
15
الكتاب ( 62 ) و من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر رحمه اللّه لمّا ولاّه إمارتها :
أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ ؟ مُحَمَّداً ص ؟ نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ وَ مُهَيْمِناً عَلَى اَلْمُرْسَلِينَ فَلَمَّا مَضَى ؟ مُحَمَّداً ع ؟ تَنَازَعَ اَلْمُسْلِمُونَ اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ فَوَاللَّهِ مَا كَانَ يُلْقَى فِي رُوعِي وَ لاَ يَخْطُرُ بِبَالِي أَنَّ اَلْعَرَبَ تُزْعِجُ هَذَا اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ ص عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ لاَ أَنَّهُمْ مُنَحُّوهُ عَنِّي مِنْ بَعْدِهِ فَمَا رَاعَنِي إِلاَّ اِنْثِيَالُ اَلنَّاسِ عَلَى فُلاَنٍ يُبَايِعُونَهُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي حَتَّى رَأَيْتُ رَاجِعَةَ اَلنَّاسِ قَدْ رَجَعَتْ عَنِ اَلْإِسْلاَمِ يَدْعُونَ إِلَى مَحْقِ دَيْنِ ؟ مُحَمَّدٍ ص ؟ فَخَشِيتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرِ اَلْإِسْلاَمَ وَ أَهْلَهُ أَنْ أَرَى فِيهِ ثَلْماً أَوْ هَدْماً تَكُونُ اَلْمُصِيبَةُ بِهِ عَلَيَّ أَعْظَمَ مِنْ فَوْتِ وِلاَيَتِكُمُ اَلَّتِي إِنَّمَا هِيَ مَتَاعُ أَيَّامٍ قَلاَئِلَ يَزُولُ مِنْهَا مَا كَانَ كَمَا يَزُولُ اَلسَّرَابُ وَ كَمَا يَتَقَشَّعُ اَلسَّحَابُ فَنَهَضْتُ فِي تِلْكَ اَلْأَحْدَاثِ حَتَّى زَاحَ اَلْبَاطِلُ وَ زَهَقَ وَ اِطْمَأَنَّ اَلدِّينُ وَ تَنَهْنَهَ قول المصنّف : « و من كتاب له عليه السلام إلى أهل مصر مع مالك الأشتر
-----------
( 1 ) روى هذا المعنى ابن مزاحم في وقعة صفين : 87 ، و ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 457 ، شرح الكتاب 28 ،
و غيرهما .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 13 ، و غيره .
[ 369 ]
لما ولاّه إمارتها » .
أقول : الّذي وجدت الرواية عنه عليه السلام في هذه المضامين خطبته عليه السلام بها بالكوفة بعد فتح مصر و قتل محمّد بن أبي بكر ، و كان قتله بعد قتل مالك الاشتر و سؤال الناس له عن عقيدته في أبي بكر و عمر .
روى ذلك ابن قتيبة في ( خلفائه ) ، و ابراهيم الثقفي في ( غاراته ) ، و محمد بن يعقوب الكليني في ( رسائله ) ، و محمّد بن جرير بن رستم الطبري في ( مستر شده ) .
قال الأوّل بعد ذكره حث أمير المؤمنين عليه السلام الناس على الجهاد و اخباره إيّاهم بما يفعل بنو امية بهم بعده عليه السلام فقام حجر بن عدى و عمرو بن الحمق ، و عبد اللّه بن وهب الراسبي . فدخلوا على علي عليه السلام فسألوه عن أبي بكر و عمر ما يقول فيهما ، و قالوا بيّن لنا قولك فيهما و في عثمان ؟ قال علي عليه السلام : و قد تفرّغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت ، و شيعتي فيها قد قتلت . إنّي مخرج إليكم كتابا انبّئكم فيه ما سألتموني عنه فاقرؤوه على شيعتي . فأخرج إليهم كتابا فيه « أما بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين ، و أمينا على التنزيل ، و شهيدا على هذه الامّة إلى أن قال بعد ذكر حال العرب وقت بعثه صلّى اللّه عليه و آله و سلم :
فلمّا مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلم تنازع المسلمون الأمر بعده . فو اللّه ما كان يلقى في روعي ، و لا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر عنّي . فما راعني إلاّ إقبال الناس على أبي بكر . و إجفالهم عليه . فأمسكت يدي ، و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الامور علي . فلبثت بذلك ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محو دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ملّة ابراهيم عليه السلام . فخشيت إن لم أنصر الاسلام و أهله أن أرى
[ 370 ]
في الاسلام ثلما و هدما تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب . فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ، و نهضت معه في تلك الأحداث حتّى زهق الباطل .
و كانت كلمة اللّه هي العليا و أن يرغم الكافرون الخبر بطوله و فيه ذكر أيّام عمر و شوراه ، و إعراض أهل الشورى عنه عليه السلام ليأسهم عن أن يشركهم في أمره و فيه ذكر أيّام عثمان ، و قتل الناس له ، و بيعة الناس له بعده ، و قيام الناكثين ، و القاسطين و المارقين ، و غارات معاوية ، و خذلان أصحابه له 1 .
