
13
من الكتاب ( 9 ) بعد ذكره عليه السلام « فقتل عبيدة بن الحارث بن المطلب في بدر ، و حمزة بن عبد في أحد ، و جعفر بن أبي طالب في مؤتة » :
وَ أَرَادَ مَنْ لَوْ شِئْتُ ذَكَرْتُ اِسْمَهُ مِثْلَ اَلَّذِي أَرَادُوا مِنَ اَلشَّهَادَةِ وَ لَكِنَّ آجَالَهُمْ عُجِّلَتْ وَ مَنِيَّتَهُ أُخِّرَتْ فَيَا عَجَباً لِلدَّهْرِ إِذْ صِرْتُ يُقْرَنُ بِي مَنْ لَمْ يَسْعَ بِقَدَمِي وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ كَسَابِقَتِي اَلَّتِي لاَ يُدْلِي أَحَدٌ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ مَا لاَ أَعْرِفُهُ وَ لاَ أَظُنُّ اَللَّهَ يَعْرِفُهُ وَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ
-----------
( 1 ) القصص : 50 .
-----------
( 2 ) الزمر : 56 .
-----------
( 3 ) أخرجه الصدوق في التوحيد : 164 ح 2 ، و في معانى الاخبار : 17 ح 14 .
[ 330 ]
أقول : مرّ في فصل النبوّة الخاصّة صدره و أنّه رواه ( صفين نصر بن مزاحم ) 1 .
« و أراد من لو شئت ذكرت اسمه » يعني عليه السلام نفسه .
« مثل الّذي أرادوا » يعني عبيدة و حمزة و جعفر .
« من الشهادة ، و لكنّ آجالهم عجّلت » فاستشهدوا .
« و منيّته » أي : موته .
« أجّلت » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : « أخّرت » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة المصححة ) 2 .
« فيا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي ، و لم تكن له كسابقتي » في الإسلام من بدئه إلى يومه .
قال سبط بن الجوزي في ( تذكرته ) : سوابقه عليه السلام أشهر من الشمس و القمر ، و أكثر من الحصى ، و المدر ، و قد اخترت منها ما ثبت و اشتهر ، و هي قسمان : قسم مستنبط من الكتاب ، و قسم من السنّة الّتي ليس فيها ارتياب ،
و قد روى مجاهد أنّ ابن عباس سئل عن فضائله عليه السلام و قال السائل : أظنّها ثلاثة آلاف فقال ابن عباس ، هي إلى الثلاثين ألفا أقرب . ثم قال ابن عباس : لو أنّ الشجر أقلام ، و البحور مداد ، و الإنس و الجن كتّاب و حسّاب ما أحصوا فضائل أمير المؤمنين عليه السلام .
و روى عكرمة عن ابن عباس قال : ما أنزل آية في القرآن إلاّ و علي عليه السلام رأسها و أميرها .
أما نصوص الكتاب فمنها قوله تعالى في المائدة : انّما وليّكم اللّه
-----------
( 1 ) مر في العنوان 32 من الفصل السادس و رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 90 .
-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 3 : 307 ، و شرح ابن ميثم 4 : 363 .
[ 331 ]
و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكوة و هم راكعون 1 ذكر الثعلبي في تفسيره عن السدي ، و غيره أنّ عليّا عليه السلام مرّ به سائل ، و هو في المسجد راكع فأعطاه خاتمه فنزلت الآية .
و روى الثعلبي مسندا عن أبي ذر قال : صلّيت يوما صلاة الظهر و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حاضر ، فقام سائل فسأل فلم يعطه أحد شيئا ، و كان علي عليه السلام قد ركع . فأومأ إلى السائل بخنصره . فأخذ الخاتم من خنصره و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يعاين ذلك . فرفع رأسه إلى السماء و قال : اللهمّ انّ أخي موسى سألك . فقال ربّ اشرح لي صدري و يسّر لي أمري إلى و اشركه في أمري 2 فانزلت عليه سنشد عضدك بأخيك ، و نجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا 3 اللهمّ و أنا محمّد صفيّك ، و نبيّك . فاشرح لي صدري و يسّر لي أمري ، و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أشدد به أزري أو قال ظهري فما استتمّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الكلمة حتّى نزل جبرئيل عليه السلام من عنده تعالى . فقال :
يا محمّد إقرأ : انّما وليّكم اللّه و رسوله و الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون 4 إلى أن قال و قال حسّان :
أبا حسن تفديك روحي و مهجتي
و كلّ بطيء في الهدى و مسارع
فأنت الّذي أعطيت إذ كنت راكعا
فدتك نفوس الخلق يا خير راكع
بخاتمك الميمون يا خير سيّد
و يا خير شار ثمّ يا خير بائع
فأنزل فيك اللّه خير ولاية
و بيّنها في محكمات الشرائع
و قال أيضا :
-----------
( 1 ) المائدة : 55 .
