23

الخطبة ( 16 ) و من كلام له عليه السلام لما بويع بالمدينة :

ذِمَّتِي بِمَا أَقُولُ رَهِينَةٌ وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ 11 14 12 : 72 إِنَّ مَنْ صَرَّحَتْ لَهُ اَلْعِبَرُ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْمَثُلاَتِ حَجَزَتْهُ اَلتَّقْوَى عَنْ تَقَحُّمِ اَلشُّبُهَاتِ أَلاَ وَ إِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اَللَّهُ نَبِيَّكُمْ ص وَ اَلَّذِي بَعَثَهُ

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 1 : 36 ، الخطبة 3 .

-----------
( 2 ) نهج البلاغة 1 : 103 ، الخطبة 54 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 3 ) اسقط الشارح هنا شرح قوله عليه السلام : « التماسا لأجر ذلك و فضله و زهدا فيما تنافستموه من زخرفه و زبرجه » .

[ 514 ]

بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً وَ لَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً وَ لَتُسَاطُنَّ سَوْطَ اَلْقِدْرِ حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ وَ أَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ وَ لَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا وَ لَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا وَ اَللَّهِ مَا كَتَمْتُ وَشْمَةً وَ لاَ كَذَبْتُ كِذْبَةً وَ لَقَدْ نُبِّئْتُ بِهَذَا اَلْمَقَامِ وَ هَذَا اَلْيَوْمِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلْخَطَايَا خَيْلٌ شُمُسٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ خُلِعَتْ لُجُمُهَا فَتَقَحَّمَتْ بِهِمْ فِي اَلنَّارِ أَلاَ وَ إِنَّ اَلتَّقْوَى مَطَايَا ذُلُلٌ حُمِلَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا وَ أُعْطُوا أَزِمَّتَهَا فَأَوْرَدَتْهُمُ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَ بَاطِلٌ وَ لِكُلٍّ أَهْلٌ فَلَئِنْ أَمِرَ اَلْبَاطِلُ لَقَدِيماً فَعَلَ وَ لَئِنْ قَلَّ اَلْحَقُّ لَرُبَّمَا وَ لَعَلَّ وَ لَقَلَّمَا أَدْبَرَ شَيْ‏ءٌ فَأَقْبَلَ قال الشريف : أقول : إنّ في هذا الكلام الأدنى من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان ، و إن حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به ، و فيه مع الحال الّتى و صفنا زوائد من الفصاحة لا يقوم بها لسان ، و لا يطلع فجّها إنسان ، و لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصناعة بحق ، و جرى فيها على عرق ، و ما يعقلها إلاّ العالمون .

و من هذه الخطبة :

شُغِلَ مَنِ اَلْجَنَّةُ وَ اَلنَّارُ أَمَامَهُ سَاعٍ سَرِيعٌ نَجَا وَ طَالِبٌ بَطِي‏ءٌ رَجَا وَ مُقَصِّرٌ فِي اَلنَّارِ هَوَى اَلْيَمِينُ وَ اَلشِّمَالُ مَضَلَّةٌ وَ اَلطَّرِيقُ اَلْوُسْطَى هِيَ اَلْجَادَّةُ عَلَيْهَا بَاقِي اَلْكِتَابِ وَ آثَارُ اَلنُّبُوَّةِ وَ مِنْهَا مَنْفَذُ اَلسُّنَّةِ وَ إِلَيْهَا مَصِيرُ اَلْعَاقِبَةِ هَلَكَ مَنِ اِدَّعَى وَ خابَ مَنِ اِفْتَرى‏ 14 16 20 : 61 مَنْ أَبْدَى صَفْحَتَهُ لِلْحَقِّ هَلَكَ وَ كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَلاَّ يَعْرِفَ قَدْرَهُ لاَ يَهْلِكُ عَلَى اَلتَّقْوَى سِنْخُ أَصْلٍ وَ لاَ يَظْمَأُ عَلَيْهَا زَرْعُ قَوْمٍ فَاسْتَتِرُوا فِي بُيُوتِكُمْ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ 11 14 8 : 1 وَ اَلتَّوْبَةُ مِنْ وَرَائِكُمْ وَ لاَ يَحْمَدْ حَامِدٌ إِلاَّ رَبَّهُ وَ لاَ يَلُمْ لاَئِمٌ إِلاَّ نَفْسَهُ

[ 515 ]

أقول : قال ابن أبي الحديد : هذه الخطبة من جلائل خطبه ، و من مشهوراتها قد رواها الناس كلّهم ، و فيها زيادات حذفها الرضي . إمّا اختصارا أو خوفا من إيحاش السامعين ، و قد ذكرها الجاحظ في كتاب البيان على وجهها ، و رواها عن أبي عبيدة قال : أوّل خطبة خطبها أمير المؤمنين علي عليه السلام بالمدينة في خلافته حمد اللّه و أثنى عليه ، و صلّى على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ثم قال : « ألا لا يرعين مرع إلاّ على نفسه . شغل من الجنّة و النار أمامه . ساع مجتهد ، و طالب يرجو ، و مقصّر في النار ، ثلاثة و اثنان . ملك طار بجناحه ، و نبي أخذ اللّه بيده لا سادس . هلك من ادّعى و ردي من اقتحم ، أليمين و الشمال مضلّة ، و الوسطى الجادّة . منهج عليه باقي الكتاب و السنّة ، و آثار النبوّة . انّ اللّه داوى هذه الامة بدواءين : السوط و السيف ، لاهوادة عند الامام فيهما . إستتروا في بيوتكم ،

و أصلحوا ذات بينكم ، و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك . قد كانت امور لم تكونوا عندي فيها محمودين . أما إنّي لو أشاء لقلت عفا اللّه عما سلف . سبق الرجلان ، و قام الثالث كالغراب همته بطنه ، و يحه لو قصّ جناحاه و قطع رأسه لكان خيرا له . انظروا فان أنكرتم فأنكروا ، و إن عرفتم فآزروا .

حقّ و باطل و لكلّ أهل ، و لئن أمر الباطل لقديما فعل ، و إن قل الحق لربّما و لعل ،

و قلّما أدبر شي‏ء فأقبل ، و لئن رجعت إليكم اموركم إنّكم لسعداء ، و إنّي لأخشى ان تكونوا في فترة ، و ما علينا إلاّ الاجتهاد .

قال الجاحظ : و قال أبو عبيدة : و زاد فيها في رواية جعفر بن محمّد ، عن آبائه عليه السلام ألا انّ أبرار عترتي ، و أطائب ارومتي . أحلم الناس صغارا ، و أعلم الناس كبارا . ألا و إنّا أهل بيت من علم اللّه علمنا ، و بحكم اللّه حكمنا ، و من قول صادق سمعنا . فإن تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، و إن لم تفعلوا يهلككم اللّه بأيدينا . معنا راية الحق ، من تبعها لحقّ ، و من تأخّر عنها غرق . ألا و بنا يدرك

[ 516 ]

ترة كلّ مؤمن ، و بنا تخلع ربقة الذلّ عن أعناقكم ، و بنا فتح لابكم ، و بنا يختم لا بكم 1 .