و روى الثاني كما في ابن أبي الحديد في عنوان كلامه عليه السلام في قتل محمّد بن أبي بكر عن رجاله عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال : خطب علي عليه السلام بعد فتح مصر ، و قتل محمّد بن أبي بكر . فقال : « أما بعد فإنّ اللّه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين ، و أمينا على التنزيل ، و شهيدا على هذه الامّة إلى أن قال فلمّا مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلم لسبيله تنازع المسلمون الأمر بعده . فو اللّه ما كان يلقى في روعي ، و لا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن أهل بيته ، و لا أنّهم منحّوه عنّي من بعده . فما راعني إلاّ انثيال الناس على أبي بكر و إجفالهم اليه ليبايعوه ، فأمسكت يدي ، و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده . فلبثت بذاك ما شاء اللّه حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين اللّه و ملّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام و اهله أن أرى فيه ثلما و هدما يكون المصاب بهما علي أعظم من فوات ولاية اموركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب ، و كما يتقشّع السحاب ،
فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته ، و نهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ
-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 154 .
[ 371 ]
الباطل و زهق ، و كان كلمة اللّه هي العليا و لو كره الكافرون » الخبر 1 .
و روى الثالث في ( رسائله ) كما في محجّة علي بن طاووس عن القمي باسناده قال : كتب أمير المؤمنين عليه السلام كتابا بعد منصرفه من النهروان و أمر أن يقرأ على الناس . و ذلك أنّ الناس سألوه عن أبي بكر و عمر و عثمان .
فغضب عليه السلام و قال : قد تفرّغتم للسؤال عمّا لا يعنيكم و هذه مصر قد انفتحت و قتل معاوية بن حديج محمّد بن أبي بكر فيالها من مصيبة ما اعظمها بمصيبتي بمحمّد . فو اللّه ما كان إلاّ كبعض بنيّ سبحان اللّه ، بينا نحن نرجو أن نغلب القوم على ما في أيديهم إذ غلبونا على ما في أيدينا . و أنا كاتب لكم كتابا فيه تصريح ما سألتم إن شاء اللّه تعالى . فدعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع فقال له : أدخل علي عشرة من ثقاتي . فقال سمّهم لي يا أمير المؤمنين . فقال : أدخل أصبغ بن نباتة ، و ابا الطفيل ، و زرّ بن حبيش الأسدي ، و جويرية بن مسهّر العبدي ، و خندف بن زهير ، و حارثة بن مضرب الهمداني ، و الحارث بن عبد اللّه الأعور الهمداني و مصباح النخعي ، و علقمة بن قيس ، و كميل بن زياد ، و عمير بن زرارة . فدخلوا عليه . فقال لهم : خذوا هذا الكتاب و ليقرأه عبيد اللّه بن أبي رافع ، و أنتم شهود كلّ يوم جمعة . فإن شغب شاغب عليكم ، فأنصفوه بكتاب اللّه بينكم و بينه إلى أن قال :
فمضى لسبيله صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ترك كتاب اللّه ، و أهل بيته إمامين لا يختلفان ،
و أخوين لا يتخاذلان ، و مجتمعين لا يتفرّقان ، و لقد قبض اللّه محمّدا نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لأنّا أولى الناس به منّي بقميصي هذا ، و ما ألقي في روعي ، و لا عرض في رأيي انّ وجه الناس إلى غيري إلى أن قال :
-----------
( 1 ) رواه الثقفي في الغارات 1 : 302 ، و عنه ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 35 ، شرح الخطبة 66 ، و اللفظ لابن أبي الحديد .
[ 372 ]
فلمّا رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة أمسكت يدي ، و ظننت أنّي أولى و أحقّ بمقام رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم منه و من غيره إلى أن قال :
فلمّا رأيت راجعة من الناس قد رجعت من الإسلام تدعو إلى محو دين محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم و ملّة إبراهيم عليه السلام خشيت إن أنا لم أنصر الإسلام و أهله أرى فيه ثلما و هدما تكون المصيبة علي فيه أعظم من فوت ولاية اموركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ثم تزول و تتقشع كما يزول و يتقشع السحاب . فنهضت مع القوم في تلك الأحداث حتّى زهق الباطل ، و كانت كلمة اللّه هي العليا ، و ان رغم الكافرون الخبر 1 .
و في ( مسترشد ) ابن جرير بن رستم الطبري روى الشعبي عن شريح بن هاني قال : خطب علي عليه السلام بعد ما افتتحت مصر ثم قال : و إنّي مخرج إليكم كتابا إلى أن قال فلمّا مضى صلّى اللّه عليه و آله و سلم لسبيله ترك كتاب اللّه و أهل بيته إمامين لا يختلفان ، و أخوين لا يتخاذلان ، و مجتمعين لا يفترقان ، و قد كنت أولى الناس به منّى بقميصي . فسارع المسلمون بعده فو اللّه ما كان يلقى في روعي و لا يخطر على بالي انّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم عنّي . فلمّا ابطأوا بالولاية علي ، و همّوا بإزالتها عنّي ، و ثبت الأنصار و هم كتيبة الإسلام فقالت : إذ لم تسلموها لعليّ فصاحبنا سعد أحقّ بها من غيره إلى أن قال :
فبينا أنا على ذلك إذ قيل انثال الناس على أبي بكر و أجفلوا عليه ليبايعوه ، و ما ظننت أنّه تخلّف عن جيش اسامة إذ كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد أمّره عليه و على صاحبه ، و قد كان أمر أن يجهّز جيش اسامة . فلمّا رأيته قد تخلّف و طمع في الامارة ، و رأيت انثيال الناس عليه أمسكت يدي ، و رأيت أنّي أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن قد رفض نفسه . فلبث ما شاء اللّه حتّى رأيت
-----------
( 1 ) كشف المحجة : 173 .
