10

من الخطبة ( 154 ) و قام إليه رجل ، فقال : أخبرنا عن الفتنة ، و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ؟ فقال :

لَمَّا أَنْزَلَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ الم أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ 1 13 29 : 1 2 عَلِمْتُ أَنَّ اَلْفِتْنَةَ لاَ تَنْزِلُ بِنَا وَ ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ص ؟

بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُلْتُ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ مَا هَذِهِ اَلْفِتْنَةُ اَلَّتِي أَخْبَرَكَ اَللَّهُ بِهَا فَقَالَ يَا ؟ عَلِيُّ ؟ إِنَّ أُمَّتِي سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي فَقُلْتُ يَا ؟ رَسُولُ اَللَّهِ ؟ أَ وَ لَيْسَ قَدْ قُلْتَ لِي ؟ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ حَيْثُ اُسْتُشْهِدَ مَنِ اُسْتُشْهِدَ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ وَ حِيزَتْ عَنِّي اَلشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيَّ فَقُلْتَ لِي أَبْشِرْ فَإِنَّ اَلشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ فَقَالَ لِي إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ فَكَيْفَ صَبْرُكَ إِذاً فَقُلْتُ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ اَلصَّبْرِ وَ لَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ اَلْبُشْرَى وَ اَلشُّكْرِ وَ قَالَ يَا ؟ عَلِيُّ ؟ إِنَّ اَلْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بَعْدِي بِأَمْوَالِهِمْ وَ يَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَ يَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَ يَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَ يَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ اَلْكَاذِبَةِ وَ اَلْأَهْوَاءِ اَلسَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ اَلْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَ اَلسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَ اَلرِّبَا بِالْبَيْعِ فَقُلْتُ يَا ؟ رَسُولَ اَللَّهِ ؟ فَبِأَيِّ اَلْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ أقول : قال ابن أبي الحديد : هذا الخبر رواه كثير من المحدّثين عنه عليه السلام أنّ النبي قال له : انّ اللّه قد كتب عليك جهاد المفتونين كما كتب علي جهاد المشركين . فقلت : يا رسول اللّه ما هذه الفتنة الّتي كتب علي فيها الجهاد ؟ قال :

قوم يشهدون ألاّ إله إلاّ اللّه ، و أني رسوله ، و هم مخالفون للسنّة . فقلت : فعلام

[ 297 ]

اقاتلهم و هم يشهدون كما أشهد . قال : على الإحداث في الدين ، و مخالفة الامة .

فقلت : انّك وعدتني الشهادة . فاسأل اللّه أن يعجّلها إليّ بين يديك . قال : فمن يقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين ؟ و أمّا أنّي و عدتك الشهادة و ستستشهد ، تضرب على هذه فتخضب هذه . فكيف صبرك إذن ؟ فقلت : ليس ذا بموطن صبر و لكنه موطن بشرى و شكر . قال : أجل . أصبت . فأعدّ للخصومة . فإنّك مخاصم . فقلت : لو بيّنت لي قليلا . فقال : إنّ امّتي ستفتتن من بعدي . فتتأوّل القرآن ، و تعمل بالرأي ، و تستحلّ الخمر بالنبيذ . و السّحت بالهديّة ، و الربا بالبيع ، و تحرّف الكلام عن مواضعه ، و تغلب كلمة الضلال ، فكن حلس بيتك حتّى تقلّدها . فإذا قلّدتها جاشت عليك الصدور . و قلّبت لك الامور .

تقاتل حينئذ على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله ، فليست حالهم الثانية بدون حالهم الاولى . فقلت : فبأيّ المنازل أنزل هؤلاء المفتونين من بعدك ؟

أبمنزلة فتنة أم بمنزلة ردّة ؟ فقال : بمنزلة فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل . فقلت : أيدركهم العدل منّا أم من غيرنا ؟ قال : بل منّا بنا فتح و بنا يختم ،

و بنا الّف بين القلوب بعد الشرك ، و بنا يؤلّف بين القلوب بعد الفتنة . فقلت :

الحمد للّه على ما وهب لنا من فضله 1 .

قلت . و رواه المفيد في أماليه عن علي بن بلال المهلّبي مثله 2 .

قال ابن أبي الحديد : قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « بمنزلة فتنة » تصديق لمذهبنا في أهل البغي ، و أنّهم لم يدخلوا في الكفر بالكليّة بل هم فسّاق ، و الفاسق عندنا في منزلة بين المنزلتين خرج من الإيمان و لم يدخل في الكفر 3 .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 442 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) امالي المفيد : 288 ح 7 ، المجلس 34 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 443 .

[ 298 ]

قلت : لم ترك ما هو الاهمّ من دلالة كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على افتتان جميع الامّة بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم بما ذكر من تأويل القرآن ، و العمل بالرأي ، و استحلال الخمر و السحت و الربا و تحريف الكلم ، و غلبة كلمة الضلال ، و انّ أمير المؤمنين عليه السلام كان مأمورا من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالقعود في داره و كونه حلس بيته حتى يصل الأمر إليه ، و انّ الامّة من يوم وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمنزلة فتنة ليست أدون في الضلال من حالهم الاولى في عبادة الأوثان ، و هم كذلك إلى أن يظهر المهدي عليه السلام من ولده . فيخرجهم من الفتنة كما أخرجهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من الشرك ؟

ثم عدم دخولهم في الكفر موضوعا غير مفيد لهم و له لأنهم مثلهم حكما في الهلكة ، و اليهود و النصارى من الموحّدين اسما و هم من المشركين معنى .

قال : أبو المقدام لأبي جعفر الباقر عليه السلام ان العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى ، و ما كان اللّه ليفتن امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم من بعده . فقال أبو جعفر عليه السلام : أو ما يقرؤون كتاب اللّه ؟ أو ليس اللّه يقول : و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا و سيجزي اللّه الشاكرين 1 ؟ فقال : انّهم يفسّرونه على وجه آخر . فقال : أو ليس قد أخبر اللّه عن الذين من قبلهم من الامم أنّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال : و آتينا عيسى بن مريم البيّنات و أيّدناه بروح القدس و لو شاء اللّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن

-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .

[ 299 ]

و منهم من كفر 1 ؟

و روى ابن المغازلي و هو منهم عن كتاب شواهد التنزيل بإسناده إلى ابن عباس في تأويل قوله تعالى : و اتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّة 2 لمّا نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : من ظلم عليّا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي و نبوّة الأنبياء قبلي » . قال : و رواه ابن مسعود مع زيادة 3 .