-----------
( 2 ) طه : 25 32 .
-----------
( 3 ) القصص : 35 .
-----------
( 4 ) المائدة : 55 .
[ 332 ]
من ذا بخاتمه تصدّق راكعا
و اسرّها في نفسه اسرارا
و منها قوله تعالى في آل عمران : فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم 1 الآية قال جابر كما روى عنه أهل السير أنّ و فد نجران قدموا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقالوا : من أبو موسى ؟ فقال :
عمران . قالوا : فأنت ؟ قال : عبد اللّه . قالوا : فعيسى ؟ فسكت ينتظر الوحي فنزل :
إنّ مثل عيسى عند اللّه كمثل آدم خلقه من تراب 2 فقالوا : لا نجد هذا في ما أوحي إلى أنبيائنا . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : كذبتم . و نزل : فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم 3 الآية قالوا : أنصفت . فمتى نباهلك ؟ قال : غدا إن شاء اللّه . فانصرفوا ، و قال بعضهم لبعض : إن خرج في عدّة من أصحابه ، فباهلوه لأنّه غير نبيّ ، و ان خرج في أهل بيته فلا تباهلوه ، فانّه نبيّ صادق ، و لئن باهلتموه لتهلكنّ . ثم بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى أهل المدينة و من حولها . فلم يبق بكر لم ترها الشمس إلاّ خرجت ، و خرج النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و علي عليه السلام بين يديه ،
و الحسن عليه السلام عن يمينه ، و الحسين عليه السلام عن شماله و فاطمة عليها السلام خلفه ، ثم قال :
هلمّوا فهؤلاء أبناؤنا و أشار إلى الحسن و الحسين عليهما السلام و هذه نساؤنا يعني فاطمة عليها السلام و هذه أنفسنا يعني نفسي و أشار إلى علي عليه السلام فلمّا رأى القوم ذلك خافوا و قالوا : أقلنا أقالك اللّه . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و الّذي نفسي بيده لو خرجوا لا متلأ الوادي عليهم نارا إلى أن قال و قال الثعلبي في تفسيره : فقال اسقف نجران : يا معاشر النصاري إنّي لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من
-----------
( 1 ) آل عمران : 61 .
-----------
( 2 ) آل عمران : 59 .
-----------
( 3 ) آل عمران : 61 .
[ 333 ]
مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا . فرجعوا و صالحوا على ألفي حلّة .
و منها قوله تعالى : أفمن كان على بيّنة من ربّه و يتلوه شاهد منه 1 روى الثعلبي في تفسيره ، عن زاذان عن علي عليه السلام قال : و الّذي نفسي بيده ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلاّ و أنا أعرف له آية تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار . فقال له رجل : فما آيتك الّتي نزلت فيك . فقال : أفمن كان على بيّنة من ربّه و يتلوه شاهد منه فرسول اللّه على بيّنة ، و أنا شاهد منه .
و منها في براءة : يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه و كونوا مع الصادقين 2 قال علماء السير معناه كونوا مع علي و أهل بيته قال ابن عباس علي سيّد الصادقين .
و منها في لم يكن أولئك هم خير البرية 3 قال مجاهد : هم علي و أهل بيته و محبّوهم ، و منها في الصافات و قفوهم انّهم مسؤولون 4 قال مجاهد : مسؤولون عن حبّ علي عليه السلام .
و منها في مريم انّ الّذين آمنوا و عملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّا 5 روى الثعلبي في تفسيره أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعلي عليه السلام « قل اللهمّ اجعل لي عندك عهدا ، و اجعل لي في صدور المؤمنين ودّا » فانزل تعالى فيه هذه الآية 6 .
و قال في قسم « ألسنة الّتي بلا ارتياب » روى أحمد بن حنبل في مسنده ،
-----------
( 1 ) هود : 17 .
