
9
الكتاب ( 73 ) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي عَلَى اَلتَّرَدُّدِ فِي جَوَابِكَ وَ اَلاِسْتِمَاعِ إِلَى كِتَابِكَ لَمُوَهِّنٌ رَأْيِي وَ مُخَطِّئٌ فِرَاسَتِي وَ إِنَّكَ إِذْ تُحَاوِلُنِي اَلْأُمُورَ وَ تُرَاجِعُنِي اَلسُّطُورَ كَالْمُسْتَثْقِلِ اَلنَّائِمِ تَكْذِبُهُ أَحْلاَمُهُ وَ اَلْمُتَحَيِّرِ اَلْقَائِمِ يَبْهَظُهُ مَقَامُهُ لاَ يَدْرِي أَ لَهُ مَا يَأْتِي أَمْ عَلَيْهِ وَ لَسْتَ بِهِ غَيْرَ أَنَّهُ بِكَ شَبِيهٌ وَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَوْ لاَ بَعْضُ اَلاِسْتِبْقَاءِ لَوَصَلَتْ مِنِّي إِلَيْكَ قَوَارِعُ تَقْرَعُ اَلْعَظْمَ وَ تَهْلِسُ اَللَّحْمَ وَ اِعْلَمْ أَنَّ اَلشَّيْطَانَ قَدْ ثَبَّطَكَ عَنْ أَنْ تُرَاجِعَ أَحْسَنَ أُمُورِكَ وَ تَأْذَنَ
-----------
( 1 ) وقعة صفين : 417 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 6 : 2526 ، مادة ( وغي ) .
-----------
( 3 ) لفظ شرح ابن ميثم 5 : 211 ، « لم يماسها » .
[ 274 ]
لِمَقَالِ نَصِيحِكَ وَ اَلسَّلاَمُ لِأَهْلِهِ الكتاب ( 30 ) و من كتاب له عليه السلام إلى معاوية :
فَاتَّقِ اَللَّهَ فِيمَا لَدَيْكَ وَ اُنْظُرْ فِي حَقِّهِ عَلَيْكَ وَ اِرْجِعْ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا لاَ تُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ فَإِنَّ لِلطَّاعَةِ أَعْلاَماً وَاضِحَةً وَ سُبُلاً نَيِّرَةً وَ مَحَجَّةً نَهْجَةً وَ غَايَةً مُطَّلَبَةً يَرِدُهَا اَلْأَكْيَاسُ وَ يُخَالِفُهَا اَلْأَنْكَاسُ مَنْ نَكَبَ عَنْهَا جَارَ عَنِ اَلْحَقِّ وَ خَبَطَ فِي اَلتِّيهِ وَ غَيَّرَ اَللَّهُ نِعْمَتَهُ وَ أَحَلَّ بِهِ نِقْمَتَهُ فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ فَقَدْ بَيَّنَ اَللَّهُ لَكَ سَبِيلَكَ وَ حَيْثُ تَنَاهَتْ بِكَ أُمُورُكَ فَقَدْ أَجْرَيْتَ إِلَى غَايَةِ خُسْرٍ وَ مَحَلَّةِ كُفْرٍ وَ إِنَّ نَفْسَكَ قَدْ أَوْلَجَتْكَ شَرّاً وَ أَقْحَمَتْكَ غَيّاً وَ أَوْرَدَتْكَ اَلْمَهَالِكَ وَ أَوْعَرَتْ عَلَيْكَ اَلْمَسَالِكَ أقول : قوله عليه السلام في الأوّل « أما بعد فإنّي على التردّد في جوابك و الإستماع إلى كتابك » قال ابن أبي الحديد « ليس معناه التوقف بل معناه التردد و التكرار . أي : أنا لائم نفسي على أني أكرّر تارة بعد تارة أجوبتك عمّا تكتبه » 1 .
قلت : و لا مانع عن أن يراد بالتردد التوقف بأن يكون المعنى ، إنّني مع توقفي ، و ترددي هل أجيبك أم لا ، و هل استمع إلى كتابك أم لا ، مضعّف رأيي لأن مقتضى الرأي الّذي ليس به ضعف ألاّ تجاب أصلا ، و لا يسمع منك الخطاب بتّا ، إذ الكتاب إليك بعد معلومية كونك منافقا و متعنّتا خارج عن الصواب .
و كيف كان ، فقوله « على التردد » ليس بخبر ، بل متعلّق بالخبر .
أي : لموهن و « على » فيه بمعنى « مع » كقوله تعالى و يطعمون الطعام
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 233 .
[ 275 ]
على حبّه 1 .
« لموهّن رأيي و مخطّئ فراستي » قال ابن أبي الحديد موهن بالتشديد : أي :
كان ينبغي أن يكون جواب مثلك السكوت لهوانك 2 .
قلت : موهن بالتخفيف أيضا صحيح قال الجوهري : الوهن الضعف و قد وهّن الإنسان و وهنه غيره يتعدّى و لا يتعدّى ، و وهن أيضا : أي ضعف ،
و أوهنته أيضا و وهّنته توهينا 3 .
و مراده عليه السلام أنّ جواب معاوية السكوت ، لأنّ غرضه إنّما كان التلبيس و المشاغبة لا ما قاله ابن أبي الحديد من هوانه .
« و انّك اذ تحاولني الأمور و تراجعني السطور كالمستثقل النائم تكذبه أحلامه ، و المتحيّر القائم يبهظه مقامه ، و لا يدري أ له ما يأتي أم عليه » قال ابن أبي الحديد : أي : إنّك في مناظرتي ، و كتبك إليّ ، كالنائم يرى أحلاما كاذبة ، أو كمن قام مقاما بين يدي سلطان . أو قوم عقلاء ليعتذر عن أمر ، أو ليخطب بأمر في نفسه قد أبهظه أي : أثقله مقامه ذلك فهو لا يدري بكلامه هو له أم عليه . أما تشبيهه بالنائم ذي الأحلام . فإنّ معاوية لو رأى في المنام حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه خليفة يخاطب بإمرة المؤمنين ، و يحارب عليّا عليه السلام على الخلافة ، و يقوم في المسلمين مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما طلب لذلك المنام تعبيرا و تأويلا ، و لعدّه من وساوس الخيال ، و أضغاث الأحلام ، و كيف و أنّى يخطر هذا بباله ، و هو أبعد الخلق منه ، و هذا كما يخطر للنفّاط أن يكون ملكا ، و لا ينظرنّ إلى نسبه ، بل انظر إلى أنّ الإمامة هي نبوّة مختصرة ، و أنّ الطليق المعدود من المؤلفة
-----------
( 1 ) الانسان : 8 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 233 .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 6 : 2215 ، مادة وهن .