« و قام إليه رجل ، و قال : اخبرنا عن الفتنة ، و هل سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم » قلت : بيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الفتنة لمن سأله عنها ، و من لم يسأله ، بل بيّن صلّى اللّه عليه و آله و سلم منشأ الفتنة أيضا . ففي الجمع بين صحيحي الحميدي في الحديث الثلاثين من مسند ابن عمر : قام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة و قال « هاهنا الفتنة ثلاثا من حيث يطلع قرن الشيطان » 4 .

فان الخبر إشارة إلى بعث عائشة في مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أبيها أن يصلّي بالناس مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فجعل ذلك عمر شبهة شبّه بها على الناس فقال لمّا أراد بيعته « رضيك النبي لديننا أفلا نرضاك لدنيانا » . جعل عمر خلافة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرا دنيويا مع أنّ خالد بن الوليد استحلّ قتل مالك بن نويرة مع إسلامه باعتراف عمر بتعبيره عن أبي بكر في مكالمته بقوله « صاحبك » و انّه ما رآه صاحبا له . إن هذا إلاّ تهافت عجيب و اختلاط غريب .

-----------
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 8 : 270 ح 398 ، و الآية 253 من سورة البقرة .

-----------
( 2 ) الانفال : 25 .

-----------
( 3 ) أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل 1 : 206 ح 269 ، عن ابن عباس ، و أخرجه ابن طاووس في الطرائف 1 : 36 ح 25 ، عن ابن مسعود و لم يرو الحديث ابن المغازلي اصلا .

-----------
( 4 ) رواه عن الحميدي ابن طاووس في الطرائف 1 : 297 ح 384 ، و الحديث بفرق في العبارة أخرجه مسلم في صحيحه 4 : 2229 ح 46 و 48 .

[ 300 ]

و أيضا عيّن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ميزانا للحق و الحقيقة عند الفتن و اختلاف الناس فروى ابن ديزيل و هو منهم و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر أنّ رجلا جاء إلى ابن مسعود . فقال : إنّ اللّه تعالى آمننا أن يظلمنا ، و لم يؤمّنا أن يفتتنا . أرأيت إذا أنزلت فتنة كيف أصنع . فقال : عليك كتاب اللّه . فقال : أفرأيت ان جاء قوم كلّهم يدعو إلى كتاب اللّه . فقال ابن مسعود : سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : إذا اختلف الناس كان ابن سميّة مع الحقّ يعني عمارا 1 .

قلت : جعل عمّار ميزانا كالنص في أمير المؤمنين عليه السلام حيث ان متابعته له و كونه من خواصّه عليه السلام أمر متحقق ، كما انّ مباينته مع عثمان و استحلاله دمه و تكفيره له أمر مقطوع ، و يظهر مباينته مع أبي بكر و عمر و اعتقاده كون تصدّيهما للأمر ظلما من كلامه يوم الشورى الّذي رواه الكلّ 2 .

« فقال عليه السلام لما أنزل اللّه سبحانه قوله أ لم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون 3 الآية في أول سورة العنكبوت .

« علمت انّ الفتنة لا تنزل بنا و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين أظهرنا » أي : و هو في الحياة .

انما علم عليه السلام انّ نزول الفتنة ليس في حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لأنّ للفتنة أسبابا كانت حياته مانعة منها . فمن يقدر منهم أن يدّعي كونه خليفته صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حياته كما انّ فتن السامري لبني إسرائيل كانت بعد غيبوبة موسى عليه السلام ،

و ما دام كان شاهدا لم يمكنه ذلك .

و نزول الفتن و ان كان بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إلاّ أنّ تهيئة أسبابها كانت من

-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 255 ، شرح الخطبة 43 .

-----------
( 2 ) رواه الجوهري في السقيفة : 90 ، و المسعودي في مروج الذهب 3 : 343 ، و أبو مخنف و عنه تلخيص الشافي 4 : 45 ،

و غيرهم .

-----------
( 3 ) العنكبوت : 1 2 .

[ 301 ]

زمن مرضه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال الشهرستاني في ( ملله ) بعد ذكر اعتراضات من المنافقين في حياته و في حال صحته كقول ذي الخويصرة له « اعدل يا محمد فإنّك لم تعدل » « و اما الاختلافات الواقعة في حال مرضه و بعد وفاته بين الصحابة فهي اختلافات اجتهادية كما قيل كان غرضهم فيها إقامة مراسم الشرع و إدامة مناهج الدين » 1 .

قلت : لو كان الأمر كما ذكر و كما قاله بعضهم في غرضهم لم يكن اللّه عالما حيث يجعل رسالته ، و كان رسوله ينطق عن الهوى ، و انّما كان اجتهادهم ذلك لعمر اللّه لأن اعتقادهم كان كما قال غير مرائيهم :

لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء و لا وحي نزل

قال الشهرستاني بعد ما مرّ « فأوّل تنازع في مرضه في ما رواه محمّد بن إسماعيل البخاري باسناده عن عبد اللّه بن عباس قال : لما اشتدّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم مرضه الّذي مات فيه قال : « إيتوني بدواة و قرطاس اكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي » . فقال عمر : « إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع . حسبنا كتاب اللّه » و كثر اللغط . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع » قال ابن عباس : الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا و بين كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

و قال : « الخلاف الثاني في مرضه أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : « جهّزوا جيش اسامة .

لعن اللّه من تخلّف عنه » فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره ، و اسامة قد برز من المدينة ، و قال قوم : « قد اشتدّ مرض النبي فلا تسع قلوبنا مفارقته و الحالة هذه ، فنصبر حتى نبصر أيّ شي‏ء يكون من أمره » .

قال الشهرستاني : و إنما أوردت هذين التنازعين لأنّ المخالفين ربّما عدّوا ذلك من الخلافات المؤثّرة في أمر الدين ، و ليس كذلك ، و إن كان الغرض

-----------
( 1 ) الملل و النحل 1 : 28 29 .

[ 302 ]

كلّه إقامة مراسم الشرع في حالة تزلزل القلوب ، و تسكين نائرة الفتنة المؤثرة عند تقلّب الامور 1 .

قلت : قد عرفت الجواب عن قوله « و ان كان الغرض إقامة مراسم الشرع » و لعمر اللّه كان الغرض إقامة مراسم رياستهم ، و هذا الشهرستاني في كتابه ذاك المترجم ب ( الملل و النحل ) جمع الملل الباطلة الحادثة في الإسلام . أليس ذنب جميعهم على عمر الّذي لم يدع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يكتب كتابا لا تضلّ الامّة بعده ؟ أليس ذلك فوق كلّ رزيّة ، و سبب كلّ فتنة حدثت في الإسلام أو تحدث إلى يوم القيامة ؟

و العجب انّه يقول : « حسبنا كتاب اللّه » و هو يردّ كتاب اللّه تعالى في قوله جلّ و علا و ما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى 2 بقوله « قد غلبه الوجع » في قوله « ايتوني بدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي » و ان نطقه هذا ليس من وحي يوحى إليه بل من سلب شعوره .