-----------
( 2 ) التوبة : 119 .
-----------
( 3 ) البينة : 7 .
-----------
( 4 ) الصافات : 24 .
-----------
( 5 ) مريم : 96 .
-----------
( 6 ) تذكرة الخواص : 13 18 ، و النقل بتصرف .
[ 334 ]
عن سعد بن أبي وقاص قال خلّف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا في غزوة تبوك في أهله .
فقال يا رسول اللّه تخلّفني في النساء و الصبيان . فقال : ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى غير انّه لا نبيّ بعدي .
و روى أحمد بن حنبل في فضائله أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له : ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ النبوّة ، و أنت خليفتي .
و روى أيضا في فضائله أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم آخى بين المهاجرين و الأنصار . فبكى علي عليه السلام و قال : لم تؤاخ بيني و بين أحد . فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
إنّما ادّخرتك لنفسي . أنت منّي بمنزلة هارون من موسى ، أما علمت أنّ أوّل من يدعى به يوم القيامة أنا إلى أن قال و ينادي مناد من تحت العرش : نعم الأب أبوك إبراهيم ، و نعم الأخ أخوك علي . أبشر يا علي فإنّك ستكسى إذا كسيت ،
و تدعى إذا دعيت ، و تحيى إذا حييت ، و تقف على عقر حوضي ، تسقي من عرفت ، فكان علي عليه السلام يقول : و الّذي نفسي بيده لأذودنّ عن حوض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أقواما من المنافقين كما تذاد غريبة الإبل عن الحوض ترده .
و روى في فضائله أيضا عن أسماء بنت عميس قالت : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
اللهمّ إنّي أقول كما قال أخي موسى : و اجعل لي وزيرا من أهلي عليّا أشدد به أزري و أشركه في أمري كي نسبّحك كثيرا و نذكرك كثيرا .
و روى هو في مسنده ، و مسلم و البخاري في ( صحيحيهما ) ، عن سهل بن سعد قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم خيبر : لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ اللّه و رسوله ، و يحبّه اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه ، فبات الناس يدوكون أيّهم يعطاها ، فلمّا أصبحوا غدوا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يرجو كلّ أن يعطاها فقال : أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : يا رسول اللّه هو أرمد ، قال : فأرسلوا إليه . فجاء فبصق في عينه ، و دعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية .
[ 335 ]
و روى في ( فضائله ) ، عن ابن بريدة قال : حاصرنا خيبر ، فأخذ اللواء أبو بكر فلم يفتح له . ثم أخذه عمر من الغد ، فرجع و لم يفتح له ، و أصاب الناس شدّة و جهد . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّي دافع اللواء غدا إلى رجل يحبّه اللّه و رسوله لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه .
و ذكر أحمد بن حنبل أيضا في ( فضائله ) : أنّهم سمعوا تكبيرا من السماء في ذلك اليوم و قائلا يقول : لا سيف إلاّ ذو الفقار و لا فتى إلاّ علي .
و قال جابر بن عبد اللّه : حمل علي عليه السلام باب خيبر وحده . فدحاه ناحية ثم جاء بعده اناس يحملونه فلم يحمله إلاّ أربعون رجلا .
و في ( الطبري ) قال أبو رافع : خرج إلى علي عليه السلام في خيبر رجل . فضرب عليّا فطرح ترسه من يده ، فتناول علي عليه السلام بابا عند الحصن ، فتترّس به عن نفسه فلم يزل في يده ، و هو يقاتل حتى فتح اللّه على يديه . ثم ألقاه . فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجتهد على أن نقلب الباب . فلم نقدر عليه .
و روى أحمد بن حنبل في ( مسنده ) عن علي عليه السلام قال : انطلقت أنا و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتى أتينا الكعبة فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : اجلس فجلست فصعد على كتفي . فذهبت لأنهض به فلم أطق ، و رأى مني ضعفا فنزل ، و جلس لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم قال : إصعد على منكبيّ . فصعدت على منكبيه فنهض بي ، و انّه ليخيّل لي أنّي لو شئت أن انال افق السماء لنلته إلى أن قال قال سعيد بن المسيب : فلهذا كان علي عليه السلام يقول « سلوني عن طرق السماوات فإنّي أعرف بها من طرق الأرضين و لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » 1 .