[ 276 ]
قلوبهم المكذّب بقلبه و إن أقرّ بلسانه ، الناقص المنزلة عند المسلمين ، القاعد في اخريات الصف ، إذ أدخل إلى مجلس فيه أهل السوابق من المهاجرين كيف يخطر ببال أحد أنّها تصير فيه ، و يملكها و يوسمه الناس وسمها ، و يكون للمؤمنين أميرا ، و يصير هو الحاكم في رقاب أولئك العظماء من أهل الدين و الفضل ، و هذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قوما بسيفه و لسانه ثلاثا و عشرين سنة ، و يلعنهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و يبعدهم عنه و ينزل القرآن بذمّهم و لعنهم و البراءة منهم . فلمّا تمّت له الدولة ، و غلب الدين على الدنيا ، و صارت شريعة دينية محكمة مات . فشيّد دينه الصالحون من أصحابه ، و أوسعوا رقعة ملّته ، و عظم قدرها في النفوس . فتسلّمها منهم أولئك الأعداء الّذين جاهدهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فملكوا و حكموا فيها ، و قتلوا الصلحاء و الأبرار ،
و أقارب نبيّهم الّذين يظهرون طاعته ، و آلت تلك الحركة الأولى و الاجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم ، فليته صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان يبعث فيرى معاوية الطليق و ابنه ، و مروان و أبناءه خلفاء في مقامه . يحكمون على المسلمون . فوضح أن معاوية في ما يكاتبه ، و يراجعه كصاحب الأحلام .
و امّا تشبيهه إيّاه بالقائم مقاما بهظه ، فلأنّ الحجج و الشّبه و المعاذير الّتي يذكرها معاوية في كتبه أوهن من نسج العنكبوت . فهو حال ما يكتب كالقائم ذلك المقام يخبط خبط العشواء و يكتب ما يعلم هو و العقلاء انّه سفه باطل الخ 1 .
قلت : أمّا ما قاله من أنّ معاوية لو كان رأي في نومه في زمان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه يصير خليفة يعدّه من أضغاث الأحلام لأنّه كان أبعد الخلق منه ، فليس كما قال بل كان ينتظره و هو ، و ان كان محاربا للّه أكثر أيام رسوله
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 233 .
[ 277 ]
إلى أن أذلّه اللّه إلاّ أنّ وصوله الأمر كان ذا علاج عنده ، و هو أن يساعد صدّيقهم ، و فاروقهم اللّذين من مهاجريهم الأولين لأنّ جميعهم كانوا من جنس واحد و كنفس واحدة و بمساعدته منع فاروقهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصيّة ، و به تخلّف هو و صاحبه عن جيش اسامة ، و به أرادا إحراق أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و فاطمة بضعته ، و نالا الأمر بواسطته .
فقال فاروقهم لابن عباس : « أنتم أهل رسول اللّه و آله و بنو عمه ، فما تقول منع قومكم منكم قال : لا أدري علّتها ، و اللّه ما أضمرنا لهم إلاّ خيرا . قال :
اللّهم غفرا ، إنّ قومكم كرهوا أن يجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتذهبوا في السماء شمخا و بذخا ، و لعلّكم تقولون إنّ أبا بكر أوّل من أخّركم ، اما إنّه لم يقصد ذلك ، و لكن حضر أمرا لم يكن بحضرته أحزم مما فعل .
و لو لا رأي أبي بكر فيّ لجعل لكم من الأمر نصيبا ، و لو فعل ما هنّاكم مع قومكم انّهم ينظرون إليكم نظر الثور إلى جازره » الخبر 1 .
فهل قوم بني هاشم غير قريش ؟ و هل رئيس قريش غير معاوية و أبيه ،
و بني أبيه ؟ و زادهم بسطة كون عثمان منهم .
و قال عمر أيضا لابن عباس لمّا سأله عن أشعر الشعراء . فقال له : زهير لقوله في بني سنان :
لو كان يقعد فوق الشمس من كرم
قوم بأوّلهم أو آخرهم قعدوا
« لا يصلح هذا البيت إلاّ في بني هاشم لقرابتهم من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال ابن عباس : لا . قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوّة و الخلافة فتجحفوا جحفا ، فنظرت قريش لأنفسها فاختارت
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 94 ، شرح الخطبة 226 .
[ 278 ]
و وفّقت فأصابت . . . » 1 .
كما انّه لما تنبّه الناس لخطإهم باتّباع الأوّلين من أعمال عثمان الذي كانا جعلاه صاحب الأمر حتّى كأنّهما جعلا بني اميّة أعداء الدين صاحب الأمر أقبلوا بعد قتلهم لعثمان نحوه عليه السلام عشقا كما وصف مروان الأمر في كتابه إلى معاوية بعد ذكره قتل عثمان في قوله : « منكفئين قبل ابن أبي طالب انكفاء الجراد أبصر المرعى . فأخلق ببني اميّة أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى العيّوق ان لم يثأره ثائر » توسّل معاوية بإنهاض طلحة و الزبير في قبال أمير المؤمنين عليه السلام فكتب إلى الزبير : « أمّا بعد ، فإنّك الزبير بن العوام بن أبي خديجة ، و ابن عمّة الرسول ، و حواريه ، و سلفه ، و صهر أبي بكر ، و فارس المسلمين ، و أنت الباذل في اللّه مهجته بمكّة عند صيحة الشيطان ، بعثك المنبعث فخرجت كالثعبان المنسلخ بالسيف المنصلت ، تخبط خبط الجمل الرديع ، كلّ ذلك قوة إيمان ، و صدق يقين ، و سبقت لك من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم البشارة بالجنّة ، و جعلك عمر أحد المستخلفين على الامّة ، و اعلم يا أبا عبد اللّه أنّ الرعية أصبحت كالغنم المتفرّقة لغيبة الراعي ، فسارع إلى حقن الدماء ، و لمّ الشعث ، و جمع الكلمة ، و صلاح ذات البيت قبل تفاقم الأمر ، و انتشار الامة ، فقد أصبح الناس على شفا جرف عمّا قليل ينهار ان لم يرأب . فشمّر لتأليف الامة ،
و ابتغ إلى ربك سبيلا ، فقد أحكمت الأمر من قبلي لك و لصاحبك على أنّ الأمر للمقدّم ، ثم لصاحبه من بعده ، جعلك اللّه من أئمة الهدى ، و بغاة الخير و التقوى .