ثمّ أيّ شي‏ء كان عمر يفهم من كتاب اللّه إلاّ الضرب بالسياط لمن سأله عن تفسير بعض آياته ، فرووا و منهم ابن أبي الحديد أنّ رجلا جاء إلى عمر فقال : انّ ضبيعا التميمي لقينا فجعل يسألنا عن تفسير حروف من القرآن .

فقال : اللّهم امكنّي منه . فبينا عمر يوما جالسا يغدّي الناس إذ جاءه الضبيع و عليه ثياب و عمامة فتقدّم فأكل حتّى إذا فرغ قال : يا أمير المؤمنين ما معنى قوله تعالى و الذاريات ذروا فالحاملات و قرا 3 قال : ويحك أنت هو ؟ فقام إليه فحسر عن ذراعيه . فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته . فإذا له ضفيرتان .

-----------
( 1 ) الملل و النحل 1 : 29 .

-----------
( 2 ) النجم : 3 4 .

-----------
( 3 ) الذاريات : 1 2 .

[ 303 ]

فقال : و الّذي نفس عمر بيده لو وجدتك محلوقا لضربت رأسك . ثم أمر به .

فجعل في بيت . ثم كان يخرجه كلّ يوم . فيضربه مئة ، فإذا برأ أخرجه فضربه مئة اخرى . ثمّ حمله على قتب ، و سيّره إلى البصرة ، و كتب إلى أبي موسى يأمره أن يحرّم على الناس مجالسته ، و ان يقوم في الناس خطيبا ، ثم يقول : ان ضبيعا قد ابتغى العلم فأخطأه . فلم يزل وضيعا في قومه و عند الناس حتى هلك ، و كان من قبل سيّد قومه 1 .

و أليس كلّ فرقة باطلة تحاجّ لمدّعاها بكتاب اللّه ؟ فكيف يكون حسبهم كتاب اللّه ؟ ثم ما يفعل بلعن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم المتخلّف عن جيش اسامة ، و قد كان عمر فيهم بالإجماع ، و أبو بكر على المشهور عندهم .

قال الشهرستاني بعد ما مرّ « الخلاف الثالث في موته صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال عمر « من قال انّ محمّدا مات قتلته بسيفي هذا و إنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى » و قال أبو بكر : « من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات ، و من كان يعبد اله محمد . فإنّه حيّ لم يمت و لا يموت ، و قرأ هذه الآية و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم 2 فرجع القوم إلى قوله و قال عمر : كأنّي ما سمعت هذه الآية حتّى قرأها أبو بكر 3 .

قلت : تارة يقول عمر « حسبنا كتاب اللّه و لا نحتاج إلى وصيّة رسوله » و اخرى ما سمع من كتاب اللّه آية يعرفها جميع الصحابة ، هب ما سمع آية

-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 122 ، شرح الخطبة 226 ، و بفرق في المتن البزار و الدار قطني و ابن مردويه و ابن عساكر و الفريابي و عنهم الدر المنثور 6 : 111 .

-----------
( 2 ) آل عمران : 144 .

-----------
( 3 ) الملل و النحل 1 : 29 ، و النقل بتلخيص .

[ 304 ]

قرأها أبو بكر و هي و ما محمّد إلاّ رسول 1 الآية أو ما سمع آية إنّك ميّت و انّهم ميّتون 2 ؟

هب ما سمع تلك الآية و لا هذه الآية ، أو ما رأى أنّ جميع الأنبياء من آدم إليه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ماتوا أو هل سمع يوما من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّي ما أموت ، حتّى يقول ما يقول ؟

و لعمر اللّه ان الرجل ما كان مغفّلا ، و إنّما كان مزوّرا أراد بما قال حضور أبي بكر و لم يكن ذاك الوقت حاضرا . فألقى تلك الكلمة ليشوّش أذهان الناس حتّى لا يذكروا اسم أمير المؤمنين عليه السلام فيجي‏ء أبو بكر فيفعلا ما أرادا .

ثم بعد فهمه موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من قراءة أبي بكر الآية لم ترك حضور جنازته بل أحضر عوضه النار ليحرق أهل بيته لو لم يحضروا لبيعة مع أبي بكر . قال الشهرستاني « الخلاف الخامس في الإمامة ، و أعظم خلاف بين الامّة خلاف الإمامة إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان » 3 .

روى علي بن إبراهيم القمي في تفسيره أنّ العباس جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال : انطلق بنا نبايع الناس لك . فقال له :

أتراهم فاعلين قال : نعم قال : فأين قوله تعالى أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتّنا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين 4 .

و قال محمّد بن مسلم بن النعمان في ارشاده : قد جاءت الرواية انّه لمّا

-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .

-----------
( 2 ) الزمر : 3 .

-----------
( 3 ) الملل و النحل 1 : 30 .

-----------
( 4 ) تفسير القمي 2 : 148 ، و الآيات 2 و 3 من سورة العنكبوت .

[ 305 ]

تمّ لأبي بكر ما تمّ و بايعه من بايع جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يسوّي قبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمسحاة في يده . فقال له « انّ القوم بايعوا أبا بكر ،

و وقعت الخذلة للأنصار لاختلافهم ، و بدر الطلقاء بالعقد للرجل خوفا من إدراككم الأمر » فوضع طرف المسحاة على الأرض ، و يده عليها ثم قال بسم اللّه الرحمن الرحيم ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين أم حسب الّذين يعملون السّيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون 1 .

و روى الكراجكي في ( كنزه ) عن عمرو بن ثابت قال : قال أبو جعفر في قوله تعالى ليس لك من الأمر شي‏ء 2 انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان حريصا على أن يكون بعده على الناس علي بن أبي طالب عليه السلام و كان عند اللّه خلاف ذلك و عنى بذلك قوله عزّ و جلّ الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين 3 فرضي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأمره عزّ و جلّ 4 .

و روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) : ان عكبر الأسدي فارس أهل الكوفة كان له عبادة و لسان ، فقام إلى علي عليه السلام و قال : إنّ في أيدينا عهدا من اللّه لا نحتاج فيه إلى الناس ، و قد ظننّا بأهل الشام الصبر ، و ظنّوه بنا . فصبرنا و صبروا و قد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة ، و صبر أهل الحق على أهل الباطل و رغبة أهل الدنيا . ثم نظرت . فإذا أعجب ما يعجبني جهلي بآية من

-----------
( 1 ) الإرشاد : 101 ، و الآيات 1 4 من سورة العنكبوت .

