
11
من الخطبة ( 85 ) أَ لَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ اَلْأَكْبَرِ وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ اَلثَّقَلَ اَلْأَصْغَرَ قَدْ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ اَلْإِيمَانِ وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ اَلْحَلاَلِ وَ اَلْحَرَامِ وَ أَلْبَسْتُكُمُ اَلْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي وَ فَرَشْتُكُمُ اَلْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَ فِعْلِي وَ أَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ اَلْأَخْلاَقِ مِنْ نَفْسِي فَلاَ تَسْتَعْمِلُوا اَلرَّأْيَ فِيمَا لاَ يُدْرِكُ قَعْرَهُ اَلْبَصَرُ وَ لاَ تَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ اَلْفِكَرُ « أ لم أعمل فيكم بالثقل » قرأوه بفتحتين حيث قرأوا قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « إنّي تارك فيكم الثقلين » كذلك ، و الأصل فيه ثعلب . ففي ( اللسان ) : « قال ثعلب سمّى الكتاب و العترة ثقلين لأنّ الأخذ بهما ثقيل و العمل بهما ثقيل ، و أصل الثقل ان العرب تقول لكلّ شيء نفيس خطير مصون ثقل . فسمّاهما ثقلين إعظاما لقدرهما و تفخيما لشأنهما ، و أصله في بيض النعام المصون ، و قال ثعلبة بن
-----------
( 1 ) آل عمران : 144 .
-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 8 : 270 ح 398 ، و الآية 253 من سورة البقرة .
[ 322 ]
صغير المازني يذكر الظليم و النعامة .
فتذكّرا ثقلا رئيدا بعدما
ألقت ذكاء يمينها في كافر
و يقال للسيّد العزيز : ثقل من هذا ، و سمّى اللّه تعالى الجنّ و الإنس الثقلين سمّيا ثقلين لتفضيل اللّه إياهما على سائر الحيوان المخلوق في الأرض بالتمييز و العقل خصّا به قال ابن الأنباري : قيل للجن و الإنس الثقلان لأنّهما كالثقل للأرض و عليها ، و الثقل بمعنى الثقل ، و جمعه أثقال ، و مجراهما مجرى قول العرب : مثل و مثل ، و شبه و شبه ، و نجس و نجس » 1 .
قلت : لا حجّية في قول ثعلب ، و له أوهام في مجالسه ، و يكفي في ضعف قوله « و أصله في بيض النعام المصون » فما قاله بالعكس . فبيض النعام معروف بالضياع لا بالمصونية . فقالوا في المثل « أذل من بيض النعام » و البيت الّذي أنشد يدلّ على غفلتها أيضا عن بيضها ، و لا ريب في أنّ الجن و الأنس يقال لهما : الثقلان بالتحريك قال جلّ و علا سنفرغ لكم أيّها الثقلان 2 و اما الكتاب و العترة فالظاهر أنّه يقال لهما : الثقلان بالكسر و السكون بمعنى أنّهما ثقيلا القيمة ، و على قول ابن الأنباري ، كون ثقل بفتحتين مثل ثقل بكسر ، فسكون لأنّ العرب قالوا : مثل و مثل ، و شبه و شبه ،
و نجس و نجس . يكون أيضا في التعبير عن الكتاب و العترة بالكسر فرقا بينهما . و بين الجن و الأنس .
« الأكبر » و هو الكتاب .
« و اترك فيكم الثقل الأصغر » من عترة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الحسن و الحسين عليهما السلام .
-----------
( 1 ) لسان العرب 11 : 88 ، مادة ثقل .
-----------
( 2 ) الرحمن : 31 .
[ 323 ]
روى الثعلبي في تفسير قوله تعالى و اعتصموا بحبل اللّه جميعا و لا تفرّقوا 1 بأسانيد ، أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : « أيّها الناس قد تركت فيكم الثقلين خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي : أحدهما أكبر من الآخر كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء و الأرض ، و عترتي أهل بيتي ، ألا و إنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض » 2 .
و روى الحميدي في ( الجمع بين الصحيحين ) عن زيد بن أرقم قال : قام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكّة و المدينة ، و قال : « إنّما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فاجيب ، و انّي تارك فيكم الثقلين . أوّلهما كتاب اللّه إلى أن قال و أهل بيتي اذكّركم اللّه في أهل بيتي » . فقلنا لزيد : من أهل بيته ؟ نساؤه ؟ فقال : لا . و أيم اللّه إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلّقها . فترجع إلى قومها 3 .
و روى أحمد بن حنبل في ( مسنده ) ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « انّي قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر ، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، و عترتي أهل بيتي ، و أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض » 4 .
« و ركزت » من ركزت الرمح : غرزته .
« فيكم راية الايمان » و به عليه السلام يتحقق الإيمان ، فمن لم يكن قائلا بإمامته لم يكن مؤمنا و ان كان مسلما .
-----------
( 1 ) آل عمران : 103 .
-----------
( 2 ) رواه عن الثعلبي ابن طاووس في الطرائف 1 : 122 .
