21

خطبة ( 137 ) و من كلام له عليه السلام في وقت الشورى :

لَنْ يُسْرِعَ أَحَدٌ قَبْلِي إِلَى دَعْوَةِ حَقٍّ وَ صِلَةِ رَحِمٍ وَ عَائِدَةِ كَرَمٍ فَاسْمَعُوا قَوْلِي وَ عُوا مَنْطِقِي عَسَى أَنْ تَرَوْا هَذَا اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِ هَذَا اَلْيَوْمِ تُنْتَضَى فِيهِ اَلسُّيُوفُ وَ تُخَانُ فِيهِ اَلْعُهُودُ حَتَّى يَكُونَ بَعْضُكُمْ أَئِمَّةً لِأَهْلِ اَلضَّلاَلَةِ وَ شِيعَةً لِأَهْلِ اَلْجَهَالَةِ أقول : رواه الطبري مع زيادة في صدره و ذيله ففيه « ثم تكلّم علي عليه السلام ( يوم الشورى ) فقال : الحمد للّه الّذي بعث محمّدا منا نبيّا و بعثه إلينا رسولا

-----------
( 1 ) الاعراف : 138 .

-----------
( 2 ) الاعراف : 129 .

-----------
( 3 ) الاعراف : 129 .

-----------
( 4 ) العقد الفريد 4 : 97 ، و الآية 32 من سورة الأنفال .

[ 493 ]

فنحن بيت النبوة ، و معدن الحكمة ، و أمان أهل الأرض ، و نجاة لمن طلب ، لنا حقّ إن نعطه نأخذه ، و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل ، و لو طال السرى إلى أن قال لن يسرع أحد قبلي إلى آخر العنوان و زاد ، ثم أنشأ يقول :

فإن تك جاسم هلكت فإنّي
بما فعلت بنو عبد بن ضخم

مطيع في الهواجر كلّ عيّ
بصير بالنوى من كلّ نجم 1

و قال ابن أبي الحديد : قال الشعبي : فأمّا ما يذكره الناس من المناشدة ،

و قول علي عليه السلام لأهل الشورى : « أ فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم كذا ؟ » فإنّه لم يكن يوم البيعة ، و إنّما كان بعد ذلك بقليل 2 .

و روى أبو الطفيل عامر بن واثلة قال : كنت في البيت يوم الشورى فسمعت عليّا عليه السلام و هو يقول : إستخلف الناس أبا بكر و أنا و اللّه أحقّ بالأمر ،

و أولى به منه ، و استخلف أبو بكر عمر ، و أنا و اللّه أحقّ بالأمر ، و أولى به منه . إلاّ أنّ عمر جعلني مع خمسة أنا سادسهم لا يعرف لهم فضل علي ، و لو أشاء لا حتججت عليهم بما لا يستطيع عربيّهم ، و عجميّهم ، المعاهد منهم و المشرك بغير ذلك .

ثم قال نشدتكم باللّه أيّها النفر هل فيكم أحد وحدّ اللّه قبلي ؟ قالوا : اللهم لا قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له : « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » غيري ؟ قالوا : اللهم لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أتي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بطير يأكل منه فقال : « اللهم ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير » فجئته فقال « اللهم و إلى رسولك » غيري ؟ قالوا اللهم لا . قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حين رجع عمر يوم خيبر

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 3 : 300 ، سنة 24 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 391 .

[ 494 ]

يجبّن أصحابه و يجبّنونه قد ردّ راية النبي منهزما فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « لأعطينّ الراية غدا رجلا ليس بفرّار يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله لا يرجع حتّى يفتح اللّه على يديه » فلمّا أصبح قال : أدعوا لي عليّا ، فقالوا : هو أرمد ما يطرف . فقال : جيئوني به . فلمّا قمت بين يديه تفل في عيني و قال « اللهمّ أذهب عنه الحرّ و البرد » فأذهب اللّه عنّي الحرّ و البرد إلى ساعتي هذه ، و أخذت الراية فهزم اللّه المشركين و أظفرني بهم غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد له أخ مثل أخي جعفر المزيّن بالجناحين في الجنّة يحلّ حيث يشاء ،

غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم اللّه هل فيكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة أسد اللّه و أسد رسوله و سيّد الشهداء ، غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد له سبطان مثل سبطيّ الحسن و الحسين ابني رسول اللّه و سيّدي شباب أهل الجنّة غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم احد له زوج مثل زوجي فاطمة بنت رسول اللّه ، و بضعة منه ، و سيّدة نساء الجنّة ، غيري ؟

قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « من فارقك فارقني و من فارقني فارق اللّه » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال فيه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « لينتهين بنو وليعة أو لأبعثنّ إليهم رجلا كنفسي ، طاعته كطاعتي ، و معصيته كمعصيتي يغشاهم بالسيف » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « كذب من زعم أنّه يحبّني ، و هو يبغضك » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « أنت الخليفة في الأهل و المسلمين في كلّ غيبة و عدوّك عدوّي ،

و عدوّي عدوّ اللّه ، و وليّك وليّي ، و وليّي وليّ اللّه » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « من أحبّك و والاك سبقت له

[ 495 ]

الرحمة ، و من أبغضك سبقت له اللعنة » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « أنت أخي و أنا أخوك في الدنيا و الآخرة و منزلك مواجه منزلي كما يتواجه الأخوان في الخلد » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « إنّ اللّه خصّك بالزهد في الدنيا فليس تنال منها شيئا ، و لا تنال منك ، و هي زينة الأبرار . فطوبى لمن أحبّك و صدق عليك ، و ويل لمن أبغضك و كذب عليك » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد بعثه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ليجي‏ء بالماء كما بعثني فذهبت حتّى حملت القربة على ظهري ، و مشيت بها فاستقبلتني ريح فردّتني حتّى أجلستني ، ثم قمت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فقال : ما حبسك ؟ فقصصت عليه القصّة . فقال : قد جاءني جبرئيل فقال : أمّا الريح الاولى فجبرئيل جاء في ألف من الملائكة يسلّمون عليك ، و أمّا الثانية فميكائيل جاء في ألف من الملائكة يسلّمون عليك » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال فيه جبرئيل « يا محمّد أترى هذه المواساة من علي » فقال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم :

إنّه منّي و أنا منه . فقال جبرئيل : و أنا منكما ، غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد يكتب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما جعلت اكتب . فأغفى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأنا أرى أنه يملي علي . فلمّ انتبه قال لي : من أملى عليكم من هاهنا إلى ها هنا ؟

فقلت : أنت . فقال : لا . و لكن جبرئيل أملاه عليك » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي : « لو لا أن أخاف أن لا يبقى أحد إلاّ قبض من أثرك قبضة يطلب بها البركة لعقبه بعده لقلت فيك قولا لا يبقى أحد إلاّ قبض من أثرك قبضة » ؟ فقالوا : اللهم لا . قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « إحفظ الباب فإنّ زوّارا من الملائكة تزورني فلا تأذن لأحد منهم » فجاء عمر فرددته ثلاث مرأت ،

[ 496 ]

و أخبرته أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم محتجب ، و عنده زوّار من الملائكة ، و عدّتهم كذا و كذا . ثم أذنت له فدخل فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إنّي جئت غير مرّة كلّ ذلك يردّني علي ، و يقول : إنّ النبي محتجب ، و عنده زوّار من الملائكة ، و عدّتهم كذا و كذا ،

فكيف علم بالعدّة ؟ أعاينهم ؟ فقال : لا . يا علي كيف علمت بعدّتهم ؟ فقلت :

اختلفت التحيات ، و سمعت الأصوات . فأحصيت العدد قال : صدقت ، غيري ؟

قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي : « إنّ طوبى شجرة في الجنّة أصلها في دار علي ، و ليس من مؤمن إلاّ و في منزله غصن من أغصانها » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « تقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد جاء إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و رأسه في حجر جبرئيل فقال : « ادن إلى ابن عمك فأنت أولى به منّي » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد وضع النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم رأسه في حجره حتّى غابت الشمس ، و لم يصلّ العصر . فلمّا انتبه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : هل صليت العصر .

قلت : لا ، فدعا النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فردّت الشمس بيضاء نقية فصلّيت ثم انحدرت » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أمر اللّه تعالى رسوله أن يبعث ببراءة فبعث بها مع أبي بكر فأتاه جبرئيل فقال : يا محمد إنّه لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك . فبعثني النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فأخذتها من أبي بكر ، فمضيت بها ، و أدّيتها عن رسوله و أثبت اللّه على لسان رسوله أي جبرئيل أنّي منه » غيري ؟ قالوا :

اللهمّ لا .