[ 373 ]
راجعة من الناس رجعت عن الإسلام ، و أظهرت ذلك إلى محو دين اللّه و تغيير ملّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخشيت إن لم أنصر الإسلام و قعدت ، أن أرى فيه ثلما و هدما تكون مصيبته علي أعظم من فوت ولاية اموركم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب ، و ينقشع السحاب ، و رأيت الناس قد امتنعوا بقعودي عن الخروج إليهم ، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فتألّفته ، و لو لا أنّي فعلت ذلك لباد الاسلام . ثم نهضت في تلك الأحداث حتّى أتاح الباطل ، و كانت كلمة اللّه هي العليا و لو كره المشركون الخبر 1 .
و بالجملة فالروايات الأربع متفقة على كون العنوان مما خطب عليه السلام كتابة للناس بالكوفة بعد فتح مصر بقتل محمّد بن أبي بكر في شرح حاله عليه السلام بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا سألوه عن المتقدّمين عليه ، و وجود رواية اخرى في كونه كتابا له عليه السلام إلى أهل مصر مع الأشتر و استند إليها المصنّف محتمل ، لكنّ المظنون أنّ المصنّف لم ينظر في الأسانيد لكون همّه في المتون ، فظنّ بحدسه كونه كتابا له عليه السلام إلى أهل مصر .
« أمّا بعد فانّ اللّه سبحانه بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم نذيرا للعالمين » قد عرفت انّ في رواية ( المسترشد ) بدل « نذيرا للعالمين » « بشيرا و نذيرا للعالمين » .
« و مهيمنا على المرسلين » أي : شاهدا عليهم قال الجوهري : و أصل « مهيمن » مؤامن من « آمن » قلبت الهمزة الثانية ياء كراهة لاجتماعهما ثم صيّرت الاولى هاء 2 .
قلت : مراده من « آمن » على وزن فاعل لا على وزن أفعل ففي مثله يتّحدان لفظا و يختلفان تقديرا ثم بعد هذا الكلام كلام كثير في تلك الروايات
-----------
( 1 ) المسترشد : 95 97 .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 6 : 2217 ، مادة ( همن ) .
[ 374 ]
أسقطه المصنّف . ففي رواية الكليني : « و أنتم معاشر العرب على شر حال يغذو أحدكم كلبه ، و يقتل ولده ، و يغير على غيره فيرجع و قد اغير عليه ،
تأكلون العلهز و الهبيد ، و الميتة و الدم . منيخون على أحجار خشن ، و أوثان مضلّة . . . » 1 .
« فلمّا مضى عليه السلام » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : بدل « عليه السلام » « صلّى اللّه عليه و آله » كما في ( ابن ميثم ) 2 الّذي نسخته بخطّ المصنّف .
ثم في رواية ( المسترشد ) و ( الرسائل ) : « و ترك كتاب اللّه ، و أهل بيته إمامين لا يختلفان ، و أخوين لا يتخاذلان ، و مجتمعين لا يفترقان ، و قد كنت أولى الناس به منّي بقميصي » 3 .
« تنازع المسلمون » أي : قريش و الأنصار .
« الأمر من بعده » بشرح مرّ في العنوان السابق .
« فو اللّه ما كان يلقى في روعي » روع : هنا بالضم بمعنى القلب و البال ، و أما بالفتح فبمعنى الخوف ، و لا ربط له هنا .
« و لا يخطر ببالي » قال الجوهري : « البال : القلب تقول : ما يخطر فلان ببالي و البال رخاء النفس ، يقال : فلان رخّيّ البال » 4 .
قلت : الصواب مما قال ، المعنى الأوّل . و أمّا الثاني فغلط منه لكونه تفسير مطلق بمقيد ، كأن تقول : معنى الانسان الانسان العالم .
« أنّ العرب تزعج » أي : تقلع .
« هذا الأمر من بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن أهل بيته » فإنّ القاعدة عند ملل العالم أنّ كلّ
-----------
( 1 ) كشف المحجة : 174 .
-----------
( 2 ) لفظ شرح ابن ميثم 5 : 200 ، أيضا « عليه السلام » .
-----------
( 3 ) لفظ كشف المحجة : 175 ، « و لقد قبض اللّه محمّدا نبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لأنا اولى الناس به منّي بقميصي هذا .
-----------
( 4 ) صحاح اللغة 4 : 1642 ، مادة ( بول ) .
[ 375 ]
من كانت له أمارة تكون أمارته بعده لأهل بيته » . فلا يظنّ ظانّ انّ العرب تخالف عرف باقى العالم .
و الى هذا ينظر قوله تعالى : إنّ اللّه اصطفى آدم و نوحا و آل ابراهيم و آل عمران على العالمين ذرّيّة بعضها من بعض 1 .
و لهذه القاعدة لمّا سأل السلطان سنجر بن ملكشاه السلجوقي و كان على طريقة أهل السنّة السنائي الشاعر و كان إماميا عن مذهبه أجابه بأبيات بالفارسيّة منها :
از پى سلطان ملكشاه چون نميدارى روا
تاج و تخت پادشاهى جز كه سنجر داشتن
از پى سلطان دين چون همى دارى روا
جز على و عترتش محراب و منبر داشتن
« و لا أنّهم منحّوه » بتشديد الحاء : أي : مبعّدوه .