و كتب إلى طلحة : فإنّك أقلّ قريش في قريش و ترا مع صباحة وجهك ،
و سماحة كفّك ، و فصاحة لسانك ، فأنت بازاء من تقدّمك في السابقة ، و خامس المبشّرين بالجنّة ، و لك يوم احد و شرفه و فضله ، فسارع إلى ما تقلدك الرعية
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 107 ، شرح الخطبة 226 ، و النقل بتلخيص .
[ 279 ]
من أمرها . مما لا يسعك التخلّف عنه ، و لا يرضى اللّه منك إلاّ بالقيام به ، فقد أحكمت لك الأمر قبلي ، و الزبير فغير متقدم عليك بفضل ، و أيّكما قدّم صاحبه ،
فالمقدّم الإمام و الأمر من بعده للمقدّم له » 1 .
و طلحة و الزبير كانا في طراز أبي بكر و عمر ، فلمّا طعن عمر ، و قال :
ادعوا لي الستّة فاحضروا قال : أكلكم يطمع في الخلافة بعدي ؟ قال له الزبير :
« ما الذي يبعدنا منها و لسنا دونك في قريش ، و لا في السابقة و لا في القرابة » 2 .
فلمّا لم يمكنه أن يدّعي هذا الأمر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ساعد صدّيقهم ثم فاروقهم ثم صاحبهم الّذي سلطنته سلطنتهم ، و بعد هتك صاحبهم ، و رجوع الحق إلى نصابه . قدّم حواريّهم و صاحبه ليزلزل الأمر على أمير المؤمنين عليه السلام حتى يتمّ الأمر لنفسه ، لكون الشام من قبل فاروقهم و صاحبه بيده ، و أهله طغام لا يفرّقون بين الحق و الباطل ، و ساعده باقي بني اميّة فتمّ له الأمر .
فكتب إلى مروان بعد كتابه إلى طلحة و الزبير و كان بالمدينة « إبحث عن أمورهم بحث الدجاجة عن حبّ الدخن عند فقاسها ، و انغل الحجاز فإنّي منغل الشام » .
و كتب إلى سعيد بن العاص : « إن عثمان عتب عليه فيكم ، و قتل في سبيلكم ففيم القعود ؟ فإذا قرأت كتابي هذا فدبّ دبيب البرء في الجسد النحيف ، و سر سير النجوم تحت الغمام ، و احشد حشد الذرّة في الصيف لانجحارها في الصرد » .
و كتب إلى ابن عامر « و ساور الأمر مساورة الذئب الاطلس كسيرة
-----------
( 1 ) روى هذه الكتب ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 560 ، شرح الخطبة 182 .
-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 62 ، شرح الخطبة 3 .
[ 280 ]
القطيع ، و نازل الرأي ، و انصب الشرك ، و ارم عن تمكّن ، وضع الهناء مواضع النقب ، و اجعل أكبر عدّتك الحذر ، و أحدّ سلاحك التحريض ، و اغضض عن العوراء ، و سامح اللجوج ، و استعطف الشارد ، و لاين الأشوس ، و قوّ عزم المريد ، و بادر العقبة ، و ازحف زحف الحيّة » .
و كتب إلى الوليد بن عقبة : « فلو قد استتبّ هذا الأمر لمريده ، ألفيت كشريد النعام يفزع من ظلّ الطائر » .
و كتب إلى يعلى بن منية : « كان أعظم ما نقموا عليه ( أي عثمان ) و عابوه به ، و لايتك اليمن . فشمّر لدخول العراق ، فأمّا الشام ، فقد كفيتك أهلها ، و أحكمت أمرها و قد كتبت إلى طلحة أن يلقاك بمكّة حتّى يجتمع رأيكما على إظهار الدعوة ، و الطلب بدم عثمان » .
فأجابوه بمساعدته . فكتب إليه مروان : « أنا كحرباء السبسب في الهجير ترقب عين الغزالة » . و كتب إليه الوليد « ملأة بطني علي حرام إلاّ مسكة الرمق حتى أفري أوداج قتلة عثمان » و كذلك باقيهم كتبوا مثل ذلك 1 .
و أمّا قول ابن أبي الحديد : « إنّ الطليق الذي كان من المؤلفة كيف يخطر ببال أحد أنّه يملك الإمامة الّتي هي نبوّة مختصرة » 2 فاعترض نظيره محمّد بن أبي بكر على معاوية نفسه . فأجابه بابتناء أمره على أمر صدّيقهم و فاروقهم .
فروى ابو الفرج و المسعودي ، و نصر بن مزاحم ، و غيرهم أنّ محمّد بن أبي بكر كتب إلى معاوية كتابا و في جملته ، أنّ أوّل من أجاب و أناب ، و صدّق و وافق ، و أسلم و سلم ، بعد بعثة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخوه و ابن عمّه علي بن أبي
-----------
( 1 ) روى هذه الكتب ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 561 563 ، شرح الخطبة 182 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 233 ، و النقل بالمعنى .
[ 281 ]
طالب ، فصدّقه بالغيب المكتوم ، و آثره على كلّ حميم ، فوقاه كلّ هول ، و واساه بنفسه في كلّ خوف ، فحارب حربه ، و سالم سلمه ، فلم يبرج مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل ، و مقامات الروع ، حتّى يزر سابقا لا نظير له في جهاده ، و لا مقارب له في فعله ، و قد رأيتك تساميه ، و أنت أنت ، و هو هو المبرّز السابق في كلّ خير . أوّل الناس إسلاما و أصدق الناس نيّة ، و أطيب الناس ذرّية ، و أفضل الناس زوجة ، و خير الناس ابن عم ، و أنت اللّعين ابن اللّعين ، ثم لم تزل أنت و أبوك تبغيان الغوائل لدين اللّه ، و تجهدان على إطفاء نور اللّه ، و تجمعان على ذلك الجموع ، و تبذلان فيه المال ، و تحالفان فيه القبائل . على ذلك مات أبوك ،
و على ذلك خلفته ، و الشاهد عليك بذلك من يأوي إليك ، و يلجأ من بقية الأحزاب ،
و رؤوس النفاق و الشقاق للنبي عليه السلام ، و الشاهد لعليّ عليه السلام مع فضله المبين ،
و سبقه القديم أنصاره الّذين ذكروا بفضلهم في القرآن ، فأثنى اللّه عليهم من المهاجرين و الأنصار ، فهم معه عصائب ، و حوله كتائب ، يجالدون بأسيافهم ،
و يهريقون دماءهم دونه ، يرون الفضل في اتّباعه ، و الشقاء في خلافه ، فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعليّ عليه السلام ، و هو وارث رسول اللّه ، و وصيّه و أبو ولده ،
و أوّل الناس له اتّباعا ، و آخرهم به عهدا ، يخبره بسرّه ، و يشركه في أمره ،
و أنت عدوّه ، فتمتّع ما استطعت بباطلك ، و ليمدد لك ابن العاص في غوايتك ،
فكأنّ أجلك قد انقضى ، و كيدك قد و هى ، و سوف يستبين لمن تكون العاقبة العلياء ، و اعلم أنّك تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده ، و أيست من روحه ، و هو لك بالمصراد ، و أنت منه في غرور ، و باللّه و أهل رسوله عنك الغناء » .