[ 497 ]

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « أنت إمام من أطاعني ، و نور أوليائي ، و الكلمة الّتي ألزمتها المتّقين » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « من سرّه أن يحيى حياتي ،

و يموت مماتي ، و يسكن جنتي الّتي و عدني ربي إلى أن قال فليوال عليّا و ذريّته من بعده . فهم الأئمة و هم الأوصياء أعطاهم اللّه علمي و فهمي . لا يدخلونكم في باب ضلال ، و لا يخرجونكم من باب هدى ، و لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم . يزول الحقّ معهم أينما زالوا » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « قضي فانقضى أنّه لا يحبّك إلاّ مؤمن ، و لا يبغضك إلاّ منافق » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل ما قال لي : « أهل ولايتك يخرجون يوم القيامة من قبورهم على نوق بيض . شراك نعالهم نور حتّى ينطلق بهم إلى ظل عرش الرحمن . يوضع بين أيديهم مائدة . يأكلون منها حتّى يفرغ الناس من الحساب . يخاف الناس و لا يخافون ، و يحزن الناس و لا يحزنون » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حين جاء أبو بكر يخطب فاطمة فأبى أن يزوّجه فخطبت إليه فزوّجني فجاء أبو بكر و عمر . فقال : أبيت أن تزوّجنا و زوّجته فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما منعتكما و زوّجته ، بل اللّه منعكما و زوّجه غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل سمعتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : يقول « كل نسب و سبب منقطع يوم القيامة إلاّ سببي و نسبي » فأيّ سبب أفضل من سببي ، و أيّ نسب أفضل من نسبي ؟ إنّ أبي و أبا رسول اللّه لأخوان لأب و أم ، و إنّ الحسن و الحسين ابني رسول اللّه و سيّدي شباب أهل الجنّة إبناي ، و فاطمة بنت رسول اللّه ، و سيّدة نساء أهل الجنّة زوجتي ، غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

[ 498 ]

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « انّ اللّه تعالى خلق الخلق . ففرّقهم فرقتين . فجعلني من خير الفرقتين . ثم جعلهم شعوبا فجعلني في خير شعبة ، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خير قبيلة ، ثم جعلهم بيوتا فجعلني في خير بيت . ثم اختار من البيت أنا و عليّا و جعفرا . فجعلني خيرهم .

فكنت نائما بين ابني أبي طالب فجاء جبرئيل و معه ملك . فقال : يا جبرئيل إلى أيّ هؤلاء أرسلت . فقال : إلى هذا . ثم أخذ بيدي فأجلسني » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد سدّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أبواب المسلمين كلّهم من المسجد ، و لم يسدّ بابي فجاء العباس و حمزة ، و قالا : أخرجتنا و أسكنته فقال : « ما أنا أخرجتكم و أسكنته بل اللّه أخرجكم و أسكنه إنّ اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى أخي موسى عليه السلام أن اتّخذ مسجدا طهورا ، و اسكنه أنت و هارون و ابنا هارون ، و أوحى إليّ أن اتّخذ مسجدا طهورا ، و اسكنه أنت و علي ، و ابنا علي » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « انّه مع الحق و الحقّ معه لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا قال :

نشدتكم باللّه هل فيكم أحد و قى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حيث جاء المشركون يريدون قتله فاضطجعت في مضجعه ، و ذهب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نحو الغار ، و هم يرون أنّي هو . فقالوا أين ابن عمك فقلت : لا أدري . فضربوني حتّى كادوا يقتلونني ،

غيري ؟ قالوا : اللهم لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي : « إنّ اللّه أمرني بولاية علي ، فولايته ولايتي و ولاية ربي ، عهد عهده إليّ ربّي ، و أمرني أن ابلّغكموه فهل سمعتم » قالوا : نعم قد سمعناه قال : « أما إنّ فيكم من يقول سمعت و هو يحمل الناس على كتفيه و يعاديه » قالوا : اخبرنا بهم قال : أما إنّ

[ 499 ]

ربّي قد أخبرني بهم و أمرني بالإعراض عنهم لأمر قد سبق ، و إنّما يكتفي أحدكم بما يجد لعلي في قلبه » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قتل من بني عبد الدار تسعة مبارزة كلهم بأخذ اللواء . ثم جاء صواب الحبشي مولاهم ، و هو يقول : و اللّه لا أقتل بسادتي غير محمّد ، قد أزبد شدقاه ، و احمرّت عيناه فاتقيتموه و حدتم عنه .

فخرجت إليه . فلمّا أقبل كأنّه قبّة مبنية فاختلفت أنا و هو ضربتين فقطعته بنصفين ، و بقيت رجلاه و عجزه و فخذه قائمة على الأرض ينظر إليه المسلمون و يضحكون منه ، غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد جاء عمرو بن عبد ود ينادي هل من مبارز فكعتم عنه كلّكم . فقمت أنا .