و قال ابن ميثم تمام الخطبة هكذا : « الحمد للّه أحق محمود بالحمد ،

و أولاه بالمجد إلها واحدا صمدا . أقام أركان العرش . فأشرق لضوئه شعاع الشمس . خلق فأتقن ، و أقام . فذلّت له وطأة المستمكن ، و أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له ، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله . أرسله بالنور الساطع ،

و الضياء المنير . أكرم خلق اللّه حسبا ، و أشرفهم نسبا . لم يتعلّق عليه مسلم و لا معاهد بمظلمة . بل كان يظلم أما بعد فإنّ أوّل من بغى على الأرض عناق ابنة آدم . كان مجلسها من الأرض جريبا ، و كان لها عشرون إصبعا ، و كان لها ظفران كالمخلبين . فسلّط اللّه عليها أسدا كالفيل ، و ذئبا كالبعير ، و نسرا كالحمار ، و كان ذلك في الخلق الأول فقتلها ، و قد قتل اللّه الجبابرة على أسوء أحوالهم ، و انّ اللّه أهلك فرعون و هامان ، و قتل قارون بذنوبهم . ألا و انّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم .

و الّذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ، و لتغربلنّ غربلة و لتساطن سوط القدر حتّى يعود أسفلكم أعلاكم ، و أعلاكم اسفلكم ، و ليسبقن سابقون كانوا قصروا ، و ليقصرن سباقون كانوا سبقوا . و اللّه ما كتمت و شمة ، و لا كذبت كذبة ، و لقد نبّئت بهذا اليوم و هذا المقام . ألا و إنّ الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها ، و خلعت لجمعها فتقحمت بهم في النار فهم فيها كالحون . ألا و إنّ التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها فسارت بهم تأوّدا حتّى إذا جاءوا ظلا ظليلا فتحت أبوابها و قال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين 2 . ألا

-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 1 : 91 و الجاحظ في البيان و التبيين 2 : 49 .

-----------
( 2 ) الزمر : 73 .

[ 517 ]

و قد سبقني هذا الأمر من لم أشركه فيه ، و من ليست له منه توبة إلاّ بنبي يبعث ،

و لا نبي بعد محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم أشفى منه على شفا جرف هار . فانهار به في نار جهنّم . أيّها الناس كتاب اللّه و سنّة نبيّه لا يرعى مرع إلاّ على نفسه . شغل من الجنة و النار أمامه . ساع نجا ، و طالب يرجو ، و مقصّر في النار ، و لكلّ أهل ،

و لعمري لئن أمر الباطل لقديما فعل ، و لئن قلّ الحقّ لربما و لعل ، و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل ، و لئن ردّ أمركم عليكم إنّكم لسعداء ، و ما علينا إلاّ الجهد . قد كانت امور مضت ملتم فيها ميلة كنتم عندي فيها غير محمودي الرأي ، و لو أشاء أن أقول لقلت . عفا اللّه عمّا سلف . سبق الرجلان ، و قام الثالث كالغراب همّه بطنه .

ويله لو قصّ جناحاه و قطع رأسه كان خيرا له . شغل من الجنّة و النار أمامه .

ساع مجتهد ، و طالب يرجو ، و مقصّر في النار ، ثلاثة و إثنان خمسة و ليس فيهم سادس . ملك طائر بجناحيه ، و نبيّ أخذ اللّه بضبعيه . هلك من ادّعى ، و خاب من افترى . اليمين و الشمال مضلّة ، و وسط الطريق المنهج ، عليه باقي الكتاب ،

و آثار النبوّة . ألا و إنّ اللّه قد جعل أدب هذه الامّة السوط و السيف ، ليس عند إمام فيهما هوادة ، فاستتروا ببيوتكم ، و اصلحوا ذات بينكم ، و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك . ألا و إنّ كلّ قطيعة أقطعها عثمان و ما أخذه من بيت مال المسلمين فهو مردود عليهم في بيت مالهم ، و لو وجدته قد تزوّج به النساء و فرّق في البلدان . فإنّه إنّ لم يسعه الحقّ فالباطل اضيق عنه 1 .

و رواه ( الارشاد ) عن أبي عبيدة مثل ما رواه البيان و رواه ( عقد ابن عبد ربه ) مثله لكن فيه : « منهج على امّ الكتاب » و رواه ( عيون ابن قتيبة ) لكن بدون زيادة ما عن الصادق عليه السلام ، و في ( العقد ) و ( العيون ) « فلا يدّعينّ

-----------
( 1 ) شرح ابن ميثم 1 : 297 .

[ 518 ]

مدّع إلاّ على نفسه » 1 .

و روى ( روضة الكافي ) : عن القمي ، عن أبيه ، عن ابن محبوب ، عن على بن رئاب ، و يعقوب السّراج عن الصادق عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر . فقال : « الحمد للّه الّذي علا فاستعلى ، و دنا فتعالى ، و ارتفع فوق كل منظر إلى أن قال .

أما بعد ، أيّها الناس فإنّ البغي يقود أصحابه إلى النار ، و إنّ أوّل من بغى على اللّه جل ذكره ، عناق بنت آدم ، و أوّل قتيل قتله عناق ، و كان مجلسها جريبا من الأرض في جريب ، و كان لها عشرون إصبعا في كلّ إصبع ظفران مثل المنجلين ، فسلّط اللّه عزّ و جلّ عليها أسدا كالفيل ، و ذئبا كالبعير و نسرا مثل البغل فقتلوها ، و قد قتل اللّه الجبابرة على أفضل أحوالهم ، و آمن ما كانوا ،

و أمات هامان و أهلك فرعون ، و قد قتل عثمان . ألا و إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و الّذي بعثه بالحق إلى أن قال .

فلئن أمر الباطل ، لقديما فعل ، و لئن قلّ الحق ، فلربّما و لعل ، و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل ، و لئن ردّ عليكم أمركم إنّكم سعداء ، و ما علي إلاّ الجهد ، و انّي لأخشى أن تكونوا على فترة ملتم عنّي ميلة كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي ، و لو اشاء لقلت . عفا اللّه عمّا سلف . سبق فيه الرجلان ، و قام الثالث كالغراب همّه بطنه ، ويله لو قصّ جناحاه ، و قطع رأسه كان خيرا له . شغل عن الجنة و النار أمامه ثلاثة و إثنان خمسة ليس لهم سادس ملك يطير بجناحيه ،

و نبي أخذ اللّه بضبعيه ، و ساع مجتهد ، و طالب يرجو ، و مقصّر في النار . اليمين و الشمال مضلّة ، و الطريق الوسطى هي الجادّة ، عليها باقي الكتاب ، و آثار

-----------
( 1 ) رواه المفيد في الارشاد : 128 و ابن عبد ربه في العقد الفريد 4 : 133 و ابن قتيبة في عيون الاخبار 2 : 236 و لفظ العيون « لا يدعى مدع » .