« عنّي من بعده » و في هذا الكتاب في رواية ( رسائل الكليني ) بعد ذكر اتّفاق أهل الشورى و باقي قريش على خلافه « فكان للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ولاء هذه الامّة و كان لي بعده ما كان له ، فما جاز لقريش من فضلها عليها ( أي العرب ) بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم جاز لبني هاشم على قريش ، و جاز لي على بني هاشم بقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم غدير خم : « من كنت مولاه فهذا علي مولاه » إلاّ أن تدّعي قريش فضلها على العرب بغير النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم » 2 .
و قال ابن عائشة : قال خزيمة بن ثابت الأنصاري في صرف الأمر عنه عليه السلام :
-----------
( 1 ) آل عمران : 33 34 .
-----------
( 2 ) كشف المحجة : 178 .
[ 376 ]
ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
أليس أوّل من صلّى بقبلتهم
و أعرف الناس بالآثار و السنن
و آخر الناس عهدا بالنبيّ و من
جبريل عون له في الغسل و الكفن
ماذا الّذي ردّكم عنه فنعلمه
ها إنّ بيعتكم من أغبن الغبن
و حيث إنّ قوله عليه السلام « فو اللّه ما كان يلقى في روعي إلى و لا أنّهم منحّوه عنّي من بعده » ورد في ذاك المقام الّذي قلنا من كون الأمر له بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على مقتضى ناموس الفطرة و القاعدة المتداولة بين الناس عربهم و عجمهم ، و كون خلافه امرا لا يحتمله أحد و لا ينتظره ، لا ينافي وجود نصوص متواترة باستخلافه و عدم استناده عليه السلام إليها ، لأنّ مقامات الكلام متفاوتة ، و حيثيّات الأغراض مختلفة فقول ابن أبي الحديد إنّ ذاك الكلام يدلّ على بطلان دعوى الإمامية النصّ و خصوصا الجليّ 1 نفخ في غير ضرام .
ثم قوله : دعوى الامامية النص الخ غلط ، فنقل النص نصاب العامة ،
و قوله « خصوصا الجلى » أيضا غلط فهل نصّ أجلى من أن يقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لهم « أ لست أولى بكم من أنفسكم » فيقولون : بلى فيقول لهم : « من كنت مولاه ،
أي أولى به من نفسه ، فهذا علي مولاه و أولى به من نفسه » إلاّ انّها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب الّتي في الصدور .
مع أنّه عليه السلام تمسّك بالنّص في هذا الكتاب كما عرفته من رواية الكليني ،
و لم ينقله الرضي حيث إنّه يختار من الكلام ما يتضمّن النكات البيانية .
مع أنّه لا يتمسّك بالنصّ فكان عليه السلام يتّقي حتّى أيّام خلافته كما يفهم من أسانيد هذا العنوان ، فكان لا يمكنه التصريح بهلاكة المتقدّمين عليه ، و لم يجترئ أن يخطب بالعنوان مشافهة حتّى كتبه لهم كما عرفته من رواية ابن
-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 4 : 165 .
[ 377 ]
قتيبة ، و حتّى أنّه و كلّ جمعا من ثقات شيعته بمراقبة القاري إن شغب عليه الناس كما عرفته من رواية الرسائل .
و تدلّ أسانيد العنوان على أنّ أصحابه فهموا من حاله عليه السلام كونه كشيعته اليوم معتقدا فيهم الهلاكة و أرادوا منه التصريح ، و لم يكن صلاحا له عليه السلام لا سيّما و أنّ ذاك الوقت كان وقت تزلزل أمره ، و فتح معاوية لمصر ،
و غاراته على بلاده عليه السلام سوى الكوفة مقرّه . فقال عليه السلام لهم : أو قد تفرّغتم لهذا و هذه مصر قد افتتحت و شيعتي بها قد قتلوا .
و كان أكثر أصحابه غير عارف به ، و كان معاوية دائما يكتب إليه عليه السلام بما يستثيره في المتقدّمين عليه . فيفصح ببطلان أمرهم فيتفرق أصحابه عنه .
فكان يكتب إليه كرارا « كنت كارها للخلفاء باغيا عليهم قد عرفنا ذلك في نظرك الشزر و تنفّسك الصعداء » 1 .
و قد أفصح معاوية عن غرضه ذلك في كتابه إلى الحسن عليه السلام بعد أمير المؤمنين عليه السلام لمّا كان عليه السلام كتب إليه « انّ قريشا بغوا على أهل بيت نبيّهم بعده » في قوله « صرّحت بتهمة أبي بكر الصديق ، و عمر الفاروق ، و أبي عبيدة الأمين و حواري النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و صلحاء المهاجرين و الأنصار ، فكرهت ذلك لك . فانّك امرؤ عندنا و عند الناس غير ظنين » 2 كما عرفت في سابقه .
و مع ذلك كان أمير المؤمنين عليه السلام لم يبال بذلك ، فيظهر الحقّ لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد ، إتماما للحجّة ، كما لم يبال بفوت حكومته الّتي جعلها اللّه تعالى له يوم الشورى لمّا شرطوا عليه سنّة الشيخين كما لم يبال بتفرّق الناس عنه بترك تفضيله الأشراف كعمر لكونه خلاف حكم اللّه .
-----------
( 1 ) رواه ابن مزاحم في وقعة صفين : 87 ، و ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 457 ، شرح الكتاب 28 ، و النقل بتصرف .
-----------
( 2 ) مر في العنوان 14 ، من هذا الفصل .