-----------
( 2 ) آل عمران : 128 .

-----------
( 3 ) العنكبوت : 1 3 .

-----------
( 4 ) رواه شرف الدين في كنز جامع الفوائد و عنه في البحار : 18 ، لا الكراجكي في كنز الفوائد و منشأ خطأ الشارح رمز المجلسي .

[ 306 ]

كتاب اللّه الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون و لقد فتنّا الّذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الّذين صدقوا و ليعلمنّ الكاذبين 1 قال :

و أثنى عليه علي عليه السلام خيرا 2 .

« فقلت يا رسول اللّه ما هذه الفتنة » قال الجوهري : « الفتنة و الاختبار الامتحان تقول فتنت الذهب إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته » 3 و في ( الأساس ) : « و كلّ شي‏ء أدخل النار فقد فتن . قال الحارثي :

تثعلبت لي أن خلتني بك واقعا
و قد يفتن المكواة و العير يضرط 4

« الّتي أخبرك اللّه بها » في قوله جلّ و علا : أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا و هم لا يفتنون 5 .

« فقال : يا علي انّ امتي سيفتنون » أي : يختبرون .

« من بعدي » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : « بعدي » بدون من كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم ) 6 .

و روى الطبري عن أبي مويهبة مولى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : بعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من جوف الليل . فقال لي : يا أبا مويهبة إنّي قد أمرت ان استغفر لأهل البقيع . فانطلق معي . فانطلقت معه . فلمّا وقف بين أظهرهم قال : السلام عليكم أهل المقابر . ليهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أوّلها ، الآخرة شرّ من الاولى إلى أن قال ثم

-----------
( 1 ) العنكبوت : 1 3 .

-----------
( 2 ) وقعة صفين : 450 .

-----------
( 3 ) صحاح اللغة 6 : 2175 ، مادة ( فتن ) .

-----------
( 4 ) أساس البلاغة : 334 ، مادة ( فتن ) .

-----------
( 5 ) العنكبوت : 2 .

-----------
( 6 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 2 : 442 ، و شرح ابن ميثم 3 : 263 .

[ 307 ]

استغفر لأهل البقيع ، ثم انصرف فبدئ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بوجعه الّذي قبض فيه 1 .

و روى عن عائشة قالت : رجع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من البقيع . فوجدني و أنا أجد صداعا في رأسي ، و أنا أقول : وا رأساه قال : بل أنا و اللّه يا عائشة وا رأساه . ثم قال : ما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك ، و كفّنتك ، و صلّيت عليك ، و دفنتك ، فقلت :

و اللّه لكأنّي بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك . فتبسّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و تتأمّ به وجعه إلى أن قالت فخرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ، و رجل آخر تخطّ قدماه الأرض عاصبا رأسه حتى دخل بيتي . قال عبيد اللّه بن عتبة الراوي عن عائشة فحدّثت هذا الحديث عنها عبد اللّه بن عباس . فقال : هل تدري من الرجل . قلت : لا ، قال : علي بن أبي طالب ، و لكنها كانت لا تقدر على أن تذكره بخير و هي تستطيع 2 .

قلت : و لمّا سمعت في مكّة ببيعة الناس له قالت « ليت السماء خرّت على الأرض ، و لم أسمع بذلك » 3 و إذا كان هذا حال امرأة منهم لم يكن بينه عليه السلام و بينها ثأر ، كيف كان حال رجال قتل عليه السلام صناديدهم . فكانوا ينظرون إليه عليه السلام كما قال عمر : نظر الثور إلى جازره . فكيف لا يشعلون بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نار فتنة ؟ و كيف يخلّون وصيّه يقوم مقامه ؟ و لو كان عليه السلام عيّنه اللّه تعالى في كتابه في قوله جلّ و علا : إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكوة و هم راكعون 4 ، و دلّ عليه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في خلائه و ملائه ، و منه في المتواتر عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « من كنت مولاه

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 432 ، سنة 11 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 432 ، سنة 11 .

-----------
( 3 ) هذا المعنى رواه مؤلف الإمامة و السياسة فيه 1 : 52 ، و اليعقوبي في تاريخه 2 : 180 ، و سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص : 61 ، و غيرهم .

-----------
( 4 ) المائدة : 55 .

[ 308 ]

و أولى به من نفسه فعليّ مولاه » 1 و أولى به نفسه ، و كان متعيّنا في علمه و عمله ، و كونه من جنس النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سنخه في دلالة فطرة العقول و ناموس الطبيعة .

و روى الجوهري في ( سقيفته ) و نقله ابن أبي الحديد في موضع آخر انّ عبد الرحمن بن عوف لمّا بايع عثمان قال المقداد « و اللّه ما رأيت مثل ما أتى إلى هذا البيت » فقال له عبد الرحمن : و ما أنت و ذاك يا مقداد . قال : إنّي و اللّه أحبّهم لحبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و انّي لأعجب من قريش ، و تطاولهم على الناس بفضل رسول اللّه ثم انتزاعهم سلطانه من أهله . قال عبد الرحمن : أما و اللّه لقد أجهدت نفسي لكم . قال المقداد : أما و اللّه لقد تركت رجلا من الّذين يأمرون بالحقّ و به يعدلون ؟ أما و اللّه لو أنّ لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إيّاهم ببدر و احد فقال عبد الرحمن : ثكلتك امّك لا يسمعنّ هذا الكلام الناس . فإنّي أخاف أن تكون صاحب فتنة و فرقة .

قال المقداد : إنّ من دعا إلى الحقّ و أهله و ولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة و لكن من أقحم الناس في الباطل و آثر الهوى على الحقّ . فذلك صاحب الفتنة و الفرقة فتربّد وجه عبد الرحمن الخبر 2 و تربّد وجهه لأنّه جعلهم في قوله « قتالي إياهم ببدر و احد » نظير أبي جهل و نظرائه .

« فقلت يا رسول اللّه أ و ليس قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين » استشهد يوم احد عمّه حمزة ، و سبعون من الصحابة ، منهم حنظلة غسيل الملائكة .

-----------
( 1 ) حديث الغدير المتواتر أخرجه كثير من أهل الحديث ، منه ما أخرجه ابن عساكر من طرق كثيرة في ترجمة علي عليه السلام 2 : 5 90 ح 503 593 .

-----------
( 2 ) السقيفة : 88 : و شرح ابن أبي الحديد 2 : 391 ، شرح الخطبة 137 .