[ 519 ]

النبوة . هلك من ادّعى ، و خاب من افترى ، إنّ اللّه أدّب هذه الامّة بالسيف و السوط ، و ليس لأحد عند الامام فيهما هوادة . فاستتروا في بيوتكم ،

و أصلحوا ذات بينكم ، و التوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحقّ هلك » 1 .

و رواه ( إثبات المسعودي ) مثله ، و لكن فيه و قد قتل عثمان ، و كان لي حقّ حازه من لم آمنه عليه ، و لم أشركه فيه . فهو منه على شفا حفرة من النار لا يستنقذه منها إلاّ نبي مرسل يتوب على يديه ، و لا نبيّ بعد محمّد 2 .

و روى باب تمحيص ( الكافي ) ، و ( غيبة النعماني ) من العنوان من « ألا و انّ بليّتكم قد عادت إلى و هذا اليوم » 3 .

قول المصنّف « من كلام له عليه السلام لما بويع بالمدينة » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : « و من خطبة له عليه السلام » الخ كما في « حد ، و ثم ، و الخطية » 4 و يشهد له قول المصنّف بعد « و من هذه الخطبة » .

« ذمتي بما أقول رهينة » أي : متعهّدة .

« و أنا به زعيم » أي : كفيل ، و الجملة لفظ القرآن 5 .

« إنّ من صرّحت » أي : كشفت . و أمّا ما في ( الصحاح ) : « صرح الحق عن محضه : أي انكشف » 6 فكما ترى .

« له العبر » أي : جمع العبرة .

« عمّا بين يديه » أي : عمّا يستقبله .

-----------
( 1 ) الكافي 8 : 67 ، ح 23 .

-----------
( 2 ) اثبات الوصية : 126 .

-----------
( 3 ) الكافي 1 : 369 ، ح 1 و غيبة النعماني : 135 .

-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 90 ، و شرح ابن ميثم 1 : 296 .

-----------
( 5 ) يوسف : 72 .

-----------
( 6 ) صحاح اللغة 1 : 238 ، مادة ( صرح ) .

[ 520 ]

« من المثلات » جمع المثلة بالفتح فالضم أي : العقوبة .

« حجزته » هكذا في ( المصرية ) ، و الصواب : « حجزه » كما في ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) 1 : أي : منعه .

« التقوى عن تقحّم الشبهات » التقحّم من تقحّم به المركب إذا لم يضبطه .

قال الشاعر :

أقول و الناقة بي تقحم 2 هذا ، و ليس من أوّل العنوان إلى هنا في ( مداركه ) ، و إنّما الجملة الاولى إلى « زعيم » من كلامه عليه السلام في البدع كما في ( الإرشاد ) 3 ، و أمّا الجملة الثانية فلم أقف على موضعها .

« ألا و انّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّكم صلّى اللّه عليه و آله و سلم » هذا الكلام يدلّ على أنّ الإمامة كالنبوّة ، و أنّه عليه السلام مثل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في امتحان اللّه تعالى الخلق به . ففي بعثة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم سبق جمع كانوا قصّروا ، و قصّر جمع كانوا سبقوا . فاليهود كانوا يبشّرون الناس بظهور النبي الخاتم ، و يوعدون الأوس و الخزرج به ، فلمّا بعث النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم كفر به اليهود ، و آمن به الأوس و الخزرج كما ورد في تفسير قوله تعالى و لمّا جاءهم كتاب من عند اللّه مصدّق لما معهم و كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ، فلمّا جاءهم ما عرفوا كفروا به . فلعنة اللّه على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه بغيا أن ينزّل اللّه من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب و للكافرين عذاب مهين 4 .

-----------
( 1 ) لفظ شرح ابن أبي الحديد 1 : 90 و شرح ابن ميثم 1 : 296 مثل المصرية أيضا .

-----------
( 2 ) أورده في لسان العرب 12 : 464 ، مادة ( قحم ) و أساس البلاغة : 356 ، مادة ( قحم ) .

-----------
( 3 ) الارشاد : 123 .

-----------
( 4 ) البقرة : 89 90 .

[ 521 ]

و كان اميّة بن أبي الصلت ، و عبد اللّه بن جحش ، و أبو عامر الأوسي ممّن آمن باللّه في الجاهلية ، و لكن في الاسلام كفروا .

و كذلك بليّة الناس و امتحانهم كانت تعود عند قيام كلّ إمام من أئمّة الهدى عليهم السلام قال النوبختي في ( فرقه ) : فلمّا قتل علي عليه السلام افترقت الفرقة الّتي ثبتت على إمامته ، و انّها فرض من اللّه تعالى و رسوله فصاروا فرقا ثلاثا : فرقة قالت : إنّ عليّا عليه السلام لم يقتل و لم يمت ، و لا يقتل و لا يموت حتّى يملأ الأرض عدلا و قسطا و هي السبائية ، و فرقة قالت بامامة محمّد بن الحنفية لأنّه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه و هي الكيسانية ، و فرقة لزمت القول بإمامة الحسن عليه السلام ثم بعده بإمامة الحسين عليه السلام حتّى قتل فحارب فرقة من أصحابه ،

و قالت : اختلف فعل الحسن و فعل الحسين لأنّه إن كان الّذي فعله الحسن حقّا واجبا صوابا من موادعته مع معاوية مع كثرة أنصاره فما فعله الحسين من محاربة يزيد مع قلّة أنصاره كان باطلا ، و إن كان ما فعله الحسين حقّا صوابا فقعود الحسن كان باطلا فشكّوا في امامتهما و رجعوا .

و اختلف القائلون بامامته بعد أبيه و أخيه . فقالت فرقة بامامة علي بن الحسين عليه السلام ، و فرقة قالت : انقطعت الإمامة بعد الحسين عليه السلام انّما كانوا ثلاثة مسمّين بأسمائهم استخلفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ، و فرقة قالت : انّ الإمامة صارت بعد الحسين عليه السلام في ولد الحسن و الحسين ، من قام منهم و دعا إلى نفسه فهو الإمام و هم السرحوبية .

و لمّا توفي علي بن الحسين عليه السلام قال القائلون بإمامته بإمامة ابنه الباقر عليه السلام غير نفر يسير أصحاب عمر بن رباح .

و لمّا توفّي الباقر عليه السلام قالت فرقة بإمامة محمّد بن عبد اللّه المحض ، و هم المغيرية ، و قالت فرقة منهم بإمامة ابنه الصادق عليه السلام .

[ 522 ]

و لمّا توفي الصادق عليه السلام افترقت شيعته ستّ فرق : فرقة قالت : إنّه لم يمت و لا يموت و هم الناووسية ، و فرقة قالت : الإمام بعده ابنه إسماعيل ، و انّه لم يمت في حياة أبيه ، و فرقة قالت : الإمام بعده محمّد بن إسماعيل لأنّ إسماعيل مات في حياته و هم المباركية ، و قالت فرقة : إنّ الإمام بعده محمّد بن جعفر و هم السمطية ، و قالت فرقة منهم : انّ الإمام بعده ابنه عبد اللّه الأفطح و هم الفطحية ، و قالت فرقة : إنّ الإمام بعده ابنه الكاظم عليه السلام .

