22

الخطبة ( 72 ) و من كلام له عليه السلام لمّا عزموا على بيعة عثمان :

لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَحَقُّ اَلنَّاسِ بِهَا مِنْ غَيْرِي وَ وَ اَللَّهِ لَأُسْلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ اَلْمُسْلِمِينَ وَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً اِلْتِمَاساً لِأَجْرِ ذَلِكَ وَ فَضْلِهِ وَ زُهْداً فِيمَا تَنَافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَ زِبْرِجِهِ أقول : قال ابن أبي الحديد : نذكر في هذا الموضع ما استفاض في الروايات من مناشدته أصحاب الشورى و تعديده فضائله ، و خصائصه الّتي بان بها منهم و من غيرهم إلى أن قال ثم قال عليه السلام لهم : « انشدكم اللّه أفيكم أحد آخى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم بينه و بين نفسه حيث آخى بين بعض المسلمين و بعض ، غيري ؟ فقالوا : لا . فقال : أفيكم أحد قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « من كنت مولاه فهذا مولاه » غيري ؟ فقالوا : لا . فقال : أفيكم أحد قال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم :

« أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي » غيري ؟ قالوا : لا . قال :

أفيكم من أؤتمن على سورة براءة و قال له النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم : « انّه لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو رجل منّي » غيري ؟ قالوا : لا . قال : ألا تعلمون أنّ أصحاب النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فرّوا عنه في مأقط الحرب في غير موطن ، و ما فررت قط ؟ قالوا : بلى . قال : ألا تعلمون أنّي أوّل الناس إسلاما ؟ قالوا : بلى . قال : فأيّنا أقرب إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم نسبا ؟ قالوا : أنت » . فقطع عبد الرحمن بن عوف كلامه ، و قال : يا علي قد أبى الناس إلاّ على عثمان ، فلا تجعل على نفسك سبيلا ، ثم قال : يا أبا طلحة ما الّذي أمرك به عمر ؟ قال : أن أقتل من شقّ عصا الجماعة . فقال عبد الرحمن لعليّ : بايع إذن ، و إلاّ كنت متّبعا غير سبيل المؤمنين ، و أنفذنا فيك ما أمرنا به . فقال عليه السلام : « لقد علمتم أنّي أحقّ بها من غيري ، و اللّه لأسلّمنّ

[ 510 ]

ما سلمت . . . » ثم مدّ يده فبايع 1 .

« لقد علمتم أنّي أحقّ النّاس » هكذا في ( المصرية ) ، و ليست كلمة « الناس » في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 2 فهي زائدة .

« بها من غيري » حيث أقرّوا بمقاماته ، و مقالات النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيه من كونه كنفسه أولى بهم من أنفسهم ، و أنّه من النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمنزلة هارون من موسى و غير ذلك ممّا مرّ في مناشداته إلاّ انّهم لم يكونوا يريدون العمل بالحق ، و لا فهم من هو أحقّ ، و لذا قطع ابن عوف كلامه عليه السلام ، و قال له : إنّ الناس ، و مراده ابن أبي سرح الّذي نزل القرآن بكفره ، و الوليد بن عقبة الّذي نزل القرآن بفسقه 3 و نظراءهما أبوا إلاّ عثمان لأنّهم نظروا لأنفسهم في دنياهم ، و لم يكن لهم شغل بالدين ، و هدّده أيضا بأمر عمر بقتله عليه السلام إن أراد شقّ عصا الجماعة أي جماعة الكفر و النفاق ، و أنّه عليه السلام إن لم يقبل ذلك كان متّبعا غير سبيل المومنين : أي بالجبت و الطاغوت .

« و و اللّه لأسلّمنّ ما سلمت امور المسلمين و لم يكن فيها جور الاّ علي خاصة » قال ابن أبي الحديد : هذا الكلام يدلّ على أنّه عليه السلام لم يكن يذهب إلى أنّ خلافة عثمان كانت تتضمن جورا على المسلمين و الاسلام ، و انّما تتضمن جورا عليه خاصّة ، و أنّها وقعت على جهة مخالفة الاولى لا على جهة الفساد الكلي 4 .

قلت : ما ذكره من الدلالة غريب . فإنّ معنى كلامه عليه السلام أنّ باقي الستة الذين عيّنهم عمر لم يكن عليهم جور لأنّهم لا حق لهم في الخلافة و لا استحقاق و عمر ذكرهم بغير حق ، و انّما الجور عليه عليه السلام خاصّة حيث غصب حقّه .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 61 .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 60 ، و شرح ابن ميثم 2 : 204 .

-----------
( 3 ) انظر الى الآيات : الأنعام : 93 و السجدة : 18 و الحجرات : 6 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 61 .

[ 511 ]

و أمّا قوله : « لم يكن جورا على الاسلام » فمضحك . إذ مر أبو سفيان أيّام عثمان على قبر حمزة . فضربه برجله ، و قال له : يا أبا عمارة قم فانظر أنّ الدين الذين كنت تضربنا عليه بالسيف في يد شبّاننا يلعبون به 1 ، و سمعوا ليلة بيعته هاتفا يقول : « يا ناعي الاسلام قم فانعه » 2 .

