8

الكتاب ( 64 ) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا :

أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّا كُنَّا نَحْنُ وَ أَنْتُمْ عَلَى مَا ذَكَرْتَ مِنَ اَلْأُلْفَةِ وَ اَلْجَمَاعَةِ فَفَرَّقَ بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَمْسِ أَنَّا آمَنَّا وَ كَفَرْتُمْ وَ اَلْيَوْمَ أَنَّا اِسْتَقَمْنَا وَ فُتِنْتُمْ وَ مَا أَسْلَمَ مُسْلِمُكُمْ إِلاَّ كَرْهاً وَ بَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْفُ اَلْإِسْلاَمِ كُلُّهُ ؟ لِرَسُولِ اَللَّهِ ص ؟

حَرْباً وَ ذَكَرْتَ أَنِّي قَتَلْتُ ؟ طَلْحَةَ ؟ وَ ؟ اَلزُّبَيْرَ ؟ وَ شَرَّدْتُ ؟ بِعَائِشَةَ ؟ وَ نَزَلْتُ بَيْنَ اَلْمِصْرَيْنِ وَ ذَلِكَ أَمْرٌ غِبْتَ عَنْهُ فَلاَ عَلَيْكَ وَ لاَ اَلْعُذْرُ فِيهِ إِلَيْكَ وَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ زَائِرِي فِي جَمْعِ اَلْمُهَاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصَارِ وَ قَدِ اِنْقَطَعَتِ اَلْهِجْرَةُ يَوْمَ أُسِرَ أَخُوكَ فَإِنْ كَانَ فِيكَ عَجَلٌ فَاسْتَرْفِهْ فَإِنِّي إِنْ أَزُرْكَ فَذَلِكَ جَدِيرٌ أَنْ يَكُونَ اَللَّهُ إِنَّمَا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِلنِّقْمَةِ مِنْكَ وَ إِنْ تَزُرْنِي فَكَمَا قَالَ أَخُو ؟ بَنِي أَسَدٍ ؟

مُسْتَقْبِلِينَ رِيَاحَ اَلصَّيْفِ تَضْرِبُهُمْ
بِحَاصِبٍ بَيْنَ أَغْوَارٍ وَ جُلْمُودِ

وَ عِنْدِي اَلسَّيْفُ اَلَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَ خَالِكَ وَ أَخِيكَ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ

-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 216 ، و النقل بتلخيص .

[ 249 ]

فَإِنَّكَ وَ اَللَّهِ مَا عَلِمْتُ اَلْأَغْلَفُ اَلْقَلْبِ اَلْمُقَارِبُ اَلْعَقْلِ وَ اَلْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَكَ إِنَّكَ رَقِيتَ سُلَّماً أَطْلَعَكَ مَطْلَعَ سُوءٍ عَلَيْكَ لاَ لَكَ لِأَنَّكَ نَشَدْتَ غَيْرَ ضَالَّتِكَ وَ رَعَيْتَ غَيْرَ سَائِمَتِكَ وَ طَلَبْتَ أَمْراً لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لاَ فِي مَعْدِنِهِ فَمَا أَبْعَدَ قَوْلَكَ مِنْ فِعْلِكَ وَ قَرِيبٌ مَا أَشْبَهْتَ مِنْ أَعْمَامٍ وَ أَخْوَالٍ حَمَلَتْهُمُ اَلشَّقَاوَةُ وَ تَمَنِّي اَلْبَاطِلِ عَلَى اَلْجُحُودِ ؟ بِمُحَمَّدٍ ص ؟ فَصُرِعُوا مَصَارِعَهُمْ حَيْثُ عَلِمْتَ لَمْ يَدْفَعُوا عَظِيماً وَ لَمْ يَمْنَعُوا حَرِيماً بِوَقْعِ سُيُوفٍ مَا خَلاَ مِنْهَا اَلْوَغَى وَ لَمْ تُمَاشِهَا اَلْهُوَيْنَى أقول : قال ابن أبي الحديد : كتاب معاوية الّذي كان كتابه عليه السلام هذا جوابه « من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب . أما بعد ، فإنّا بني عبد مناف لم نزل ننزع من قليب واحد ، و نجري في حلبة واحدة ، ليس لبعضنا على بعض فضل ، و لا لقائمنا على قاعدنا فخر . كلمتنا مؤتلفة ، و الفتنا جامعة ، و دارنا واحدة ، يجمعنا كرم العرق ، و يحوينا شرف النجار ، و يحنو قويّنا على ضعيفنا ، و يواسي غنيّنا فقيرنا ، فقد خلصت قلوبنا من دغل الحسد ، و طهرت أنفسنا من خبث التخية . فلم نزل كذلك . حتّى كان منك ما كان من الإدهان في أمر ابن عمك و الحسد له ، و تضريب الناس عليه . حتى قتل بمشهد منك . لا تدفع عنه بلسان و لا يد ، فليتك أظهرت نصره حيث أسررت خشره . فكنت كالمتعلّق بين الناس بعذر و إن ضعف ، و المتبرّي من دمه بدفع و ان وهن ، و لكنّك جلست في دارك تدسّ إليه الدواهي و ترسل إليه الأفاعي . حتّى إذا قضيت و طرك منه أظهرت شماتة ، و أبديت طلاقة ، و حسرت للأمر عن ساعدك ، و شمّرت عن ساقك ، و دعوت الناس إلى نفسك ، و أكرهت أعيان المسلمين على بيعتك ، ثم كان منك بعد ما كان من قتلك شيخي المسلمين أبي محمّد و طلحة ، و أبي

[ 250 ]

عبد اللّه الزبير و هما من الموعودين بالجنّة و المبشّر . قاتل أحدهما بالنار في الآخرة ، و تشريدك بأم المؤمنين عائشة و احلالها محل الهون . مبتذلة بين الأعراب ، و فسقة أهل الكوفة ، فمن بين منتهد لها و ساخر منها . أترى ابن عمّك كان بهذا لو رآه راضيا ؟ أم كان يكون عليه ساخطا ، و لك عنه زاجرا ، أن تؤذي أهله ، و تشرّد بحليلته ، و تسفك دماء أهل ملّته . ثم تركك دار الهجرة الّتي قال رسول اللّه عنها « انّ المدينة لتنفي خبثها . كما ينفي الكير خبث الحديد » فلعمري لقد صدق و عده و صدق قوله ، و لقد نفت خبثها ، و طردت عنها من ليس بأهل أن يستوطنها ، فأقمت بين المصرين ، و بعدت عن بركة الحرمين ، و رضيت بالكوفة بدلا من المدينة ، و بمجاورة الخورنق و الحيرة عوضا من مجاورة خاتم النبوّة ، و من قبل ذلك ، ما عيّبت خليفتى رسول اللّه أيّام حياتهما . فقعدت عنهما ، و ألببت عليها و امتنعت من بيعتهما ، و رمت أمرا لم يرك اللّه له أهلا ،

و رقيت سلّما و عرا ، و حاولت مقاما دحصا و ادّعيت ما لم تجد عليه ناصرا ،

و لعمري لو وليتها حينئذ لما ازدادت إلاّ فسادا و اضطرابا ، و لا أعقبت و لا يتكها إلاّ إنتشارا و إرتدادا . لأنّك الشامخ بأنفه ، الذاهب بنفسه ، المستطيل على الناس بلسانه و يده ، و ها أنا سائر اليك في جمع من المهاجرين و الأنصار ، تحفّهم سيوف شاميّة ، و رماح قحطانية ، حتّى يحاكموك إلى اللّه ، فانظر لنفسك و المسلمين ، و ادفع إليّ قتلة عثمان . فإنّهم خاصّتك و خلصاؤك ، و المحدقون بك ، فإن أبيت الاّ سلوك سبيل اللجاج ، و الإصرار على الغيّ و الضلال ، فاعلم أنّ هذه الآية نزلت فيك ، و في أهل العراق معك : ضرب اللّه مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان فكفرت بأنعم اللّه فأذاقها اللّه لباس الجوع و الخوف بما كانوا يصنعون 1 .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 201 ، و النقل بتصرف يسير ، و الآية 112 من سورة النحل .