و لمّا توفّي الكاظم عليه السلام صارت الشيعة خمس فرق : فرقه قالت : إنّ الإمام بعده ابنه الرضا عليه السلام ، و هم القطعية ، لأنّها قطعت بوفاة أبيه ، و قالت فرقة : إنّ الكاظم عليه السلام لم يمت و إنّه اختفى ، و بعضهم قال : مات و رجع ، و بعضهم قال : لا يرجع إلاّ وقت قيامه ، و بعضهم قال : مات و رفعه اللّه ، و ينزل عند قيامه . و كلهم الواقفة ، و فرقة قالت : غاب ، و استخلف محمّد بن بشير إلى أن يرجع و هم البشيرية .

و لمّا مات الرضا عليه السلام قالت فرقة : إنّ الامام بعده ابنه الجواد عليه السلام ،

و فرقة قالت : أخوه أحمد لكون الجواد عليه السلام إذ ذاك ابن سبع .

و لمّا توفّي الجواد عليه السلام قالت شيعته بامامة ابنه الهادي عليه السلام سوى شرذمة قالوا بإمامة أخيه موسى بن محمّد مدّة ثمّ رجعوا إليه عليه السلام .

و لمّا توفي الهادي عليه السلام قالت فرقة : إنّ الامام بعده ابنه محمّد ، و إنّه لم يمت في حياة أبيه ، و قالت فرقة : إنّ الإمام بعده الحسن ابنه عليه السلام ، و قال نفر يسير بإمامة أخيه جعفر .

و لمّا توفّي الحسن عليه السلام افترق أصحابه أربع عشرة فرقة : الأولى : أنّه لم يمت ، و الثانية : أنّه مات و عاش ، و الثالثة : أنّ الامام بعده أخوه جعفر منه

[ 523 ]

و الرابعة : أنّه جعفر من قبل أبيه الخ 1 .

كما أنّه تعود بلية الناس عند قيام القائم عليه السلام . فعن الصادق عليه السلام : إذا خرج القائم عليه السلام خرج من هذا الأمر من كان يرى أنه من أهله ، و دخل فيه شبه عبدة الشمس و القمر 2 .

كما أنّ بلية الناس في أمير المؤمنين عليه السلام كانت مرّتين : وقت قيامه كما قاله هنا ، و بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم و بيعة أبي بكر .

« و الّذي بعثه » أي : النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

« بالحق لتبلبلنّ بلبلة » بالفتح قال الجوهري : تبلبلت الألسن أي :

اختلطت 3 .

« و لتغربلنّ غربلة » أي : تجعلون في الغربال كالدقيق يغربل .

« و لتساطنّ » أيّ : تقلّبنّ .

« سوط » أي : تقلب .

« القدر » يقال نحن نسوط هذا الأمر أي : نقلّبه ظهرا لبطن .

« حتى يعود أسفلكم أعلاكم و أعلاكم أسفلكم » في حياته عليه السلام و بعده .

روي عن الصادق عليه السلام قال : و اللّه لتكسّرنّ تكسر الزجاج ، و انّ الزجاج ليعاد فيعود ، و اللّه لتكسّرنّ تكسرّ الفخار ، و إنّ الفخار ليكسرن و لا يعود كما كان ، و و اللّه لتغربلن ، و و اللّه لتميّزن ، و و اللّه لتمحّصن حتّى لا يبقى منكم إلاّ الأقل .

و عن الباقر عليه السلام لتمحصن يا شيعة آل محمّد تمحيص الكحل في العين ،

-----------
( 1 ) هذا حاصل كلام النوبختي في كل الكتاب فرق الشيعة .

-----------
( 2 ) أخرجه النعماني في الغيبة : 217 .

-----------
( 3 ) صحاح اللغة 4 : 1640 ، مادة ( بلل ) .

[ 524 ]

و إنّ صاحب الكحل يدري متى يقع الكحل في عينه ، و لا يعلم متى يخرج منها و كذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا ، و يمسي و قد خرج منها ، و يمسي على شريعة من أمرنا ، و يصبح و قد خرج منها .

و عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لشيعته : كونوا كالنحل في الطير . ليس شي‏ء من الطير إلاّ و هو يستضعفها ، و لو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك . خالطوا الناس بالسنتكم و أبدانكم ، و زايلوهم بقلوبكم و أعمالكم ، فو الّذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض ، و حتى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين ، و حتى لا يبقى منكم إلاّ كالكحل في العين ، و الملح في الطعام . و سأضرب لكم مثلا و هو مثل رجل كان له طعام فنقّاه و طيّبه ثم أدخله بيتا ، و تركه فيه ما شاء اللّه . ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس . فأخرجه و نقّاه و طيّبه ثم أعاده إلى البيت . فتركه ما شاء اللّه ثم عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس . فأخرجه و نقّاه و طيّبه و أعاده ، و لم يزل كذلك حتّى بقيت منه رزمة كرزمة الأندر لا يضرّه السوس شيئا ، و كذلك أنتم تميّزون حتّى لا يبقى منكم إلاّ عصابة لا تضرّها الفتنة شيئا 1 .

« و ليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا » أي : يسبق إلى إمامته حين توليته أمر الخلافة جمع كانوا قصّروا بعد رحلة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حقّه .

و في رجال الكشي ، قال الفضل بن شاذان : إنّ من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام أبو الهيثم بن التيهان ، و أبو ايّواب ، و خزيمة بن ثابت ، و جابر بن عبد اللّه ، و زيد بن أرقم ، و أبو سعيد الخدري ، و سهل بن حنيف ،

و البراء بن مالك ، و عثمان بن حنيف ، و عبادة بن الصامت . ثم ممّن دونهم قيس

-----------
( 1 ) الاحاديث الثلاثة اخرجها النعماني في الغيبة : 138 140 .

[ 525 ]

بن سعد بن عبادة ، و عدى بن حاتم ، و عمرو بن الحمق ، و عمران بن الحصين ،

و بريدة الأسلمي و بشر كثير 1 .

« و ليقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا » كالزبير فإنّه بعد وفاة النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم تخلّف عن بيعة أبي بكر مع أمير المؤمنين عليه السلام و سلّ سيفه قائلا لا يبايع إلاّ علي بن أبي طالب عليه السلام حتّى أخذوا سيفه و كسروه ، و كان يعدّ في عداد الهاشميين و لكن بعد قيامه عليه السلام بالأمر كان أوّل من نكث بيعته مع صاحبه طلحة ، و قال عليه السلام : ما زال الزبير منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه المشؤوم 2 أي :

عبد اللّه ابن الزبير .

كما أنّ تميم البصرة كانوا في حرب الجمل معه عليه السلام ، و أزدها مع عائشة ، و في فتنة ابن الحضرمي الّذي بعثه معاوية إلى البصرة صاروا بالعكس .