-----------
( 1 ) روى هذه الاحاديث السبط في تذكرة الخواص : 18 27 ، و ما رواه عن صحيح البخاري فهو فيه 2 : 161 و 171 و 299 و 3 : 51 ، و ما عن صحيح مسلم فهو فيه 4 : 1872 ح 34 ، و ما عن مسند أحمد فهو فيه 1 : 84 و 170 185 و 5 : 334 ، و ما عن تاريخ الطبري فهو فيه 2 : 301 ، سنة 7 .
[ 336 ]
و في ( نهاية الجزري ) في الحديث : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعليّ عليه السلام : « أنت الذائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه الرجال كما يذاد البعير الصاد » يعني الّذي به الصيد ، و هو داء يصيب الإبل في رؤوسها فتسيل أنوفها ، و ترفع رؤوسها و لا تقدر أن تلوي معه أعناقها يقال بعير صاد أي ذو صاد 1 .
و في ( التذكرة ) أيضا : و روى الثعلبي في ( تفسيره ) : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما أراد أن يهاجر إلى المدينة خلّف عليّا عليه السلام بمكّة لقضاء ديونه ، و ردّ الودائع الّتي كانت عنده ، و أمره أن ينام تلك الليلة على فراشه ، و قال له : تسجّ ببردي الحضرمي لا يخلص إليك منهم أحد ، و لا يصيبونك بمكروه ، و القوم قد أحاطوا بالدار ، فأوحى اللّه إلى جبرئيل و ميكائيل أنّي قد آخيت بينكما ، و جعلت عمر أحدكما أطول من عمر الآخر ، فأيّكما يؤثر صاحبه بالحياة . فاختار كلاهما الحياة . فأوحى اللّه تعالى اليهما : أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه و بين محمّد فبات على فراشه يفديه بنفسه ؟ اهبطا إلى الأرض .
فاحفظاه من عدوّه ، فنزلا ، جبرئيل عند رأسه ، و ميكائيل عند رجليه ، و الملائكة تنادي : بخّ بخّ من مثلك يا ابن أبي طالب ، و اللّه باهى بك ملائكته ، فأنزل تعالى في شأن علي عليه السلام و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة اللّه 2 و قال ابن عباس : أنشدني أمير المؤمنين عليه السلام شعرا قاله تلك الليلة :
وقيت بنفسي خير من وطأ الحصى
و قد وطّنت نفسي على القتل و الأسر
و روى الترمذي أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث جيشا و استعمل عليهم عليّا فمضى في السرية فأصاب جارية من السبي . فتعاقد أربعة منهم إذا قدموا على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبروه . فلمّا قدموا عليه قام الأول فقال : يا رسول اللّه ألا
-----------
( 1 ) النهاية 3 : 65 ، مادة ( صيد ) .
-----------
( 2 ) البقرة : 207 .
[ 337 ]
ترى إلى علي فعل كذا و كذا ، فأعرض عنه . ثم قام الثاني فقال كذلك فأعرض عنه ، و قام الثالث ، و الرابع ، فقالا كذلك ، فأعرض عنهما . ثم أقبل عليهم و الغضب يعرف في وجهه ، و قال : ما تريدون من علي ؟ قالها ثلاثا علي منّي و أنا منه .
و ذكر أهل السير : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث أبا بكر يحجّ بالناس سنة تسع من الهجرة ، و قال له : انّ المشركين يحضرون الموسم و يطوفون عراة ، و لا أحبّ أن أحجّ حتّى لا يكون ذلك ، و أعطاه أربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم . فلمّا سار دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا عليه السلام فقال له : اخرج بهذه الآيات من صدر براءة فإذا اجتمع الناس إلى الموسم فأذّن بها ، و دفع إليه ناقته العضباء . فأدرك أبا بكر بذي الحليفة ، فأخذ منه الآيات . فرجع أبو بكر إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال : بأبي أنت و امي هل نزل فيّ شيء . فقال : لا ، و لكن لا يبلغ عنّي غيري أو رجل منّي .
قال : و في ( فضائل أحمد ) : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال له : انّ جبرئيل جاءني فقال : ابعث عليّا إلخ 1 .
و في ( فهرست ابن النديم ) : قال هشام بن الحكم : ما رأيت مثل مخالفينا عمدوا إلى من ولاّه اللّه من سمائه فعزلوه ، و إلى من عزله من السماء فولّوه .