[ 251 ]

قلت : و روى ابن قتيبة في ( خلفائه ) كتاب معاوية ، و جواب أمير المؤمنين عليه السلام . مع اختلاف . فقال : لمّا استقام أمر الشام على معاوية ، و بايعوه كتب إلى علي عليه السلام « أما بعد فإنّا كنّا نحن و إيّاكم يدا جامعة و الفة أليفة ، حتّى طمعت يا ابن أبي طالب . فتغيرت ، و أصبحت تعدّ نفسك قويّا على من عاداك بطغام أهل الحجاز ، و أوباش أهل العراق ، و حمقى الفسطاط ، و غوغاء السواد و أيم اللّه لينجلين عنك حمقاها ، و لينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء . قتلت عثمان بن عفان و رقيت سلّما . اطلعك اللّه عليه مطلع سوء عليك لا لك ، و قتلت الزبير و طلحة ، و شردت بامّك عائشة ، و نزلت بين المصرين .

فمنّيت و تمنيت ، و خيّل لك أنّ الدنيا قد سخّرت لك بخيلها و رجلها ، و انّما تعرف امنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام ،

فيحيطون بك من ورائك ، ثم يقضي اللّه علمه فيك ، و السلام على أوليائه » .

فأجابه علي عليه السلام « أما بعد فقدّر الامور تقدير من ينظر لنفسه دون جنده ، و لا يشتغل بالهزل من قوله . فلعمري لئن كانت قوّتي بأهل العراق أوثق عندي من قوّتي باللّه ، و معرفتي به . ليس عنده باللّه تعالى يقين من كان على هذا ، فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل ، فإنّ في القول سعة ،

و لن يعذر مثلك في ما طمح إليه الرجال ، و امّا ما ذكرت من انّا كنّا و إيّاكم يدا جامعة . فكنّا كما ذكرت . ففرّق بيننا و بينكم أنّ اللّه بعث رسوله منّا ، فآمنّا به و كفرتم . ثم زعمت أنّي قتلت طلحة و الزبير . فذلك أمر غبت عنه ، و لم تحضره ،

و لو حضرته لعلمته . فلا عليك ، و لا العذر فيه اليك ، و زعمت انّك زائري في المهاجرين و قد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك . فإن يك فيك عجل فاسترقه و كان أزرك فجدير أن يكون اللّه بعثني عليك للنقمة منك » 1 .

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 80 .

[ 252 ]

و أما قوله عليه السلام في الكتاب « و انك و اللّه ما علمت إلاّ غلف القلب . المقارب العقل » فجزء كتاب آخر منه عليه السلام رواه المدائني ، و كذلك قوله عليه السلام « و قريب ما أشبهت من أعمام و أخوال » إلى آخره كما تراه في شرح ( 32 ) من الكتب 1 .

و الظاهر انّ المصنّف جمع بينهما و بين ما في الكتاب لكونها في موضوع واحد ، و ان كان احتمال وقوفه على رواية جامعة للجميع أيضا غير بعيد .

قول المصنّف « و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا » هكذا في ( المصرية ) و فيها سقط . فزاد ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 2 بعده « عن كتابه » .

« أما بعد فانّا كنّا نحن و أنتم على ما ذكرت من الالفة و الجماعة » الأصل في ذكر معاوية كونهم على الالفة و الجماعة حتّى فرّق هو بينهم ، قول أبي جهل للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فإنّه كان يقول : إنّ قريشا كانوا بجميع طوائفهم على الالفة حتّى فرّق بينهم محمّد .

« ففرّق بيننا و بينكم أمس أنّا آمنّا و كفرتم ، و اليوم انّا استقمنا و فتنتم » لمّا غالط معاوية . لمّا أراد أن يجعل نفسه في عداده عليه السلام بانّ بني هاشم و بني اميّة كلّهم بنو عبد مناف ، و لم يكن بينهم فرق إلى أن كان الإدهان منه في أمر عثمان كما عرفت من كتابه ، و الأصل في مغالطته قول عمر يوم الشورى لمّا أراد أن يسوّي بين عثمان الّذي كانت سوابقه أيّام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الدفاع عن بني امية أعداء اللّه ، و أعداء رسوله و دينه كما كانت لواحقه في ايّامه احداثه الّتي ألجأت المسلمين إلى قتله ، و بين أمير المؤمنين عليه السلام الّذي كان بمنزلة نفس

-----------
( 1 ) يأتي في العنوان 4 من الفصل الثاني و العشرين .

-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 4 : 200 ، لكن لم توجد الزيادة في شرح ابن ميثم 5 : 207 .

[ 253 ]

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بنصّ القرآن ، و بمشاهدة العيان بكونهما من بني عبد مناف و لا يلحقهما ابن عوف الّذي من زهرة بيّن عليه السلام عن مغالطة معاوية بأنّه فرّق بينهما انّ اللّه تعالى بعث نبيّه من بني هاشم فاتّبعه أهل بيته ، و في رأسهم هو عليه السلام فآمن به ساعة بعثه ، و عاداه بنو امية ، و في رأسهم أبوه و هو . كما تبعهما بعد ذلك ذووه مع تصدّيهم لعنوان خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

و في ( الطبري ) : أنّ أبا بكر الهذلي قال للمنصور : أنّ الفرزدق حضر الوليد بن يزيد ، و قد اصطلح مع ندمائه . فقال لابن عائشة : تغنّ بشعر ابن الزبعرى في احد :

ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل

و قتلنا الضعف من ساداتهم
و عدلنا ميل بدر فاعتدل

فقال : لا اغنّي . فقال : غنّه ، و إلاّ جدّعت لهواتك ، فغنّاه ، فقال : أحسنت و اللّه انّه لعلى دين ابن الزبعري يوم قال هذا الشعر 1 .

و الأصل في كلام الوليد ابنه يزيد يوم جي‏ء إليه برأس سيّد شباب أهل الجنّة أبي عبد اللّه عليه السلام . فتمثّل بأبيات ابن الزبعرى و زاد عليها :

لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء و لا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم
من بني أحمد ما كان فعل

و يقال لمعاوية : على قولك ، و قول فاروقكم الّذي هيّأ لك ذاك المقام لا فرق بين النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بين أبي سفيان لكون كلّ منهما من بني عبد مناف بل كون أبي سفيان أشرف من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لكونه أوقر في صدور قريش .

و أما قول معاوية في نسبة الإدهان إليه عليه السلام في أمر عثمان حتى قتل بمشهد منه ، و لم يدفع عنه بيد و لا لسان فلا ننكره ، و يكفي ذلك عثمان خزيا ،

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 6 : 337 ، سنة 158 .