[ 309 ]

و في احد قال جبرئيل للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما في ( الطبري ) لمّا رأى مواساة أمير المؤمنين عليه السلام معه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الدفاع عنه لمّا أراد المشركون طائفة بعد طائفة قتله صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « إنّ هذه للمواساة » فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « إنّه منّي و أنا منه » فقال جبرئيل : « و أنا منكما » فسمعوا صوتا : « لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي » 1 .

و في احد فرّ عثمان إلى جبل يلي الأعوص ، و أقام به ثلاثا . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لقد ذهبت فيها عريضة 2 .

« و حيزت » أي : انعدلت .

« عنّي الشهادة » فلم اقتل في من قتل .

« فشقّ ذلك علي » بحرماني عن الشهادة .

« فقلت لي » هكذا في النسخ 3 ، و الجملة إمّا زائدة ، و إمّا مؤكّدة لقوله « قلت لي » قبل .

« أبشر فإنّ الشهادة من ورائك . فقال لي إنّ ذلك لكذلك » أي : قلت لك ذاك اليوم الشهادة من ورائك و هو كذلك شتان بين من شهد بشهادته رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و من شهد بكون قتله شهادة كعب الأحبار الّذي كان يهوديا ثم صار مسلما منافقا يحسّن لعثمان مساويه ، و يصحّح له نهبه بيت مال المسلمين حتّى ضربه أبو ذر رضى اللّه عنه بعصاه فشجّه .

قال ابن قتيبة : دخل كعب الاحبار على عمر بعد طعنه . فقال : قد كنت أنبأتك أنّك شهيد قال : و من أين لي الشهادة و أنا بجزيرة العرب . ثم جعل

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 197 ، سنة 3 .

-----------
( 2 ) رواه المفيد في الارشاد : 45 .

-----------
( 3 ) كذا في نهج البلاغة 2 : 50 ، و شرح ابن أبي الحديد 2 : 442 ، و شرح ابن ميثم 3 : 263 .

[ 310 ]

الناس يثنون عليه 1 .

أفمن كان على بيّنة من ربّه كمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا و بشارة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالشهادة من اعلام النبوّة حيث وصل خبرها متواترا مع ذكر خصوصيّاتها بضربة على رأسه تخضب منها لحيته ، و كذلك تواتر عنه عليه السلام إخباره بذلك 2 .

« فكيف صبرك إذن فقلت : يا رسول اللّه ليس هذا من مواطن الصبر ، و لكن من مواطن البشرى و الشكر » قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له عليه السلام « فكيف صبرك إذن » كان على حسب الظاهر من كون القتل بلاء و ليصبر عليه ، و جوابه عليه السلام بحسب المعنى من كون القتل إذا كان في سبيل اللّه يصير نعمة يبشّر بها ، و يلزم الشكر عليها .

« و قال : يا علي إنّ القوم سيفتنون » أي : يمتحنون .

« بعدي » هكذا في ( المصرية ) ، و الكلمة زائدة لعدم وجودها في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .

« بأموالهم » قال تعالى : أنّما أموالكم و أولادكم فتنة 4 .

و عن ابن عباس : إنّ أوّل درهم و دينار ضربا في الأرض نظر إليهما إبليس فلمّا عاينهما أخذهما فوضعهما على عينيه ، ثم ضمّهما إلى صدره ،

ثم صرخ صرخة ، ثم ضمّهما إلى صدره ، ثم قال : أنتما قرّة عيني ، و ثمرة فؤادي ما ابالي من بني آدم إذا أحبّوا كما أن لا يعبدوا وثنا ، و حسبي من بني

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 21 ، و النقل بتلخيص .

-----------
( 2 ) أخرج هذا الحديث جماعة جاء تخريجه من طرق عديدة في ترجمة علي عليه السلام من تاريخ ابن عساكر 3 : 343 346 ح 1391 1396 ، و غيره .

-----------
( 3 ) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 2 : 442 ، و شرح ابن ميثم 3 : 263 .

-----------
( 4 ) الانفال : 28 .

[ 311 ]

آدم أن يحبّوكما 1 .

قلت : إنّما قال صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « سيفتنون بأموالهم بعده » لأنّ في عصره عليه السلام لم يكن لهم مال و إنّما صاروا ذوي أموال بفتوح فارس و الروم . روى ابن عبد البر في ( استيعابه ) في ترجمة عبد الرحمن بن عوف بأسانيد ، انّه دخل على امّ سلمة فقال يا أمه قد خفت ان يهلكني كثرة مالي ، أنا أكثر قريش مالا قالت :

تصدّق فإنّي سمعت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : « إنّ من أصحابي من لا يراني بعد أن افارقه » فخرج عبد الرحمن فلقي عمر فأخبره بما قالت ام سلمة . فدخل عليها فقال لها : « باللّه منهم أنا » قالت : لا و لن أقول لأحد بعدك . و في خبر : و لن ابرئ بعدك أحدا أبدا 2 .

قلت : إنّ عمر احتمل بموجب الخبر أن يكون من صحابة لا يرون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الآخرة ، و قول امّ سلمة له ليس هو في من سمّاهم لها لو لم يكن عن تقيّة أو استحياء لم يكن دليلا على عدم كونه منهم ، لأنّ غاية ما يدلّ عليه عدم المعلومية عندها لا العدم ، و قولها لعمر : « لا أقول لأحد بعدك هكذا » أو « و لن ابرئ بعدك أحدا أبدا » دالّ على أنّ ام سلمة كانت معتقدة أنّ جميع الصحابة الّذين كانوا مثل عمر كانوا منهم .

و روى ( الاستيعاب ) أيضا : أنّ عبد الرحمن خلّف ألف بعير ، و ثلاثة آلاف شاة ، و مئة فرس ، و روى أنّ امرأته الّتي طلّقها في مرضه صولحت عن ربع الثمن من ميراثه بثلاثة و ثمانين ألفا 3 .

و روى ابن الأثير في ( اسد الغابة ) : أنّ عبد الرحمن خلّف مالا عظيما من

-----------
( 1 ) أخرجه الصدوق في امالية : 168 ح 14 ، المجلس 36 .

-----------
( 2 ) الاستيعاب 2 : 397 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 3 ) الاستيعاب 2 : 396 ، و النقل بتصرف .

[ 312 ]

ذهب قطع بالفؤس حتّى مجلت أيدي الرجال منه 1 .

و روى ( الاستيعاب ) في طلحة : أنّ غلّته كانت كلّ يوم ألفا وافيا و الوافي درهم وزنه وزن الدينار 2 .