فقال لي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : إلى أين تذهب ؟ قلت : إلى هذا الفاسق . فقال : إنّه عمرو بن عبد ود فقلت فانا علي بن أبي طالب . فأعاد علي الكلام ، و أعدت عليه . فقال :

إمض على اسم اللّه ، فلمّا قربت منه قال : من الرجل ؟ قلت : علي بن أبي طالب .

قال : كفو كريم ، ارجع يا ابن أخي فقد . كان لأبيك معي صحبة و محادثة . فأنا أكره قتلك . فقلت له : يا عمرو إنّك قد عاهدت اللّه أنّه لا يخيّرك أحد ثلاث خصال إلاّ اخترت إحداهن . فقال : إعرض علي . قلت : تشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، و أنّ محمّدا رسوله ، و تقرّ بما جاء من عنده . قال : هات غيرها . قلت : ترجع من حيث جئت .

قال : و اللّه لا تحدّث نساء قريش بهذا أنّي رجعت عنك . فقلت : فانزل فاقاتلك .

قال : أمّا هذه فنعم . فنزل ، فاختلفت أنا و هو ضربتين . فأصاب سيفه رأسي ،

و ضربته ضربة . فقتله اللّه على يدي . ففيكم أحد فعل هذا غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد حين جاء مرحب و هو يقول :

أنا الّذي سمّتني امّي مرحب
شاكي السلاح بطل مجرّب

أطعن أحيانا و حينا أضرب

[ 500 ]

فخرجت إليه فضربني و ضربته فقتلته . ففيكم أحد فعل هذا غيري ؟

قالوا : اللهم لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد أنزل اللّه فيه آية التطهير على رسوله إنّما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهرّكم تطهيرا 1 فأخذ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كساء خيبريا فضمنّي فيه ، و فاطمة و الحسن و الحسين ثم قال : « يا رب هؤلاء أهل بيتي . فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا » ؟ قالوا :

اللهم لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم « أنا سيّد ولد آدم و أنت يا علي سيّد العرب » قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في المسجد إذ نظر إلى شي‏ء فبادره و لحقه أصحابه . فانتهى إلى سودان أربعة يحملون سريرا . فقال لهم : ضعوه فوضعوه فقال : اكشفوا عنه فإذا أسود مطوّق بالحديد . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : من هذا ؟ قالوا : غلام آل فلان كان قد أبق عنهم « فأخذوه فقيّدوه فمات » فأمرونا أن ندفنه في حديده كما هو فنظرت إليه . فقلت : ما رآني هذا قط إلاّ قال : أنا و اللّه احبّك ، و اللّه ما أحبّك إلاّ مؤمن و ما أبغضك إلاّ كافر . فقال النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « يا علي لقد أثابه اللّه بهذا بسبعين قبيلا من الملائكة كل قبيل ألف نزلوا يصلّون عليه . ففكّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حديدته ، و صلّى عليه و دفنه » ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل ما قال لي قال « اذن لي البارحة في الدعاء . فما سألت ربّي شيئا إلاّ أعطانيه ، و ما سألت لنفسي شيئا إلاّ سألت لك مثله فقلت : الحمد للّه » ؟ قالوا : اللهمّ لا . قال : نشدتكم باللّه هل علمتم أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بعث خالد بن الوليد إلى بني خزيمة . ففعل ما فعل ، فصعد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم المنبر فقال : « اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا فعل خالد » ثلاث

-----------
( 1 ) الأحزاب : 33 .

[ 501 ]

مرات ثم قال : « يا علي إذهب فأعطهم الدية » . فذهبت فوفّرت ديتهم . ثم ناشدتهم باللّه هل بقي شي‏ء فقالوا : فميلغة كلابنا ، و عقال بعيرنا ، فأعطيتهم لهما ، و بقي معي ذهب كثير فأعطيتهم إيّاه ، و قلت : هذا لذمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم و لما تعلمون و لما لا تعلمون ، و لروعات النساء و الصبيان . ثم جئت إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم . فأخبرته فقال : و اللّه ما يسرّني انّ لي بما صنعت حمر النعم » ؟

قالوا : اللهمّ نعم .

قال : نشدتكم باللّه هل سمعتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم يقول لي : « لقد عرضت علي امتي البارحة فمرّ بي أصحاب الرايات . فاستغفرت لك و لشيعتك » ؟ قالوا : اللهمّ نعم قال : نشدتكم باللّه هل سمعتم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال لأبي بكر : « اذهب فاضرب عنق ذلك الرجل الّذي تجده في موضع كذا و كذا . فرجع فقال له : قتلته ؟ قال : لا .