[ 254 ]

و كونه شاهدا على إباحة دمه .

و كيف ينكر و قاتلوه كانوا خواصّه عليه السلام و يجهرون بكونه كافرا و مباح الدم ، و منه يظهر أنّ ما قالوا إنّه عليه السلام أرسل ابنه الحسن عليه السلام للدفاع عن عثمان ،

و أنّه عليه السلام لما سمع بقتله جاء ، و سبّ ابنه و باقي الحاضرين لم لم يدافعوا عنه ،

بهتان و افتراء .

و كيف و يقول معاوية في كتابه « فليتك أظهرت نصره حيث أسررت خشره » إلى آخر ما مر ، و يقول عمرو بن سعد في قتل الحسين عليه السلام « يوم بيوم عثمان » و تمثّل لمّا سمع الصرخة من بيوت بني هاشم :

ضجّت نساء بني زياد ضجّة
كضجيج نسوتنا غداة الأرنب

و ليس كلام معاوية ذاك تتعلّق به شبهة كما تتعلّق بقوله له عليه السلام « و أكرهت أعيان المسلمين على بيعتك » مع انثيال الناس عليه عليه السلام شوقا إلى بيعته حتّى شقوا عطفيه لأنّ في بيعته عليه السلام كان مقام شبهة لمعاوية حيث إنّ طلحة و الزبير ، و ان بايعاه طوعا إلاّ أنّهما لم يكونا راضيين ببيعته قلبا ، و لم يمكنهما إظهار ذلك لمّا رأيا إقبال النسا عليه عليه السلام بتلك الكيفية ، و ادّعيا بعد ذلك الإجبار بخلاف أمر عثمان فلم يكن فيه موضع شبهة ، و انه كان عنده عليه السلام مباح الدم ، و إلاّ لم يكن يداهن قاتليه ، كيف و لم يداهن قاتل هرمزان العجمي ،

و هو عبيد اللّه بن عمر في خلافة عثمان ، و امضاء عثمان لفعله ، فهدّد عبيد اللّه حتى اضطر إلى الخروج من المدينة 1 ، فكيف يداهن في أيّام خلافته قاتلي عثمان لو لم يكن قتله بحقّ .

« و ما أسلم مسلمكم إلاّ كرها ، و بعد ان كان أنف الإسلام كلّه لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم حربا » أنف الإسلام : أي : أوّله . قال الجوهري : و أنف كلّ شي‏ء أوّله ، و « روضة

-----------
( 1 ) رواه البلاذري في انساب الاشراف 5 : 24 ، و غيره .

[ 255 ]

أنف » بالضم : أي : لم يرعها أحد و « كأس أنف » لم يشرب بها قبل ذلك ،

و الاستيناف الابتداء و كذلك الايتناف ، و قلت كذا آنفا و سالفا 1 و في الأساس « و جارية أنف » لم تطمث و قال طريح الثقفي :

أيّام سلمى غريرة أنف
كأنها خوط بانة رود

و كأس أنف قال الحطيئة :

و يحرم سرّ جارتهم عليهم
و يأكل جارهم أنف القصاع 2

و هو ظرف متعلّق ب : « حربا » بالراء خبر كان و اسمه ضمير مسلمكم و معنى الكلام ما أسلم يا معاوية مسلمكم هو و أبوه ، و أخوه و امّه و ذووه إلاّ كرها لا اختيارا و عن رضى ، بفتح مكّة ، و إلاّ بعد أن كان في صدر الإسلام كلّه محاربا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

و هكذا فهم الكلام ابن أبي الحديد فقال هنا : و كان أبو سفيان و أهله من بني عبد شمس أشدّ الناس على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في أوّل الهجرة إلى أن فتح مكّة 3 .

و قرأ « ثم » « أنف الإسلام » بالرفع اسما لكان و قرأ « حربا » بالراء « حزبا » بالزاي ، و أسقط العاطف من قوله « و بعد » فقال المعنى : « و مسلم أهل معاوية لم يسلم إلاّ كرها بعد أن اشتدّ الإسلام و صار للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم حزب قوي من أشراف العرب ، و استعار لفظ أنف الاسلام لهم باعتبار كونهم اعزّاء أهله » 4 .

و هو كما ترى بلا معنى ، و انما يصحّ استعارة الأنف للأشراف لا استعارة أنف للإسلام . قال الحطيئة « قوم هم الأنف ، و الأذناب غيرهم » و انّما

-----------
( 1 ) صحاح اللغة 4 : 1332 ، مادة أنف و النقل بتقطيع .

-----------
( 2 ) اساس البلاغة : 11 ، مادة أنف .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 202 .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 5 : 207 و 209 ، لكن مع العاطف .

[ 256 ]

أنف الإسلام أوّله و صدره .

و قال عليه السلام في إسلام معاوية و أبيه و باقي بني اميّة في كلام آخر « ما أسلموا و لكن استسلموا ، و أسرّوا الكفر فلمّا وجدوا عليه أعوانا رجعوا إلى عدوانهم منّا » 1 .

و كونهم كما قال عليه السلام من إسرارهم كفرهم و إظهارهم له في موقع لا يخافون أمر معلوم ، فقد قال أبو سفيان يوم نال عثمان الخلافة بتدبير عمر له في مجلسه مخاطبا لعثمان ، و باقي بني اميّة « تداولوا الأمر و السلطنة بينكم تداول الكرة فما من جنّة و لا نار » 2 .

و لما قال المغيرة بن شعبة لمعاوية بأنّه نال مراده من نيل الخلافة فليخفّف من شدّته على الشيعة ، و يترك سبّ أمير المؤمنين عليه السلام . قال له معاوية إنّه يتأسّف على عدم قدرته على محو اسم محمّد 3 .

و مع أنّ أبا بكر و عمر كانا يعرفان ذلك منهما مهّدا لهم الأمر بتولية يزيد بن أبي سفيان أوّلا على الشام ثم معاوية . ثم شيّد عمر لمعاوية و جميع بني اميّة . خلافة النبوة بالتدبير لخلافة عثمان في كيفية الشورى ، و جعل ابن عوف حكما ، فالأفعال الّتي فعلها معاوية ، و الأقوال الّتي قالها لأمير المؤمنين عليه السلام في هذا الكتاب ، و كتبه الاخرى ، و مقامات اخرى كعمل جروه مع عترة نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم انّما هي في الحقيقة أفعال عمر و أقواله و أعماله .

« و ذكرت انّي قتلت طلحة و الزبير ، و شرّدت بعائشة ، و نزلت بين المصرين و ذلك أمر غبت عنه فلا عليك ، و لا العذر فيه اليك » قال ابن أبي الحديد اعرض عليه السلام

-----------
( 1 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 215 .

-----------
( 2 ) رواه الجوهري في السقيفة : 86 و 37 ، و ابن عبد البر في الاستيعاب 4 : 87 ، و غيرها .

-----------
( 3 ) رواه الزبير بن بكار في الموفقيات عنه في البحار : 518 .

[ 257 ]

عنه بهذا الجواب هوانا به .