-----------
( 3 ) رواه عن الحميدي ابن طاووس في الطرائف 1 : 122 ، و الحديث أخرجه مسلم في صحيحه 4 : 1873 ح 36 ،
و النقل بتصرف .
-----------
( 4 ) أخرجه أحمد في مسنده 3 : 14 و 17 و 26 و 59 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 324 ]
« و وقفتكم » أي : اطلعتكم .
« على حدود الحلال و الحرام » حتّى انّه عليه السلام في محرّمات اتّقى من القول بتحريمها لأنّ المتقدّمين عليه أفتوا بحلّيتها قال عليه السلام لهم لمّا سألوه عنها « أنزّه نفسي و ولدي عنها » ليدلّهم على حرمتها .
« و ألبستكم العافية من عدلي » فعدله عليه السلام كان يشمل العربي و العجمي و المسلم و الذمي ، و سوّى عليه السلام في العطاء بين الأشراف و غيرهم .
« و فرشتكم » أي : بسطت لكم .
« المعروف من قولي و فعلي » فعفا عليه السلام عن أهل البصرة بعد ظفره بهم .
« و أريتكم » بالعمل .
« كرائم الأخلاق من نفسي » كما أراهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مكارم الأخلاق من نفسه و في ( خلفاء ابن قتيبة ) بعد ذكر اختلاف أهل العراق في صفين فقام عدي بن حاتم فقال : « أيّها الناس انّه و اللّه لو غير علي عليه السلام دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه . فإنّه ما وقع بأمر قط إلاّ و معه من اللّه برهان ، و في يده من اللّه سبب ، فقاتل أهل الجمل على النكث ، و أهل الشام على البغي . فانظروا في اموركم و امره ، فإن كان له عليكم فضل ليس لكم مثله ، فسلّموا ، و إلاّ فنازعوا عليه ، و اللّه لئن كان إلى العلم بالكتاب و السنّة ، إنّه لأعلم الناس بهما ، و لئن كان إلى الإسلام إنّه لأخو رسول اللّه و الرأس في الإسلام ، و لئن كان من الزهد في الدنيا . فإنّه أظهر الناس زهدا و أنهكهم عبادة ، و لئن كان إلى العقول و النحائز إنّه لأشدّ الناس عقلا و أكرمهم نحيزة ، و لئن كان إلى الشرف و النجدة إنّه لأعظم الناس شرفا و نجدة ، و لئن كان إلى الرضا لقد رضي المهاجرون و الأنصار به و بايعوه و نصروه على أصحاب الجمل و أهل الشام ، فما الفضل الّذي قرّبكم إلى الهدى ؟ و ما النقص الّذي قرّبه إلى الضلال ؟ و اللّه لو اجتمعتم
[ 325 ]
على أمر واحد لأتاح اللّه له من يقاتل لأمر ماض و كتاب سابق » 1 . فاعترف أهل صفّين لعديّ بعد هذا المقام ، و رجع كلّ من تشعّب عليه .
« فلا تستعملوا الرأي في ما لا يدرك قعره البصر و لا تتغلغل إليه الفكر » قال الجوهري : « تغلغل الماء في الشجر إذا تخللها » 2 .
روى ( توحيد الصدوق ) في خبر قدوم جاثليق مع مائة من النصارى المدينة بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و سؤاله أوّلا أبا بكر عن مسائل و عجزه عن جوابه . ثمّ إرشاد بعضهم له إليه عليه السلام فكان من ما سأله أن قال له عليه السلام : أخبرني عن وجه الربّ . فدعا عليه السلام بنار و حطب فأضرمه ، فلمّا اشتعلت قال عليه السلام : أين وجه هذه النار ؟ قال : هي وجه من جميع حدودها فقال عليه السلام : هذه النار مدبّرة مصنوعة لا يعرف وجهها ، و خالقها لا يشبهها و للّه المشرق و المغرب .
فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه 3 .
هذا و قلنا لثعلب أوهام في مجالسه . فمنها قوله في بيت بشر بن أبي حازم :
تظلّ مقاليت النساء يطأنه
يقلن الا يلقى على المرء مئزر
« هذا قتيل شريف فإذا قتل و طئته النساء يزعمن انهنّ يلدن مثله » 4 .
فإنّه وهم ، فلا يطأنه ليلدن مثله ، بل ليعيش و لدهنّ . قال ابن السكّيت : « ان العرب كانت تقول : إنّ المرأة المقلاة و هي الّتي لا يعيش لها ولد إذ وطأت القتيل الشريف عاش ولدها » ثم ذكر البيت . و لو أردنا الاستقصاء لطال 5 .
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 121 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 5 : 1784 ، مادة ( غلل ) .
-----------
( 3 ) توحيد الصدوق : 182 ح 16 ، و الآية 115 من سورة البقرة .
-----------
( 4 ) مجالس ثعلب ق 1 : 71 .
-----------
( 5 ) نقله عن ابن السكيت ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 439 ، شرح الحكمة 400 .
[ 326 ]