و امّا قوله عليه السلام « ما سلمت امور المسلمين » فمعناه ما كانت صورة الاسلام على الظاهر محفوظة ، و إلاّ فكيف كانت بيعة عثمان صحيحة ، و قد أكرهوه على البيعة و أرادوا قتله ، و كيف كانت صحيحة ، و قد تضمّنت تلك المفاسد الجليلة من ركوب بني اميّة أعداء الدين رقاب الامة ، و اخذ الخلافة بنقض العهد و سلّ السيف .

و كيف كانت صحيحة ، و جميع من بايعه من أهل الشورى و غيرهم من المهاجرين ، و الأنصار و التابعين على إباحة قتله فضلا عن وجوب خلعه .

و كيف كانت صحيحة ، و كل فقرة ممّا قرّرها عليه السلام عليهم قبل هذا الكلام من مناشداته الواردة في الروايات دالّة على بطلان خلافة الأوّلين فضلا عن عثمان .

و روى ابن مردويه في ( مناقبه ) ، و الخوارزمي في ( أربعينه ) ، عن الطبراني مسندا عن أبي الطفيل . قال : كنت على الباب يوم الشورى .

فارتفعت الأصوات بينهم ، فسمعت عليّا عليه السلام يقول : بايع الناس أبا بكر ،

و أنا و اللّه أولى بالأمر منه و أحق به منه . فسمعت و أطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا أو يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف . ثم بايع أبو بكر لعمر و أنا أولى بالأمر منه فسمعت و أطعت مخافة أن يرجع الناس كفّارا . ثم أنتم

-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 4 : 51 ، شرح الكتاب 32 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) رواه ابن طاووس في كشف المحجة : 179 .

[ 512 ]

تريدون أن تبايعوا عثمان الخبر 1 .

و ممّا ذكرنا يظهر لك ما في مغالطة ابن أبي الحديد في قوله : « فان قلت :

فهلاّ سلّم إلى معاوية و إلى أصحاب الجمل ، و أغضى على اغتصاب حقّه حفظا للاسلام من الفتنة قلت : إنّ الجور الداخل عليه من أصحاب الجمل ، و من معاوية و أهل الشام لم يكن مقصورا عليه خاصّة . بل كان يعمّ الاسلام و المسلمين جميعا لأنّهم لم يكونوا عنده ممّن يصلح لرياسة الامّة ، و تحمّل أعباء الخلافة » 2 .

فإنّه أيّ فرق بين عثمان و معاوية ، بل كانت امور المسلمين في زمان معاوية أقرب إلى الصلاح منها في زمان عثمان ، لأنّ معاوية إنّما كان ظالما جائرا ، و لم يكن مفسدا بخلاف عثمان ، و لذا انتقضت عليه الامور حتّى أجهز عليه عمله .

ثم ننشدهم باللّه انّ الزبير و طلحة ، و هما عندهم من حواري النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و من العشرة المبشّرة ، و ممّن توفي النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و هو عنهم راض ، و لهما سوابق في أيام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أيّ نقص كان لهما عن عثمان بل عن أبي بكر و عمر سوى أنّهم نالوها و هما لم ينالاها ؟ و الكلام في الاستحقاق لا الاتفاق .

و لما قال عمر لأهل الشورى : أكلّكم يطمع بعدي في الخلافة ؟ قال له الزبير : « و ما الّذي يبعّدنا منها ؟ وليتها أنت فقمت بها ، و لسنادونك في قريش و لا في السابقة و لا في القرابة » 3 .

-----------
( 1 ) رواه عنهما ابن طاووس في الطرائف 2 : 411 و أخرجه الخوارزمي في مناقبه : 221 أيضا .

-----------
( 2 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 61 .

-----------
( 3 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 62 ، شرح الخطبة 3 .

[ 513 ]

و إنّما الفارق أنّه عليه السلام يوم السقيفة و يوم الشورى كان وحده في مقابل سلطنة مستقرة . هدّدوه في الأول بالإحراق و القتل ، و في الثاني بضرب العنق كما أمرهم عمر ، و وكّل أبا طلحة بذلك لو تخلّف متخلّف عن دستوره في البيعة لمن ينتخبه ابن عوف ، و هو عثمان .

و أما أهل الجمل و أهل الشام فبالعكس كان هو عليه السلام ذا سلطنة قاهرة أراد الأوّلون نكثها ، و الأخيرون التخلّف عنها ، و كان عليه السلام مكلّفا بعدم تخليتهم بعد قدرته . فقال عليه السلام : « لو لا حضور الحاضر ، و قيام الحجّة بوجود الناصر ،

و ما أخذ اللّه على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ، و لا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ، و لسقيت آخرها بكأس أوّلها » 1 .

و قال عليه السلام أيضا في ذلك « لم يسعني إلاّ القتال أو الجحود بما أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم » 2 و قد أباد عليه السلام الأوّلين في يوم واحد ، و أراد استيصال الآخرين إلاّ أنّ الأقدار منعت عن ذلك بامتحان اللّه تعالى لعباده ، سنّة اللّه الّتي قد خلت من قبل و لن تجد لسنّة اللّه تبديلا 3 .