قال ابن النديم : يذكر هشام قصّة مبلّغ سورة البراءة ، و مردّ أبي بكر و إيراد علي عليه السلام بعد نزول جبرئيل عليه السلام قائلا للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن اللّه تعالى « انّه لا يؤدّيها عنك إلاّ أنت أو رجل منك » فردّ أبا بكر و أنفذ عليّا عليه السلام 2 .
و روى الزبير بن بكّار في ( موفّقياته ) عن ابن عباس قال : انّي لاماشي عمر بن الخطاب في سكة من سكك المدينة إذ قال لي : يا ابن عباس ما أرى
-----------
( 1 ) روى هذه الاحاديث السبط في تذكرة الخواص : 35 37 ، و ما رواه عن الترمذي فهو في سننه 5 : 632 ح 3712 .
-----------
( 2 ) تكملة الفهرس : 224 .
[ 338 ]
صاحبك إلاّ مظلوما ، فقلت في نفسي : و اللّه لا يسبقني بها . فقلت : فاردد إليه ظلامته . فانتزع يده من يدي و مضى يهمهم ساعة ثم وقف فلحقته ، فقال : يا ابن عباس ما أظنّ منعهم إلاّ أنّه استصغره قومه . فقلت في نفسي : هذه شرّ من الاولى . فقلت له : و اللّه ما استصغره اللّه و رسوله حين أمراه أن يأخذ براءة من صاحبك . فأعرض عنّي و أسرع . فرجعت عنه 1 .
و في ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) : ذكر أحمد بن حنبل في ( فضائله ) : أنّ صاحب لواء المشركين يوم احد لمّا قصد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فداه علي عليه السلام بنفسه ،
و حمل على صاحب اللواء فقتله ، فنزل جبرئيل عليه السلام . فقال : يا محمّد إنّ هذه لهي المواساة . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : علي منّي و أنا منه . فقال جبرئيل : و أنا منكما .
و روى في ( فضائله ) أيضا عن أنس قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي ، يمضي فيهم أمري ، و يقتل المقاتلة ،
و يسبي الذرّية . قال أبو ذر : فما راعني إلاّ برد كف عمر من خلفي ، فقال : من تراه يعني ؟ قلت : ما يعنيك و انّما يعني خاصف النعل عليّا عليه السلام . و رواه الترمذي في ( سننه ) .
و روى عن ابن عباس قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في خطبة خطبها في حجّة الوداع : لأقتلنّ العمالقة في كتيبة . فقال له جبرئيل : أو علي بن أبي طالب . فقال :
أو علي بن أبي طالب .
و روى أحمد بن حنبل في ( فضائله ) عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : أنا مدينة العلم و علي بابها . فمن أراد العلم فليأت الباب .
و روى أيضا في فضائله أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : كنت أنا و علي نورا بين يدي اللّه تعالى قبل أن يخلق آدم بأربعة آلاف عام ، فلمّا خلق آدم قسّم ذلك
-----------
( 1 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 105 ، شرح الخطبة 226 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 339 ]
النور جزأين ، فجزء أنا و جزء علي .
و روى أيضا في ( فضائله ) عن علي عليه السلام قال : لمّا كانت ليلة بدر قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : من يستقي لنا من الماء ؟ فأحجم الناس . فقمت فاحتضنت قربة . ثم أتيت قليبا بعيد القعر مظلما فانحدرت فيه ، فأوحى اللّه تعالى إلى جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل تأهبّوا لنصرة محمّد و حزبه . فهبطوا من السماء لهم دويّ يذهل من يسمعه . فلمّا حاذوا القليب ، وقفوا و سلّموا علي من عند آخرهم .
و روى أيضا في ( فضائله ) عن سفينة مولى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : أهدت امرأة من الأنصار إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم طيرا و في رواية طيرين بين رغيفين فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : اللهمّ إيتني بأحبّ خلقك إليك . فإذا الباب يفتح . فدخل علي عليه السلام فأكل معه ، و قال الحاكم : حديث الطائر صحيح يلزم البخاري و مسلما إخراجه في ( صحيحيهما ) لأنّ رجاله ثقات .