و في ( مروج المسعودي ) : و بنى عثمان داره في المدينة ، و شيّدها بالحجر و الكلس ، و جعل أبوابها من الساج و العرعر ، و اقتنى أموالا و جنانا و عيونا بالمدينة ، و ذكر عبد اللّه بن عتبة أن عثمان يوم قتل كان له عند خازنه من المال خمسون و مائة ألف دينار و ألف ألف درهم ، و قيمة ضياعه بوادي القرى و حنين ، و غيرهما مائة ألف دينار ، و خلّف خيلا كثيرا و إبلا 3 .

و في ( المروج ) أيضا : و في أيّام عثمان بنى الزبير بالبصرة داره المعروفة في هذا الوقت سنة ( 332 ) تنزلها التجّار ، و أرباب الأموال ، و أصحاب الجهاز من البحرين و غيرهم ، و ابتنى أيضا دورا بمصر و الكوفة و الاسكندرية . و بلغ ماله بعد وفاته خمسين ألف دينار ، و خلّف ألف فرس ،

و ألف عبد و أمة 4 .

و فيه : و ابتنى طلحة داره بالكوفة المشهورة به في هذا الوقت ، و كانت غلّته من العراق كلّ يوم ألف دينار ، و قيل أكثر 5 .

و فيه : و ذكر سعيد بن المسيب أنّ زيد بن ثابت حين مات خلّف من الذهب و الفضة ما كان يكسر بالفؤوس غير ما خلّف من الأموال و الضياع 6 .

و فيه : و مات يعلى بن منية ، و خلّف خمسمائة ألف دينار و ديونا على

-----------
( 1 ) اسد الغابة 3 : 317 .

-----------
( 2 ) الاستيعاب 2 : 225 .

-----------
( 3 ) مروج الذهب 2 : 332 .

-----------
( 4 ) مروج الذهب 2 : 332 .

-----------
( 5 ) مروج الذهب 2 : 333 .

-----------
( 6 ) مروج الذهب 2 : 333 .

[ 313 ]

الناس و عقارات و غير ذلك 1 ، و في ( جمل المفيد ) عن الواقدي و أبي مخنف و ابن دأب و المدائني بعد ذكر غدر طلحة و الزبير بعامل أمير المؤمنين عليه السلام و قتلهما حارسي بيت المال : « و عاد طلحة و الزبير إلى بيت المال فتأمّلا إلى ما فيه من الذهب و الفضة ، قالوا : هذه الغنائم التي وعدنا اللّه بها و أخبرنا أنّه يعجلها لنا . قال أبو الأسود الدؤلي : و قد سمعت هذا منهما ، و رأيت عليّا عليه السلام بعد ذلك ، و قد دخل بيت مال البصرة ، فلمّا رأى ما فيه قال : « يا صفراء يا بيضاء غرّي غيري المال يعسوب الظلمة ، و أنا يعسوب المؤمنين » قال أبو الأسود :

فلا و اللّه ما التفت إلى ما فيه ، و لا فكّر في ما رآه منه ، و ما وجدته عنده إلاّ كالتراب هوانا . فتعجبت من القوم و منه ، فقلت : أولئك ممّن يريد الدنيا ، و هذا ممّن يريد الآخرة و قويت بصيرتي فيه 2 .

و روى الخطيب في ( تاريخ بغداده ) عن عتبة بن غزوان قال : لقد رأيتني سابع سبعة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد قرحت أشداقنا من أكل ورق الشجر إلى أن قال و ما منّا اليوم إلاّ أمير على مصر و أنّها لم تكن نبوّة إلاّ أنّها تناسخت حتّى تكون ملكا 3 .

و روى أيضا عن أبي موسى قال : لو شهدتنا ، و نحن مع نبيّنا ، و قد أصابتنا السماء لحسبت ريحنا ريح الضأن من لبسنا الصوف 4 .

« و يمنّون بدينهم على ربّهم » و قد قال جلّ و علا : يمنّون عليك أن أسلموا قلّ لا تمنّوا علي إسلامكم بل اللّه يمنّ عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم

-----------
( 1 ) مروج الذهب 2 : 333 .

-----------
( 2 ) الجمل للمفيد : 154 .

-----------
( 3 ) تاريخ بغداد 1 : 156 .

-----------
( 4 ) لم أظفر به في تاريخ بغداد في مظانه .

[ 314 ]

صادقين 1 و قال تعالى : و لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ، إلى كذلك كنتم من قبل فمّن اللّه عليكم فتبيّنوا إنّ اللّه كان بما تعملون خبيرا 2 و قال عزّ اسمه : لقد منّ اللّه على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته و يزكّيهم و يعلّمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 3 .

« و يتمنون رحمته ، و يأمنون سطوته ، و يستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة و الأهواء الساهية » روى محمّد بن يعقوب عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : انّ اللّه تعالى يقول : ويل للّذين يختلون الدنيا بالدين ، و ويل للّذين يقتلون الّذين يأمرون بالقسط من الناس ، و ويل للّذين يسير المؤمن فيهم بالتقيّة . أبي يغترّون ؟ أم علي يجترؤون ؟ فبي حلفت لاتيحنّ لهم فتنة تترك الحليم منهم حيران 4 .

هذا ، و في ( المروج ) : سأل المنصور عبد اللّه بن مروان بن محمّد عن قصّته مع ملك النوبة لمّا هرب إليه مع عدّة من أهل بيته من بني اميّة . فقال : قال لي : لم تشربون الخمر ، و هي محرّمة عليكم في كتابكم ؟ فقلت : إجترأ على ذلك عبيدنا و أتباعنا بجهلهم قال : فلم تطؤون الزرع بدوابكم و الفساد محرّم عليكم في كتابكم ؟ فقلت : فعل ذلك عبيدنا و اتباعنا بجهلهم . قال : فلم تلبسون الديباج و الحرير و الذهب ، و هو محرّم عليكم في كتابكم و دينكم ؟ فقلت : انتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا . فلبسوا ذلك على الكره منّا فأطرق إلى الأرض يقلّب يده مرّة و ينكت في الأرض اخرى و يقول : عبيدنا و أتباعنا و أعاجم دخلوا علينا في ديننا ، ثم رفع رأسه . فقال : ليس كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما

-----------
( 1 ) الحجرات : 17 .

-----------
( 2 ) النساء : 94 .

-----------
( 3 ) آل عمران : 164 .

-----------
( 4 ) الكافي 2 : 299 ح 1 .

[ 315 ]

حرّم اللّه و ركبتم ما عنه نهيتم ، و ظلمتم في ما ملكتم فسلبكم اللّه العزّ و ألبسكم الذلّ بذنوبكم ، و للّه فيكم نقمة و لم يبلغ غايتها فيكم ، و أنا خائف أن يحلّ بكم العذاب ، و أنتم ببلدي فينالني معكم فتزود ما احتجت ، و ارحل عن أرضي 1 .