قالوا : فكتب إليه معاوية « أتاني كتابك تذكر ما اللّه أهله في قدرته و سلطانه ، و ما اصطفى به نبيّه مع كلام ألّفته لرأيك فيه تضعيف ، و لأبيك فيه تعنيف ذكر حق ابن أبي طالب ، و قديم سوابقه ، و قرابته من النبي ، و نصرته له ،
[ 282 ]
و مواساته إيّاه في كل خوف ، و احتجاجك علي ، و عتبك لي بفضل غيرك لا بفضلك . فأحمد إلها صرف الفضل عنك ، و جعلك لغيره ، و قد كنّا و أبوك معنا في حياة من نبيّنا نرى حقّ ابن أبي طالب لازما لنا ، و فضله مبرّزا علينا . فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده و أتمّ له ما وعده ، و أظهر دعوته و أفلج حجّته . قبضه إليه ، فكان أبوك و فاروقه أول من ابتزّه و خالفه ، على ذلك اتّفقا و اتّسقا . ثم دعواه إلى أنفسهم فأبطأ عنهما و تلكّأ عليهما . فهمّا به الهموم ، و أرادا به العظيم ، فبايع و سلّم لهما ، لا يشركانه في أمرهما و لا يطّلعانه على سرّهما ،
حتّى قبضا و انقضى أمرهما ، ثم قام بعدهما ثالثهما عثمان بن عفان يهتدي بهديهما ، و يسير بسيرتهما . فعبته أنت ، و صاحبك . حتى طمع فيه الأقاصي ،
و بطنتما له ، و أظهرتما عداوتكما و غلّكما . حتّى بلغتما منه منا كما . فخذ حذرك يا ابن أبي بكر . فسترى و بال أمرك ، و قس شبرك بفترك . تقصر من أن توازي من تزن الجبال حلمه ، لا تلين على قصر قناته ، و لا يدرك ذو مدى أناته أبوك مهّد مهاده ، و بنى ملكه و شاده . فإن يمكن ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، و إن يك جورا فأبوك اسّه ، و نحن شركاؤه ، بهديه أخذنا ، و بفعله اقتدينا ، و لو لا ما سبقنا إليه أبوك . ما خالفنا ابن أبي طالب و أسلمنا له ، و لكنّا رأينا أباك فعل ذلك فاحتذينا بمثاله ، و اقتدينا بفعاله ، فعب أباك ما بدا لك أو دع 1 .
و لعمري إنّ جوابه عين حقيقة الأمر ، و من قضايا العقول أنّ بطلان اللازم يدلّ على بطلان الملزوم . فلو كانت خلافة صدّيقهم حقّا كانت خلافة معاوية أيضا حقّا ، مع وضوح بطلانها لكونه عدوّ اللّه و عدوّ رسوله ، و عدوّ دينه ، و لعين نبيّه ، فخلافة أبي بكر أيضا كذلك .
-----------
( 1 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 3 : 11 ، و ابن مزاحم في وقعة صفين : 118 ، و البلاذري في أنساب الأشراف 2 :
393 ، لكن لم يوجد في كتابي أبي الفرج : مقاتل الطالبيين ، و الأغاني .
[ 283 ]
و هذا الكتاب هو الذي أشار إليه الطبري ، و لم ينقله ، و اعتذر بأنّه لا تحتمله العامّة 1 ، و لو كان قال : لا يحتمله أولو الألباب لأتى بالصواب .
و امّا قول ابن أبي الحديد : و هذا أعجب من العجب أن يجاهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قوما بسيفه و لسانه ثلاثا و عشرين سنة ، و يلعنهم و ينزل القرآن بذمهم الخ 2 فليس العجب مختصا بمن قال . ألم تكن عائشة معترضة على النبي طول أيّامه في باقي أزواجه و في معاشرتها معه حسبما نزلت فيه الآيات و تواترت به الروايات ؟ ألم يقل عزّ و جلّ فيها و في صاحبتها : و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين 3 ضرب اللّه مثلا للّذين كفروا امرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من اللّه شيئا و قيل ادخلا النار مع الداخلين 4 ؟
أ لم يقل تعالى لها و قرن في بيوتكن و لا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى 5 و من يأت منكن بفاحشة مبيّنة يضاعف لها العذاب ضعفين و كان ذلك على اللّه يسيرا 6 .
و مع ذلك يعتقد أهل نحلته كونها صدّيقة ، و كان أصحاب حواريهم و صاحبه في الجمل يقولون :
يا معشر الأزد عليكم امّكم
فإنّها صلاتكم و صومكم
و كانوا يقولون في من نزلت فيهم آية التطهير :
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 557 ، سنة 36 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 234 .
-----------
( 3 ) التحريم : 4 .
-----------
( 4 ) التحريم : 10 .
-----------
( 5 ) الاحزاب : 33 .
-----------
( 6 ) الاحزاب : 30 .
[ 284 ]
ان فاتنا علي فالغبن
أو فاتنا ابناه حسين و حسن
إذن نمت بطول همّ و حزن
و كانت مع ذلك ، ولايتها عندهم كولاية أبيها جزء الدين . ألم يسمعوا قوله تعالى في أمير المؤمنين عليه السلام و سيّدة نساء العالمين ، و سيّدي شباب أهل الجنّة فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم 1 سوى ما تواتر عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيهم قولا و عملا ، و مع ذلك هم عندهم كعرض الناس .
