18

الخطبة ( 5 ) و من خطبة له عليه السلام لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و خاطبه العباس و أبو سفيان ابن حرب في أن يبايعا له بالخلافة :

أَيُّهَا اَلنَّاسُ شُقُّوا أَمْوَاجَ اَلْفِتَنِ بِسُفُنِ اَلنَّجَاةِ وَ عَرِّجُوا عَنْ طَرِيقِ اَلْمُنَافَرَةِ وَ ضَعُوا تِيجَانَ اَلْمُفَاخَرَةِ أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ أَوِ اِسْتَسْلَمَ فَأَرَاحَ مَاءٌ آجِنٌ وَ لُقْمَةٌ يَغَصُّ بِهَا آكِلُهَا وَ مُجْتَنِي اَلثَّمَرَةِ لِغَيْرِ وَقْتِ إِينَاعِهَا كَالزَّارِعِ بِغَيْرِ أَرْضِهِ . فَإِنْ أَقُلْ يَقُولُوا حَرَصَ عَلَى اَلْمُلْكِ وَ إِنْ أَسْكُتْ يَقُولُوا جَزِعَ مِنَ اَلْمَوْتِ هَيْهَاتَ بَعْدَ اَللَّتَيَّا وَ اَلَّتِي وَ اَللَّهِ ؟ لاَبْنُ أَبِي طَالِبٍ ؟ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ اَلطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّهِ بَلِ اِنْدَمَجْتُ عَلَى مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لاَضْطَرَبْتُمْ اِضْطِرَابَ اَلْأَرْشِيَةِ فِي اَلطَّوِيِّ اَلْبَعِيدَةِ أقول : روى ( تذكرة سبط ابن الجوزي ) ، عن مجاهد ، عن عكرمة ، عن ابن

-----------
( 1 ) رواه المفيد في أماليه : 223 ح 2 ، المجلس 26 ، و النقل بتصرف .

-----------
( 2 ) الاحزاب : 72 .

-----------
( 3 ) أخرجه الصدوق في عيون الأخبار 1 : 238 ح 66 ، و في معاني الأخبار : 110 ح 3 .

-----------
( 4 ) أخرجه الصفار في البصائر : 96 ح 3 ، و النقل بالمعنى .

[ 401 ]

عباس قال : لمّا دفن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم جاء العباس و أبو سفيان و جماعة من بني هاشم إلى علي عليه السلام . فقالوا : مدّ يدك نبايعك و حرضوه فامتنع و قال له العباس انت و اللّه بعد أيّام عبد العصا ( و هذا اليوم الذي قال فيه ابو سفيان ان شئت ملأتها خيلا و رجلا ) فخطب عليه السلام و قال : أيّها الناس شقوا أمواج الفتن بسفن النجاة ، و عرّجوا عن طريق المنافرة ، وضعوا تيجان المفاخرة . فقد أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح . ماء آجن ، و لقمة يغصّ بها آكلها . أجدر بالعاقل من لقمة تحشى بزنبور . و من شربة يلذبها شاربها مع ترك النظر في عواقب الامور . فإن أقل ، يقولوا حرص على الملك ، و إن أسكت ، يقولوا جزع من الموت . هيهات هيهات بعد اللتيا و الّتي ، و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امّه ، و من الرجل بأخيه و عمّه ، و لقد اندمجت على علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة ، و نقل مثله عن ( مناقب ) جدّه ابن الجوزي 1 .

قول المصنّف : « و من خطبة له عليه السلام » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب :

« و من كلام له عليه السلام » كما في « حد و ثم و الخطية » 2 و لأنّ الخطبة تكون على المنبر و لم يكن عليه السلام في وقت ذاك الكلام على منبر .

« لما قبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و خاطبه العباس و أبو سفيان بن حرب في أن يبايعا له بالخلافة » هكذا في ( المصرية ) و ( ابن أبي الحديد 3 و الخطيّة ) لكن ليس هذا الكلام في ( ابن ميثم ) 4 رأسا .

-----------
( 1 ) رواه السبط في تذكرة الخواص 5 : 128 ، و نقله عن مناقب ابن الجوزي المجلسي في البحار 5 : 45 ، و هو خلط من المجلسي بين كتاب ابن الجوزي و سبطه .

-----------
( 2 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 71 ، و شرح ابن ميثم 1 : 276 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 71 .

-----------
( 4 ) يوجد العنوان في شرح ابن ميثم 1 : 276 ، أيضا .

[ 402 ]

و كيف كان ففى ( الإرشاد ) : جاء أبو سفيان إلى باب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ،

و نادى :

بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم
و لا سيّما تيم بن مرّة أو عدي

فما الأمر إلاّ فيكم و إليكم
و ليس لها إلاّ أبو حسن علي

أبا حسن فاشدد بها كفّ حازم
فإنّك بالأمر الّذي ترتجي ملي

ثم نادى بأعلى صوته ، يا بني هاشم يا بني عبد مناف أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل ابن الرذل ؟ أما و اللّه لو شئتم لأملأنها عليهم خيلا و رجلا . فناداه أمير المؤمنين عليه السلام « إرجع يا أبا سفيان . فو اللّه ما تريد اللّه بما تقول ، و ما زلت تكيد الاسلام و أهله و نحن مشاغيل بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و على كل امرئ ما اكتسب ، و هو وليّ ما احتقب » فانصرف أبو سفيان إلى المسجد .

فوجد بني اميّة مجتمعين . فحرّضهم على الأمر و لم ينهضوا » 1 .

و أقول : أمّا أبو سفيان و ان كان من الطلقاء ، و أبو بكر و عمر نالا غرضهما بواسطة الطلقاء إلاّ أنّ شخص أبي سفيان مع كونه من بني اميّة الّذين كانوا يرون أنفسهم عدلاء بني هاشم لكون كلّ منهما من بني عبد مناف لمّا كان من مشائخ قريش في الجاهلية ، و كان أسنّ من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كان لا يحتفل بشخص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حتّى قهره الاسلام بفتح مكّة . فكيف كان يحضر نفسه لأن يصير محكوم أبي بكر الّذي حيّه ، تيم بن مرة كانوا من أخسّاء قريش ، و لم يكن له بيت و لا شخصية في حيّه ، حتّى أنّ أبا بكر لمّا رفع صوته في أيّام خلافته عليه في حضور أبي قحافة أبيه تعجّب أبوه من ذلك ، و قال له : أ على شيخ قريش ترفع صوتك ، و كان أبو سفيان لا يرضى بأبي بكر و أبيه خادما له ، و كان في خلافة عمر و محاربته الروم لو سمع بانهزام الروم يتأسّف لهم ،

-----------
( 1 ) الارشاد : 102 .

[ 403 ]

و يقول « ويح بني الأصفر » و لو كان رأى منهم غلبة لسرّ و يقول « إيها بني الأصفر » و كان ميله إلى أمير المؤمنين عليه السلام لكونه من بني عبد مناف أكثر ،

و لذا كتب أمير المؤمنين عليه السلام كما في ( صفّين نصر ) ، و ( عقد ابن عبد ربه ) إلى معاوية : « قد كان أبوك أتاني حين ولّى الناس أبا بكر ، فقال : « أنت أحق بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم بهذا الأمر ، و أنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك ، ابسط يدك ابايعك » فلم أفعل ، و أنت تعلم أنّ أباك قد كان قال ذلك و أراده حتّى كنت أنا الّذي أبيت لقرب عهد الناس بالكفر مخافة الفرقة بين أهل الاسلام . فأبوك كان أعرف بحقّي منك . فإن تعرف من حقّي ما كان يعرف أبوك ، تصب رشدك ،

و إن لم تفعل فيسغني اللّه عنك » 1 .

و أمّا ابناه يزيد و معاوية ، و باقي بني امية . فماشوا أبا بكر و عمر و ساعدوهما و قد عدّوا أبا سفيان ممّن كان ذا رأي في الجاهلية لا في الاسلام .