و روى في ( فضائله ) أيضا عن زيد بن أرقم قال : كان لنفر من الصحابة أبواب شارعة في المسجد . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : سدّوا هذه الأبواب إلاّ باب علي بن أبي طالب . فتكلّم الناس في ذلك ، فقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : فحمد اللّه و أثنى عليه . ثم قال : « ما سددت شيئا و لا فتحته ، و لكنّي أمرت بشيء فاتّبعته » . و رواه الترمذي .
و رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « يا علي لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري ، و غيرك » .
و عن جابر بن عبد اللّه . قال : دعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عليّا يوم الطائف . فانتجاه طويلا . فقال الناس : لقد طالت نجواه مع ابن عمّه . فبلغ ذلك النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
فقال : « ما انتجيته ، و لكنّ اللّه انتجاه » . قال الترمذي : و معناه ان اللّه أمرني أن
[ 340 ]
انتجي معه 1 .
و روى أحمد بن حنبل في ( فضائله ) عن البراء بن عازب قال : كنّا مع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، فنزلنا بغدير خم . فنودي فينا : الصلاة جامعة ، و كسح للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بين شجرتين . فصلّى الظهر ، و أخذ بيد علي عليه السلام و قال « اللهمّ من كنت مولاه فهذا مولاه » فلقيه عمر بعد ذلك فقال : هنيئا لك يا ابن أبي طالب . أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة .
و عن عبد الملك بن عطية العوفي قال : أتيت زيد بن أرقم . فقلت له : إنّ ختنا لي حدّثني عنك بحديث في شأن علي يوم الغدير ، و أنا احبّ أن أسمعه منك . فقال : انّكم معشر أهل العراق فيكم ما فيكم . فقلت ، ليس عليك مني بأس ،
فقال : نعم . كنّا بالجحفة . فخرج علينا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ظهرا ، و هو آخذ بعضد علي عليه السلام . فقال : « أيّها الناس أ لستم تعلمون أنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟ » فقالوا : بلى . فقال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » قالها أربع مرّات .
و عن رياح بن الحرث قال : جاء رهط إلى علي عليه السلام فقالوا : السلام عليك يا مولانا ، و كان بالرحبة ، فقال : كيف أكون مولاكم ، و أنتم قوم عرب ؟ قالوا :
سمعنا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » فقلت :
من هؤلاء : فقيل : نفر من الأنصار فيهم أبو أيّوب صاحب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
و عن بريدة قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : من كنت مولاه أو وليه فعليّ وليّه و في رواية لمّا أنشد علي عليه السلام الناس في الرحبة قام خلق كثير فشهدوا له بذلك و في لفظ فقام ثلاثون رجلا فشهدوا 2 .
-----------
( 1 ) روى هذه الاحاديث السبط في تذكرة الخواص : 38 49 ، و ما رواه عن الترمذي و الحاكم فهو في سنن الترمذي 5 :
634 641 ح 3715 و 3726 و 3727 و 3732 ، و مستدرك الحاكم 3 : 131 .
-----------
( 2 ) هذه الاحاديث رواها السبط في التذكرة : 29 ، و حديث عبد الملك و رياح و بريدة في مسند أحمد 4 : 368 و 5 : 347 و 350 و 358 و 361 و 419 ، و الصحيح عبد الملك عن عطية العرفي .
[ 341 ]
و ذكر الغزالي في كتاب ( سرّ العالمين ) : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لعليّ عليه السلام يوم غدير خم : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » فقال عمر بن الخطاب : بخّ بخّ يا أبا الحسن أصبحت مولاي و مولى كلّ مؤمن و مؤمنة ، و هذا تسليم و رضى و تحكيم . ثم بعد هذا غلب الهوى حبّا للرياسة ، و عقد البنود ، و خفقان الرايات ،
و ازدحام الخيول في فتح الأمصار ، و أمر الخلافة و نهيها ، فحملهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم ، و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون إلى آخر ما في تذكرة السبط 1 .
و لو شئنا استقصاء ما فيه فقط لطال الكلام .
« التي لا يدلي » أي : لا يحتجّ .
« أحد بمثلها إلاّ أن يدّعي مدّع ما لا أعرفه و لا أظنّ اللّه يعرفه » لكون ادّعائه كذبا و مينا .
روى أحمد بن حنبل في ( فضائله ) عن سعيد بن المسيب : انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال و قد آخى بين أصحابه أين علي بن أبي طالب ، فجاء فقال :
يا علي أنت أخي و أنا أخوك . فإن ناكرك أحد فقل : أنا عبد اللّه ، و أخو رسول اللّه لا يدّعيها بعدك إلاّ كذّاب 2 .