و اما قوله : « و لمّا مات ذلك النبي شيد دينه الصالحون من أصحابه » فإن أراد بصالح أصحابه صدّيقهم ، و فاروقهم ، و أراد بتشييدهم دينه فتوحاتهما فبنو امية كانوا أكثر فتوحا منهم ، و إن أراد بتشييدهم دينه إرادتهم إحراق أهل بيته لو لم يحضروا للبيعة معهم ، و تركهم جنازة نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم بلا تجهيز ،
و معاملتهم مع بضعة نبيّهم سيّدة نساء العالمين ما عاملوا من أخذ فدك منها ،
و غير ذلك مما تسبب موتها ؟
و قول ابن أبي الحديد : « فتسلمها منهم اولئك الأعداء » 2 ليته أضاف عليه بتسليم أولئك الأولياء الأمر إليهم .
و قوله : « و آلت تلك الحركة الاولى ، و ذلك الإجتهاد السابق إلى أن كان ثمرته لهم » فيه انّه لم يكن مآل حركتهم تلك إلى ما قال ، بل كانت حركتهم تلك عين ذاك فهل جعل عثمان باسم الشورى خليفة للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم غير عمر ؟ و هل كانت خلافة عثمان غير خلافة بني امية ؟ و كان عمر يعرف ذلك كاملا ، و لم تكن أعمال بني اميّة في أيّام عثمان أقل شناعة من أعمالهم في أيّام معاوية بل
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 234 .
-----------
( 2 ) المصدر نفسه .
[ 285 ]
كانت أكثر فظاعة فمن شرب من بني امية ، و صلّى بالناس الصبح أربعا ،
و تغنّى لهم فيها أيّام معاوية ؟ و هل معاوية الطليق و مروان الطريد الوزغ ابن الوزغ لا يحكمان أيّام عثمان الذي هو ذو نوريهم و ثالث راشديهم بهواهما كما شاءا ؟ و لم يكن لعثمان إلاّ معاملته مع أبي ذر ، و عمّار المتّفق على جلالهما لا كرجال عشرتهم و ستّتهم لكفاه خزيا و معادلة لأعمال كثير من خلفاء بني اميّة .
« و لست به غير انّه بك شبيه » لم يقل عليه السلام « غير انّك به شبيه » للدلالة على أنّ مفاسد تصدّي معاوية للأمر و خبطاته و زلاّته فوق خبطات المستثقل النائم و المتحيّر القائم بمراتب .
« و أقسم باللّه انّه » هكذا في ( المصرية ) ، و كلمة ( انّه ) زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 1 ، و الظاهر انّها كانت نسخة بدلية من « باللّه » في بعض النسخ فجمعت ( المصرية ) بينهما .
« لو لا بعض الاستبقاء لوصلت إليك منّي قوارع » أي : شدائد كاسرة .
« تقرع » أي : تكسّر .
« العظم و تنهش اللحم » قال الجوهري : النهش النهس و هو أخذ اللحم بمقدّم الأسنان 2 .
قال ابن أبي الحديد قيل : ان القوارع التي أشار إليها هي أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فوّض إليه أمر نسائه بعد موته ، و جعل إليه أن يقطع عصمة ايتهنّ شاء إذا رأى ذلك ، و له من الصحابة جماعة يشهدون له بذلك ، فقد كان قادرا على أن يقطع عصمة أم حبيبة ، و يبيح نكاحها الرجال عقوبة لها و لمعاوية أخيها فإنّها كانت
-----------
( 1 ) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 4 : 233 ، و شرح ابن ميثم 5 : 229 ، ايضا .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 3 : 1023 ، مادة ( نهش ) .
[ 286 ]
تبغض عليّا عليه السلام كما يبغضه أخوها ، و لو فعل ذلك لانتهش لحمه ، و هذا قول الإمامية ، و قد رووا عن رجالهم أنّه عليه السلام تهدّد عائشة بضرب من ذلك ، و أما نحن فلا نصدّق هذا الخبر ، و نفسّر كلامه على معنى آخر ، و هو أنّه قد كان معه من الصحابة قوم كثيرون سمعوا من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يلعن معاوية بعد إسلامه ،
و يقول : إنّه منافق كافر ، و انّه من أهل النار ، و الأخبار في ذلك مشهورة . فلو شاء أن يحمل إلى أهل الشام خطوطهم ، و شهاداتهم بذلك ، و يسمعهم قولهم ملافظة و مشافهة لفعل ، و لكنّه رأى العدول عن ذلك مصلحة لأمر يعلمه هو ،
و لو فعل ذلك لا نتهش لحمه و إنّما أبقى عليه .
و قلت لأبي زيد البصري : لم أبقى عليه . فقال : و اللّه ما أبقى عليه مراعاة له ، و لا رفقا به ، و لكنه خاف أن يفعل كفعله ، فيقول لعمرو بن العاص و حبيب بن مسلمة ، و بسر بن ارطأة ، و أبي الأعور و أمثالهم أرووا أنتم عن النبي ان عليّا عليه السلام منافق من أهل النار ثم يحمل ذلك إلى أهل العراق ، فلهذا السبب أبقى عليه 1 .
قلت : قوله « و هذا قول الإمامية » إن كان أشار به إلى تفسير القوارع في كلامه عليه السلام بما ذكر . فمن من الإماميّة قال ذلك ؟ هل الرضي قال ذلك أم المرتضى أم المفيد أم الصدوق أم الكليني أم غيرهم من معروفيهم ، و إن أشار به إلى أصل تفويض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر نسائه إليه عليه السلام ، و انّه عليه السلام هدّد بذلك عائشة فلم يكن ذلك مختصّا بالإمامية . فقد روى ذلك ابن أعثم الكوفي من رجالهم الأقدمين 2 . لكن المراد سقوط حرمتهن ، و خطابهن بأمّ المؤمنين دون إباحة نكاحهن . فالإمامية قائلون بأنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نفسه لو طلّق امرأة لم
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 234 .
-----------
( 2 ) فتوح ابن أعثم 2 : 340 .
[ 287 ]
يجز نكاحها و لو كانت لم يدخل بها .
روى محمّد بن يعقوب ، عن ابن اذينة ، عن سعد بن أبي عروة ، عن قتادة عن الحسن البصري أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تزوّج عامرية جميلة ، فقالت عائشة و حفصة : لا تغلبنا هذه . فقالتا لها : لا يرى منك النبي حرصا . فلما ادخلت عليه .