و وجهه أنّه كان كلّما رأى في الجاهلية رأيا تبعه قريش ، و أمّا في أمر أبي بكر فحرّض بني امية على ضدّه فلم يعتنوا به حتّى ابناه يزيد و معاوية ، بل استندوا إلى عثمان ، و قاموا معه و بايعوا أبا بكر لينالوا به أغراضهم ، و قد نالوا فوق ما أمّلوا .

و من كتاب معاوية إليه عليه السلام المشهور : « و أعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا إلى أن قال فلا أنسى قولك لأبي سفيان لمّا حرّكك و هيّجك لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم فما يوم المسلمين منك بواحد » 2 .

و حيث انّ قصد أبي سفيان لم يكن للّه بل لأن ينال رياسة أو مالا ، زجره

-----------
( 1 ) وقعة صفين : 91 ، و العقد الفريد 5 : 79 .

-----------
( 2 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 131 ، شرح الخطبة 26 .

[ 404 ]

أمير المؤمنين عليه السلام ، و روى الجوهري في ( سقيفته ) : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث أبا سفيان ساعيا ، فرجع من سعايته و قد مات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال : من ولّي بعده ؟ قيل : أبو بكر . قال : أبو الفصيل ؟ قالوا : نعم . قال : فما فعل المستضعفان علي و العبّاس ؟ أما و الّذي نفسي بيده لأرفعنّ لهما من أعضادهما و ذكر الراوي شيئا آخر لم تحفظه الرواة فلمّا قدم المدينة قال إنّي لأرى عجاجة لا يطفئها إلاّ الدم . فكلّم عمر أبا بكر . فقال له : « إنّ أبا سفيان قد قدم ، و إنّا لا نأمن شرّه . فدع له ما في يده » فتركه فرضي 1 .

و روى الطبري : أنّ أبا بكر لمّا استخلف قال أبو سفيان : ما لنا و لأبي فصيل إنّما هي بنو عبد مناف ، فقيل له : إنّه قد ولّى ( يزيد ) ابنك ، قال : وصلته رحم 2 .

و كما لم يبال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقول عتبة لما رجع من الطائف ،

و دخل المسجد المشركون عند الكعبة . فلمّا رآه أبو جهل قال لعتبة : هذا نبيّكم يا بني عبد مناف فقال له عتبة « و ما تنكر أن يكون منّا نبيّ أو ملك » فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لعتبة « أمّا أنت يا عتبة فو اللّه ما حميت للّه و لا لرسوله » الخبر 3 لأنّه قاله عصبية ، كذلك لم يبال أمير المؤمنين عليه السلام بقول أبي سفيان لأنه قاله عصبية .

و كيف يصانع أمير المؤمنين عليه السلام أبا سفيان ، و هو الّذي لمّا بويع عثمان قال « كان هذا الأمر في تيم ، و أنّى لتيم هذا الأمر ثم صار الى عديّ فأبعد و أبعد . ثم رجعت إلى منازلها و استقرّ الأمر قراره . فتلقفوها تلقف الكرة .

-----------
( 1 ) السقيفة : 37 ، و النقل بتلخيص .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 2 : 449 ، سنة 11 .

-----------
( 3 ) أخرجه الطبري في تاريخه 2 : 82 .

[ 405 ]

فو اللّه ما من جنّة و لا نار » 1 .

و هو الّذي رآه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مقبلا على حمار ، و معاوية يقود به ، و يزيد ابنه يسوق به . فقال « لعن اللّه القائد و الراكب و السائق » 2 .

و شتّان بينه عليه السلام و بين الرجلين . فتركا له مال المساكين و الأيتام ، و وليّا ابنيه لئلا يتكلّم في أمرهما ، و لأن يقوى بنو امية ، و يضعف أهل بيت نبيّهم كما أنّهما ذهبا بإشارة المغيرة إلى العباس ، و أرادا جعل سهم له في الأمر لتضعيف جانب أمير المؤمنين عليه السلام إلاّ أنّ العباس لم يقبل منهما ، و لا غرو منهما فإنّ أهل الدنيا يتوسّلون لمقاصدهم بكلّ وسيلة و لو في غاية المنكرية .

و أمّا العباس و إن كان طلبه مبايعته عليه السلام عن حقيقة ، و بدون غرض دنيوي كأبي سفيان ، إلاّ أنّه لمّا لم يكن له تلك الوجهة عند الناس لتأخّر إسلامه كأخيه عقيل ، كانت بيعته له عليه السلام لا تغني عنه شيئا ، و لو كان بدل العباس عمّه حمزة و أخوه جعفر لاستطاعا أن يدافعا عنه عليه السلام : ففي ما كتبه عليه السلام للناس لمّا سألوه عن الثلاثة بعد فتح معاوية لمصر برواية الكليني « و لو كان لي بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم عمّي حمزة ، و أخي جعفر لم ابايع كرها ، و لكنّني بليت برجلين حديثي عهد بالاسلام العباس و عقيل . فضننت بأهل بيتي عن الهلاك ،

فأغضيت عيني على القذى ، و تجرعت ريقي على الشجا ، و صبرت على أمرّ من العلقم ، و آلم للقلب من حزّ الشفار » 3 .

هذا ، و قال محمّد بن محمّد بن النعمان : « و ما رأيت أوهن و لا أضعف من تعلّق المعتزلة و تكلّم المجبّرة بقول العباس لأمير المؤمنين عليه السلام : امدد يدك يا

-----------
( 1 ) رواه الجوهري في السقيفة : 37 و 86 ، و ابن عبد البر في الاستيعاب 4 : 87 و غيرهما ، و النقل بالمعنى ، سنة 28 ،

و ابن مزاحم في وقعة صفين : 220 ، و غيرهم .

-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 8 : 189 .

-----------
( 3 ) رواه عن رسائل الكليني ابن طاووس في كشف المحجّة : 180 .

[ 406 ]

ابن أخي ابايعك ، فيقول الناس : عمّ رسول اللّه بايع ابن أخيه ، فلا يختلف عليك إثنان ، فادّعوا انّ في هذا دليلا على أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم ينصّ على أمير المؤمنين عليه السلام لأنّ المنصوص عليه لا يفتقر في إمامته و كمالها إلى البيعة فيقال لهم : إن كان دعاء العباس له عليه السلام إلى البيعة يدلّ على ما زعمتم على بطلان النص و ثبوت الإمامة من جهة الاختيار يجب أن يكون دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الأنصار إلى بيعته في ليلة العقبة ، و دعاؤه الأنصار و المهاجرين تحت شجرة الرضوان إلى بيعته دليلا على أنّ نبوّته إنما ثبتت له من جهة الاختيار . فإن قالوا إنّما كانت بيعتهم للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم للعهد في نصرته بعد معرفة حقّه ، و صدقه في ما أتى به من اللّه عزّ و جلّ من رسالته ، قيل لهم : كذلك دعاء العباس إنّما كان بعد ثبوت امامته بتجديد العهد في نصرته و الحرب لأهل مضادّته يدلّ على ما ذكرنا قول العباس « يقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان » فعلّق الاتّفاق بوقوع البيعة . فلم يكن إلاّ و هي بيعة الحرب الّتي يرهب عندها الأعداء ، و لو كانت بيعة الاختيار من جهة الشورى لما منع ذلك من الاختلاف بل كانت نفسها الطريق إلى تشتّت الرأي ، و تعلّق كلّ قبيلة باجتهاده و اختياره ألا ترى أنّه لمّا ألحّ عليه العباس في هذا الباب قال : « يا عم إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أوصى إليّ ، و أوصاني أن لا اجرّد سيفا بعده حتى يأتيني الناس طوعا ، و أمرني بجمع القرآن ، و الصمت حتّى يجعل اللّه عزّ و جلّ لي مخرجا » .