و قال الخوئي المراد بقوله عليه السلام « و ليقصّرن سبّاقون كانوا سبقوا » أهل الجمل ، و أهل الشام ، و أهل النهروان 3 و هو كما ترى بلا ربط .

هذا ، و ممّن قصّر في أمر الدين بعد سبقه لا معه عليه السلام محمد بن مناذر الشاعر اللغوي قالوا : كان في أوّل أمره ناسكا يتألّه . ثم ترك ذلك ، و هجا الناس و تهتّك ، و عن يحيى بن معين أنّه كان يرسل العقارب في المسجد بالبصرة حتّى تلسع الناس : و كان يصبّ المداد بالليل في اماكن الوضوء حتّى تسودّ وجوههم .

« و اللّه ما كتمت » بصيغة المجهول : أي : من قبل النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم .

-----------
( 1 ) اختيار معرفة الرجال : 38 .

-----------
( 2 ) رواه الجوهري في السقيفة : 60 و عاصم بن حميد في اصله : 23 و ابن عبد البر في الاستيعاب 2 : 302 و غيرهم .

-----------
( 3 ) شرح الخوئي 1 : 350 .

[ 526 ]

« وشمة » أي : كلمة كما عن ابن السكّيت 1 ، و الأصل فيه شي‏ء حقير كلمة أو غيرها يقال « ما أصابتنا العام وشمة » أي : قطرة ، و يقال « ما عصيتك وشمة » أي : أدنى معصية .

« و لا كذبت » أيضا مجهولا .

« كذبة » أي : من طرف النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم في ما أخبرني .

و في ( تاريخ بغداد ) : عن أبي جحيفة قال علي عليه السلام حين فرغنا من الحرورية : « إنّ فيهم رجلا محدجا ليس في عضده عظم أو في عضده حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف فالتمسوه . فلم يوجد ، و أنا في من يلتمس ، فما رأيت عليا جزع جزعا قطّ أشدّ من جزعه يومئذ . فقالوا : ما نجده يا أمير المؤمنين قال : ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قالوا : النهروان . قال : كذبتم . إنّه لفيهم فالتمسوه إلى أن قال فالتمسناه في ساقية . فوجدناه فجئنا به . فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم ، و عليها حلمة كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف 2 .

و روى عن أبي الأحوص قال : كنّا مع علي يوم النهروان ، فجاءت الحرورية فكانت من وراء النهر ، فقال علي : و اللّه لا يقتل اليوم رجل ، من وراء النهر ثمّ نزلوا فقالوا لعليّ : قد نزلوا قال : و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر فأعادوا عليه هذه المقالة ثلاثا كلّ ذلك يقول لهم على مثل قوله الأوّل .

فقالت الحرورية بعضهم لبعض : يرى علي أنّا نخافه ، فأجازوا فقال علي لأصحابه : لا تحرّكوا هم حتّى يحدثوا حدثا إلى أن قال بعد ذكر إخراجهم عبد اللّه بن خباب من منزله على شطّ النهر ، و ذبحهم له كالشاة ،

-----------
( 1 ) رواه عنه الجوهري في صحاح اللغة 5 : 2052 ، مادة ( وشم ) .

-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 199 .

[ 527 ]

و سيلان دمه في الماء كالشراك ما اختلط ، و طلبه منهم قاتله ، و جوابهم أنّ كلّهم قاتله فقال علي عليه السلام لأصحابه : دونكم القوم . فما لبثوا أن قتلوهم . فقال علي : اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي . المرأة فطلبوه . فقالوا : ما وجدنا . فقال :

و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، و إنّه لفي القوم الخبر 1 .

« و لقد نبّئت بهذا المقام و هذا اليوم » أي : أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما كتم عنّي شيئا و أخبرني بكلّ ما يجرى علي ، و قتل الناس لعثمان ، و بيعتهم له ، و إن كانت قريش غير راضيه بذلك ، و كان المتقدّمون عليه من صدّيقهم و فاروقهم أسّسوا لهم ذلك بنصب عثمان لئلاّ يرجع الأمر إليه أبدا ، و يكون متداولا بين بطون قريش و بني اميّة .

و لقد كان النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أخبره بالكلّ و الجزء ، و غدر الامّة به بعده ثم انتقال الأمر إليه بعد ثالثهم حتّى بخصوصيات من ينصره ، و يلحق بعسكره في معاركه . ففي ( الطبري ) : روى الشعبي عن أبي الطفيل قال : قال علي عليه السلام ( بالربذة لمّا أراد البصرة ) : يأتيكم من الكوفة إثنا عشر ألف رجل و رجل » فقعدت على نجفة ذى قار . فاحصيتهم . فما زادوا رجلا ، و لا نقصوا رجلا 2 .

و هذا أيضا دليل على بطلان أمر من تقدّم عليه ، و حقّية خلافته ، و كان أبو بكر تمنّى في حال احتضاره في ما تمنّى كما روى ابن قتيبة و غيره أنّه ليت سأل النبي هل كان له في الأمر نصيب 3 .

و قد قال عمر كما رووا أنفسهم في يوم من أيّام خلافته : و اللّه ما أدرى

-----------
( 1 ) رواه جمع كثير منهم المدائني في الكتاب الخوارج عنه شرح ابن أبي الحديد 1 : 203 ، شرح الخطبة 36 لكن لم أظفر به في تاريخ بغداد .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 3 : 513 ، سنة 36 .

-----------
( 3 ) جاء هذا في الإمامة و السياسة المنسوب الى ابن قتيبة 1 : 19 و تاريخ الطبري 2 : 620 ، سنة 13 و مروج الذهب للمسعودي 2 : 302 .

[ 528 ]

أخليفة أنا أم ملك ؟ فإن كنت ملكا فقد ورطت في أمر عظيم 1 . و روى ( تاريخ بغداد ) : أنّ عتبة بن غزوان كان يعتقده ملكا . فدعا اللّه أن يميته لئلاّ يكون واليا له فاستجيب له 2 .

و قد روى أبو أحمد العسكري أنّ عمر كان يخرج مع الوليد بن المغيرة في تجارة للوليد إلى الشام ، و عمر يومئذ ابن ثماني عشرة سنة ، و كان يرعى للوليد إبله ، و يرفع أحماله ، و يحفظ متاعه . فلمّا كان بالبلقاء لقيه رجل من علماء الروم فجعل ينظر إليه ، و يطيل النظر . ثم قال : أظن يا غلام اسمك عامر أو عمران أو نحو ذلك . قال : إسمي عمر . قال : إكشف عن فخذيك . فكشف . فإذا على أحدهما شامة سوداء في قدر راحة . الكف فسأله أن يكشف عن رأسه .

فإذا هو أصلع .