[ 378 ]
و ممّا يوضح كونه عليه السلام كباقي أهل بيته و شيعته اليوم ، ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد في عنوان عبد اللّه بن نوح باسناده عن سويد بن غفلة قال :
مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر و عمر ، و ينتقصونهما بغير الّذي هما له من الامة أهل فدخلت على علي عليه السلام . فقلت : يا أمير المؤمنين مررت بنفر من الشيعة ، و هم ينتقصون أبا بكر و عمر بغير الّذي هما له من الامة أهل ، و لو لا انّهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا ما اجترأوا على ذلك . فقال علي :
أعوذ باللّه أن أضمر لهما إلاّ الحسن الجميل 1 .
فانّه عليه السلام ورّى في جوابه ، و صدق في توريته فانّه عليه السلام كان لا يضمر لأحد سوء بل كان يريد لجميع الناس الجميل كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم فإن كان الناس استحبّوا العمى على الهدى فأيّ شيء عليه ، و لو لم يكن عليه السلام على ما نقل له من شيعته لم لم يبعث وراءهم و يزجرهم إذا لم يكونا أهلا لانتقاصهم كما قاله سويد ، و قد كان عليه السلام لا يتسامح مع أحد في أدنى شيء على خلاف الشريعة .
« فما راعني » في ( أساس الزمخشري ) : « ما راعني إلاّ مجيئك » بمعنى ما شعرت إلاّ به » 2 قلت : و الصواب أن يقال : إنّه بمعنى شعور بشيء مفزع لاشتقاقه من الروع بالفتح ، بمعنى : الفزع .
و في ( صحاح الجوهري ) : « راعني الشيء : أي : أعجبني » 3 قلت :
و الصواب التفصيل في استعماله بين السلب و الايجاب بأن يقال : لا يستعمل في النفي إلاّ مع إلاّ ، كما في كلامه عليه السلام ، و ما يأتي من الشعر بمعنى عدم الشعور إلاّ بمفزع .
-----------
( 1 ) تاريخ بغداد 10 : 181 .
-----------
( 2 ) اساس البلاغة : 184 ، مادة ( روع ) .
-----------
( 3 ) صحاح اللغة 3 : 1223 ، مادة ( روع ) .
[ 379 ]
« إلاّ انثيال الناس » أي : انصبابهم .
« على فلان » أي : أبي بكر ، و قد صرّح به في الروايات الأربع المتقدمة 1 .
« يبايعونه » جملة إلاّ يبايعونه فاعل لقوله « فما راعني » ، و كلمة « ما راعني » مختصّة في كلام العرب بمجيء فاعله جملة . قال عمر بن أبي ربيعة :
فلم يرعهن إلاّ العيس طالعة
بالقوم ركبانا و أكوارا
و يأتي بسط القول في ذلك في الشقشقية .
ثم إنّ انثيال الناس على أبي بكر للبيعة إنّما كان مصداق قوله تعالى و اتّقوا فتنة لا تصيبنّ الّذين ظلموا منكم خاصّة 2 فشملت الأنصار الّذين لم يكن لهم نيّة سوء و انّما شهد سعد بن عبادة السقيفة ، و حثّ الأنصار على بيعته لما استشعره من الرجلين و من أعوانهم الطلقاء و المؤلفة و المنافقين عدم ابقائهم الأمر لأمير المؤمنين عليه السلام و تصدّيهم له ، و كان سعد و قومه قد و تروا قريشا فخافوا انتقامهم منهم ، و صار الأمر كذلك فأذلّوهم ، و قتلوهم يوم الحرّة . و فيه قال يزيد متمثلا :
ليت أشياخي ببدر شهدوا
جزع الخزرج من وقع الأسل
ثم إنّ انثيالهم عليه كان لامور : أحدها حسد بشير بن سعد لابن عمّه سعد بن عبادة ، و حسد الأوس للخزرج . فلمّا أراد عمر و أبو عبيدة و هما ركنا بيعة أبي بكر ان يبايعاه سبقهما إليه بشير فبايعه . فناداه الحباب بن المنذر كما قال الطبري « عققت عقاق . ما أحوجك إلى ما صنعت ؟ أنفست على ابن عمك الامارة » 3 و لمّا رأى أسيد بن حضير الأوسي ما تطلب الخزرج من
-----------
( 1 ) كذا في الإمامة و السياسة 1 : 155 ، و الغارات 1 : 305 ، و كشف المحجة ، 176 .
-----------
( 2 ) الانفال : 25 .
-----------
( 3 ) تاريخ الطبري 2 : 458 و 459 ، سنة 11 .
[ 380 ]
تأمير سعد قال للأوس كما في ( الطبري ) « و اللّه لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، و لا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا ،
فقوموا فبايعوا أبا بكر » 1 ، قال الطبري : فقاموا إليه فبايعوه فانكسر على سعد و على الخزرج ما كانوا أجمعوا له من أمرهم ، فأقبلوا من كلّ جانب يبايعون أبا بكر و كادوا يطؤن سعدا ، فقال ناس من أصحاب سعد : اتّقوا سعدا لا تطؤوه .
فقال عمر : اقتلوه قتله اللّه ثم قام على رأسه فقال : لقد هممت أن أطأك حتّى تندر عضوك إلى آخر ما قال 2 .
و ثانيها : أنّ جماعة من الأعراب كما رواه أبو مخنف دخلوا المدينة ليتمادوا منها في وقت موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فشغل الناس عنهم . فشهدوا السقيفة فقال لهم عمر : خذوا بالحظّ من المعونة على بيعة خليفة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ،
و اخرجوا إلى الناس ، و احشروهم ليبايعوا . فمن امتنع فاضربوا رأسه و جبينه . قال زائدة بن قدامة : و اللّه لقد رأيت الأعراب تحزّموا و اتّشحوا بالأزر الصنعانية ، و أخذوا بأيديهم الخشب ، و خرجوا حتّى خبطوا الناس خبطا و جاءوا بهم مكرهين إلى البيعة 3 .