« فيستحلون الخمر » و هو كلّ مسكر .

« بالنبيذ » الذي لم يكن بمسكر .

روى ( الكافي ) : أنّ الكلبي النسّابة سأل أبا عبد اللّه عليه السلام عن النبيذ . فقال حلال . فقال الكلبي : انا ننبذه فنطرح فيه العكر ما سوى ذلك . فقال : شه شه تلك الخمرة المنتنة . فقال له : جعلت فداك : فأيّ نبيذ تعني قال : إنّ أهل المدينة شكوا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تغير الماء و فساد طبائعهم . فأمرهم أن ينبذوا . فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له . فيعمد إلى كف من التمر . فيلقيه في الشنّ فمنه شربه ،

و منه طهوره . فقال : و كم كان عدد التمرات الّذي كانت تلقى . فقال : ما يحمل الكف فقال : واحدة و اثنتين ، فقال : ربما كانت واحدة و ربما كانت اثنتين ( أي كف واحدة و كفان ثنتان ) 2 .

و روى الطبري في ذيله عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال :

ليشربنّ ناس من امّتي الخمر يسمّونها بغير اسمها ، و يضرب على رؤوسهم المعازف يخسف اللّه عزّ و جلّ بهم الأرض ، و يجعل منهم قردة و خنازير 3 .

و روى ابن سعد في ( طبقاته ) في وفد جيشان على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّهم سألوه عن أشربة تكون باليمن . فسمّوا له البتع من العسل و المرز من الشعير .

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم : هل تسكرون منها ؟ قالوا : إن أكثرنا سكرنا . فقال : فحرام قليل ما

-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 284 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 6 : 416 ح 3 .

-----------
( 3 ) أخرجه الطبري في ذيل المذيل ، منتخبه : 78 .

[ 316 ]

أسكر كثيره ، و قال : كلّ مسكر حرام 1 .

و روى الخطيب في ( تاريخ بغداد ) : عن عبد اللّه بن مصعب قال : حضرت شريكا في مجلس أبي ، و عنده الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب و الجريري . فتذاكروا الحديث في النبيذ ، و اختلافهم فيه . فقال شريك « حدّثنا أبو اسحق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عمر بن الخطاب قال : إنّا نأكل من لحوم هذه الإبل ، و نشرب عليها من النبيذ ليقطعها في أجوافنا و بطوننا . فقال الحسن بن زيد : ما سمعنا بهذا في الملّة الآخرة إن هذا إلاّ اختلاق 2 .

و في ( الأغاني ) في عزّة الميلاء بعد ذكر غناء عزّة و رائقه بقول حسّان :

انظر خليلي بباب جلّق هل
تبصر دون البلقاء من أحد

قال حسّان : لقد أذكرتني أمرا ما سمعته إذ نأى بعد ليالي جاهليتنا مع جبلة بن الأيهم إلى أن قال فجاء اللّه بالإسلام فمحابه كلّ كفر ، و تركنا الخمر و ما كره ، و أنتم اليوم مسلمون تشربون هذا النبيذ من التمر ، و الفضيح من الزهر و الرطب ، فلا يشرب أحدكم ثلاثة أقداح حتّى يصاحب صاحبته و يفارقها و تضرب فيه كما تضرب غرائب الإبل فلا تنتهون 3 .

هذا ، و قالوا : حرّم رئيس القرامطة على القرامطة النبيذ ، و أحلّ لهم الخمر كما أنّه جعل صلاتهم ركعتين قبل الطلوع ، و ركعتين بعد الغروب و جعل صومهم يومين : يوم النيروز و يوم المهرجان ، و جعل غسلهم وضوء 4 .

و روى الطبري أنّ قتيبة بن مسلم الباهلي بعد فتح كشّ و نسف ، سرّح أخاه إلى طرخون . فسار حتّى نزل بمرج قريبا منهم . فانتبذوا و شربوا حتى

-----------
( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 ق 2 : 86 .

-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 9 : 294 .

-----------
( 3 ) الاغاني 17 : 165 و 166 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 4 ) رواه الطبري في تاريخه 8 : 161 و 162 ، سنة 278 .

[ 317 ]

عبثوا و عاثوا و أفسدوا . فأمر مولاه أبا مرضية أن يمنع الناس من الشرب .

فكان يضربهم و يكسر آنيتهم ، و يصبّ نبيذهم ، فسال في الوادي . فسمّي مرج النبيذ ، فقال بعضهم :

أمّا النبيذ فلست أشربه
أخشى أبا مرضية الكلب 1

و روى الطبري أيضا في سبب خروج بهلول الملقّب كثارة في زمن هشام على خالد القسري أنّه أمر غلامه أن يبتاع له خلاّ بدرهم ، فجاءه غلامه بخمر فأمر بردّها و أخذ الدرهم فلم يجب إلى ذلك فجاء بهلول إلى عامل القرية ،

و هي من السواد فكلّمه فقال العامل « الخمر خير منك و من قومك » فمضى بهلول في حجّه حتى فرغ منه و عزم على الخروج الخ 2 .

و قال البحتري لمّا استسقى نبيذا من فرخا نشاه :

فهي الخمر غير أن غرمنها
لقب محدث لها مستعار

و في ( شعراء ابن قتيبة ) : مدح ابن هرمة المنصور فاستحسن شعره فقال : سل حاجتك ، قال : تكتب إلى عامل المدينة لا يحدّني في الشراب ، فقال :

هذا حدّ من حدود اللّه ، و ما كنت لأعطله . قال : فاحتل لي فيه . فكتب إلى عامله من أتاك بابن هرمة سكران ، فاجلده مائة و اجلد ابن هرمة ثمانين . فكان الناس يمرّون به ، و هو سكران ، فيقولون : من يشتري ثمانين بمائة 3 4 .

« و الربا بالبيع » روى ( الكافي ) عن ابن بكير أنّه بلغ أبا عبد اللّه عليه السلام عن رجل أنّه كان يأكل الربا و يسمّيه اللبا . فقال : لئن أمكنني اللّه تعالى

-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 5 : 242 ، سنة 91 ، و النقل بتلخيص .

-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 5 : 457 ، سنة 119 .

-----------
( 3 ) رواه ابن قتيبة في الشعر و الشعراء : 289 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 4 ) أسقط الشارح هنا شرح فقرة « و السحت بالهدية » .

[ 318 ]

لأضربن عنقه 1 .

و عن الأصبغ سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول على المنبر : يا معشر التجار الفقه ثم المتجر . الفقه ثم المتجر ، و اللّه للربا في هذه الامّة أخفى من دبيب النمل على الصفا 2 .