فسأله أن يعتمد بيده . فإذا هو أعسر أيسر . فقال : له : أنت ملك العرب فضحك عمر مستهزئا فقال : أو تضحك ؟ و حقّ مريم البتول أنت ملك العرب ،

و ملك الفرس و الروم . فتركه عمر و انصرف مستهينا بكلامه . فكان عمر بعد ذلك يحدّث و يقول : تبعني ذلك الرومي راكب حمار . فلم يزل معي حتّى باع الوليد متاعه و قفل 3 .

و إنّما أخبر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم بتصدّيهما للخلافة كما أخبر بتصدّي بني اميّة الشجرة الملعونة للخلافة أخبر بذلك بنتيهما ، و اشترط عليهما عدم إظهاره فأظهرتا سرّه ، قال البلاذري في ( تاريخه ) : حدّث هشام الكلبي عن أبيه عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله تعالى و إذ أسرّ النبي إلى بعض ازواجه

-----------
( 1 ) رواه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 110 ، شرح الخطبة 226 و الطبري في تاريخه 3 : 279 ، سنة 23 .

-----------
( 2 ) تاريخ بغداد 1 : 156 .

-----------
( 3 ) رواه عنه ابن أبي الحديد في شرحه 3 : 143 ، شرح الخطبة 226 ، و النقل بتصرف يسير .

[ 529 ]

حديثا . فلمّا نبّأت به و أظهره اللّه عليه عرّف بعضه و أعرض عن بعض قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير إن تتوبا إلى اللّه فقد صغت قلوبكما و إن تظاهرا عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبرئيل و صالح المؤمنين و الملائكة بعد ذلك ظهير 1 انّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم أسرّ إلى حفصة أنّ أبا بكر يلي الأمر بعده ، و أنّ عمر و إليه بعد أبي بكر ، فأخبرت بذلك عائشة الخبر 2 .

و في ( الكشّاف ) في تفسير الآية ، روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم خلا بمارية في يوم عائشة و علمت بذلك حفصة . فقال لها : اكتمي عليّ ، و قد حرّمت مارية على نفسي ، و ابشّرك أنّ أبا بكر و عمر يملكان بعدي أمر أمّتي . فأخبرت به عائشة ،

و كانتا متصادقتين و قيل : خلا بها في يوم حفصة فأرضاها بذلك ،

و استكتمها فلم تكتم إلى أن قال و روي أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال لها : ألم أقل لك اكتمي عليّ ؟ قالت : و الّذي بعثك بالحق ما ملكت نفسي فرحا الخ 3 .

فلو كان ملكهما حقا كان الواجب على النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم إعلانه ، لا أن يشترط كتمانه و هو صار سببا لتكالبهما في طلب الأمر ، و لو بإحراق فاطمة و الحسنين عليهم السلام و ضرب رقبة أمير المؤمنين عليه السّلام لو لم يستسلم .

كما أنّ الصادق عليه السّلام لمّا أخبر المنصور ، و أخاه السفاح بنيلهما الأمر دون بني الحسن 4 صار سببا لتكالبه في الأمر و حبسه لبني الحسن و قتله لهم .

« ألا و إنّ الخطايا خيل شمس » جمع شموس .

« حمل عليها أهلها و خلعت لجمها » جمع لجام .

-----------
( 1 ) التحريم : 3 و 4 .

-----------
( 2 ) أنساب الأشراف 1 : 424 .

-----------
( 3 ) الكشاف 4 : 562 و 566 .

-----------
( 4 ) رواه أبو الفرج في المقاتل : 172 .

[ 530 ]

« فتقمّحت بهم » أي : طرحتهم .

« في النار » أي : نار جهنم .

روى ( الكافي ) عن الصادق عليه السّلام قال : كان أبي عليه السّلام يقول : ما من شي‏ء أفسد للقلب من خطيئة . إن القلب ليواقع الخطيئة ، فما تزال به حتّى تغلب عليه فيصير أعلاه أسفله .

و عنه عليه السّلام في قوله اللّه تعالى فما أصبرهم على النار 1 قال : ما أصبرهم على فعل ما يعلمون أنّه يصيّرهم إلى النار .

و عنه عليه السّلام : كان أمير المؤمنين عليه السّلام يقول : « لا تبدين عن واضحة ، و قد عملت الأعمال الفاضحة ، و لا يأمن البيات من عمل السيّئات » .

و عنه عليه السّلام : « من همّ بسيّئة فلا يعملها فإنّه ربّما عمل العبد السيّئة فيراه الربّ تبارك تعالى فيقول : و عزّتي و جلالي لا أغفر لك بعد ذلك أبدا » .

و عن الكاظم عليه السّلام : « حقّ على اللّه ألاّ يعصى في دار إلاّ أضحاها للشمس حتّى تطهّرها ، و كلّما أحدث العباد من الذنوب ما لم يكونوا يعلمون أحدث للّه لهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون ، و أنّ للّه تعالى في كلّ يوم و ليلة مناديا ينادي مهلا مهلا عباد اللّه عن معاصي اللّه . فلو لا بهائم رتّع ، و صبية رضّع ،

و شيوخ ركّع لصبّ عليكم العذاب صبّا ، ترضّون به رضّا » .

و عن الباقر عليه السّلام : « انّه ما من سنة أقل مطرا من سنة ، و لكن اللّه يضعه حيث يشاء . إن اللّه عزّ و جلّ إذا عمل قوم بالمعاصي صرف عنهم ما كان قدّر لهم من المطر في تلك السنة إلى غيرهم ، و إلى الفياض و البحار و الجبال ، و إنّ اللّه ليعذّب الجعل في جحرها بحبس المطر عن الأرض الّتي هي بمحلها بخطايا من بحضرتها و قد جعل اللّه لها السبيل في سلك سوى محلة أهل المعاصي » .

-----------
( 1 ) البقرة : 175 .

[ 531 ]

و عن الرضا عليه السّلام : « أوحى اللّه تعالى إلى نبي من الأنبياء إذا اطعت رضيت ، و إذا رضيت باركت ، و ليس لبركتي نهاية ، و إذا عصيت غضبت ، و إذا غضبت لعنت ، و لعنتي تبلغ السابع من الورى » .

و عن الصادق عليه السّلام في قوله تعالى : قالوا ربّنا باعد بين أسفارنا 1 الآية : « هؤلاء قوم كانت لهم قرى متّصلة ينظر بعضهم إلى بعض ، و أنهار جارية و أموال ظاهرة . فكفروا نعم اللّه تعالى . فأرسل اللّه عليهم سيل العرم فغرّق قراهم ، و خرّب ديارهم ، و أذهب أموالهم ، و أبدل مكان جنّاتهم جنّتين ذواتي أكل خمط ، و أقل و شي‏ء من سدر قليل ، و قال تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا و هل نجازي إلاّ الكفور » 2 .

و الخمط : ضرب من الأراك له حمل يؤكل ، و الأثل : شجر نوع من الطرفاء .