وجدته يصلّي ، قال يا عمر : إذهب فاقتله . فرجع . فقال له : قتلته ؟ قال : لا . وجدته يصلّي فقال : أمرتكما بقتله فتقولان وجدناه يصلّي فقال لي : اذهب فاقتله . فلمّا مضيت قال : إن أدركه قتله . فرجعت فقلت : لم أجد أحدا . قال : صدقت أما إنّك لو وجدته لقتلته » ؟ قالوا : اللهمّ نعم .

قال : نشدتكم باللّه هل علمتم أنّ عائشة قالت للنبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « إنّ إبراهيم ليس منك ، و انّه ابن فلان القبطي » فقال : « يا علي فاذهب فاقتله » فقلت : « يا رسول اللّه إذا بعثتني أكون كالمسمار المحمي في الوبر أو اتثبّت » قال : « لا . بل تثبّت » فذهبت فلما نظر اليّ استند إلى حائط . فطرح نفسه فيه . فطرحت نفسي على أثره . فصعد على نخلة ، و صعدت خلفه . فلمّا رآني قد صعدت رمى بإزاره .

فإذا ليس له شي‏ء ممّا يكون للرجال ، فجئت فأخبرت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال :

« الحمد للّه الّذي صرف عنّا السوء أهل البيت » ؟ قالوا : اللهمّ نعم .

قال : نشدتكم باللّه هل فيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كما قال لي : « انّ

[ 502 ]

وليّك في الجنّة ، و عدوّك في النار » ؟ قالوا : اللهمّ لا قال : اللهمّ اشهد .

نقله ( مناقب ابن شهر آشوب ) و قال : رواه ابن مردويه في كتابه ،

و الخوارزمي في ( أربعينه ) ، و رواه الزمخشري عن أبي ذر 1 .

« لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق » قال الاسكافي في ( نقض عثمانيته ) :

قال ابن عباس : فرض اللّه تعالى الاستغفار لعلي عليه السلام في القرآن على كل مسلم بقوله تعالى : ربنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان 2 فكلّ من أسلم بعد علي عليه السلام فهو يستغفر لعليّ عليه السلام .

قال : و قال ابن عباس أيضا : السبّاق ثلاثة : سبق يوشع بن نون إلى موسى عليه السلام ، و سبق صاحب يس إلى عيسى عليه السلام ، و سبق علي بن أبي طالب عليه السلام إلى محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

قال : و قال عفيف بن قيس الكندي : كنت في الجاهلية عطّارا . فقدمت مكه .

فنزلت على العباس بن عبد المطلب ، فبينا أنا جالس عنده أنظر إلى الكعبة و قد تحلّقت الشمس في السماء ، أقبل شابّ كأنّ وجهه القمر حتّى رمى ببصره إلى السماء . فنظر إلى الشمس ساعة . ثم أقبل حتّى دنا من الكعبة . فصفّ قدميه يصلّي . فخرج على أثره فتى كأنّ وجهه صفيحة يمانية . فقام عن يمينه فجاءت امرأة متلففة في ثيابها . فقامت خلفهما . فأهوى الشاب راكعا فركعا معه ثم أهوى إلى الأرض ساجدا فسجدا معه . فقلت للعباس : يا أبا الفضل أمر عظيم .

فقال : أمر و اللّه عظيم . أتدري من هذا الشاب ؟ قلت : لا . قال : هذا ابن أخي محمّد ابن عبد اللّه . أتدري من هذا الفتى ؟ قلت : لا . قال : هذا ابن أخي علي بن أبي طالب .

أتدري من المرأة ؟ قلت : لا . قال هذه ابنة خويلد بن أسد بن عبد العزّى ، هذه

-----------
( 1 ) رواه عنهم ابن طاووس في الطرائف 2 : 411 417 .

-----------
( 2 ) الحشر : 10 .

[ 503 ]

خديجة زوج محمّد هذا . و إنّ محمّدا هذا يذكر أنّ إلهه إله السماء و الأرض أمره بهذا الدين . فهو عليه كما ترى ، و يزعم أنّه نبي ، و قد صدّقه على قوله علي ابن عمّه ، هذا الفتى ، و زوجته خديجة ، هذه المرأة ، و اللّه ما أعلم على وجه الأرض كلّها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة . فقلت له : فما تقولون أنتم ؟ قال :

ننتظر الشيخ ما يصنع . يعني أبا طالب أخاه .