و الجواب المفصّل هو أنّ طلحة و الزبير قتلا نفسيهما ببغيهما و نكثهما إلى أن قال و لعليّ عليه السلام أن يقلّب الكلام عليه فيقول : أفتراه لو عاش أكان يرضى لحليلته أن تؤذي أخاه و وصيّه ؟ و أيضا أتراه لو عاش أكان يرضى لك يا ابن أبي سفيان أن تنازع عليّا الخلافة و تفرّق جماعة هذه الامة ؟ و أيضا أتراه لو عاش كان يرضى لطلحة و الزبير أن يبايعا ثم ينكثا لا لسبب بل قالا جئنا نطلب الدراهم فقد قيل لنا إنّ بالبصرة أموالا كثيرة 1 .

قلت : بل الأولى الإعراض عن جوابه كما فعل عليه السلام ، فالمكابر ليس له جواب فكلام معاوية في أهل الجمل و أنّه عليه السلام قتل طلحة و الزبير نظير قوله لمّا قيل له إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : « إنّ عمارا تقتله الفئة الباغية » 2 « و قد قتلتموه فأنتم الفئة الباغية » إنّا ما قتلناه ، بل علي قتله حيث جاء به إلى حربنا .

و لم قال ابن أبي الحديد انّ له عليه السلام أن يقلّب على معاوية الكلام فهو أمر كان واقعا فإنّ اللّه قال لعائشة في خطابه لأزواج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قرن في بيوتكنّ و لا تبرّجن تبرج الجاهلية الاولى 3 و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لها « تنبحك كلاب الحوأب » 4 كما قال للزبير « تقاتل عليا و أنت له ظالم » 5 و أمير المؤمنين عليه السلام و أصحابه قالوا لهم ذلك .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 202 .

-----------
( 2 ) أخرجه مسلم في صحيحه 4 : 2235 و 2236 ح 70 73 ، و الترمذي في سننه 5 : 669 ح 3800 ، و أحمد في مسنده 2 : 164 و 6 : 289 و 300 و جماعة اخرى .

-----------
( 3 ) الاحزاب : 33 .

-----------
( 4 ) هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده 6 : 97 ، و الحاكم في المستدرك 3 : 120 ، و الطبري في تاريخه 3 : 475 ، سنة 36 ، و غيرهم .

-----------
( 5 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 366 ، و ابو يعلى و ابن أبي شيبة و ابن راهويه و ابن منيع في مسانيدهم ، و عنهم المطالب العالية 4 : 301 303 ، و غيرهم .

[ 258 ]

لكن لعمر اللّه على مباني عقيدة إخواننا من صحة خلافة الثلاثة . تكون أقوال معاوية كلّها صحيحة . فصحّة خلافة صدّيقهم و فاروقهم تستلزم صحّة خلافة ذي نوريهم ، و صحّة خلافة ذي نوريهم تستلزم وجوب الخروج على أمير المؤمنين عليه السلام و قتاله و قتله . حيث إنّه رضي بقتل ذي نوريهم ، و آوى قتلته ، و دافع عنهم .

قال ابن أبي الحديد و أمّا قول معاوية له عليه السلام « التويت على أبي بكر و عمر » الخ فإنّ عليّا عليه السلام لم يكن يجحد ذلك و لا ينكره ، و لا ريب انّه كان يدّعي الأمر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لنفسه على الجملة إمّا لنصّ كما تقوله الشيعة ، أو لأمر آخر كما يقوله أصحابنا 1 .

قلت : إذا كان أصحابه يعتقدون انّه عليه السلام يدّعي الأمر بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمر غير النصّ ثم جمعوا بينه عليه السلام و بينهم في إسم الإمامة و الخلافة . فكان الواجب عليهم إمّا أن يتولّوه عليه السلام و يتبرأوا من الثلاثة كما فعلت الشيعة ، و إمّا أن يتولوهم ، و يتبرأوا منه عليه السلام كما فعلت الاموية و العثمانية ، و لعمر اللّه إنّ الجمع بينه عليه السلام ، و بينهم كالجمع بين اللّه تعالى و الأصنام .

قال ابن أبي الحديد : و أمّا قول معاوية له عليه السلام « لأنّك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه » فقد أسرف في وصفه بما وصفه به و لا شكّ أنّ عليّا عليه السلام كان عنده زهو لكن لا هكذا ، و كان عليه السلام مع زهوه ألطف الناس خلقا 2 .

قلت : العجب من هذا الرجل الّذي يدّعي المعرفة ، ينسب الزهو و هو الكبر إليه عليه السلام و لا يفرّق بين الكبر و العزّة ، و قد جعل اللّه تعالى العزّة لكلّ مؤمن ذي حقيقة ، و هو أميرهم بالحقيقة ، و وصف غيره بذلك كوصف الأصنام بالألوهية . قال تعالى في ردّ المنافقين الّذين يدعون العزّة لأنفسهم

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 203 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 203 .

[ 259 ]

و للّه العزّة و لرسوله و للمؤمنين و لكن المنافقين لا يعلمون 1 .

و كان عليه السلام كما قال تعالى في وصف المؤمنين أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين 2 كان عليه السلام يترفع على المنافقين مثل معاوية و أمثاله ،

و يتواضع للمؤمنين ، و مع تواضعه للمؤمنين كان اللّه تعالى اعطاه مهابة تقشعرّ منها الجلود . فلمّا طلب معاوية من ضرار بن ضمرة أحد شيعته وصفه له فاستعفاه و لم يعفه ، قال له في وصفه له عليه السلام في جملة ما قال : « كان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه و ينبئنا إذا استنبأناه ، و نحن و اللّه مع تقريبه إيانا و قربه منّا أشدّ ما يكون صاحب لصاحبه هيبة لا نبتدئه بالكلام لعظمته » 3 .

و لمّا قال معاوية لقيس بن سعد بن عبادة « كان أبو الحسن هشّا بشّا ذا فكاهة » قال له قيس : « أراك تسرحسوا في ارتغاء تعيبه بذلك أما و اللّه لقد كان مع تلك الفكاهة و الطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسّه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، ليس كما يهابك طغام أهل الشام » 4 .

ثم لم عاب معاوية في قوله له عليه السلام : « لانك الشامخ بأنفه الذاهب بنفسه » بانّه أسرف ، و الأصل في كلام معاوية كلام فاروقهم . فقال لابن عباس : إنّ قومكم كرهوا ان يجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتذهبوا في السماء شمخا و بذخا 5 .

و قال فاروقهم أيضا لابن عباس : « انّ صاحبكم إن ولي هذا الأمر

-----------
( 1 ) المنافقون : 8 .

-----------
( 2 ) المائدة : 54 .

-----------
( 3 ) أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب 3 : 43 ، و المسعودي في مروج الذهب 2 : 421 ، و الصدوق في أماليه : 499 ح 6 ،

المجلس 91 و غيرهم و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 4 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 8 ، المقدمة ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 5 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 94 ، شرح الخطبة 226 .

[ 260 ]

أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به ، فليتني أراكم بعدي . . . » و قد نقلهما ابن أبي الحديد نفسه في موضع آخر 1 .

« و ذكرت انّك زائري في المهاجرين الأنصار ، و قد انقطعت الهجرة يوم اسر أخوك » قال ابن أبي الحديد يعني عليه السلام بأخيه يزيد بن أبي سفيان اسر يوم الفتح في باب الحندمة ، و كان خرج في نفر من قريش يحاربون ، و يمنعون من دخول مكّة . فقتل منهم قوم ، و اسر يزيد ، أسره خالد بن الوليد فخلّصه أبو سفيان منه ، و أدخله داره فأمن لأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال يومئذ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن 2 .