و عنه عليه السّلام قال اللّه عزّ و جلّ : « إذا عصاني من عرفني سلّطت عليه من لا يعرفني ، و انّ الرجل يذنب الذنب . فيحرم صلاة الليل ، و انّ العمل السيى‏ء أسرع في صاحبه من السكّين في اللحم » ، و قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم : « إنّ العبد ليحبس على ذنب من ذنوبه مائة عام ، و إنّه لينظر إلى أزواجه في الجنّة يتنعّمن » .

و عن الباقر عليه السّلام : « ما من عبد إلاّ و في قلبه نكتة بيضاء . فإذا أذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء . فإن تاب ذهب ذلك السواد ، و إن تمادى في الذنوب زاد ذاك السواد حتّى يغطّي البياض . فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبدا و هو قوله تعالى : كلاّ بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون » 3 .

-----------
( 1 ) سبأ : 19 .

-----------
( 2 ) سبأ : 17 .

-----------
( 3 ) هذه الأحاديث أخرجها الكليني في الكافي 2 : 268 276 و ما رواه عن الامام الكاظم عليه السّلام فهو تلفيق ثلاثة أحاديث ثانيها للامام الرضا عليه السّلام ، و الآية 14 من سورة المطففين .

[ 532 ]

« ألا و إنّ التقوى مطايا » أي : مراكب .

« ذلل » جمع ذلول .

« حمل عليها أهلها و اعطوا ازمّتها » الأزمة : جمع الزمام .

« فاوردتهم الجنّة » قال جلّ و علا : و اما من خاف مقام ربه و نهى النفس عن الهوى فانّ الجنّة هي المأوى 1 .

و في ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام : « إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنّة . فيضربونه . فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الصبر . فيقال لهم : على ما صبرتم ؟ فيقولون : كنّا نصبر على طاعة اللّه ، و نصبر عن معاصي اللّه . فيقول اللّه تعالى : صدقوا . أدخلوهم الجنّة ، و هو قول اللّه تعالى :

انّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب 2 .

و عن الباقر عليه السّلام : أعينونا بالورع . يقول تعالى : من يطع اللّه و الرسول فاولئك مع الذين أنعم اللّه عليهم من النبيّين و الصّدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا 3 و منّا النبيّ ، و منّا الصّدّيق ، و الشهداء ، و الصالحون 4 .

« حق و باطل » قد تواتر قول النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم : « عليّ مع الحقّ ، و الحقّ مع عليّ ،

و لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » 5 .

و حيث لا واسطة بينهما . فلا بد أنّ من تقدّم عليه كان باطلا ، و صرّح به في الخطبة على رواية الروضة و نقل ابن ميثم من قوله عليه السّلام : « ألا و قد سبقني إلى هذا الأمر من لم أشركه فيه ، و من لم أهبه له ، و من ليست له منه توبة إلا

-----------
( 1 ) النازعات : 40 و 41 .

-----------
( 2 ) الزمر : 10 .

-----------
( 3 ) النساء : 69 .

-----------
( 4 ) أخرجهما الكليني في الكافي 2 : 75 و 78 ، ح 4 و 12 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 5 ) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد 14 : 321 و البيهقي عنه فرائد السمطين 1 : 177 ، ح 140 غيرها عن ام سلمة .

[ 533 ]

بنبيّ يبعث ، و لا نبي بعد محمّد صلى اللّه عليه و آله ، أشرف منه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم » 1 .

« و لكلّ » من الحق و الباطل .

« أهل » كذلك كان من أوّل الدنيا ، و كذلك يكون إلى الأبد ذلك بأنّ الذين كفروا اتّبعوا الباطل و أنّ الذين آمنوا اتّبعوا الحقّ من ربّهم كذلك يضرب اللّه للناس أمثالهم 2 .

« فلئن أمر الباطل ( حالا ) لقديما فعل » أي : من القديم تصدّى للأمارة .

و المراد أنّ الثلاثة إن تقدّموا عليه ، و استقرّ أمرهم و تزلزل أمره فليس بغرو لأنّه كان كذلك في جميع الأعصار بفرار الناس من أهل الحق ، و اتّباعهم أهل الباطل ، و لذا كان عليه السّلام يقول : « أيّها الناس لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله . فانّ الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير و جوعها طويل » 3 .

و كان عليه السّلام يحمل سيّدة النساء صلوات اللّه عليها على دابّة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة . فما أجابه أحد ، مع سماعهم أقوال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيه و فيها عليه السّلام ، و لمّا خرجت بنت أبي بكر على أمير المؤمنين عليه السّلام أجابها آلاف ، من الناس مع قول اللّه عزّ و جلّ فيها : و قرن في بيوتكن و لا تبرّجن تبرّج الجاهلية الاولى 4 و ضرب اللّه تعالى لها و لصاحبتها مثل امرأة نوح و امرأة لوط .

« و لئن قل الحقّ فلربّما و لعلّ » يكثر بعد ذلك .

« و قلّما أدبر شي‏ء فأقبل » فإنّه و إن رجع الأمر إليه عليه السّلام و قرّ الحقّ مقرّه إلاّ

-----------
( 1 ) الكافي 8 : 68 و شرح ابن ميثم 1 : 297 .

-----------
( 2 ) محمّد : 3 .

-----------
( 3 ) نهج البلاغة 2 : 181 ، الخطبة 199 .

-----------
( 4 ) الاحزاب : 33 .

[ 534 ]

أنّه كان محض صورة . فلم يتمكن عليه السّلام من ردع الناس عن بدع من تقدّم عليه ،

و لذا كان عليه السّلام يقول : « لو استقرّت قدماي لغيّرت أشياء » 1 و لم يتمكّن عليه السّلام من عزل عمالهم كمعاوية ، و لم يستطع صدّ من أراد الخروج عليه كالزبير و طلحة حتّى أنّه عليه السّلام لمّا أراد منعهم عن صلاة النوافل بالليل جماعة في شهر رمضان لعدم فعل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم له ، و انّما أحدثه لهم عمر ، لم يقبلوا و صاحوا و اعمراه .

و قول المصنّف : « أقول : قال الشريف » هكذا في ( المصرية ) ، و كلّه زائد و ليس من النهج أما « أقول » فليس في ( ابن أبي الحديد ، و ابن ميثم ) رأسا ، و أما « قال الشريف » : فإنّما قال ابن أبي الحديد إنشاء من نفسه « قال الرضي أبو الحسن » و قال ابن ميثم : « قال السيّد » 2 .

« إنّ في هذا الكلام الأدنى » أي : الأقرب ، و الظاهر كونه إشارة إلى كلامه عليه السّلام الأخير « فلئن أمر الباطل لقديما فعل ، و لئن قلّ الحق فلربما و لعل و لقلّما أدبر شي‏ء فأقبل » و يحتمل أن يكون إشارة إلى قوله قبله « الا و إنّ الخطايا . . . » . فإنّه أيضا يصدق عليه الأدنى بالنسبة إلى أوّل الكلام .

« من مواقع الاحسان ما لا تبلغه مواقع الاستحسان » و المراد لا يستطاع وصف حسنه .