و روى عنه عليه السلام قال : من اتّجر بغير علم ارتطم في الربا ثم ارتطم . لا يقعدنّ في السوق إلاّ من يعقل الشراء و البيع 3 .

و روى الواحدي في ( أسباب نزوله ) عن ابن عباس : أنّ بني المغيرة من مخزوم كانوا يربون لبني عمرو من ثقيف . فلمّا أظهر اللّه تعالى رسوله على مكّة وضع يومئذ الربا كلّه ، فأتى بنو عمرو و بنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد و هو على مكّة فقال بنو المغيرة ما جعلنا أشقى الناس بالربا وضع عن الناس غيرنا . فقال بنو عمرو : صولحنا على أنّ لنا ربانا . فكتب عتاب في ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فنزلت يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه و ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من اللّه و رسوله 4 فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من اللّه و رسوله 5 .

« فقلت : يا رسول اللّه بأيّ المنازل أنزلهم » من الإنزال .

« عند ذلك » أي : وقت صاروا مفتونين بأموالهم مانّين بدينهم على ربّهم آمنين سطوته ، مستحلّين حرامه بالشبهات الكاذبة .

-----------
( 1 ) رواه الكليني في الكافي 5 : 147 ح 11 .

-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 5 : 150 ح 1 ، و الصدوق في الفقيه 3 : 121 ح 15 ، و الطوسي في التهذيب 7 : 6 ح 14 .

-----------
( 3 ) هذا تلفيق بين حديثين أخرجهما الكليني في الكافي 5 : 154 ح 23 ، و الصدوق في الفقيه 3 : 120 ح 9 ، و الطوسي في التهذيب 7 : 5 ح 14 .

-----------
( 4 ) البقرة : 278 و 279 .

-----------
( 5 ) رواه الواحدي في اسباب النزول : 58 .

[ 319 ]

« أ بمنزلة ردّة » عن الإسلام ؟

« أم بمنزلة فتنة » و امتحان في الدين هل يثبتون على ما قرّر لهم أم لا ؟

« فقال بمنزلة فتنة » لأنّهم لم ينكروا كما أنكر الحرث الفهري حتّى ينزلوا بمنزلة ردّة .

قال سبط ابن الجوزي في ( تذكرته ) : ذكر الثعلبي في ( تفسيره ) : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما قال ذلك أي في أمير المؤمنين عليه السلام طار في الأقطار و شاع في الأمصار . فبلغ ذلك الحرث بن النعمان الفهري ، فأتاه على ناقة له فأناخها على باب المسجد . ثم عقلها ، و جاء فدخل في المسجد . فجثا بين يدي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : « يا محمّد إنّك أمرتنا أن نشهد ألاّ إله إلاّ اللّه ، و أنّك رسوله .

فقبلنا منك ذلك . و أمرتنا أن نصلّي خمس صلوات في اليوم و الليلة ، و نصوم رمضان و نحجّ البيت ، و نزكّي أموالنا . فقبلنا منك ذلك ، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمّك ، و فضّلته على الناس ، و قلت : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، فهذا شي‏ء منك أو من اللّه ؟

فقال النبي و قد احمرّت عيناه و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو إنّه من اللّه و ليس منّي قالها ثلاثا فقام الحرث و هو يقول : « اللّهمّ إن كان ما يقول محمّد حقّا فأرسل علينا من السماء حجارة أو ائتنا بعذاب أليم » فو اللّه ما بلغ ناقته حتّى رماه اللّه من السماء بحجر فوقع على هامته فخرج من دبره و مات ، و أنزل تعالى : سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع 1 .

و من لم يظهر نصبا و لم يكن له قوّة التمييز كان مسلما مفتونا يرجى له النجاة قال الباقر عليه السلام : إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر لم يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظرا للناس ، و تخوّفا عليهم أن

-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 30 ، و النقل بتصرف يسير ، و الآيات 1 و 2 من سورة المعارج .

[ 320 ]

يرتدّوا عن الإسلام . فيعبدوا الأوثان ، و لا يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه ، و أنّ محمدا رسول اللّه و كان الأحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام ، و انّما هلك الّذين ركبوا ما ركبوا ، فأمّا من لم يصنع ذلك ، و دخل في ما دخل فيه الناس على غير علم و لا عداوة لأمير المؤمنين عليه السلام فإنّ ذلك لا يكفّره ،

و لا يخرجه من الإسلام ، و لذلك كتم علي عليه السلام أمره و بايع مكرها حيث لم يجد أعوانا 1 .

و أمّا من عاند و ناصب أو عرف الأمر و خالف فمسلم إسما لشهادته بالشهادتين ، كافر معنى .

روى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) مسندا عن الأصبغ قال : جاء رجل إلى علي عليه السلام . فقال : يا أمير المؤمنين هؤلاء القوم الّذين نقاتلهم الدعوة واحدة و الرسول واحد و الصلاة واحدة ، و الحج واحد فبم نسمّيهم . قال : تسمّيهم بما سمّاهم اللّه في كتابه ، قال : ما كلّ ما في الكتاب أعلمه قال : أما سمعت اللّه تعالى قال تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض إلى قوله و لو شاء اللّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعدما جاءتهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر 2 فلمّا وقع الاختلاف كنّا نحن أولى باللّه و بالكتاب و بالنبيّ ،

و بالحقّ . فنحن الّذين آمنوا ، و هم الّذين كفروا ، و شاء اللّه قتالهم هدى بمشيئة اللّه ربّنا و إرادته 3 .

و قال أبو المقدام للباقر عليه السلام : إنّ العامة يزعمون أنّ بيعة أبي بكر حيث اجتمع الناس كانت رضا للّه تعالى ، و ما كان اللّه ليفتن امّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم من

-----------
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 8 : 295 ح 454 .

-----------
( 2 ) البقرة : 253 .

-----------
( 3 ) وقعة صفين : 322 .

[ 321 ]

بعده . فقال أبو جعفر عليه السلام : أو ما يقرؤون كتاب اللّه ؟ أو ليس اللّه يقول : و ما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضرّ اللّه شيئا و سيجزي اللّه الشاكرين 1 ؟ فقال :

انّهم يفسّرون على وجه آخر . فقال : أو ليس قد أخبر اللّه عزّ و جلّ عن الّذين من قبلهم من الامم انّهم قد اختلفوا من بعد ما جاءتهم البيّنات حيث قال و آتينا عيسى بن مريم البيّنات و أيّدناه بروح القدس و لو شاء اللّه ما اقتتل الّذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم من آمن و منهم من كفر 2 .