قلت : قد عرفت ان ( خلفاء ابن قتيبة ) نقله « يوم اسر أبوك » 3 و كذلك نقله « ثم » عن النهج و نسخته من النهج كانت بخطّ مصنّفه ، و قال في تفسيره سمّى عليه السلام أخذ العباس لأبي سفيان إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم غير مختار و عرضه على القتل اسرا .

و نسب « ثم » لفظ « اسر أخوك » إلى الرواية ، و أراد به نقل ابن أبي الحديد و حملها على أسر عمرو بن أبي سفيان يوم بدر و قال « و يكون المعنى حينئذ بأنّ من شأنه و شأن أهله أن يؤسروا و لا يسلموا ، فكيف يدّعون مع ذلك الهجرة » 4 .

قلت : ما ذكره أخيرا تكلّف بارد ، و الصحيح رواية « أبوك » بعد الإتفاق عليه في ( الخلفاء ) و ( النهج ) على ما عرفت ، و نقل ابن أبي الحديد تحريف للتشابه الخطي بين لفظ « أبوك » و « أخوك » .

-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 106 شرح الخطبة 226 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 203 .

-----------
( 3 ) لفظ الإمامة و السياسة 1 : 81 ، « حين اسر اخوك » .

-----------
( 4 ) شرح ابن ميثم 5 : 210 .

[ 261 ]

و أيضا الأنسب بتبكيت معاوية أن يقول عليه السلام له يوم أسر أبوك ،

و أراد عليه السلام بالأسر انّه كان للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم أسر أبي سفيان ، و ولديه يزيد و معاوية ، و باقي قريش ، و إنّما منّ عليهم فسمّاهم الطلقاء 1 ، بل لازم كونهم طلقاء استرقاقهم بعد أسرهم . ثم المنّ عليهم بالإطلاق . فكانّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في تلك التسمية أسرهم و استرقهم ثم منّ ، عليهم و أطلقهم .

و في السير : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا بلغ يوم الفتح مرّ الظهران قال العباس :

و اسوء صباح قريش ، إن دخل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكّة عنوة إنّه لهلاك قريش آخر الدهر . فأخذ بغلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ركبها ليلتمس رجلا يبعثه إلى قريش يشير عليهم أن يلقوا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قبل أن يدخل مكّة عليهم عنوة ، فسمع صوت أبي سفيان و كانت قريش بعثوه يتجسّس لهم الأخبار فقال له العباس : ويحك هذا النبي و هو مصبحكم في عشرة آلاف . فقال له : فهل لي من حيلة . قال :

نعم . تركب عجز هذه البغلة . فأذهب بك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فانّه إن ظفر بك دون ذلك ليقتلنّك . و جاء به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال له : قد أجرته . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم :

فقد أجرناه . فليبت عندك حتى تغدو به علينا إذا أصبحت . فغدا به على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلمّا رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له : ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلاّ اللّه ؟

قال : قد كان يقع في نفسي ان لو كان مع اللّه إله آخر لأغنى قال : ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول اللّه ؟ قال : أمّا هذه فو اللّه إنّ في النفس منها لشيئا بعد . فقال له العباس : ويحك قل : لا إله إلاّ اللّه و محمّد رسول اللّه قبل أن تقتل . فقاله 2 .

و في السير أيضا انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا دخل مكّة كانت رايته مع سعد بن عبادة . فنادى سعد يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة . اليوم تسبى الحرمة اليوم

-----------
( 1 ) رواه ابن هشام في السيرة 4 : 41 ، و الطبري في تاريخه 2 : 237 ، سنة 8 .

-----------
( 2 ) رواه ابن هشام في السيرة 4 : 32 ، و الواقدي في المغازي 2 : 815 و 816 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 262 ]

أذلّ اللّه قريشا ، فنادى أبو سفيان : يا رسول اللّه أمرت بقتل قومك . فقال عثمان .

لا نأمن سعدا أن يكون له في قريش صولة . فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اللواء من سعد .

و أعطاه أمير المؤمنين عليه السلام ثمّ قال العباس لأبي سفيان : ويحك أدرك قومك من قبل أن يدخل عليهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فخرج حتى انتهى إلى امرأته هند بنت عتبة . فقالت : ما وراءك قال : هذا محمّد في عشرة آلاف عليهم الحديد ، و قد جعل لي من دخل داري فهو آمن ، و من ألقى سلاحه فهو آمن فقالت : قبّحك اللّه من رسول قوم ، و جعلت تقول : ويحكم اقتلوه قبّحه اللّه وافد قوم فيقول ابو سفيان : و يحكم لا تغرنّكم هذه . فإني رأيت ما لم تروا محمّدا في عشرة آلاف أسلموا تسلموا . فأمسكت هند برأسه ، و قالت : بئس طليعة القوم عليكم يا أهل مكّه عليكم الحميت الدسم فاقتلوه 1 .

و من أراد تفصيل الواقعه أبسط يراجع السير و انّما سمّى عليه السلام منهم أباه مع كون جميعهم في حكم الأسير لكونه رئيسهم و الأنسب بتبكيت معاوية .

و ما أصلب وجه معاوية حيث سمّى المنافقين و الطلقاء ، و الفجرة المهاجرين و الأنصار ، و سمّى المهاجرين ، و الأنصار الّذين كانوا معه عليه السلام الطغام .

و لمّا خرج النعمان بن بشير في صفّين إلى قيس بن سعد بن عبادة بأمر معاوية لردع قيس عن ذكر مساوئ معاوية . قال قيس له . في ما قال : انظر يا نعمان هل ترى مع معاوية إلاّ طليقا أو اعرابيا أو يمانيا مستدرجا بغرور . انظر أين المهاجرون و الأنصار و التابعون باحسان الذين رضى اللّه عنهم . ثم انظر هل ترى مع معاوية غيرك و غير صويحبك ( أي مسلمة بن مخلد ) و لستما و اللّه ببدريين و لا احديين ، و لا لكما سابقة في الإسلام ، و لا آية في القرآن ، و لعمري

-----------
( 1 ) روى هذا المعنى ابن هشام في السيرة 4 : 36 ، و الواقدي في المغازي 2 : 821 .

[ 263 ]

لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك ( يعني يوم السقيفة في بيعة أبي بكر ) 1 .

هذا ، و نظير قوله عليه السلام هنا لمعاوية « و قد انقطعت الهجرة يوم اسر أبوك » قول عدي بن حاتم لابن الزبير لمّا قال له « متى فقئت عينك » و كانت فقئت يوم الجمل « يوم قتل أبوك و هربت عن خالتك ، و أنّا للحق ناصر و أنت له خاذل » .

« فإن كان فيك عجل فاسترفه » من قولهم « في رفاهة من العيش » أي في سعة 2 .

« و ان تزرني فكما قال أخو بني أسد :

مستقبلين رياح الصيف تضربهم
بحاصب بين أغوار و جلمود »

قال ابن دريد : ريح حاصب تقشر الحصى عن وجه الأرض ، و أرض جلمدة ذات حجارة الغار المنخفض من الأرض 3 .