و وجه آخر أنّ القوم لمّا أنكروا النص ، و أظهروا أنّ الإمامة تثبت لهم من طريق الاختيار ، أراد العباس أن يكيدهم من حيث ذهبوا إليه ، و يبطل أمرهم بنفس ما جعلوه طريقا لهم إلى الظلم و جحد النص ، فقال له عليه السلام : « ابسط يدك ابايعك . فان سلّموا الحقّ لأهله لم تضرّك البيعة ، و إن ادّعوا الشورى

[ 407 ]

و الاختيار ، و أنكروا حقّك ، كان لك من البيعة ، و الاختيار و العقد مثل ما لهم ، فلا يمكنهم الاستبداد بالأمر دونك » فأبى عليه السلام ذلك ، و كره أن يتوصّل إلى حقّه بباطل لا يوصل إليه لظهور النص عليه ، و لأنّه كره أن يبسط يده للبيعة فيلزمه بعد ذلك تجريد السيف على دافعيه ، و قد تقدّمت الوصية له عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بالكفّ عن الحرب مخافة بطلان الدين و درس الاسلام ، و قد بيّن عليه السلام ذلك في مقاله حيث يقول « أما و اللّه لو لا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم » .

قال : فإن قالوا قد وصل إلى حقّه كما زعمتم بعد عثمان بالاختيار ،

و دخل في الشورى . فكيف استجاز التوصل إلى الحقّ بالباطل ؟

قلت : إنّه عليه السلام لم يتوصّل إلى حقّه في حال من الأحوال بما توصّل إليه من اختيار الناس له على ما ظنّه الخصوم ، و ذلك أنّه احتجّ يوم الشورى بنصوص النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم الموجبة له فرض الطاعة كقوله عليه السلام « أ فيكم أحد قال له النبي من كنت مولاه فعليّ مولاه غيري ؟ أفيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : أنت منّي بمنزلة هرون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي غيري ؟ » و أشباه ذلك من الكلام الموجب لإمامة صاحبه بدليله المغني له عن اختيار العباد ، و لمّا قتل عثمان لم يدع أحدا إلى اختياره لكنّه دعاهم إلى بيعته على النصرة له ، و الإقرار له بالطاعة ، و ليس في هذا من معنى الاختيار الّذي يذهب المخالف إليه شي‏ء .

قال : فإن قالوا : إذا زعمتم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قد نصّ عليه عليه السلام بالامامة ،

و بيّن عن فرض الطاعة ، و دعا الامّة إلى اتّباعه ، فما قول العباس له عليه السلام في مرض النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « يا ابن أخ ادخل معي إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأسأله عن الأمر من بعده هل هو فينا فتطمئنّ قلوبنا أم هو في غيرنا فيوصيه بنا » فدخلا عليه فسأله العباس عن ذلك . فلم يجبه هل هو فيهم أو في غيرهم ، و قال لهم « على

[ 408 ]

رسلكم معشر بني هاشم . أنتم المظلومون ، و أنتم المقهورون » فيقال لهم :

اخطأتم الغرض في معنى هذا المقال إنّ العباس إنّما سأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن كون الأمر لهم بعده على تسليم الامّة لهم ، و أنّ المعلوم عند اللّه تعالى تمكّنهم منه ، و عدم الحيلولة بينهم و بينه . أو يغلبون عليه ، و يحال بينهم و بينه . فسأل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يوصي بهم في الإكرام و الإعظام ، و لم يك في شك من الاستحقاق ، و الاختصاص بالحكم . ألا ترى إلى جواب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له : « إنّكم المقهورون و أنتم المضطهدون » فجميع هذه الألفاظ جاءت بها الرواية ، و لو لا أنّ سؤال العباس إنّما كان عن حصول المراد من التمكّن ، و نفوذ الأمر و النهي في ما استحقّه لم يكن لجواب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم له بما ذكرنا معنى يعقل ، و كان جوابا عن غير السؤال ، و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يجلّ عن صفات النقص كلّها 1 .

قلت : و ممّا يوضح كون مراد العباس من سؤاله ما قاله المفيد ما رواه البلاذري في ( أنسابه ) عن امّ الفضل امرأة العباس قالت : كنت جالسة عند النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو مريض . فبكيت . فقال : ما يبكيك ؟ قلت : أخشى عليك ، و لا أدري ما نلقى من الناس بعدك . فقال : أنتم المستضعفون 2 .

و ما رواه ( ابن قتيبة في عيونه ) : أنّ ابن عمر لحق الحسين عليه السلام لمّا توجه إلى العراق ، و قال له : أما أنّي ساحدّثك حديثا إنّ جبرئيل عليه السلام أتى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فخيّره بين الدنيا و الآخرة . فاختار الآخرة ، و انّكم بضعة من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و اللّه لا تليها أنت و لا أحد من أهل بيتك ، و ما صرفها اللّه عنكم إلاّ لما هو خير لكم الخبر 3 .

-----------
( 1 ) هذا كلام المفيد في العيون و المحاسن نقله المرتضى في الفصول المختارة 2 : 200 204 ، و النقل بتصرف في اللفظ .

-----------
( 2 ) أنساب الاشراف 1 : 551 .

-----------
( 3 ) عيون الأخبار 1 : 211 .

[ 409 ]

و في ( المناقب ) سأل عباس المفيد بمحضر أجلّة العباسية انّ الامام بعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من كان ؟ قال : من دعاه العباس ان يمدّ يده لبيعته على حرب من حارب و سلم من سالم . قال : و من هذا ؟ قال : علي بن أبي طالب عليه السلام حيث قال له العباس في ما اتّفق عليه أهل النقل « ابسط يدك يا ابن اخي ابايعك فيقول الناس : عم رسول اللّه بايع ابن عمّه يعني ابن عم رسوله فلا يختلف عليك اثنان » قال : فما كان الجواب من علي ؟ قال : كان الجواب : « انّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عهد إليّ عهدا ألاّ أدعو أحدا حتّى يأتوني . فإنّما أنا كالكعبة اقصد ، و لا أقصد ، و مع هذا فلي بالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم شغل » فقال العباسي : كان العباس اذن على خطأ في دعائه إلى البيعة . قال : لم يخطئ العباس في ما قصد لأنّ العباس عمل على الظاهر و كان عمل أمير المؤمنين عليه السلام على الباطن و كلاهما أصابا الحق . قال :

فإن كان علي هو الإمام بعد النبي فقد أخطأ الشيخان و من تبعهما . قال المفيد :

إن استعظمت تخطئة من ذكرت فلا بدّ لك من تخطئة علي و العباس من قبل انّهما تأخّرا عن بيعة أبي بكر و لم يرضيا بتقدّمه عليهما ، و لا رآهما أبو بكر و عمر أهلا ان يشاركاهما في شي‏ء من امورهما و خاصّة ما صنعه عمر يوم الشورى لمّا ذكر عليّا عليه السلام عابه ، و وصفه تارة بالدعابة ، و اخرى بالحرص على الدنيا ، و أمر بقتله إن خالف عبد الرحمن ، و جعل الحقّ في حيّز عبد الرحمن دونه ، و فضّله عليه ، و ذكر من يصلح للإمامة في الشورى ، و من يصلح للاختيار ، و لم يذكر العباس في إحدى الطائفتين ، و قد أخذ من علي عليه السلام و العباس و جميع بني هاشم الخمس و جعله في السلاح و الكراع 1 .

قلت : قال هو و صاحبه للعباس بإشارة المغيرة عليهما في نحت حجّة لهما على أمير المؤمنين عليه السلام « نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا يكون لك

-----------
( 1 ) مناقب السروي 1 : 262 .

[ 410 ]

و لعقبك من بعدك إذ كنت عم النبي » . فلم يقبل العباس منهما إلاّ أن يكون الأمر كلّه لأمير المؤمنين عليه السلام . فلمّا كان عمر يعرف ذلك من العباس لم يدخله في الشورى لئلاّ ينتخب أمير المؤمنين عليه السلام ، و إنّما حكّم عبد الرحمن بن عوف لينتخب عثمان رأس بني امية ، فعل ذلك عن عمد مع اعترافه في ذاك الوقت بأنّه إن ولي أمير المؤمنين عليه السلام يحمل الناس على الصراط المستقيم كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و إن ولي عثمان يحمل أعداء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم على اللعب بالدين و مع ذلك يقول إخواننا هو الفاروق لعمر اللّه كان فاروقا بين الحق و الباطل لكن بترك الأول و التعلّق بالثاني .