و روى مثله عن ابن مسعود . قال : و قال السدّي : إنّ أبا بكر و عمر خطبا فاطمة عليه السلام فردّهما النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال : لم اومر بذلك . فخطبها علي عليه السلام فزوّجه إيّاها ، و قال لها زوّجتك أقدم الامّة إسلاما ، و أكثرهم علما ، و أعظمهم حلما ، و ما زوّجتك إلاّ بأمر من السماء أما علمت أنّه أخي في الدنيا و الآخرة .

قال : و رواه جابر بن عبد اللّه ، و ابن عباس ، و ام أيمن ، و أسماء بنت عميس .

قال : و قال عبّاد بن عبد اللّه الأسدي : سمعت عليّا عليه السلام يقول : أنا عبد اللّه و أخو رسوله ، و أنا الصّديق الأكبر ، لا يقولها غيري إلاّ كذّاب ، و قد صلّيت قبل الناس سبع سنين .

قال : و روى أبو أيوب الأنصاري عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال : لقد صلّت الملائكة علي و على علي سبع سنين ، و ذلك انّه لم يصلّ معي رجل فيها غيره 1 .

و في ( الطبري ) عن ابن عباس قال : قال عليّ عليه السلام : لما نزلت و أنذر عشيرتك الأقربين 2 على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم دعاني فقال : انّ اللّه أمرني أن انذر عشيرتي الأقربين فضقت بذلك ذرعا ، و عرفت أنّي متى أباديهم بهذا الأمر

-----------
( 1 ) هذه الأحاديث رواها عن نقض الاسكافي ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 260 262 ، شرح الخطبة 190 .

-----------
( 2 ) الشعراء : 214 .

[ 504 ]

أرى منهم ما أكره . فصمتّ عليه حتّى جاءني جبرئيل فقال : يا محمّد إن لا تفعل يعذّبك ربك . فاصنع لنا صاعا من طعام ، و اجعل عليه رجل شاة ، و املأ لنا عسّا من لبن . ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتّى أكلّمهم و أبلّغهم ما أمرت به .

ففعلت ما أمرني به ثم دعوتهم له ، و هم يومئذ أربعون ، فيهم أعمامه أبو طالب و حمزة و العباس و أبو لهب . فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم . فجئت به . فلمّا وضعته تناول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم حذية من اللحم فشقّها بأسنانه . ثم ألقاها في نواحي الصفحة ثم قال : خذوا بسم اللّه . فأكل القوم حتّى ما لهم بشي‏ء من حاجة ، و ما أرى إلاّ موضع أيديهم ، و أيم اللّه الّذي نفس علي بيده ، و إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم . ثم قال : إسق القوم . فجئتهم بذلك العسّ . فشربوا منه حتّى رووا منه جميعا ، و أيم اللّه إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله فلمّا أراد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أن يكلّمهم بدره أبو لهب فقال : لشدّ ما سحركم صاحبكم .

فتفرقوا و لم يكلّمهم . فقال : الغد يا علي انّ هذا الرجل سبقني إلى ما سمعت . فتفرقوا قبل ان أكلّمهم . فعد لنا من الطعام بمثل ما فعلت ، ثم اجمعهم إليّ ففعلت ثم دعا بالطعام ، فقرّبته إليهم ، ففعل كما فعل بالأمس . فأكلوا حتّى ما لهم بشي‏ء حاجة . ثم قال : إسقهم فجئتهم بذلك العسّ فشربوا منه حتّى رووا جميعا . ثم تكلّم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال : يا بني عبد المطلب إنّي و اللّه ما أعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة ، و قد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه . فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي و وصيي ، و خليفتي فيكم . فأحجم القوم عنها جميعا ، و قلت ،

و أنا لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا ، و أعظمهم بطنا ، و أحمشهم ساقا : أنا يا نبي اللّه أكون وزيرك عليه . فأخذ برقبتي ثم قال : « إنّ هذا أخي ، و وصيي ، و خليفتي

[ 505 ]

فيكم فاسمعوا له و أطيعوا » فقام القوم يضحكون ، و يقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع .

و روى قريبا عنه منه ربيعة بن ناجد عنه عليه السلام 1 .

« و صلة رحم و عائدة كرم » ظفر عليه السلام يوم الجمل بمروان و ابن الزبير ،

و سعيد ابن العاص ، و هم مبغضوه لا سيّما الأوّلان فعفا عنهم تكرّما .