قالت « أعوذ باللّه منك » فانقبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يده و طلّقها ، و تزوج كنديّة . فلمّا مات ابنه إبراهيم . قالت « لو كان نبيّا ما مات ابنه » فطلّقها أيضا قبل أن يدخل بها . فأتتا أبا بكر بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قد خطبتا . فقال هو و عمر لهما : اختارا إن شئتما الحجاب ، و ان شئتما الباه . فاختارتا الباه . فجذم أحد الرجلين و جنّ الآخر قال ابن اذينة ، فحدّثت بهذا الحديث زرارة ، و الفضيل فرويا عن أبي جعفر عليه السلام أنّه ما نهى اللّه عزّ و جلّ عن شيء إلاّ و قد عصي فيه حتى نكحوا ازواجه بعده و ذكر هاتين ، العامرية و الكنديّة 1 .
و اما ما قاله من انّه كان معه عليه السلام من الصحابة قوم كثير سمعوا من النبي عليه السلام لعن معاوية ، و أنّه منافق كافر ، فصحيح ، فروى نصر بن مزاحم في ( صفينه ) عن عمّار بن ياسر . قال : « و اللّه ما أسلم القوم ، و لكن استسلموا و أسرّوا الكفر حتى وجدوا عليه أعوانا » .
و عن ابن مسعود ، و أبي سعيد أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه . قال أبو سعيد : فلم نفعل و لم نفلح .
و عن رجل شامي قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : شرّ خلق اللّه خمسة إلى أن قال و رجل من هذه الامة يبايع على كفره عند باب لدّ . قال : إنّي لما رأيت معاوية بايع عند باب لدّ ذكرت قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فلحقت بعليّ عليه السلام فكنت معه .
و عن البراء بن عازب قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « اللهمّ العن التابع
-----------
( 1 ) رواه الكليني في الكافي 5 : 421 ح 3 ، و النقل بتلخيص .
[ 288 ]
و المتبوع » . و أشار إلى معاوية و أبيه .
و عن جابر الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : « يموت معاوية على غير ملتي » . و عن ابن عمر « ما بين تابوت معاويه و تابوت فرعون إلاّ درجة ، و ما انخفضت تلك الدرجة إلاّ انّه قال : أنا ربّكم الأعلى 1 .
و روى نظير ذلك عن أبي برزة الأسلمي و عن زيد بن أرقم 2 . و روى الطبري كتابا جمعه المأمون في كفر معاوية ، و في لعنه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم 3 .
و لا يبعد أن يكون مراد أمير المؤمنين عليه السلام ببعض الاستبقاء على معاوية كونه امتحانا للناس بعد إتمام الحجّة عليهم من أقوال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه و أعمال معاوية نفسها .
كما ان اللّه تعالى أتمّ الحجّة على الدهرية بشواهد وجوده في فطرة العقول ، و على اليهود ، و النصارى في حقّية رسوله بكتابه ، و سائر بيّناته .
كما أن اللّه تعالى لم يظفر أمير المؤمنين عليه السلام بمعاوية مع هزيمته له في صفين أوّلا و قتل عليه السلام لمّا أراد الرجوع ثانيا ، و لم يستقر أمره عليه السلام طول ايّامه لامتحان الناس . فإنّه عليه السلام لو كان استقر أمره لما ظهر ما في بواطن أولئك المنافقين ، و ما صدر منهم بعده عليه السلام .
و روى نصر بن مزاحم انّه عليه السلام خطب في صفّين و قال في جملة خطبته :
« و إن من أعجب العجائب أنّ معاوية و عمرو بن العاص أصبحا يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما إلى أن قال و أيم اللّه ما اختلف امّة قطّ بعد نبيها إلاّ ظهر أهل باطلها على أهل حقّها إلاّ ما شاء اللّه » . فقال أبو سنان
-----------
( 1 ) النازعات : 24 .
-----------
( 2 ) روى هذه الاحاديث ابن مزاحم في وقعة صفين : 215 219 ، و غيره .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 8 : 183 ، سنة 284 .
[ 289 ]
الأسلمي : فسمعت عمّارا يقول : « أمّا أمير المؤمنين عليه السلام فقد أعلمكم أنّ الامّة لن تستقيم عليه » . ثم تفرّق الناس ، و قد نفذت بصائرهم 1 .
هذا ، و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : انّ معاوية لمّا امتنع الحسين عليه السلام و ابن الزبير و ابن عمر من اجابته إلى بيعة يزيد ، ارتحل من المدينة إلى مكّة ، و أعطى الناس اعطياتهم ، و أجزل العطاء ، و أخرج إلى كلّ قبيلة جوائزها و اعطياتها ،
و لم يخرج لبني هاشم جائزة و لا عطاء . فخرج ابن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء و جاء فجلس على بابه ، فجعل معاوية يقول : من بالباب ؟ فيقال :
عبد اللّه بن عباس . فلم يأذن لأحد و نام . فلمّا استيقظ قال : من بالباب ؟ فقيل : ابن عباس . فدعا بدابته . فادخلت إليه . ثم خرج راكبا فوثب إليه ابن عباس فأخذ بلجام دابته . ثم قال : أين تذهب ؟ قال : إلى مكّة . قال : فأين جوائزنا ؟ فقال : و اللّه مالكم عندي جائزة حتى يبايع صاحبكم . قال ابن عباس : فقد أبى ابن الزبير و أخرجت جائزة بني أسد ، و أبى ابن عمر ، و أخرجت جائزة بني عدي ، فمالنا إن أبى صاحبنا ، و قد أبى صاحب غيرنا ؟ فقال معاوية : لستم كغيركم . لا و اللّه لا أعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم . فقال ابن عباس ، أما و اللّه لئن لم تفعل لالحقنّ بساحل من سواحل الشام . ثم لأقولنّ ما تعلم . فقال معاوية : لا بل أعطيكم جوائزكم . فبعث بها إليهم 2 .
و اما ما نقله عن أبي زيد . فساقط رديّ ، فإن أهل العراق يعرفونه كاملا انّه وليّ اللّه كما كانوا يعرفون معاوية أنّه عدوّ اللّه ، و إنّما كانوا أهل الدنيا ،
و غلب عليهم حبّها ، و حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة ، و لو كان ما قاله أمرا ممكنا لفعله معاوية و لم ينتظر ابتداء أمير المؤمنين عليه السلام بذلك ، فإنّه كان لم يبال في
-----------
( 1 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 224 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 190 ، و النقل بتصرف .