هذا ، و اما سند الخطبة فنقله ابن أبي الحديد غير مسند هكذا « لمّا اشتغل علي عليه السلام بغسل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و دفنه ، و بويع أبو بكر ، خلا الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين بعباس و علي عليه السلام لإجالة الرأي ، و تكلّموا بكلام يقتضى الاستنهاض و التهييج فقال العباس : قد سمعنا قولكم . فلا لقلّة نستعين بكم ، و لا لظنّة نترك آراءكم . فأمهلونا نراجع الفكر ، فإن يكن لنا من الإثم مخرج يصر بنا و بهم الحقّ صرير الجدجد و نبسط إلى المجد أكفالا نقبضها أو نبلغ المدى ، و إن تكن الاخرى فلا لقلّة في العدد ، و لا لوهن في الايد ، و اللّه لو لا أنّ الاسلام قيد الفتك لتدكدكت جنادل صخر يسمع اصطكاكها من المحلّ العليّ .

فحلّ علي عليه السلام حبوته و قال : الصبر حلم ، و التقوى دين ، و الحجّة محمّد ،

و الطريق الصراط أيّها الناس شقّوا إلخ 1 .

و الّذي وجدت عنه عليه السلام ألفاظا قريبة من العنوان ، رسالة له إلى أبي بكر لا خطبة . ففي ( احتجاج الطبرسي ) : « رسالة لأمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي بكر لمّا بلغه عنه كلام بعد منعه فدك » : « شقّوا متلاطمات أمواج الفتن بحيازيم سفن

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 73 .

[ 411 ]

النجاة و حطّوا تيجان أهل الفخر بجمع أهل الغدر ، و استضيئوا بنور الأنوار ،

و لا تقتسموا مواريث الطاهرات الأبرار . فكأنّي بكم تتردّدون في العمس كما يتردّد البعير في الطاحونة . أما و اللّه لو اذن لي بما ليس لكم به علم لحصدت رؤوسكم عن أجسادكم كحبّ الحصيد . بقواضب من حديد . و لقلعت من جماجم شجعانكم ما أقرح به آماقكم ، و أوحش به محالّكم . فإنّي منذ عرفت مردي العساكر ، و مفني الجحافل ، و مبيد خضرائكم ، و مخمد ضوضائكم ،

و جرار الدوارين ، إذ أنتم في بيوتكم معتكفون ، و إنّي لصاحبكم بالأمس ، لعمر أبي و امّي لن تحبّوا أن تكون فينا الخلافة و النبوّة ، و أنتم تذكرون أحقاد بدر و ثارات احد . أما و اللّه لو قلت ما سبق من اللّه فيكم لتداخلت أضلاعكم في أجوافكم كتداخل أسنان دوارة الرحى . فإن نطقت يقولون حسد ، و إن سكتُّ يقال : ابن أبي طالب جزع من الموت . هيهات هيهات الساعة يقال لي ؟ هذا و أنا المميت المائت ، و خوّاض المنايا في جوف ليل حالك . حامل السيفين الثقيلين و الرمحين الطويلين ، و منكّس الرايات في غطامط الغمرات ، و مفرّج الكرب عن وجه خير البريات ، أيهنوا فو اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل الى محالب امّه . هبلتكم الهوابل . لو بحت بما أنزل اللّه سبحانه في كتابه فيكم ،

لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة ، و لخرجتم من بيوتكم هاربين ، و على وجوهكم هائمين ، و لكنّي اهوّن وجدي حتّى ألقى ربّي بيد جذّاء صفرا من لذّاتكم ، خلوا من طحناتكم . فما مثل دنياكم عندي إلاّ كمثل غيم علا فاستعلى . ثم استغلظ فاستوى . ثم تمزّق فانجلى . رويدا فعن قليل ينجلي لكم القسطل . فتجدون ثمرة فعلكم مرّا . و تحصدون غرس أيديكم ذعافا ممقرا .

و سمّا قاتلا . و كفى باللّه حكيما و برسوله خصيما ، و بالقيامة موقفا . فلا ابعد اللّه فيها سواكم . و لا اتعس فيها غيركم . و السلام على من اتّبع الهدى » .

[ 412 ]

فلمّا أن قرأ أبو بكر الكتاب رعب من ذلك رعبا شديدا . و قال : يا سبحان اللّه ما أجرأه علي ، و أنكله عن غيري 1 .

و الألفاظ فيه ، و إن كانت مختلفة إلاّ أنّ الأصل واحد قطعا .

قوله عليه السلام « أيّها الناس شقّوا أمواج الفتن » شبّه عليه السلام الفتن ببحر ذي أمواج كناية عن شدة الفتن ، و قد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبرهم قبل وفاته بإقبال فتن عظيمة إليهم مشبّها لها بقطع ليل مظلم ، روى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) مسندا عن أبي مويهبة مولى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . قال : قال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم من جوف الليل : يا أبا مويهبة إنّي قد امرت أن أستغفر لأهل البقيع . فانطلق معي . فخرج ،

و خرجت معه حتّى جاء البقيع فاستغفر لأهله طويلا . ثم قال « ليهنئكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح الناس فيه ، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع بعضها بعضا يتبع آخرها أوّلها الآخرة شرّ من الاولى » 2 .

« بسفن النجاة » و كما أخبرهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بإقبال فتن مهلكة إليهم أخبرهم بسبيل النجاة منها .

روى ( معارف ابن قتيبة ) مسندا عن حنش بن المعتمر قال : جئت و أبو ذر آخذ بحلقة باب الكعبة و هو يقول : أنا أبو ذر الغفاري من لم يعرفني فأنا جندب صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول : « مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا » 3 .

و روى ( طبقات كاتب الواقدي ) عن أبي سعيد الخدري : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال إنّي اوشك أن ادعى فاجيب ، و إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب اللّه و عترتي ،

-----------
( 1 ) الاحتجاج 1 : 95 ، و النقل بتصرّف يسير .

-----------
( 2 ) طبقات ابن سعد 2 ق 2 : 9 .

-----------
( 3 ) المعارف : 252 .

[ 413 ]

كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، و عترتي أهل بيتي ، و إنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا علىّ الحوض . فانظروا كيف تخلفوني فيهما 1 .

« و عرّجوا عن طريق المنافرة » في ( الأساس ) : أصل المنافرة قولهم « أيّنا أعزّ نفرا » 2 ، و في ( الصحاح ) : قال الأعشى في علقمة بن علاثة ، و عامر بن الطفيل :

قد قلت شعري فمضى فيكما
و اعترف المنفور للنافر 3

و معنى كلامه عليه السلام : ارتقوا عن ذاك الطريق ، و لا تسلكوه ، لأنّه طريق ينزل بسالكه إلى حضيض الهلكة .

« وضعوا تيجان المفاخرة » أي : ارفعوها عن رؤوسكم فتاج المفاخرة كان لبس إبليس حيث قال : أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين 4 و قال شاعر :

أنا ابن جلا و طلاّع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني

و وجه خطابه عليه السلام إلى أهل السقيفة ، و قيام قريش و الأنصار المنافرة و المفاخرة .

« أفلح من نهض بجناح » في ( الأساس ) « نهض الطائر » : نشر جناحيه ليطير و « فرخ ناهض » : و فر جناحاه و قدر على الطيران 5 .

« أو استسلم فأراح » يعني أنّ العاقل لا بدّ له من أحد أمرين : النهوض مع

-----------
( 1 ) طبقات ابن سعد 2 ق 2 : 2 .

-----------
( 2 ) أساس البلاغة : 467 ، مادة ( نفر ) .

-----------
( 3 ) صحاح اللغة 2 : 834 ، مادة ( نفر ) .

-----------
( 4 ) الأعراف : 12 .