و لما قال طلحة بن عثمان العبدري صاحب لواء المشركين يوم أحد : يا معشر أصحاب محمّد إنّكم تزعمون أنّ اللّه يعجّلنا بسيوفكم إلى النار ،

و يعجّلكم بسيوفنا إلى الجنّة ، فهل منكم أحد يعجّله اللّه بسيفي إلى الجنّة ، أو يعجّلني بسيفه إلى النار ؟ فقام إليه علي بن أبي طالب فقال : و الّذي نفسي بيده لا افارقك حتّى اعجّلك بسيفي إلى النار . أو تعجّلني بسيفك إلى الجنّة . فضربه علي عليه السلام فقطع رجله فسقط . فانكشفت عورته ، فقال : انشدك اللّه و الرحم يا ابن عم . فتركه . فكبّر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و قال لعليّ عليه السلام أصحابه : ما منعك أن تجهز عليه قال : إنّ ابن عمّي ناشدني حين انكشفت عورته ، فاستحييت منه 2 .

و لمّا كشف عمرو بن العاس و بمعاونته تمكن معاوية من مقابلته معه عليه السلام يوم صفين عورته ، و بعده بسر بن أرطاة و هو الّذي قتل كثيرا من شيعته و كان يسبّه أيضا عورته لئلاّ يقتلهما عليه السلام تركهما تكرّما 3 .

« فاسمعوا قولى و عوا منطقي » أي : اجعلوا آذانكم و عاء لمنطقي . كناية عن حفظه و العمل به .

« عسى أن تروا هذا الأمر » أي : أمر الخلافة .

-----------
( 1 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 62 و 63 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) رواه الطبري في تاريخه 2 : 194 ، سنة 3 ، و الواقدي في المغازي 1 : 225 ، و ابن هشام في السيرة 3 : 23 .

-----------
( 3 ) رواهما ابن مزاحم في وقعة صفين : 424 و 461 .

[ 506 ]

« بعد هذا اليوم » أي : يوم الشورى الّتي جعلها عمر .

« تنتضي » أي : تسلّ .

« فيه السيوف » فان جعله شورى لم يكن باقلّ فسادا من منعه النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصية . كما اعترف به محمّد بن سليمان حاجب الحجاب ،

كما نقل عنه ابن أبي الحديد عند شرح قوله عليه السلام للمغيرة بن أخنس 1 .

و في ( خلفاء ابن قتيبة ) : لمّا قدم معاوية المدينة لأخذ البيعة ليزيد ،

و امتنع الحسين عليه السلام و امتنع ابن أبي بكر ، و ابن عمر ، و ابن الزبير ، أخرجهم معه إلى مكّة ، و أمر بنصب منبر قرب الكعبة ، و أحضرهم فقال لهم : انّي أتقدّم اليكم ، و قد أعذر من أنذر . إنّي قائل مقالة فاقسم باللّه لئن ردّ علي رجل منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمته حتّى يضرب رأسه . فلا ينظر امرؤ منكم إلاّ إلى نفسه ، و لا يبقي إلاّ عليها و أمر أن يقوم على رأس كلّ رجل منهم رجلان بسيفيهما . فإن تكلّم بكلمة يردّ بها عليه قوله قتلاه ، و خرج و أخرجهم معه حتّى رقى المنبر ، و حفّ به أهل الشام ، و اجتمع الناس . فقال بعد حمد اللّه :

« إنّا وجدنا أحاديث الناس ذات عوار . قالوا : إنّ حسينا ، و ابن أبي بكر ، و ابن عمر و ابن الزبير لم يبايعوا ليزيد ، و هؤلاء الرهط سادة المسلمين ، و خيارهم . لا نبرم أمرا دونهم ، و لا نقضي أمرا إلاّ عن مشورتهم ، و إنّي دعوتهم فوجدتهم سامعين مطيعين ، فبايعوا و سلّموا و أطاعوا » .

فقال أهل الشام : و ما يعظم من أمر هؤلاء إئذن لنا لنضرب أعناقهم فنحن لا نرضى حتّى يبايعوا علانية . فقال معاوية : « سبحان اللّه ما أسرع الناس إلى قريش بالشرّ و ما أحلّ دماءهم عندهم أنصتوا فلا اسمع هذه المقالة من أحد . ثم قربت رواحله فركب و مضى ، فقال الناس للحسين عليه السلام

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 381 ، شرح الخطبة 133 .