و قال البراء بن عازب كما في ( ابن أبي الحديد ) في موضع آخر لمّا قبض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم خفت أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم فكنت أتردّد إليهم ، و هم عند جنازة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الحجرة إلى أن قال فلم ألبث و إذا أنا بأبي بكر قد أقبل و معه عمرو أبو عبيده و جماعة من أصحاب السقيفة ، و هم محتجزون بالازر الصنعانية لا يمرّون بأحد إلاّ خبطوه و قدّموه
-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 2 : 458 ، سنة 11 .
-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 458 و 459 ، سنة 11 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 3 ) رواه عن أبي مخنف المفيد ، في الجعل : 59 ، و النقل بتصرف يسير .
[ 381 ]
فمدّوا يده فمسحوها على يد أبي بكر يبايعه شاء ذلك او أبى الخ 1 .
و ثالثها : اشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بتجهيز النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فلمّا قال عليه السلام لهم كما في ( خلفاء ابن قتيبة ) « أيّها الناس لا تخرجوا سلطان محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في العرب عن داره و قعر بيته إلى دوركم و قعور بيوتكم ، و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه . فو اللّه يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت ، و نحن أحقّ بهذا الامر منكم ما كان فينا القاري لكتاب اللّه ، الفقيه في دين اللّه ، العالم بسنن رسول اللّه ، المضطلع بأمر الرعيّة ، المدافع عنهم الامور السيّئة ، و القاسم بينهم بالسويّة ، و اللّه إنه لفينا ، فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل اللّه فتزدادوا من الحقّ بعدا . قال له بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير و هو الّذي كان بايع أبا بكر قبل عمر كما مرّ ( لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر ما اختلف عليك ) فقال عليه السلام : أفكنت أدع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم في بيته لم أدفنه ، و أخرج انازع الناس سلطانه 2 .
و لمّا كان عليه السلام يحمل لا تمام الحجّة سيّدة النساء صلوات اللّه عليها ليلا على دابة تسأل الأنصار النصرة و كان معاوية يعيّره عليه السلام بذلك كانوا ،
يقولون لها كما في ( الخلفاء ) أيضا : لو أنّ زوجك و ابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به . فتقول فاطمة عليها السلام : ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له ،
و لقد صنعوا ما اللّه حسيبهم و طالبهم 3 .
« فأمسكت يدي » عن الدخول في أمر من امورهم .
و زاد في رواية الثقفي و القتيبي بعد قوله عليه السلام « فأمسكت يدي » « و رأيت أنّى أحقّ بمقام محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده ،
-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 74 ، شرح الخطبة 5 ، و النقل بتصرف يسير .
-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 12 .
-----------
( 3 ) الإمامة و السياسة 1 : 12 .
[ 382 ]
فلبثت بذلك ما شاء اللّه » 1 .
« حتّى رأيت راجعة الناس » و في روايتهما : « راجعة من الناس » 2 .
« قد رجعت عن الاسلام يدعون إلى محق » أي : محو .
« دين محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلم » مسيلمة باليمامة ، و الأسود العنسى باليمن ، و طليحة بن خويلد في بني أسد ، و قد كانوا تنبأوا قبل وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلاّ أنّ الأسود قتل في حياته صلّى اللّه عليه و آله و سلم و جاء نعيه بعده صلّى اللّه عليه و آله و سلم .
« فخشيت إن لم أنصر الاسلام و أهله أن أرى فيه ثلما » أي : خللا .
« أو هدما » و خرابا لبنيانه .
« تكون المصيبة به » أي : بالثلم أو الهدم .
« عليَّ أعظم من فوت ولايتكم » و حكومتكم .
روى الثقفي عن الحسن بن سلمة قال : لمّا بلغ عليا عليه السلام مسير طلحة و الزبير و عائشة من مكة إلى البصرة نادى : الصلاة جامعة . فلما اجتمعوا حمد اللّه و أثنى عليه ثم قال : إنّ اللّه تعالى لمّا قبض نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قلنا : نحن أهل بيته و عصبته و ورثته و أولياؤه و أحقّ الخلائق به لا ننازع حقّه و سلطانه .
فبينما نحن على ذلك إذ نفر المنافقون . فانتزعوا سلطان نبيّنا منّا ، و ولّوه غيرنا . فبكت و اللّه لذلك العيون و القلوب منّا جميعا ، و خشنت و اللّه الصدور ،
و أيم اللّه لو لا مخافة الفرقة من المسلمين أن يعودوا إلى الكفر لكنّا قد غيّرنا ذلك ما استطعنا 3 .
و قال الباقر عليه السلام : لم يمنع أمير المؤمنين عليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلاّ
-----------
( 1 ) كذا في الغارات 1 : 306 ، و الإمامة و السياسة 1 : 155 .
-----------
( 2 ) المصدر نفسه .
-----------
( 3 ) رواه عن الثقفي المفيد في أماليه : 154 ح 6 ، المجلس 19 ، و النقل بتلخيص .
[ 383 ]
نظرا للناس ، و تخوّفا عليهم أن يرتدّوا عن الاسلام . فيعبدوا الأوثان و لا يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و كان الأحب إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن جميع الإسلام ، و انّما هلك الّذين ركبوا ما ركبوا . فأمّا من لم يصنع ذلك ، و دخل في ما دخل فيه الناس على غير علم و لا عداوة لأمير المؤمنين عليه السلام ، فإنّ ذلك لا يكفّره و لا يخرجه من الإسلام ،
و لذلك كتم علي عليه السلام أمره ، و بايع مكرها حيث لم يجد أعوانا 1 .