-----------
( 5 ) أساس البلاغة : 475 ، مادة ( نهض ) .

[ 414 ]

الجناح حتّى لا يكون كفرخ خرج من وكره قبل استقلاله بالطيران فيصير ملعبة يد الصبيان فيهلك ، أو الاستسلام و ترك الخروج فيريح نفسه .

و مراده عليه السلام جواب من طلب منه مبايعته . فإنّ العباس وحده لم يكن كافيا في قبال قيام جميع قريش عليه و خذلان باقي الناس له . فكان عليه السلام يقول :

« لو كان لي أربعون ناصرا لجاهدتهم » .

قيل لعلي بن ميثم : لم قعد ( علي عليه السلام ) عن قتالهم . قال كما قعد هارون عن السامري و قد عبدوا العجل قيل فكان ضعيفا قال كان ( علي عليه السلام ) كهارون حيث يقول يا ابن امّ إنّ القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني 1 و كنوح إذ قال ربّ إنّي مغلوب فانتصر 2 و كلوط إذ قال لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد 3 .

و قال أبو حنيفة لمؤمن الطاق : لم لم يطلب علي بحقّه بعد وفاة النبي إن كان له حقّ ؟ قال : خاف أن تقتله الجنّ كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة .

و قال ضرار لهشام بن الحكم : ألا دعا علي عليه السلام الناس عند وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إلى الايتمام به إن كان وصيّا ؟ قال : لم يكن واجبا عليه لأنّه قد دعاهم إلى موالاته ، و الايتمام به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يوم الغدير ، و يوم تبوك ،

و غيرهما فلم يقبلوا منه ، و لو كان ذلك جائزا لجاز على آدم أن يدعو إبليس إلى السجود له بعد إذ دعاه ربّه إلى ذلك . ثم إنّه صبر كما صبر اولو العزم من الرسل 4 .

هذا و قال ابن أبي الحديد في قوله عليه السلام « نهض بجناح » يقال : إنّ أبا تمام

-----------
( 1 ) الأعراف : 150 .

-----------
( 2 ) القمر : 10 .

-----------
( 3 ) هود : 80 .

-----------
( 4 ) روى الحكايات الثلاث السروي في مناقبه 1 : 270 .

[ 415 ]

لمّا قال :

لا تسقني ماء الملام فإنّني
صبّ قد استعذبت ماء بكائي

مخلد الموصلي بعث إليه بقارورة يسأله أن يبعث له فيها قليلا من ماء الملام فقال لصاحبه قل له يبعث إلىّ بريشة من جناح الذلّ لاستخرج بها من القارورة ما أبعثه إليه . و هذا ظلم من أبي تمام لمخلد ، و ما الأمران سواء لأنّ الطائر إذا اعيا و تعب ذلّ و خفض جناحيه ، و كذلك الانسان إذا استسلم ألقى بيديه ذلاّ . و يده جناحه ، فذاك هو الّذي حسّن قوله تعالى و اخفض لهما جناح الذلّ 1 ألا ترى أنّه لو قال و اخفض لهما ساق الذلّ أو بطن الذلّ لم يكن مستحسنا 2 .

قلت : إنّ ابن أبي الحديد في اعتراضه على أبي تمام مصداق ما قيل بالفارسية :

چه بشنوى سخن أهل دل مگو كه خطاست
سخن شناس نه‏اى دلبرا خطا اينجاست

فلم يعب أبو تمام على مخلّد أصل استعارة خفض جناح الذلّ لإظهار الخضوع و المسكنة ، كيف و هي أحسن استعارة وردت في كتاب اللّه تعالى ،

و انّما عاب عليه إثباته الريشة لجناح الذلّ ، و أيّ ربط في ردّه بأنّ ساق الذلّ لم يكن مستحسنا ، و جناح الذل مستحسن ، و لو كان اعتراض أبي تمام غير وارد لكان مخلد يجيبه . فإنّ الشعراء أعرف بمواقع الشعر .

« هذا ماء آجن » هكذا في ( المصرية ) ، و كلمة هذا زائدة فليس في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطيّة ) 3 .

-----------
( 1 ) الاسراء : 24 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 73 .

-----------
( 3 ) توجد الكلمة في شرح ابن أبي الحديد 1 : 71 ، و شرح ابن ميثم 1 : 276 .

[ 416 ]

و معنى « ماء آجن » متغيّر الطعم و اللون ، و آجن يمكن أن يكون بالمدّ على وزن فاعل من أجن بالفتح يأجن بالضم و الكسر ، و أن يكون بالفتح و الكسر على وزن خشن على ما حكي عن اليزيدي 1 .

« و لقمة يغصّ بها آكلها » هو تشبيه آخر منه عليه السلام لقيامه ذاك الوقت الّذي لم يكن له أعوان بكونه كلقمة تبقى في حلق آكلها كجرعة من آجن لا يسيغها شاربها .

و قال ابن أبي الحديد في معنى « ماء آجن و لقمة يغصّ بها آكلها » « يعني أنّ الإمرة على الناس وخيمة العاقبة ذات مشقّة في العاجلة . فهي في عاجلها كالماء الآجن يجد شاربه مشقة ، و في آجلها كاللقمة المذكورة ، و يجوز أن يكون عنى عليه السلام الإمرة المخصوصة يعني بيعة السقيفة » 2 .

و هو كما ترى بلا ربط . فليس عليه السلام في مقام ذم الإمارة ، و لا في مقام بيان مفاسد بيعة السقيفة ، بل ما عرفت من قيامه عليه السلام : روي أنّ زرارة قال للصادق عليه السلام : ما منع أمير المؤمنين عليه السلام أن يدعو الناس إلى نفسه ؟ قال : خوفا أن يرتدّوا . فلا يشهدوا أنّ محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلم رسول اللّه 3 .

هذا ، و يناسب قوله عليه السلام « و لقمة يغص بها آكلها » ما نقلوا أنّ أبا تراب النخشبي و كان من الزهاد قال : ما تمنّت نفسي عليَّ إلاّ مرّة كنت في سفر فتمنّت علي خبزا و بيضا . فعدلت من الطريق إلى قرية . فلمّا دخلتها وثب علي رجل ، و قال : إنّ هذا كان مع اللصوص . فبطحوني فضربوني سبعين جلدة .

فوقف علينا رجل يعرفني . فصرح هذا أبو تراب النخشبي . فأقاموني ،

-----------
( 1 ) رواه عنه الجوهري في صحاح اللغة 5 : 2067 ، مادة ( اجن ) .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 72 ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 3 ) رواه الصدوق في علل الشرائع 1 : 149 ح 8 .

[ 417 ]

و اعتذروا إليّ و أدخلني الرجل منزله ، و قدّم إليّ خبزا و بيضا . فقلت لنفسي : كل الخبز و البيض بعد سبعين جلدة .

« و مجتنى الثمرة لغير وقت إيناعها » هو تشبيه ثالث : أي : قيامي في هذا الوقت كاجتناء ثمرة غير يانعة لا ينتفع مجتنيها بها .

« كالزارع بغير أرضه » هو تشبيه رابع أي : قيامي في هذا الوقت كمن زرع في غير أرضه . فلا يبقى الزرع له .

و هو خبر بعد خبر للمبتدأ المقدر ، و هو « قيامي » حذف لمعلوميته ، و إنّما وصل عليه السلام الثلاثة الاولى ، و فصل هذا لأنّ الاولى من واد ، و هذا من آخر مع احتمال سقوط « أو » من نسخة نقل عنها المصنّف .

و توهم ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخوئي ) كون هذا خبرا لقوله « و مجتنى » فقالوا في معناه : « مجتني الثمرة قبل أن تدرك لا ينتفع بما اجتناه كمن زرع في غير أرضه » 1 . و لا معنى لما قالوه . فلا يريد عليه السلام ان يبيّن عدم فائدة اجتناء ثمرة غير يانعة حتّى يجعله كالزارع بغير أرضه بل كلّ منهما واضح ، كونه أمرا غير عقلائي .