[ 290 ]
نيل مقصوده من ارتكاب كل شنيعة لو تيسّرت له .
« و اعلم أنّ الشيطان قد ثبّطك » أي : أوقفك و شغلك .
« عن أن تراجع أحسن امورك و تأذن » أي : تجعل اذنك سامعة . نظير قوله تعالى : و أذنت لربّها و حقّت 1 .
« لمقال نصيحك » فتقبله .
قوله عليه السلام في الثاني : « فاتّق اللّه في ما لديك و انظر من حقه عليك » قال ابن أبي الحديد : زيادة في كتابه عليه السلام قبل ما في الكتاب ، و زيادة بعده . أمّا قبله فهو قوله عليه السلام « أمّا بعد فقد بلغني كتابك تذكر مشاغبتي ، و تستقبح مؤازرتي ،
و تزعمني متحيّرا ، و عن حق اللّه مقصّرا ، فسبحان اللّه كيف تستجيز الغيبة ،
و تستحسن العضيهة ، إنّي لم اشاغب إلاّ في أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ،
و لم أضجر إلاّ على باغ مارق ، أو ملحد منافق و لم آخذ في ذلك إلاّ بقول اللّه سبحانه لا تجد قوما يؤمنون باللّه و اليوم الآخر ، يوادّون من حادّ اللّه و رسوله ، و لو كانوا آباءهم أو أبناءهم 2 .
و امّا التقصير في حقّ اللّه تعالى فمعاذ اللّه ، و إنّما المقصّر في حق اللّه جلّ ثناؤه من عطّل الحقوق المؤكدة ، و ركن إلى الأهواء المبتدعة ، و أخلد إلى الضلالة المتحيّرة . و من العجب أن تصف يا معاوية الإحسان ، و تخالف البرهان ، و تنكث الوثائق التي هي للّه عزّ و جلّ طلبة ، و على عباده حجّة ، مع نبذ الإسلام ، و تضييع الأحكام ، و طمس الأعلام ، و الجري في الهوى ، و التهوّس في الردى » .
قال : و اما الزيادة بعده فهو قوله « و ان للناس جماعة يد اللّه عليها ، غضب .
-----------
( 1 ) الانشقاق : 2 .
-----------
( 2 ) المجادلة : 22 .
[ 291 ]
اللّه على من خالفها . فنفسك نفسك قبل حلول رمسك ، فإنّك إلى اللّه راجع ، و إلى حشره مهطع ، و سيبهظك كربه ، و يحلّ بك غمّه . يوم لا يغني النادم ندمه ، و لا يقبل من المعتذر عذره ، يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا و لا هم ينصرون » 1 .
ثم المراد بقوله عليه السلام « في ما لديك » قيل : مال المسلمين و فيئهم ، و قيل :
نعمه تعالى عليه .
« و ارجع إلى معرفة ما لا تعذر بجهالته » قيل : أي : معرفة الإمام و طاعته .
« فإن للطاعة » أي : طاعة اللّه الواجبة بحكم العقل .
« أعلاما واضحة » أي : علامات ظاهرة ، و هي الإتيان بكلّ معروف دلّ عليه العقل أو أمر به الشرع ، و ترك كلّ منكر حظرا عنه .
« و محجّة نهجة » أي : جادة بيّنة .
« و غاية مطلبة » و تبديل ( المصرية ) « مطلبة » بمطلوبة غلط لاتفاق ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) على كونه « مطلبة » و كذا الراوندي 2 .
ثم المفهوم من ابن أبي الحديد كون « مطلبة » من باب الأفعال و بلفظ اسم الفاعل ، فقال « مطلبة : أي مساعفة لطالبها بما يطلبه . تقول : طلب فلان منّي كذا فأطلبته » أي : سعفت به » 3 .
قلت : يجوز أن يكون مطلبة بفتح الميم مفرد مطالب . قال في ( الجمهرة ) :
« و المطالب مواضع الطلب ، و يجوز أن تكون واحدة المطالب مطلبة » 4 .
و المعنى يساعده بأن يكون المراد أنّ للطاعة غاية ، و هي الجنّة موضع
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 3 .
-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 3 ، و شرح ابن ميثم 4 : 449 ، و شرح الراوندي 3 : 70 .
-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 3 .
-----------
( 4 ) جمهرة اللغة 1 : 309 ، مادة ( بطل ) .
[ 292 ]
الطلب ، و أمّا ما قاله فالمعنى لا يساعده ، لأنّ الجنّة التي غاية الطاعة ليست بمساعفة لطالبها . كيف و قد حفّت بالمكاره ، و إنّما المناسب إذا كان « المطلبة » فاعلا من الأفعال أن تكون من قولهم « ماء مطلب و كلاء مطلب » تباعدا فطلبهما الناس . قال ابن دريد « الكلاء المطلب الذي لا يوصل إليه إلاّ بمشقّة ، و قال الأصمعي : كلاء مطلب إذا عنّى طالبه . قال الشاعر ذو الرمة :
أضلّه راعيا كلبيّة صدرا
عن مطلب و طلى الأعناق تضطرب 1
لا من قولهم : « طلب منّي فأطلبته » و قوله : « أي أسعفت له » أيضا غلط .
ففي ( الأساس ) أي : فأسعفته 2 .
و يجوز أن يكون « مطلبة » بتشديد الطاء من باب الافتعال كالمطّلب الّذي اسم أخي هاشم ، لكن مطلبة بلفظ المفعول : أي : انّ للطاعة غاية لا بدّ أن يتحمّل في طلبها .
و يجوز أن تكون بتشديد اللام من باب التفعيل . ففي القاموس طلبه تطليبا طلبه في مهلة 3 . فيكون المعنى الجنّة التي غاية الطاعة يجب أن تطلب في مدّة المهلة . لكنّه لا يخلو من تكلّف .
« يردها » أي : يرد تلك الغاية ، و المراد ما يؤدي إليها كقوله تعالى : و سارعوا إلى مغفرة من ربّكم و جنّة عرضها السماوات و الأرض 4 .
« الأكياس » جمع أكيس : أي : الفطن و هو ضدّ الأحمق . قال :
-----------
( 1 ) جمهرة اللغة 1 : 309 ، مادة ( بطل ) .
-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 282 ، مادة ( طلب ) .