و قال ابن أبي الحديد كنت أسمع قديما أنّ هذا البيت من شعر بشر بن أبي حازم الأسدي و الآن فقد تصفّحت شعره فلم أجده ، و لا وقفت بعد على قائله 4 .

و قال ابن أبي الحديد أيضا : إنّه يمكن أن يكون جلمود عطفا على حاصب و على أغوار و الأوّل أليق 5 .

قلت : كونه عطفا على حاصب لا يصحّ إلاّ أن يكون معنى « بين أغوار » بين غور و غور .

« و عندي السيف الّذي أعضضته بجدّك و خالك و أخيك في مقام واحد » روى

-----------
( 1 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 449 .

-----------
( 2 ) أسقط الشارح هنا شرح فقرة « فإني إن أزرك فذلك جدير أن يكون اللّه بعثني إليك للنقمة منك » .

-----------
( 3 ) جمهرة اللغة 1 : 223 و 3 : 250 و 323 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 219 .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 219 .

[ 264 ]

نصر بن مزاحم انّه عليه السلام لمّا أراد الشخوص إلى الشام تكلّم أصحابه كلّ بكلام .

فقام عبد اللّه بن بديل الخزاعي ، و قال له عليه السلام : إنّ القوم لو كانوا يريدون اللّه أو للّه يعملون ما خالفونا ، و لكنّ القوم إنّما يقاتلون فرارا من الأسوة ، و حبّا للأثرة ،

و ضنّا بسلطانهم ، و كرها لفراق دنياهم الّتي في أيديهم ، و على احن في أنفسهم ، و عداوة يجدونها في صدورهم . لو قائع أوقعتها يا أمير المؤمنين بهم قديمة قتلت فيها آباءهم و إخوانهم ثم التفت إلى الناس فقال فكيف يبايع معاوية أمير المؤمنين عليه السلام و قد قتل أخاه حنظلة ، و خاله الوليد ، و جدّه عتبة في موقف واحد ، و اللّه ما أظنّ أن يفعلوا ، و لن يستقيموا لكم دون أن تقصد فيهم المران ، و تقطع على هامهم السيوف ، و تنثر حواجبهم بعمد الحديد 1 .

و في ( سيرة ابن هشام ) : بقرت هند عند كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ، ثم علت على صخرة مشرفة . فصرخت بأعلى صوتها فقالت :

نحن جزيناكم بيوم بدر
و الحرب بعد الحرب ذات سعر

ما كان عن عتبة لي من صبر
و لا أخي و عمي و بكري

شفيت نفسي و قضيت نذري
شفيت و حشيّ غليل صدري

فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب :

يا بنت وقّاع عظيم الكفر
صبّحك اللّه غداة الفجر

ملهاشميين الطوال الزهر
بكل قطّاع حسام يفري

حمزة ليثي و علي صقري
إذ رام شيب و أبوك غدري

فخضّبا منه ضواحي النحر
و نذرك السوء فشرّ نذر 2 .

-----------
( 1 ) وقعة صفين : 102 .

-----------
( 2 ) سيرة ابن هشام 3 : 36 و 37 ، و النقل بحذف بعض الابيات .

[ 265 ]

قولها « ملهاشميين » أي : من الهاشميين . هذا ، و قال أشجع :

تعضّ بأنياب المنايا سيوفه
و تشرب من أخلاف كل وريد

هذا و كما قال عليه السلام لمعاوية : سيف يوم بدر معه ، قال عدي بن حاتم من أصحابه عليه السلام لمعاوية : سيوف يوم صفين الّتي حاربوه بها معهم . ففي ( المروج ) : دخل عدي بن حاتم على معاوية . فقال له معاوية : ما فعلت الطرفات يعني أولاده ؟ قال : قتلوا مع علي عليه السلام ، قال : ما أنصفك علي قتل أولادك و بقي أولاده . فقال عدي : ما أنصفت عليّا عليه السلام إذ قتل و بقيت بعده . فقال معاوية :

أما إنّه بقيت قطرة من دم عثمان ما يمحوها إلاّ دم شريف من أشراف اليمن .

فقال عدي « و اللّه إنّ قلوبنا الّتي أبغضناك بها لفي صدورنا ، و إنّ أسيافنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا ، و لئن أدنيت الينا من الغدر فترا ، لندنينّ إليك من الشرّ شبرا ، و إن حزّ الحلقوم ، و حشرجة الحيزوم لأهون علينا من أن نسمع المساءة في علي عليه السلام فسلّم السيف يا معاوية لباعث السيف . فقال معاوية :

هذه كلمات حكم فاكتبوها . و أقبل على عديّ محادثا له كأنّه ما خاطبه بشي‏ء 1 .

هذا ، و مما قيل في الجواب بالسيف قول أبي تمام :

السيف أصدق أنباء من الكتب
في حدّه الحدّ بين الجدّ و اللعب

« و إنّك و اللّه ما علمت » أي : الّذي علمت .

« الأغلف القلب » أي : أغشى قلبك غلافا . فلا يفهم شيئا .

« المقارب العقل » هكذا في النسخ 2 ، و لعلّ المقارب محرّف المتقارب . ففي الأساس « تقاربت إبل فلان » : أي : قلّت . قال جندل :

-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 4 .

-----------
( 2 ) كذا في نهج البلاغة 3 : 123 ، و شرح ابن أبي الحديد 4 : 201 ، و شرح ابن ميثم 5 : 207 .

[ 266 ]

غرّك أن تقاربت أبا عري
و أن رأيت الدهر ذا دوائر 1

أو محرّف المعازب ففي ( الأساس ) : « و أعزب حلمه » كقولك « أضلّ بعيره و أعزب اللّه عقلك » 2 .

و كيف كان فنظير قوله عليه السلام هنا قوله عليه السلام في كتاب إليه « يا ابن صخر اللعين زعمت أن يزن الجبال حلمك ، و يفصل بين أهل الشكّ علمك ، و أنت الجلف المنافق ، الأغلف القلب القليل العقل ، الجبان الرذل » 3 .

« و الأولى أن يقال ، لك انّك رقيت سلّما أطلعك مطلع سوء عليك لا لك » مرّ عن ( خلفاء ابن قتيبة ) أنّ معاوية كتب إليه عليه السلام : « و رقيت سلّما أطلعك اللّه عليه مطلع سوء عليك لا لك » 4 لأنّه كالمؤسّسين له مصداق قوله تعالى : إنّا عرضنا الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملها الإنسان انّه كان ظلوما جهولا 5 .

و الخلافة عهد اللّه تعالى ، و لا ينال عهده الظالمين ، و إنّما يصلح لمن كان بمنزلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

« لأنّك نشدت غير ضالتك ، و رعيت غير سائمتك ، و طلبت أمرا لست من أهله و لا في معدنه » في ( صفين نصر بن مزاحم ) : لمّا خرج شمر بن أبرهة الحميري في ناس من قرّاء أهل الشام إلى علي عليه السلام قال عمرو بن العاص لمعاوية : إنّك تريد أن تقاتل بأهل الشام رجلا له من محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم قرابة قريبة ،

و رحم ماسّة ، و قدم في الإسلام لا يعتدّ أحد بمثله ، و نجدة في الحرب لم تكن

-----------
( 1 ) أساس البلاغة : 360 ، مادة ( قرب ) .

-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 300 ، مادة ( غرب ) .

-----------
( 3 ) رواه عن المدائني ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 51 ، شرح الكتاب 32 .