و نظير تشبيه عليه السلام في « الزارع بغير أرضه » قول أعشى تغلب في مدرك الكناني لمّا مدحه فأساء ثوابه بكونه كباني حوض في موضع بلا ماء :

لعمرك أنّي يوم أمدح مالكا
لكالمبتني حوضا على غير منهل

هذا ، و نظير ما ذكره عليه السلام في عدم المصلحة لقيامه ذاك الوقت ما ذكره الصادق عليه السلام لمّا استنهضوه في اوّل أمر العباسيّة . ففي ( مروج المسعودي ) :

لمّا قتل إبراهيم الامام خاف أبو سلمة وزير العباسية انتقاض الأمر عليه .

فبعث بمحمّد بن عبد الرحمن بن أسلم ، و كتب معه كتابين على نسخة واحدة

-----------
( 1 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 72 ، و شرح ابن ميثم 1 : 278 ، و شرح الخوئي 1 : 321 .

[ 418 ]

إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمّد عليه السلام ، و إلى أبي محمّد عبد اللّه بن الحسن يدعو كلّ واحد منهما إلى الشخوص إليه ليصرف الدعوة إليه ، و يجتهد في بيعة أهل خراسان له ، و قال للرسول العجل العجل . فلا تكونن كوافد عاد . فقدم المدينة على أبي عبد اللّه عليه السلام ليلا ، و أعلمه أنّه رسول أبي سلمة إليه ، و دفع إليه كتابه .

فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام : و ما أنا و أبو سلمة ، و هو شيعة لغيري ؟ قال له : إنّي رسول فتقرأ كتابه ، و تجيبه بما رأيت . فدعا بسراج . ثم أخذ الكتاب فوضعه عليه حتّى احترق و قال للرسول : عرّف صاحبك بما رأيت ، ثم تمثّل عليه السلام بقول الكميت :

أيا موقدا نارا لغيرك ضوؤها
و يا حاطبا في غير حبلك تحطب

فخرج الرسول من عنده ، و دخل على عبد اللّه بن الحسن ، فدفع إليه الكتاب فقرأه ، و ابتهج . فلمّا كان غد ذلك اليوم ركب حمارا حتّى أتى منزل أبي عبد اللّه عليه السلام . فلمّا رآه أكبر مجيئه . فقال : أمر ما أتى بك ؟ قال : نعم هو أجلّ من أن يوصف . هذا كتاب أبي سلمة يدعوني ، و قد قدمت عليه شيعتنا من خراسان فقال عليه السلام له : و متى كان أهل خراسان شيعة لك ؟ أنت بعثت أبا مسلم إلى خراسان ؟ أنت أمرته بلبس السواد ؟ و هؤلاء الّذين قدموا العراق أنت كنت سبب قدومهم أو وجّهت فيهم ؟ و هل تعرف منهم أحدا ؟ فنازعه عبد اللّه بن الحسن الكلام . فقال عليه السلام له : « و لقد كتب إليّ أبو سلمة بمثل ما كتب به إليك . فلم يجد رسوله عندي ما وجد عندك ، و لقد أحرقت كتابه من قبل أن أقرأه » فانصرف عبد اللّه بن الحسن مغضبا ، و لم ينصرف رسول أبي سلمة إليه إلى أن بويع السفاح بالخلافة 1 .

« فإن اقل يقولوا حرص على الملك » في ( خلفاء ابن قتيبة ) بعد ذكر عمر

-----------
( 1 ) مروج الذهب 3 : 253 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 419 ]

ستّة الشورى ، و بيانه عيبا لكلّ منهم و قال لعليّ عليه السلام : « و ما يمنعني منك يا علي إلاّ حرصك عليها ، و إنّك أحرى القوم إن وليتها ، أن تقيم على الحقّ المبين و الصراط المستقيم » 1 .

و فيه أيضا و في كتاب ابراهيم الثقفي عنه عليه السلام قال في أهل الشورى :

فأجمعوا إجماعا واحدا . فصرفوا الولاية إلى عثمان و أخرجوني منها ، رجاء أن ينالوها و يتداولوها إذ يئسوا أن ينالوا من قبلي . ثم قالوا : هلمّ فبايع ، و إلاّ جاهدناك . فبايعت مستكرها ، و صبرت محتسبا . فقال قائلهم : يا ابن أبي طالب إنّك على هذا الأمر لحريص . فقلت : أنتم أحرص منّي و أبعد ، أأنا احرص اذا طلبت تراثي ، و حقّي الّذي جعلني اللّه و رسوله أولى به ، أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه ، و تحولون بيني و بينه ؟ فبهتوا و اللّه لا يهدى القوم الظالمين 2 .

« و إن أسكت يقولوا : جزع من الموت . هيهات » أن يكون سكوتي جزعا من الموت بل لعهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم إليّ بالتسليم لئلاّ يرتدّ الناس إلى الكفر .

« بعد اللتيا » بالفتح و التشديد . قال الحريري في أوهام خواصّه : ضمّ اللام لحن فاحش لأنّ العرب خصّت الّذي و الّتي و أسماء الإشارة عند تصغيرها بإقرار فتحة أوائلها على صيغتها و بأن زادت ألفا في آخرها عوضا عن ضم اولها 3 .

« و الّتي » في أمثال الكرماني « اللتيا و الّتي » علمان للداهية و لذا استغنيا عن الصلة . و الّتي داهية لم تبلغ النهاية ، و اللتيا داهية بالغة للنهاية و تصغيرها للتعظيم كقوله :

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 25 .

-----------
( 2 ) الإمامة و السياسة 1 : 155 ، و الغارات للثقفي 1 : 307 ، و اللفظ للثقفي .

-----------
( 3 ) درة الغواص في أوهام الخواص للحريري : 10 .

[ 420 ]

دويهية تصفرّ منها الأنامل 1 .

و قال ابن ميثم : « بعد اللتيا و الّتي : مثل ، و أصله أنّ رجلا تزوّج امرأة قصيرة سيّئة الخلق . فقاسى منها شدائد . فطلّقها ، و تزوّج طويلة . فقاسى منها أضعاف ما قاسى من القصيرة فطلّقها ، و قال بعد اللتيا و الّتي لا أتزوّج أبدا فصار ذلك مثلا » 2 . قلت : لم يذكر ذلك أمثال العسكري ، و لا الميداني 3 ، و لا أدري من أين نقله .

و كما خصّت اللتيا بإبقاء فتحها كترك صلة لها كذلك بعدم ذكرها إلاّ مع الّتي كما في كلامه عليه السلام هنا ، و كما في كلام سيّدة النساء صلوات اللّه عليها في احتجاجها على أبي بكر في فدك « فأنقذكم اللّه تعالى بنبيه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعد اللتيا و الّتي ، و بعد أن مني ببهم الرجال » 4 . و كما في قول شاعر :

بعد اللتيا و اللّتيا و التي
إذا علتها أنفس تردّت

أيضا :

و لقد رأيت نأى العشيرة كلّها
و كفيت جانبها اللتيا و التي

و من الأخير يعلم أنّ ذكر « بعد » قبل اللّتيّا و الّتي ليس بلازم و إن كان كثيرا .

هذا و في ( اللسان ) : « و تصغير الّتي و اللاتي و اللات اللتيّا . و اللّتيا بالفتح و التشديد . قال العجّاج :

دافع عني بنفير موتتي
بعد اللتيا و اللتيا و الّتي

-----------
( 1 ) لسان العرب 15 : 240 ، مادة ( لتا ) .

-----------
( 2 ) شرح ابن ميثم 1 : 279 .

-----------
( 3 ) ذكر المثل العسكري في جمهرة الامثال : 60 ، و الميداني في مجمع الامثال 1 : 92 ، و ذكر الميداني القصة أيضا .

-----------
( 4 ) رواه عن سقيفة الجوهري الاربلي في كشف الغمة 2 : 111 ، و غيره .