و روى المدائني كما في ( الشافي ) عن أبي عون قال : لمّا ارتدّت العرب مشى عثمان إلى علي عليه السلام فقال : يا ابن عم إنّه لا يخرج واحد إلى قتال هذا العدوّ و أنت لم تبايع ، و لم يزل به حتّى مشى إلى أبي بكر فسرّ المسلمون بذلك و جدّ الناس في القتال 2 و رواه الواقدي كما في ( مسترشد الطبري ) .
و روى الثقفي عن موسى بن عبد اللّه بن الحسن قال : أبت أسلم أن تبايع فقالوا : ما كنا نبايع حتّى يبايع بريدة لقول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لبريدة : علي وليّكم من بعدي فقال علي عليه السلام : انّ هؤلاء خيرونى ان يظلموني حقي و ابايعهم و ارتدّ الناس حتّى بلغت الردّة احدا . فاخترت ان اظلم حقّي ، و ان فعلوا ما فعلوا 3 .
و في ( الطبري ) : أنّ أسلم و هو قوم بريدة لمّا أقبلت لبيعة أبي بكر قال عمر : أيقنت بالنصر 4 ، و روى الأوّل عن موسى أيضا أنّ عليّا عليه السلام قال لهم : بايعوا فإنّ هؤلاء خيّروني أن يأخذوا ما ليس لهم
-----------
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 8 : 295 ح 454 .
-----------
( 2 ) تلخيص الشافي 3 : 77 .
-----------
( 3 ) رواه عن الثقفي الطوسي في تلخيص الشافي 3 : 78 .
-----------
( 4 ) تاريخ الطبري 2 : 459 ، سنة 11 .
[ 384 ]
أو أقاتلهم و افرّق أمر المسلمين 1 .
و عن سفيان بن فروة عن أبيه : قال جاء بريدة حتّى ركز رايته في وسط اسلم ثم قال : لا ابايع حتّى يبايع علي عليه السلام . فقال علي عليه السلام : يا بريدة ادخل في ما دخل فيه الناس . فإنّ اجتماعهم أحبّ إليّ من اختلافهم اليوم 2 .
« الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب » شبّه عليه السلام رياسة الدنيا و حكومتها بالسراب في عدم حقيقة له كما شبّه تعالى عمل الكفار به . فقال عزّ و جلّ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا 3 و قالوا في المثل : « أخدع من سراب » 4 .
« أو كما يتقشّع » أي : يتفرّق .
« السحاب » شبّهها عليه السلام بتقشع السحاب في سرعة زواله .
« فنهضت » أي : قمت .
« في تلك الأحداث » الراجعة إلى رجعة جمع عن الاسلام .
قال ابن أبي الحديد : انّه إشارة إلى ما رواه الطبري من أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لمّا مات اجتمعت أسد و غطفان و طيّ على طليحة بن خويلد . فاجتمعت أسد بسميراء ، و غطفان بجنوب طمية ، و طي في حدود أرضهم ، و اجتمعت ثعلبة بن أسد ، و من يليهم من قيس بالأرق من الربذة و باشت إليهم ناس من بني كنانة و لم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين أقامت إحداهما بالأرق ، و سارت الاخرى إلى ذي القصة ، و بعثوا و فودا إلى أبي بكر يسألونه أن يقارّهم على إقامة الصلاة و منع الزكاة . فقال : لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه ، و رجع الوفود إلى
-----------
( 1 ) رواه عن الثقفي الطوسي في تلخيص الشافي 3 : 78 .
-----------
( 2 ) رواه عن الثقفي الطوسي في تلخيص الشافي 3 : 78 .
-----------
( 3 ) النور : 39 .
-----------
( 4 ) أورده الزمخشري في المستقصى 1 : 95 ، بلفظ « اخدع من يلمع » .
[ 385 ]
قومهم فأخبروهم بقلّة من أهل المدينة . فأطمعوهم فيها ، و علم أبو بكر و المسلمون بذلك . فقال لهم : رأى و فدهم منكم قلّة و أنّكم لا تدرون أليلا تؤتون أم نهارا ، و ادناهم منكم على بريد ، و قد كان القوم يأملون أن نقبل منهم و نوادعهم ، و قد أبينا عليهم و نبذنا إليهم ، فاعدّوا و استعدّوا فخرج علي عليه السلام بنفسه . و كان على نقب من أنقاب المدينة ، و خرج طلحة و الزبير و ابن مسعود فكانوا على الأنقاب الثلاثة . فلم يلبثوا إلاّ قليلا حتّى طرق القوم المدينة غارة مع الليل و خلّفوا بعضهم بذي حسا ليكونوا ردءا لهم ، فوافوا الأنقاب و عليها المسلمون ، و خرج أبو بكر في جمع من أهل المدينة على النواضح . فانتشر العدو بين أيديهم ، و أتبعهم المسلمون على النواضح حتّى بلغوا داحسا فخرج عليهم الكمين بأنحاء قد نفخوها ، و جعلوا فيها الحبال ثم دهدهوا بها في وجوه الابل فتدهده كلّ نحي منها في طول . فنفرت ابل المسلمين و هم عليها ، و لا تنفر الابل من شيء نفارها من الأنحاء فعاجت بهم لا يملكونها حتّى دخلت بهم المدينة و لم يصرع منهم أحد و لم يصب . فبات المسلمون تلك اللّيلة يتهيأون .