و روى ( إرشاد ) محمّد بن محمّد بن النعمان ، عن حكيم بن جبير ،
و غيره قالوا : شهدنا عليّا عليه السلام على المنبر يقول « أنا عبد اللّه ، و أخو رسول اللّه ،
ورثت نبي الرحمة ، و نكحت سيّدة نساء أهل الجنّة ، و أنا سيّد الوصيين ،
و آخر أوصياء النبيين ، لا يدّعي ذلك غيري إلاّ أصابه اللّه بسوء » فقال رجل من عبس كان جالسا بين القوم : « من لا يحسن أن يقول هذا : أنا عبد اللّه ،
-----------
( 1 ) تذكرة الخواص : 62 .
-----------
( 2 ) رواه عنه السبط في التذكرة : 22 .
[ 342 ]
و أخو رسول اللّه » فلم يبرح من مكانه حتى تخبّطه الشيطان . فجرّ برجله إلى خارج المسجد . فسألنا قومه عنه فقلنا هل تعرفون به عرضا قبل هذا ؟ قالوا :
اللهمّ لا 1 .
و الأوّل و الثاني و إن لم يستطيعا أن يدّعيا كونهما أخوي رسوله إلاّ أنّهما أنكرا له ذلك . ففي ( خلفاء ابن قتيبة ) في قصة السقيفة : أخرج عمر و معه قوم عليّا فمضوا به إلى أبي بكر ، فقالوا له : بايع . فقال : « إن لم أفعل فمه » . قالوا :
إذن و اللّه الّذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك . قال : « إذن تقتلون عبد اللّه ، و أخا رسوله » ، قال عمر : أمّا عبد اللّه ، فنعم ، و أما أخو رسوله فلا . فلحق علي عليه السلام بقبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يصيح و يبكي و ينادي : « يا ابن امّ إنّ القوم استضعفونني ،
و كادوا يقتلونني » 2 .
و امّا سوابق ذكروها للمتقدّمين عليه عليه السلام . فلعمر اللّه هي مفتعلة اختلقها لهم معاوية . فلو كان للأوّل سابقة لما اقتصر الثاني لمّا أراد توليته الخلافة يوم السقيفة على قوله « أمرك النبي بالصلاة بنا و أنت صاحب غاره » و لذكر ما عدّوه له .
ثم قول عمر لأبي بكر : « أمرك النبي بالصلاة بنا » كيف يعقل صحّته ،
و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمر بخروجه في جيش اسامة ، و لعن المتخلّف عنه ،
و انّما كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال في شدّة مرضه : يصلّي بكم أحدكم فإنّي لا أستطيع الخروج إليكم فبعثت ابنته عائشة إليه أن يتصدّى هو للصلاة ، ثمّ لمّا فهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ذلك قال لها : أنتن صواحب يوسف ، و خرج مع حاله تلك معتمدا على أمير المؤمنين عليه السلام ، و الفضل بن العباس ، و أخّره و صلّى بالناس
-----------
( 1 ) الارشاد : 186 .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 13 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 343 ]
جالسا دفعا للشبهة 1 .
و أمّا قوله : « أنت صاحب غاره » فكونه صاحب الغار محقّق إلاّ أنّه بالعار و العوار أقرب لكونه سببا لاضطراب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى نهاه ، و خصّ جلّ و علا إنزال سكينته بنبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم دلالة على عدم كون أبي بكر مؤمنا باللّه ، و إلاّ فقد قال في موضع آخر فأنزل اللّه سكينته على رسوله و على المؤمنين 2 .
« و الحمد للّه على كلّ حال » كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول في النعمة و ما يسرّه « الحمد للّه على هذه النعمة » و كان يقول في البلية و ما يكرهه « الحمد للّه على كلّ حال » 3 .
و حيث قال عليه السلام قبل ذلك : « يا عجبا للدهر إذ صرت يقرن بي من لم يسع بقدمي و لم تكن له كسابقتي » قال « و الحمد للّه على كلّ حال » : أي حتّى في حال اقران الأجانب بي .