[ 507 ]

و أصحابه : قلتم لا نبايع فلمّا دعيتم و ارضيتم بايعتم ، قالوا : لم نفعل ، قالوا : بلى قد فعلتم و بايعتم . أفلا أنكرتم ؟ قالوا : خفنا القتل ، و كادكم بنا ، و كادنا بكم 1 .

و لما رغّب معاوية في الشام الوافدين عليه في الخطبة ليزيد تكلّم الضحّاك بن قيس ، و عمرو بن سعيد . ثم قام يزيد بن المقفع فقال : الخليفة هذا و أشار إلى معاوية فإن هلك فهذا و أشار إلى يزيد فمن أبى فهذا و أشار إلى سيفه . فقال له معاوية : اجلس فانّك سيّد الخطباء .

« و تخان فيه العهود » في ( مقاتل أبي الفرج ) : قال أبو إسحاق : قال معاوية بالنخيلة أي بعد أخذه البيعة من الحسن عليه السلام بشرائط و عهود : ألاّ إنّ كلّ شي‏ء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به . قال أبو إسحاق و كان و اللّه غدّارا 2 .

و قال سعيد بن سويد : صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثم خطبنا فقال : إنّي و اللّه ما قاتلتكم لتصلّوا ، و لا لتصوموا ، و لا لتحجّوا ، و لا لتزكّوا إنكم لتفعلون ذلك ، و انّما قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، و قد أعطاني اللّه ذلك و انتم كارهون . قال شريك في حديثه هذا هو التهتّك 3 .

قلت : قول معاوية و إن كان تهتّكا إلاّ أنّه كان قولا صدقا في إخباره عن نفسه بعيدا من الرياء و النفاق ، بخلاف قول من أسّس له ذلك في تخلّفه تارة عن جيش بعذر عدم قبول قلبه ترك النبي في تلك الحالة ، و في منعه للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم عن الوصية اخرى بكفاية القرآن لهم ، و ثالثة بعد موت النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بأنّه لا يمكن أن يموت لغرض وصول أبي بكر إليه ، و رابعة لتقديم صاحبه بأن جعله الخليفة أولى من أمره بالصلاة لكون الصلاة أمرا دينيا و الخلافة امرا دنيويا .

-----------
( 1 ) الإمامة و السياسة 1 : 90 ، و النقل بالمعنى لكن هذه القصة قد وقعت في المدينة لا مكة .

-----------
( 2 ) مقاتل الطالبيين : 45 .

-----------
( 3 ) مقاتل الطالبيين : 45 .

[ 508 ]

« حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضّلالة ، و شيعة لأهل الجهالة » في ( الطبري ) بعد ذكر وصول رسول عبيد اللّه بن زياد إلى الحر أنّ أبا الشعثاء الكندي من أصحاب الحسين عليه السلام نظر إلى الرسول فقال : أمالك بن التسير البدي ؟ قال :

نعم فقال له : ثكلتك أمّك ماذا جئت فيه ؟ قال : و ما جئت فيه أطعت إمامي ،

و وفيت ببيعتي . فقال له أبو الشعثاء : عصيت ربّك ، و أطعت إمامك في هلاك نفسك كسبت العار و النار . قال اللّه عزّ و جلّ « و جعلناهم أئمّة يدعون إلى النار » 1 فهو إمامك 2 .

نبّههم عليه السلام في قوله « لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقّ ، و صلة رحم ، و عائدة كرم » على ما فطر اللّه تعالى العقول عليه من وجوب تقديم الأفضل ، و خبطهم في اختيار أبي بكر ، و في قوله : « عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف ، و تخان فيه العهود حتّى يكون بعضكم أئمّة لأهل الضّلالة ، و شيعة لأهل الجهالة » على أنّهم إن اختاروا عثمان كما دبّر عمر لقريش المنافقين يترتب عليه تلك المفاسد من سلطنة بني اميّة المشتملة على تلك الامور من انتضاء السيوف في طلب الخلافة ، و خيانة العهود ، و غير ذلك . قال النّظام مخاطبا عبد الملك بعد نقل خطبته لمّا بويع : « إنّي و اللّه ما أنا بالخليفة المستضعف ( يعني عثمان ) و لا بالخليفة المداهن ( يعني معاوية ) و لا بالخليفة المأفون ( يعني يزيد ) » :

« و اللّه لو لا نسبك من هذا المستضعف ، و سببك من هذا المداهن لكنت منها أبعد من العيّوق » 3 .

-----------
( 1 ) القصص : 41 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 308 ، سنة 61 .

-----------
( 3 ) رواه الجاحظ في البيان و التبيين 2 : 273 .

[ 509 ]