[ 421 ]

اذا علتها أنفس تردّت » 1 « و اللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امّه » كان عليه السلام متفردا بهذا الكلام كما بقوله « لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا » 2 قلنا : إنّه عليه السلام متفرد بذلك لأنّ الأخبار وردت بأنّ الأنبياء من آدم الّذي وهب مقدارا من عمره لداود إلى غيره حتّى ابراهيم عليه السلام الّذي كان أشرف اولي العزم كانوا مستوحشين من الموت . ففي الخبر لمّا هبط ملك الموت لقبض روح ابراهيم عليه السلام قال له : أداع أم ناع ؟ قال : بل ناع . فقال : هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فقال : إلهي قد سمعت ما قال خليلك . فقال تعالى : قل له : هل رأيت حبيبا يكره لقاء حبيبه ؟ إنّ الحبيب يحبّ لقاء حبيبه 3 .

و أمّا قصّة آدم . فروى ( الكافي ) عن عبد اللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام في خبر أنّ ابن شبرمة القاضي قال له : ما تقول في شي‏ء سألني عنه الأمير أي عيسى بن موسى العباسي فلم يكن عندي فيه شي‏ء . فقال : و ما هو ؟ قال :

سألني عن أوّل كتاب كتب في الأرض قال : نعم إنّ اللّه عزّ و جلّ عرض على آدم عليه السلام ذريّته عرض العين في صور الذرّ نبيّا فنبيّا ، و ملكا فملكا و مؤمنا فمؤمنا ، و كافرا فكافرا ، فلمّا انتهى إلى داود عليه السلام قال : من هذا الّذي نبّيته ،

و كرّمته ، و قصّرت عمره ؟ فأوحى إليه : هذا ابنك داود ، عمره أربعون سنة ،

و إنّي كتبت الآجال ، و قسمت الأرزاق ، و أنا أمحو ما أشاء ، و أثبت و عندي امّ الكتاب . فإن جعلت له شيئا من عمرك ألحقته له . قال : يا ربّ قد جعلت له من عمري ستّين سنة تمام المئة . فقال عزّ و جلّ لجبرئيل و ميكائيل ، و ملك الموت :

-----------
( 1 ) لسان العرب 15 : 446 ، مادة ( لتا ) ، و النقل بتصرف .

-----------
( 2 ) رواه الجاحظ في مائة كلمة ، و شرحه لابن ميثم : 52 ، و الخوارزمي في مناقبه : 271 ، و غيرهما .

-----------
( 3 ) أخرجه الصدوق في علل الشرائع 1 : 36 ح 9 ، و في اماليه : 164 ح 1 ، المجلس 36 ، و النقل بتخليص .

[ 422 ]

اكتبوا عليه كتابا فإنّه سينسى . فكتبوا عليه كتابا و ختموه بأجنحتهم من طينة عليين . فلمّا حضرت آدم الوفاة أتاه ملك الموت . فقال له آدم : ما جاء بك ؟ قال :

لأقبض روحك . قال : قد بقي من عمري ستّون سنة . فقال : إنّك جعلتها لابنك داود ، و نزل عليه جبرئيل و أخرج له الكتاب . قال أبو عبد اللّه عليه السلام : فمن أجل ذلك إذا خرج الصك على المديون ذلّ ، فقبض روحه 1 .

و أمّا هو عليه السلام فروى نصر بن مزاحم في ( صفّينه ) مسندا عن حبّة العرني قال : لمّا نزل علي عليه السلام الرقّة بمكان يقال له بليخ على جانب الفرات ، نزل راهب من صومعته . فقال لعليّ عليه السلام : إنّ عندنا كتابا توارثناه عن آبائنا كتبه عيسى بن مريم عليه السلام أعرضه عليك ؟ قال : نعم فما هو ؟ قال هو : « بسم اللّه الرحمن الرحيم الّذي قضى في ما قضى ، و سطر في ما سطر أنّه باعث في الاميين رسولا منهم يعلّمهم الكتاب و الحكمة ، و يدلّهم على السبيل لا فظ و لا غليظ ، و لا صخّاب في الأسواق ، و لا يجزي بالسيّئة السيئة ، و لكن يعفو و يصفح ، امّته الحمّادون الذين يحمدون اللّه على كلّ نشز ، و في كلّ صعود و هبوط . تذلّ ألسنتهم بالتهليل و التكبير . ينصره اللّه على كلّ من ناواه . فإذا توفّاه اختلفت امّته ثم اجتمعت ، فلبثت بذلك ما شاء اللّه ، ثم اختلفت ، فيمرّ رجل من امّته بشاطئ هذا الفرات . يأمر بالمعروف ، و ينهى عن المنكر ، و يقضي بالحقّ ، و لا يرتشي في الحكم ، الدّنيا أهون عليه من الرّماد في يوم عصفت فيه الريح ، و الموت أهون عليه من شرب الماء على الظمأ » الخبر 2 .

و مثله عليه السلام كانت سيّدة النساء صلوات اللّه عليها ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) عن عائشة قالت : إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعا ابنته فاطمة في وجعه الّذي

-----------
( 1 ) أخرجه الكليني في الكافي 7 : 378 ح 1 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) وقعة صفين : 147 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 423 ]

توفّي فيه . فسارّها بشي‏ء . فبكت ، ثم دعاها فسارّها فضحكت . قالت فسألتها عن ذلك . فقالت : أخبرني رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه يقبض في وجعه هذا فبكيت . ثم أخبرني أنّي أوّل أهله لحاقا به فضحكت 1 .

و كذلك كان باقى أئمّتنا عليهم السلام و في ( اعتقادات الصدوق ) : قال الحسين عليه السلام يوم الطف لبعض أصحابه و كان تعجب من عدم مبالاته بالموت : ما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس و الضرّ ، إلى الجنان الواسعة و النعيم الدائم 2 .

و فيه : و قال السجاد عليه السلام : الموت للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة . و فكّ قيود و أغلال ثقيلة ، و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح ، و أوطأ المراكب ،

و آنس المنازل الخبر 3 .

هذا و قيل في مدح الموت أشعار كثيرة منها :

و ما الموت إلاّ راحة غير أنّها
من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي

أيضا :

جزى اللّه عنّا الموت خيرا فإنّه
أبرّ بنا من كلّ برّ و أرأف

يعجّل تخليص النفوس من الأذى
و يدني من الدار الّتي هي أشرف

أيضا :

قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا
في الموت ألف فضيلة لا تعرف

منها أمان لقاءه بلقائه
و فراق كلّ معاشر لا ينصف

أيضا :

من كان يرجوا أن يعيش فإنّني
أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا

-----------
( 1 ) طبقات ابن سعد 2 ق 2 : 39 .

-----------
( 2 ) الاعتقادات للصدوق : 15 .

-----------
( 3 ) الاعتقادات للصدوق : 15 .

[ 424 ]

في الموت ألف فضيلة لو أنّها
عرفت لكان سبيله أن يعشقا

أيضا :

نحن و اللّه في زمان غشوم
لو رأيناه في المنام فزعنا

أصبح الناس فيه من سوء حال
حقّ من مات منهم أن يهنّا

« بل اندمجت » أي : انطويت .

« على مكنون علم » أي : مصونه و مستوره عن العامّة .

« لو بحت به » أي : أظهرته من باح الرجل بسرّه أظهره .

« لاضطربتم اضطراب الأرشية » الأرشية جمع الرشاء : حبل يستقى به من البئر ، و الرشوة قيل إنّها من هذا لأنّه يتوصّل بها إلى الحاجة كما يتوصل بالحبل إلى الماء ، و قيل : إنّها من رشا الفرخ إذا مدّ رأسه إلى امّه لتزقّه .

« في الطويّ البعيدة » أي : في البئر العميقة ، و بحسب ازدياد العمق يزداد اضطراب الحبل .