-----------
( 4 ) الإمامة و السياسة 1 : 80 .

-----------
( 5 ) الاحزاب : 72 .

[ 267 ]

لأحد من أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و إنّه قد سار إليك بأصحاب محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم المعدودين و فرسانهم و قرّائهم و أشرافهم ، و قدمائهم في الإسلام ، و لهم في النفوس مهابة . فبادر بأهل الشام مخاشن الوعر ، و مضايق الغيض ، و احملهم على الجهد ، و أتهم من باب الطمع قبل أن ترفّههم ، فيحدث عندهم طول المقام مللا . فيظهر فيهم كآبة الخذلان ، و مهما نسيت . فلا تنس أنّك على باطل 1 .

« فما أبعد قولك » في وصفك الحق .

« من فعلك » الباطل و في كتاب آخر له عليه السلام إلى معاوية « و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان ، و تخالف البرهان ، و تنكث الوثائق الّتي هي للّه عزّ و جلّ طلبة ، و على عباده حجّة مع نبذ الإسلام ، و تضييع الأحكام ، و طمس الاعلام ، و الجري في الهوى ، و التهوّس في الردى 2 .

« و قريب ما اشبهت من أعمام و أخوال ، حملتهم الشقاوة ، و تمنّي الباطل ، على الجحود بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فصرعوا مصارعهم حيث علمت » و رواه ( جمهرة الرسائل ) بلفظ آخر هكذا : « أما بعد . فإنّ ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشبه ممّا أتى به أهلك و قومك ، الذين حملهم الكفر و تمنّي الأباطيل ، على حسد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى صرعوا مصارعهم حيث علمت . . . » 3 و يأتي تتمته .

و في كتاب آخر له عليه السلام : « و اذكّرك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة و جررت برجله إلى القليب ، و أسرت أخاك عمرا . فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا ، و طلبتك ففررت ، و لك خصاص . فلو لا أنّي لا اتّبع فارّا لجعلتك ثالثهما » 4 .

-----------
( 1 ) وقعة صفين : 222 .

-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 3 ، شرح الكتاب 30 .

-----------
( 3 ) رواه صاحب جمهرة الرسائل فيه 1 : 422 ، عن شرح ابن أبي الحديد و هو في هذا الشرح 4 : 50 ، شرح الكتاب 32 .

-----------
( 4 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 419 ، شرح الكتاب 10 .

[ 268 ]

هذا ، و أغرب ابن ميثم في معنى قوله عليه السلام : « من أعمام و أخوال حملتهم الشقاوة . . . » فقال : من أهل الشقاوة من جهة عمومته حمّالة الحطب و من جهة خؤولته الوليد بن عتبة قال : و انما نكّر الأعمام و الأخوال لأنّه لم يكن له أعمام و أخوال كثيرون ، و الجمع المنكّر جاز أن يعبّر به عن الواحد و الإثنين للمبالغة 1 .

قلت : ما ذكره من كون المراد بالأخوال الوليد بن عتبة فقط ، و بالعمومة حمّالة الحطب عجيب . هبه جعل الوليد خالا صرع بقتله في بدر ، هل حمّالة الحطب أيضا حاربت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في موقف فصرعت بقتلها في موضع ؟

و انّما مراده عليه السلام بأخواله جدّه لامه عتبة ، و عمّ أمّه شيبة مع خاله الوليد فالعرب تسمّي أقارب الام أخوالا . فقالوا بنو زهرة أخوال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لامّه ،

و سمّى شمر يوم الطف العباس و إخوته من امّه بني اخته 2 ، و انّما سمّاهم كذلك لكونه من كلاب ، و امّ البنين من كلاب و لم يكن أبوهما بواحد . فأبو شمر ذو الجوشن ، و أبو أمّ البنين حزام ، و الثلاثة : الوليد و أبوه و عمّه كلّهم قتلوا في بدر .

كما أنّ العرب يسمّون أقارب الأب أعماما ، و قد قتل عليه السلام يوم بدر من بني أبي معاوية العاص بن سعيد بن اميّة ، و كان عمر يقول : مررت به يوم بدر فرأيته يبحث للقتال كما يبحث الثور بقرنه ، و إذا شدقاه قد أزبد كالوزغ فلما رأيت ذلك هبته و زغت عنه . فقال إليّ يا ابن الخطّاب ، و صمد له علي فتناوله فو اللّه ما رمت مكاني حتّى قتله .

و قتل عليه السلام من بني أبيه ، عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن امية ، و كان

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 5 : 211 .

-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 4 : 314 ، سنة 61 ، و البلاذري في أنساب الأشراف 3 : 183 .

[ 269 ]

من اسراء بدر فقتله صبرا . قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما نزل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بدر علي ستّة أميال نظر إليه ، و إلى النضر . فقال النضر لعقبة : أنا و أنت مقتولان . قال عقبة : من بين قريش ؟ قال : نعم لأنّ محمّدا نظر إلينا نظرة رأيت فيها القتل ،

فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السلام عليَّ بالنضر و عقبة إلى أن قال قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : قدّم يا علي عقبة ، و اضرب عنقه . فقدّمه فضرب عنقه 1 .

و قتل عليه السلام بعد احد من بني اميّة الّذين هم أعمام معاوية ، معاوية بن المغيرة ابن أبي العاص بن اميّة . قال البلاذري في ( فتوحه ) : و هو الّذي جدع أنف حمزة يوم احد و هو قتيل ، فأخذ بقرب احد ، فقتل بعد انصراف قريش بثلاث . يقال : إنّ عليا عليه السلام قتله . قال : إنهزم معاوية بن المغيرة يوم احد فمضى على وجهه . فبات قريبا من المدينة . فلمّا أصبح دخل المدينة . فأتى منزل عثمان فضرب بابه . فقالت ام كلثوم زوجته ابنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : ليس هاهنا .

فقال : إبعثي إليه . فأرسلت إليه و هو عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلمّا جاء قال له : أهلكتني ،

و أهلكت نفسك ، قال : جئتك لتجيرني . فأدخله عثمان داره ، و صيّره في ناحية منها ثم خرج إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليأخذ له أمانا . فسمع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : إنّ معاوية في المدينة ، و قد أصبح بها فاطلبوه . فقال بعضهم : ما كان ليعدو منزل عثمان فاطلبوه فيه : فدخلوا منزله ، فأشارت امّ كلثوم إلى الموضع الذي صيّروه فيه ، فاستخرجوه من تحت حمارة لهم ، فانطلقوا به إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال عثمان حين رآه ، و الّذي بعثك بالحق ما جئت إلاّ لأطلب له الأمان فهبه له ،

فوهبه له و أجّله ثلاثا ، و أقسم لئن وجد بعدها يمشي في أرض المدينة و ما حولها ليقتلنّه ، و خرج عثمان فجهّزه و اشترى له بعيرا ، ثم قال : إرتحل ، و سار النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى حمراء الأسد ، و أقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار

-----------
( 1 ) رواه الواقدي في المغازي 1 : 106 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 270 ]

النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يأتي بها قريش ، فلمّا كان في اليوم الرابع قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إنّ معاوية أصبح قريبا لم ينفذ . فاطلبوه ، فأصابوه و قد أخطأ الطريق فأدركوه .

و كان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة و عمار الخ 1 .