و في ( المروج ) و غيره : كتب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية : كان أوّل من أجاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و أناب و آمن و صدّق و أسلم و سلّم أخوه و ابن عمه علي بن أبي طالب . صدّقه بالغيب المكتوم ، و آثره على كلّ حميم ، و وفاه بنفسه كلّ هول ، و حارب حربه ، و سالم سلمة ، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الليل و النهار ، و الخوف و الجوع حتّى برز سابقا لا نظير له في من اتّبعه ، و لا مقارب له في فعله ، و قد رأيتك تساميه ، و أنت أنت و هو هو أصدق الناس نيّة ، و أفضل الناس ذرّيّة ، و خير الناس زوجة ، و أفضل الناس ابن عم . أخوه الشاري بنفسه يوم موته ، و عمّه سيد الشهداء يوم احد ، و أبوه الذابّ عن رسول اللّه و عن
-----------
( 1 ) لم يعرف بهذا المتن نعم أقرب الألفاظ ما أخرجه البخاري في صحيحه 1 : 122 ، و مسلم في صحيحه 1 : 313 ح 95 .
-----------
( 2 ) الفتح : 26 .
-----------
( 3 ) أخرجه الطبرسي في مشكاة الانوار : 31 .
[ 344 ]
حوزته ، و أنت اللعين ابن اللعين . لم تزل أنت و أبوك تبغيان لرسول اللّه الغوائل ، و تجهدان في إطفاء نور اللّه . تجمعان على ذلك الجموع ، و تبذلان فيه المال ، و تؤلّبان عليه القبائل . على ذلك مات أبوك ، و عليه خلفته ، و الشهيد عليك .
من يدني منك ، و يلجأ إليك من بقية الأحزاب ، و رؤساء النفاق ، و الشاهد لعليّ عليه السلام مع فضله المبين القديم ، أنصاره الّذين معه . الّذين ذكرهم اللّه بفضله ، و أثنى عليهم من المهاجرين و الأنصار ، و هم معه كتائب و عصائب .
يرون الحقّ في اتّباعه ، و الشقاء في خلافه ، فكيف يا لك الويل تعدل نفسك بعلي ، و هو وارث رسول اللّه ، و وصيه ، و أبو ولده . أوّل الناس له اتّباعا ،
و أقربهم به عهدا . يخبره بسرّه ، و يطلعه على أمره ، و أنت عدوه ، و ابن عدوّه إلى أن قال .
فكتب إليه معاوية : ذكرت فضل ابن أبي طالب ، و قديم سوابقه ، و قرابته إلى الرسول ، و مواساته إيّاه في كلّ هول و خوف . فكان احتجاجك علي ،
و عيبك لي بفضل غيرك لا بفضلك . فاحمد ربّا صرف هذا الفضل عنك ، و جعله لغيرك فقد كنّا و أبوك فينا نعرف فضل ابن أبي طالب ، و حقّه لازما لنا ، فلمّا اختار اللّه لنبيّه ما عنده ، كان أبوك و فاروقه أوّل من ابتزّه حقّه و خالفه على أمره ، على كلّ ذلك اتفقا و اتّسقا . ثم انهما دعواه إلى بيعتهما فأبطأ عنهما ،
و تلكّأ عليهما فهمّا به الهموم ، و أرادا به العظيم . ثم انّه بايع لهما ، و سلّم لهما ،
و أقاما لا يشركانه في أمرهما ، و لا يطّلعانه على سرّهما حتّى قبضا ، ثم قام ثالثهما عثمان ، فهدى بهديهما و سار بسيرهما . فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ،
و قس شبرك بفترك تقصر عن أن توازي من يزن الجبال بحلمه ، مهّد أبوك مهاده ، و بنى له ملكه و شاده فإن يك ما نحن فيه صوابا ، فأبوك استبدّ به و نحن شركاؤه ، و لو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب و لسلّمنا
[ 345 ]
إليه ، و لكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فأخذنا بمثله . فعب أباك بما بدا لك أو دع 1 .
و أقول : و لكون معاوية اقتدى بصدّيقهم و فاروقهم في فعاله ، و أنّهما أسّسا له قتاله مع أمير المؤمنين عليه السلام و قتله للحسن عليه السلام و تمهيده لقتل الحسين عليه السلام ، و أسر أهل بيت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بناته بتلك الكيفية قال الخطيب في تاريخه : قال الربيع بن نافع : معاوية بن أبي سفيان ستر أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه 2 .
اف لهذا الدّين المتضاد المتناقض يجعلون لعين النّبي مقدما على نفس النّبي .