كان هو عليه السلام و أهل بيته ، و خواص شيعته يكتمون كثيرا ممّا يعلمون عن كثير من الناس لعدم استعدادهم لفهمه . و في كتاب سليم بن قيس : قال أمير المؤمنين عليه السلام : لو حدّثت عامّة شيعتي الذين سمّوني أمير المؤمنين و استحلوا جهاد من خالفني ببعض ما أعلم ممّا نزل به جبرئيل عليه السلام و سمعته من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لتفرّقوا عنّي حتّى أبقى في عصابة حقّ قليلة إنّ أمرنا صعب مستصعب ، لا يعرفه و لا يقرّ به إلاّ ثلاثة : ملك مقرّب ، أو نبيّ مرسل ، أو عبد مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان 1 .

و عن السجاد عليه السلام كما في ( فواتح الميبدي ) ثم ( وافي الكاشاني ) ، و إن نسبها الخطيب إلى العتابي :

-----------
( 1 ) كتاب سليم بن قيس : 69 ، و النقل بتصرف .

[ 425 ]

إنّي لأكتم من علمي جواهره
كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا

و قد تقدّم في هذا أبو حسن
إلى الحسين و وصّى قبله الحسنا

و ربّ جوهر علم لو أبوح به
لقيل لي أنت ممّن يعبد الوثنا

و لا ستحلّ رجال مسلمون دمي
يرون أقبح ما يأتونه حسنا 1

و في ( الحلية ) عن أبي داود قال : كنّا يوما عند شعبة و في البيت جراب معلّق في السقف . فقال : أترون ذلك الجراب ؟ و اللّه لقد كتبت فيه عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن علي كرّم اللّه وجهه عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما لو حدّثتكم به لرقصتم ، و اللّه لا حدّثتكموه 2 .

و في ( الكافي ) : قيل لأبي جعفر الباقر عليه السلام أنّ الحسن البصري يزعم أنّ الّذين يكتمون العلم يؤذي ريح بطونهم أهل النار . فقال عليه السلام : فهلك إذن مؤمن آل فرعون . ما زال العلم مكتوما منذ بعث اللّه نوحا ، فليذهب الحسن يمينا و شمالا فو اللّه ما يوجد العلم إلاّ ها هنا 3 .

و في ( عيون القتيبي ) : قال سلمان : لو حدّثت الناس بكلّ ما أعلم لقالوا :

رحم اللّه قاتل سلمان 4 .

و في ( رجال الكشّي ) عن الصادق عليه السلام قال سلمان في خطبته : أيّها الناس اسمعوا من حديثي ، ثم اعقلوه عنّي . قد اوتيت من العلم كثيرا ، و لو أخبرتكم بكلّ ما أعلم لقالت طائفة : إنّه لمجنون ، و قالت طائفة : اللّهمّ اغفر لقاتل سلمان . ألا إنّ لكم منايا تتبعها بلايا . فإنّ عند علي عليه السلام علم المنايا و علم

-----------
( 1 ) رواه الميبدي في الفواتح ، مخطوط ، و الكاشاني في المحجة البيضاء 1 : 65 ، و الشبراوي في الإتحاف : 138 ،

و الآلوسي في روح المعاني 6 : 190 ، عن السجّاد عليه السلام ، و رواه الخطيب في تاريخ بغداد 12 : 489 ، عن العتابي .

-----------
( 2 ) حلية الأولياء 7 : 157 .

-----------
( 3 ) الكافي 1 : 51 ، 15 .

-----------
( 4 ) عيون الأخبار 2 : 127 .

[ 426 ]

الوصايا ، و فصل الخطاب على منهاج هارون بن عمران . قال له النبي عليه السلام : أنت وصيّي و خليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى ، و لكنكم أصبتم سنّة الأوّلين ، و أخطأتم سبيلكم ، و الّذي نفس سلمان بيده لتركبنّ طبقا عن طبق ،

سنّة بني اسرائيل القذّة بالقذّة ، أما و اللّه لو ولّيتموها عليّا لأكلتم من فوقكم و من تحت أرجلكم . فأبشروا بالبلاء . و اقنطوا من الرجاء ، و أنذرتكم على سواء ، و انقطعت العصمة فيما بيني و بينكم من الولاء الخبر 1 .

و في ( استيعاب ابن عبد البر ) : سئل علي عليه السلام عن أبي ذر . فقال : ذاك رجل وعى علما عجز عنه الناس ، ثم أوكأ عليه و لم يخرج شيئا منه 2 .

و روى المرتضى في ( شافيه ) : أنّ الشعبي كان يقول : كان عند عبد اللّه بن عباس دفائن علم يعطيها أهله ، و يصرفها عن غيرهم ، و كان حذيفة يقول : كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يسألونه عن الخير ، و أنا أسأله عن الشرّ مخافة أن أقع فيه ، و كان يقول : لو كنت على شاطئ نهر ، و قد مددت يدي لاغترف . فحدّثتكم بكل ما اعلم ما وصلت يدي إلى فمي حتّى اقتل 3 .

و روى الخطيب عن عيسى بن يونس قال : حدّثنا الأعمش بأربعين حديثا فيها ضرب الرقاب لم يشركني فيها غير محمّد بن إسحاق ربما قال الأعمش لمحمّد بن إسحاق : من معك ؟ فيقول : عيسى بن يونس . فيقول : أدخلا و أجيفا الباب ، و كان يسأله عن حديث الفتن 4 .

قلت : و هل تحتمل أن يكون حديث : لو حدّثهم سلمان لقالوا : رحم اللّه قاتله ، و لو حدّثهم حذيفة ما أمهلوه حتّى يشرب ماءه الّذي اغترفه من

-----------
( 1 ) اختيار معرفة الرجال : 21 .

-----------
( 2 ) الاستيعاب 4 : 64 .

-----------
( 3 ) لم أظفر به في مظانه في الشامن .

-----------
( 4 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 11 : 153 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 427 ]

النهر ليشربه ، و لو حدّثهم الأعمش كان فيه ضرب الرقاب ، إلاّ بطلان أمر الأوّلين ؟ كيف لا و كان مالك بن نويرة قد خاطب خالد بن الوليد في التعبير عن أبي بكر بصاحبك . فقتله خالد لذلك ، و معاوية و من بعده من خلفاء بني اميّة لا يمهلون أحدا يتفوّه بإنكار خلافتهم حفظا لسلطنتهم ،

و كذلك العباسيّة ، و قد خوّف معاوية الحسن عليه السلام لمّا قال : إنّ قريشا آثروا علينا بأنّك صرّحت بتهمة أبي بكر الصدّيق ، و عمر الفاروق و أبي عبيدة الأمين .

و لقد صدق عليه السلام في أنّه اندمج على مكنون علم لو باح به لمن كان ميله إليه عمّه و غيره اضطربوا اضطراب الارشية في الطويّ البعيدة .

فكيف كانوا يخلّونه عليه السلام يتصدّى للأمر مع أنّه بعد مضيّ ثلاثة منهم ، و بعد ما قاسوا من ثالثهم حتّى اضطروا إلى قتله دفعا لشرّه بتسليطه بني اميّة على الناس ، و أخذهم مال اللّه دولا ، و عباده خولا ، و بعد بيعة العامة له عليه السلام بتلك الكيفية حتّى شقّوا من الشوق و الولع إلى بيعته عطفيه ،

و وطؤا الحسنين عليه السلام ما تركوه و الناس بل نكثت طائفة منهم ، و قسطت اخرى ، و مرقت ثالثة حتّى قتلوه و خضبوا لحيته من رأسه . و كان عليه السلام عالما بجميع ذلك كما يعلم من أخباره عليه السلام بخصوصيات ما يتّفق قبل وقوعها في الجمل و صفّين و النهروان . فقد أخبر في النهروان بأنّه لا يقتل من أصحابه عشرة ، و لا يفلت من المارقة عشرة ، و ان مصارعهم دون النطفة و كون شيطان الردهة ذي الثديّة فيهم حتّى أنّهم لمّا قالوا له لا نجده فيهم قال عليه السلام : ما كذبت و لا كذبت ، و قام بنفسه حتّى أخرجه من تحت قتلاهم 1 إلى غير ذلك .

-----------
( 1 ) رواه المسعودي في مروج الذهب 2 : 405 و 406 ، و غيره .

[ 428 ]