و لو صح خبره الآخر في قتل زيد و عمّار له لصدق أيضا أنّه عليه السلام قتله حيث إنّ من قتله النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لو على يد غير أمير المؤمنين عليه السلام قتله هو عليه السلام أيضا لكونهما بمنزلة نفس واحدة ، و كذلك كان اعتقاد معاوية و باقي بني اميّة ، و أمّا الثلاثة فكانوا بمراحل عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا سيما الأخير ، فقد عرفت دفاعه عن هذا الرجل ، جدع أنف عمّ النبي و مثّل به بعد قتله ، ثمّ بعد أخذ عثمان له الأمان من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالكره بقي استظهارا بعثمان يتجسس على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

و روى الكليني في ( نوادر جنائز كافيه ) : أنّ عثمان آوى المغيرة و كان ممن هدر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دمه فقال لابنة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لا تخبري أباك بمكانه .

فقالت : ما كنت لأكتم على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عدوّه ، فجعله عثمان بين مشجب له ،

و لحفّه بقطيفة فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوحي بمكانه . فبعث إليه عليّا عليه السلام ، و قال :

اشتمل على سيفك و أئت بيت ابنة عمّك . فإن ظفرت بالمغيرة فاقتله . فأتى البيت . فجال فيه . فلم يظفر به . فرجع إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال لم أره . فقال : أتاني الوحي أنّه في المشجب ، و دخل عثمان بعد خروج علي عليه السلام فأخذ بيد المغيرة فأتى به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلمّا رآه أكبّ و لم يلتفت إليه ، و كان حييّا كريما . فقال عثمان : هذا المغيرة ، و الّذي بعثك بالحقّ آمنته . قال أبو عبد اللّه عليه السلام كذب و الّذي بعثه بالحقّ ما آمنه و كان يأتيه عن يمينه و عن يساره . فلمّا كان في الرابعة رفع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم رأسه إليه . فقال : قد جعلت لك ثلاثا . فإن قدرت عليه بعد ثالثة

-----------
( 1 ) رواه البلاذري في انساب الاشراف 1 : 337 و 338 لا في فتوح البلدان و النقل بتصرف يسير .

[ 271 ]

قتلته . فلمّا أدبر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم اللّهمّ العن المغيرة ، و العن من يؤويه ، و العن من يحمله ، و العن من يطعمه ، و العن من يسقيه ، و العن من يجهّزه ، و العن من يعطيه سقاء أو حذاء أو رشاء أو وعاء و هو يعدّهن بيمينه فانطلق به عثمان .

فآواه و أطعمه و سقاه ، و حمله و جهّزه حتّى فعل جميع ما لعن به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من يفعله به . ثم أخرجه في اليوم الرابع يسوقه . فلم يخرج من أبيات المدينة حتّى أعطب اللّه به راحلته ، و نقب حذاءه ، و دميت قدماه فاستعان بيديه و ركبتيه ، و أثقله جهازه ، فأتى سمرة فاستظلّ بها . فأتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الوحي فأخبره بذلك . فدعا عليّا عليه السلام فقال : خذ سيفك ، و انطلق أنت و عمّار و ثالث لهم .

فأت المغيرة تحت سمرة كذا و كذا ، فأتاه علي عليه السلام فقتله . فضرب عثمان بنت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و قال لها ، أنت أخبرت أباك بمكانه . الخبر 1 .

و منه يظهر أنّ عمارا و زيدا كانا معه عليه السلام لا كما قال البلاذري في تلك الرواية من استقلالهما بالذهاب و قتله .

« لم يدفعوا عظيما و لم يمنعوا حريما » رواه ( جمهرة الرسائل ) و زاد بعده « و انا صاحبهم في تلك المواطن الصالي بحربهم ، و الفالّ لحدّهم ، و القاتل لرؤوسهم رؤوس الضلالة ، و المتبع إن شاء اللّه خلفهم بسلفهم . فبئس الخلف خلف اتّبع سلفا محلّه و محطّه النار » 2 .

و في ( صفين نصر بن مزاحم ) : ذكروا انّه اجتمع عند معاوية عتبة بن أبي سفيان و الوليد بن عقبة ، و مروان بن الحكم ، و عبد اللّه بن عامر ، و ابن طلحة الطلحات . فقال عتبة : انّ أمرنا و أمر علي لعجب ، ليس منّا إلاّ موتور محاج . أما أنا فقتل جدّي ، و اشترك في دم عمومتي يوم بدر ، و أمّا أنت يا وليد فقتل أباك

-----------
( 1 ) رواه الكليني في الكافي 3 : 251 ح 8 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) جمهرة رسائل العرب 1 : 422 ، و شرح ابن أبي الحديد 4 : 50 ، شرح الكتاب 32 .

[ 272 ]

يوم الجمل ، و أيتم إخوتك ، و أما أنت يا مروان فكما قال الأوّل :

و أفلتهنّ علباء جريضا
و لو أدركنه صفر الوطاب

قال معاوية : هذا الإقرار فأين الغير ؟ قال مروان : أيّ غير تريد ؟ قال : اريد ان يشجر بالرماح . فقال : و اللّه انّك لهازل و لقد ثقّلنا عليك . فقال الوليد في ذلك :

يقول لنا معاوية بن حرب
أما فيكم لواتركم طلوب

يشدّ على أبي حسن علي
بأسمر لا تهجّنه الكعوب

فيهتك مجمع اللبّات منه
و نقع القوم مطّرد يثوب

فقلت له : أتلعب يا ابن هند ؟
كأنّك و سطنا رجل غريب

أتأمرنا بحيّة بطن واد
إذا نهشت فليس لها طبيب

و ما ضبع يدب ببطن واد
اتيح له به أسد مهيب

بأضعف حيلة منّا إذا ما
لقيناه و ذا منّا عجيب

دعا للقاه في الهيجاء لاق
فأخطأ نفسه الأجل القريب

سوى عمرو وقته خصيتاه
نجا و لقلبه منها وجيب

كأنّ القوم لمّا عاينوه
خلال النقع ليس لهم قلوب

لعمر أبي معاوية بن حرب
و ما ظنّي بملحقه العيوب

لقد ناداه في الهيجاء علي
فأسمعه و لكن لا يجيب

فغضب عمرو بن العاص ، و قال : ان كان الوليد صادقا فليلق عليّا أو ليقف حيث يسمع صوته ، و قال عمرو :

يذكّرني الوليد دعا علي
و بطن المرء يملأه الوعيد

متى يذكر مشاهده قريش
يطر من خوفه القلب الشديد

فأمّا في اللقاء فأين منه
معاوية بن حرب و الوليد

و عيّرني الوليد لقاء ليث
إذا ما زار هابته الأسود

[ 273 ]

إلى أن قال :

و لو لاقيته شقّت جيوب
عليك و لطّمت فيك الخدود 1

« بوقع سيوف » قالوا : « بوقع » متعلّق بقوله « فصرعوا » .

« ما خلا » قالوا : ليس « ما خلا ها هنا للإستثناء بل : ما ، للنفي و خلا ، من خلا يخلو .

« منها الوغى » أي : الحرب قال الجوهري : قيل للحرب : و غى لما فيها من الصوت و الجلبة 2 .

« و لم تماشها » من المماشاة قال ابن ميثم : و روي : « و لم تماسّها » 3 .

« الهوينى » من الهون ، أي : السهولة .