-----------
( 3 ) القاموس المحيط 1 : 98 ، مادة ( طلب ) .
-----------
( 4 ) آل عمران : 133 .
[ 293 ]
فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم
و ان كنت في الحمقى فكن أنت أحمقا 1
و ( اكيست المرأة و اكاست ) : جاءت بأولاد أكياس قال :
فلو كنتم لمكيسة أكاست
و كيس الامّ يظهر في البنينا
و لكن امّكم حمقت فجئتم
غثاثا ما نرى فيكم سمينا 2
« و يخالفها » بترك ورودها .
« الأنكاس » ضعفاء العقول الأحمقون الأرذال ، و الولد المنكوس الذي تخرج رجلاه قبل رأسه ، و سهم نكس : إنكسر فوقه ، فجعل أعلاه اسفله ، قال الحطيئة
« مجدا تليدا و عزا غير أنكاس »
3 .
« من نكب » أي : عدل .
« عنها حاد » أي : مال .
« عن الحق » و اختار الباطل .
« و خبط » قال الجوهري : خبط البعير الأرض بيده خبطا . ضربها ، و منه قيل : « خبط عشواء » و هي الناقة الّتي في بصرها ضعف تخبط إذا مشت لا تتوقى شيئا 4 ، و في ( الأساس ) و من المجاز « بات يخبط الظلماء » « و ما أدري أيّ خابط الليل هو » 5 .
« في التيه » قال الجوهري : التيه : المفازة يتاه فيها 6 ، أي : يتحيّر .
-----------
( 1 ) أورده في لسان العرب 6 : 200 ، مادة ( كيس ) ، و أساس البلاغة : 400 ، مادة ( كيس ) .
-----------
( 2 ) أورده في لسان العرب 6 : 200 ، مادة ( كيس ) ، و أساس البلاغة : 400 ، مادة ( كيس ) .
-----------
( 3 ) أورده في لسان العرب 6 : 242 ، مادة ( نكس ) ، و أساس البلاغة : 472 ، مادة ( نكس ) .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 3 : 1121 ، مادة ( خبط ) .
-----------
( 5 ) اساس البلاغة : 102 ، مادة خبط .
-----------
( 6 ) صحاح اللغة 6 : 2229 ، مادة ( قيه ) .
[ 294 ]
« و غيّر اللّه نعمته » هكذا في النسخ 1 ، و الظاهر أنّ فيه تحريفا و أنّ الأصل « و غيّر نعمة اللّه بالكفر » أخذا من قوله تعالى : ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة اللّه كفرا 2 و قد ورد في أخبار كثيرة تفسير الآية بقريش و على رأسهم بنو اميّة 3 ، و على رأسهم معاوية ، بدّلوا نعمة اللّه كفرا حيث عدلوا عن وصيّ نبيّهم صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمير المؤمنين عليه السلام إلى غيره ، و أيضا السياق لا يناسب ، حيث أنّ الفاعل في « حاد » و « خبط » ضمير « من » فكيف غيّر في « و غيّر » .
« و أحلّ به نقمته » الفاعل في « أحلّ » ضمير « من نكب » : أي عمل عملا استحق به حلول نقمته تعالى عليه ، و لا يبعد أن يكون مأخوذا من قوله تعالى و أحلّوا قومهم دار البوار 4 بعد ما مرّ من قوله تعالى ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمت اللّه كفرا 5 .
« فنفسك نفسك » قال عزّ و جلّ : عليكم أنفسكم 6 .
« و حيث تناهت بك أمورك » أي : و انقضت دنياك أو بلغت امانيك في العاجلة . « فقد أجريت ( في سير حياتك ) إلى غاية خسر » كما قال عزّ و جلّ إنّ الإنسان لفي خسر 7 .
« و محلّة كفر » أي : مكان تحلّه الكفار و تنزله و هو النار .
قال ابن أبي الحديد : الأولى أن لا يكون قوله عليه السلام : « و حيث تناهت بك امورك » معطوفا و لا متصلا بقوله عليه السلام « فقد بيّن اللّه » بل مثل قولهم « حيث
-----------
( 1 ) كذا في نهج البلاغة 3 : 37 ، و شرح ابن أبي الحديد 4 : 3 ، و شرح ابن ميثم 4 : 448 .
-----------
( 2 ) ابراهيم : 28 .
-----------
( 3 ) جمع بعض طرقه البحراني في البرهان 2 : 316 .
-----------
( 4 ) ابراهيم : 28 .
-----------
( 5 ) ابراهيم : 28 .
-----------
( 6 ) المائدة : 105 .
-----------
( 7 ) العصر : 2 .
[ 295 ]
أنت ، أي قف حيث أنت ، و قولهم « مكانك » : أي : قف مكانك 1 .
قلت : فيه أوّلا ، انّه لا مناسبة لأن يقول عليه السلام له قف مكانك . فإنّه كان تجاوز حدّه و أفرط في أمره ، فالمناسب أن يقول له « فارجع عن غيّك و ضلالك » لا « قف حيث أنت » و ثانيا ، إنّه ليس عدم عطفه أولى بل غير جائز لأنّه لا معنى للعطف و استينافه معين .
كان الحسن البصري يقول : أربع خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه إلاّ واحدة منهنّ لكانت موبقة : افتراؤه على هذه الامّة بالسفهاء حتّى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم ، و فيهم بقايا الصحابة و ذوو الفضيلة ، و استخلافه بعده ابنه يزيد سكّيرا خمّيرا يلبس الحرير ، و يضرب بالطنابير ، و ادعاؤه زيادا ، و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « الولد للفراش و للعاهر الحجر » ، و قتله حجرا و أصحابه فيا ويله من حجر و أصحاب حجر 2 .
« و إنّ نفسك قد أولجتك » أي : أدخلتك .
« شرّا » أيّ : شرّ .
« و أقحمتك » أي : أطرحتك .
« غيّا » و ضلالا .
« و أوردتك المهالك » و لا يحصل منك صدور و رجوع .
« و أوعرت » أي : أصعبت .
« عليك المسالك » فلا تصل إلى المقصد 3 .
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 3 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) رواه الزبير بن بكار في الموفقيات ، و عنه شرح ابن أبي الحديد 1 : 200 ، شرح الخطبة 35 .
-----------
( 3 ) اسقط الشارح في هذا العنوان ايراد فقرات : « و السلام لأهله » و « سبلا نيرة » و « فقد بيّن الله لك سبيلك » .
[ 296 ]