ثم خرجوا على بغتة فما طلع الفجر الاّ و هم و القوم في صعيد واحد . فلم يسمعوا للمسلمين حسّا و لا همسا ، حتّى وضعوا فيهم السيف . فاقتتلوا أعجاز ليلتهم فما ذرّ قرن الشمس إلاّ و قد ولّوا الأدبار ، و غلبوا على عامّة ظهرهم ، و رجعوا إلى المدينة ظافرين 1 .
قلت : ما نقله من الطبري من روايات سيفه الّذي له يد طولى في الجعل حتّى في وضع الأشعار و الرجال و الأمكنة لما يضع ، و أصل ارتداد طليحة معلوم لكن صحّة باقي خصوصيات ما نقل غير معلومة .
-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 476 ، سنة 11 ، و عنه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 165 ، شرح الكتاب 62 ، و النقل بتصرف .
[ 386 ]
و ممّا يشهد لوضعه هنا قوله « بعثوا وفودا إلى أبي بكر يسألونه أن يقارّهم على اقامة الصلاة و منع الزكاة فقال لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه » فإنّهم كانوا ارتدوا عن اصل الإسلام . فكيف يقولون لأبي بكر ما قال ، و إنّما كان جمع آخر ثابتين على الإسلام قالوا : إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أمرنا بإعطاء زكاتنا إلى فقرائنا و لم يعطوا عمّال أبي بكر . فعاملهم أبو بكر معاملة المرتدين و قال :
لو منعوني عقالا لقاتلتهم كما لا يخفى على من راجع تاريخ ابن أعثم 1 ، و إنّما سيف يأخذ الأشياء من موضع و يجعلها في موضع آخر .
و الصواب في ارتداد طليحة و من بعث أبي بكر لحربه ما قاله اليعقوبي في تاريخه . فقال « و ممّن تنبّأ طليحة بن خويلد الأسدي ، و كان أنصاره غطفان و رئيسهم عيينة بن حصن الفزارى . فخرج أبو بكر في جيشه إلى ذي القصة ،
و دعا عمرو بن العاص فقال : يا عمرو إنّك ذو رأي قريش ، و قد تنبّأ طليحة فما ترى في علي ؟ قال : لا يطيعك . قال : فالزبير ؟ قال : شجاع حسن . قال : فطلحة ؟
قال : للخفض و الطعن . قال : فسعد ؟ قال : محشّ حرب . قال : فعثمان ؟ قال :
أجلسه و استعن برأيه قال : فخالد بن الوليد ؟ قال : بسوس للحرب ، نصير للموت له أناة القطاة ، و وثوب الأسد . فلمّا عقد له قام ثابت بن قيس بن شمّاس و قال : يا معشر قريش أما كان فينا رجل يصلح لما تصلحون له ؟ أما و اللّه ما نحن عميا عمّا نرى ، و لا صمّا عمّا نسمع ، و أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالصبر فنحن نصبر ، و قام حسّان فقال :
يا للرجال لخلفة الأطوار
و لما أراد القوم بالأنصار
لم يدخلوا منّا رئيسا واحدا
يا صاح في نقض و لا إمرار
فعظم على أبي بكر هذا القول . فجعل على الأنصار ثابت بن قيس ، و أنفذ
-----------
( 1 ) فتوح ابن أعثم 1 : 13 87 .
[ 387 ]
خالدا على المهاجرين . فقصد طليحة . ففرق جمعه و قتل خلقا من أتباعه ، و أخذ عيينة فبعث به إلى أبي بكر مع ثلاثين أسيرا ، و هو مكبّل بالحديد . فجعل الصبيان يصيحون به : يا مرتد . فيقول : ما آمنت طرفة عين قطّ . فاستتابه ،
و اطلق سبيله ، و لحق طليحة بالشام و بعث بشعر إلى أبي بكر يراجع الاسلام » إلخ 1 .
« حتّى زاح » أي : بعد و ذهب .
« الباطل ، و زهق » أي : اضمحلّ .
« و اطمأنّ الدين و تنهنه » أي : استقر و كفّ عن تطرّق الباطل إليه .
قال الجوهري : « الأصل في نهنه نههه بثلاث هاءات و إنما ابدلوا من الهاء الوسطى نونا للفرق بين فعلل ، و فعّل و إنما زادوا النون من بين سائر الحروف لأنّ في الكلمة نونا » 2 .
قلت : هو شيء تفرّد به . فإذا كان أصل نهنه نههه فليقل أصل زلزل زلزل و لا يبعد أن يكون الأصل في الرباعيات المضاعفة كونها مخفّفة ثلاثيات مضاعفة مكرّرة بأن يقال : إن الأصل في زلزل زلّ زلّ ، و لكن في ( اللسان ) « كانّ الأصل في نهنه النهى » 3 و كيف كان فالأصل في معنى نهنه الكفّ قال شاعر :
نهنه دموعك انّ من
يفترّ بالحدثان عاجز
و قال أبو جندب الهذلي :
فنهنهت اولى القوم عنهم بضربة
تنفس عنها كلّ حشيان محجر
-----------
( 1 ) تاريخ اليعقوبي 2 : 129 ، و النقل بتلخيص .
-----------
( 2 ) صحاح اللغة 6 : 2254 ، مادة ( نهنه ) .
-----------
( 3 ) لسان العرب 13 : 551 ، مادة ( نهنه ) .
[ 388 ]