 373 ، شرح الخطبة 56 .

[ 167 ]

و لا تلجئي زوجك إلى مثل هذا 1 .

« متمسكون بحبل القرآن » تواتر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم انه قال : « انّ القرآن و عترتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، « يحيون سنن اللّه و سنن رسوله » 2 روى الشيخ في ( أماليه ) مسندا عن جابر الأنصاري قال : لمّا فرغ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من هوازن سار حتّى نزل الطائف . فسأله القوم ان يبرح عنهم حتى يقدم عليه و فدهم فيشترط له ، و يشترطون لانفسهم . فسار حتى نزل مكّة . فقدم عليه نفر منهم باسلام قومهم ، و لم ينجع القوم له بالصلاة و الزكاة فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّه لا خير في دين لا ركوع فيه و لا سجود أما و الذي نفسي بيده لتقيمنّ الصلاة ، و لتؤتنّ الزكاة أو لأبعثنّ إليكم رجلا هو منّي كنفسي ، فليضربنّ اعناق مقاتليهم ، و ليسبينّ نساءهم و ذراريهم ، و هو هذا و اخذ بيد علي عليه السلام فاشالها فلمّا صارا الوفد إلى قومهم أخبروهم بما سمعوا من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأقّرّوا له بالصلاة و ما شرط عليهم فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « ما استعصى علي أهل مملكة و لا امّة إلاّ رميتهم بسهم اللّه » قالوا : و ما سهم اللّه ؟ قال : « علي ، ما بعثته في سرية إلاّ رأيت جبرئيل عن يمينه ،

و ميكائيل عن يساره ، و ملكا أمامه ، و سحابة تظلّه حتّى يعطي اللّه حبيبي النصر و الظفر » 3 .

« لا يستكبرون و لا يعلون ، و لا يغلّون » قال الجوهري « غلّ من المغنم

-----------
( 1 ) مناقب السروي 2 : 106 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) حديث الثقلين أخرجه جمع كثير منهم مسلم في صحيحه 4 : 1873 و 1874 ح 36 و 37 ، و الترمذي في سننه 5 :

663 ح 3788 و الدارمي في سننه 2 : 431 ، و الحاكم في المستدرك 3 : 148 ، عن زيد بن أرقم ، و روي عن غيره من الأصحاب أيضا .

-----------
( 3 ) أخرجه أبو علي الطوسي في أماليه 2 : 118 ، جزء 18 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 168 ]

غلولا » أي : خان ، و أغلّ مثله 1 .

« و لا يفسدون » كما قال تعالى : تلك الدار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و العاقبة للمتّقين 2 .

و عن الأصبغ بن نباته نزل قوله تعالى : و عباد الرحمن الّذين يمشون على الأرض هونا 3 فيه عليه السلام 4 و عن زيد بن علي أنه عليه السلام كان يمشي في خمسة حافيا و يعلّق نعله بيده اليسرى يوم الفطر ، و النحر ، و يوم الجمعة ،

و عند العيادة ، و تشييع الجنازة ، و يقول : إنها مواضع اللّه و أحبّ أن أكون فيها حافيا 5 .

و في ( كامل الجزري ) : قال الشعبي : وجد علي عليه السلام درعا له عند نصراني فأقبل به إلى شريح ، و جلس إلى جانبه و قال : لو كان خصمي مسلما لساويته ، و قال : هذه درعي فقال النصراني : ما هي إلاّ درعي ،

و لم يكذّب أمير المؤمنين عليه السلام فقال شريح لعليّ عليه السلام : ألك بيّنة ؟ قال : لا .

و هو يضحك ، فأخذ النصراني الدرع و مشى يسيرا ثم عاد ، و قال : « اشهد أنّ هذه أحكام الأنبياء . أمير المؤمنين قدّمني إلى قاضيه ، و قاضيه يقضي عليه » ثم أسلم ، و اعترف أنّ الدرع سقطت من علي عليه السلام عند مسيره إلى صفين . ففرح علي عليه السلام بإسلامه و وهب له الدرع و فرسا ، و شهد معه قتال الخوارج 6 .

و عن عاصم بن كليب عن أبيه : قدم على علي عليه السلام مال من اصبهان

-----------
( 1 ) صحاح اللغة 5 : 1784 ، مادة ( غلل ) .

-----------
( 2 ) القصص : 83 .

-----------
( 3 ) الفرقان : 63 .

-----------
( 4 ) أخرجهما السروي في مناقبه 2 : 104 .

-----------
( 5 ) أخرجهما السروي في مناقبه 2 : 104 .

-----------
( 6 ) كامل ابن الاثير 3 : 401 ، سنة 40 .

[ 169 ]

فقسّمه على سبعة أسهم فوجد فيه رغيفا فكسره على سبعة ، و دعا أمراء الاسباع فأقرع بينهم لينظر أيّهم يعطي اولا 1 .

« قلوبهم في الجنان ، و أجسادهم في العمل » روى ( الارشاد ) عن سعيد ابن كلثوم قال : كنت عند جعفر بن محمّد الصادق فذكر أمير المؤمنين عليا عليه السلام فأطراه و مدحه بما هو أهله ثم قال : و اللّه ما أكل علي من الدنيا حراما قطّ حتى مضى لسبيله ، و ما عرض له أمران قطّ هما للّه رضى إلاّ أخذ بأشدّهما عليه في دينه ، و ما نزلت بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم نازلة قطّ إلاّ دعاه ثقة به ، و ما أطاق عمل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من هذه الامّة غيره ، و ان كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنّة و النار يرجو ثواب هذه ، و يخاف عقاب هذه ،

و لقد اعتق من ماله مئة ألف مملوك في طلب وجه اللّه ، و النجاة من النار ممّا كدّ بيديه ، و رشح منه جبينه ، و ان كان ليقوت أهله بالزيت و الخل و العجوة ،

و ما كان لباسه إلاّ الكرابيس ، اذا فصل شي‏ء عن يده من كمّه دعا بالحلم فقصه 2 .

و روى ( سبط ابن الجوزي ) ، عن سويد بن غفلة قال : دخلت على علي عليه السلام يوما و ليس في داره سوى حصير رثّ ، و هو جالس عليه . فقلت يا أمير المؤمنين انت ملك المسلمين و الحاكم عليهم ، و على بيت المال ، و تأتيك الوفود ، و ليس في بيتك سوى هذا الحصير شي‏ء . فقال : « يا سويد إنّ اللبيب لا يتأثث في دار النقلة ، و أمامنا دار المقامة . قد نقلنا إليها متاعنا و نحن منتقلون إليها عن قريب » قال سويد : فأبكاني و اللّه كلامه 3 .

-----------
( 1 ) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب 3 : 49 ، و ابن عساكر في ترجمة علي عليه السلام 3 : 227 ح 1230 ، و غيرها و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) نسبه الى ارشاد المفيد المجلسي في بحار الانوار 41 : 110 ح 19 .

-----------
( 3 ) رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 115 .

[ 170 ]