هذا ، و قال أبو الفضل الميكالي في وصف مكتوب « و كاد فرط التعجب مرة و عظم الإعجاب تارة يقف بي عند أوّل فصل من فصوله ، و يثبّطني من استيفاء غرره و حجوله ، و يوهمني أن المحاسن ما حوته قلائده ، و نظمته فرائده . فليس في قوس احسان وراءها منزع ، و لا لاقتراح جنان فوقها متطلع ،

-----------
( 1 ) لفظ نهج البلاغة 4 : 66 ، و الحكمة 272 « لو قد استوت قدماي من هذه المداحض لغيرت أشياء » .

-----------
( 2 ) الموجود في شرح ابن أبي الحديد 1 : 91 « أقول » و في شرح ابن ميثم 1 : 296 « قال الشريف أقول » .

[ 535 ]

حتّى إذا جاوزته إلى لفقه و تزيينه ، و أجلت فكري في نكته و عيونه ، رأيت ما يحيّر الطرف و يعجز الوصف ، و يعلو على الأوّل محلا و مكانا ، و يفوته حسنا و إحسانا ، فرتعت كيف شئت في رياضه و حدائقه ، و اقتبست نور الحكمة من مطالعه و مشارقه ، و سلّمت لمعانيه و ألفاظه فضيلة السبق و البراعة ، و تلقّيتها بواجبها من النشر ، و الإذاعة ، فإنّها جمعت إلى حسن الإيحاز درجة الإعجاز ،

و إلى فضيلة الإبداع جلالة الموقع في القلوب ، و الأسماع .

« إنّ حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به » قال الطائي :

أبدت أسى إن رأتني مخلس القصب
و آل ما كان من عجب إلى عجب

« و فيه مع الحال الّتي وصفنا » من عدم بلوغ مواقع استحسانه . بمواقع إحسانه ، و كون حظّ العجب منه أكثر من حظّ العجب به .

« زوائد من الفصاحة » في اللفظ و المعنى . لأنّ المراد بالفصاحة في كلامه ما يعمّ البلاغة .

« لا يقوم بها لسان » لأدائها .

« و لا يطّلع فجّها » قال الجوهري : الفجّ : الطريق الواسع بين الجبلين 1 .

« انسان » للوقوف عليها .

« و لا يعرف ما أقول » هكذا في ( المصرية ) نسخة ( ابن أبي الحديد ) و لكن في ( ابن ميثم و الخطية ) : « أقوله » : أي في وصف ذاك الكلام الأدنى 2 .

« إلاّ من ضرب في هذه الصناعة » أي : صناعة البلاغة .

« بحقّ » لا مجرد ظاهر .

« و جرى فيها على عرق » حتّى صار من أهل التعمق فيها .

-----------
( 1 ) صحاح اللغة 1 : 333 ، مادة ( فجج ) .

-----------
( 2 ) في شرح ابن أبي الحديد 1 : 91 و شرح ابن ميثم 1 : 297 كليهما « أقول » .

[ 536 ]

« و ما يعقلها » أي : صفة الضرب فيها بحقّ ، و الجري فيها على عرق .

« إلاّ العالمون » بذاك الفن لا كلّ من ادّعى .

و حيث إنّ المصنّف قال : « لا يعرف ما أقول إلاّ من ضرب في هذه الصناعة بحق » رأيت نقل ما قاله الادباء على لسان أهل الصناعات في وصف صناعة الكلام بمناسبة صناعتهم . قالوا : « قال الصيرفي : خير الكلام ما نقدته يد البصيرة و جلته عين الروية ، و وزنته بمعيار الفصاحة . فلا نظر يزيفه ، و لا سماع يهرجه .

و قال الجوهري : أحسن الكلام نظاما ما ثقبته يد الكفرة . و نظمته الفطنة و وصل جوهر معانيه في سمّو ألفاظه . فاحتملته نحور الرواة .

و قال العطّار : أطيب الكلام ما عجن عنبر الفاظه بمسك معانيه . ففاح نسيم نشقه ، و سطعت رائحة عبقه ، فتعلّقت به الرواة ، و تعطّرت به السراة .

و قال الصائغ : خير الكلام ما أحميته بكير الفكر ، و سبكته بمشاغل النظر ، و خلّصته من خبث الإطناب . فبرز بروز الابريز في معنى و جيز .

و قال الحدّاد : أحسن الكلام ما نصبت عليه منفخة القريحة ، و اشعلت عليه نار البصيرة . ثم أخرجته من فحم الاقحام ، و رققته بفطيس الأفهام .

و قال النجار : خير الكلام ما أحكمت نجر معناه بقدوم التقدير . و انشرته بمنشار التدبير . فصار بابا لبيت البيان ، و عارضة لسقف اللسان .

و قال الخياط : البلاغة قميص فجر بانه البيان ، وجيبه المعرفة ، و كمّاه الوجازة ، و دخاريصه الأفهام ، و دروزه الحلاوة ، و لا بسه جسد اللفظ ، و روح المعنى .

و قال البزاز : أحسن الكلام ما صدق رقم ألفاظه ، و حسن نشر معانيه .

فلم يستعجم عليك نشر ، و لم يستبهم عليك طيّ .

[ 537 ]

و قال النجّاد : أحسن الكلام ما لطفت رفارف ألفاظه ، و حسنت مطارح معانيه ، فتنزهت في زرابيّ محاسنه عيون الناظرين ، و أصاخت لنمارق بهجته آذان السامعين .

و قال الصبّاغ : أحسن الكلام ما لم تنض بهجة ايجازه ، و لم تكشف صبغة إعجازه . قد صقلته يد الرويّة من كمود الاشكال . فراع كواعب الآداب و أنف عذارى الألباب .

و قال الحائك : أحسن الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه .

فخرج مفوّفا منيّرا ، و موشّى محرّرا .

و قال الماتح : أبين الكلام ما علقت و ذم ألفاظه ببكرة معانيه . ثم أرسلته في قليب الفطن . فامتحت به سقاء يكشف الشبهات . و استنبطت به معنى يروي من ظمأ المشكلات .

و قال الرائض : خير الكلام ما لم يخرج عن حدّ التخليع إلى منزلة التقريب إلاّ بعد الرياضة ، و كان كالمهر الّذي أطمع أوّل رياضته في تمام ثقافته .

و قال الجمّال : البليغ من أخذ بخطام كلامه . فأناخه في مبرك المعنى ثم جعل الاختصار له عقالا ، و الإيحاز له مجالا . فلم يندّ عن الآذان ، و لم يشذّ عن الأذهان .

و قال المخنّث : خير الكلام ما تكسّرت أطرافه ، و تثّنت أعطافه ، و كان لفظه حلّة ، و معناه حلية .

و قال الخمّار : أبلغ الكلام ما طبخته مراجل العلم ، و صفّاه راوق الفهم و ضمّته ، دنان الحكمة . فتمشّت في المفاصل عذوبته ، و في الافكار رقّته ، و في العقول حدّته .

[ 538 ]

و قال الفقاعي : خير الكلام ما روّحت ألفاظه غباوة الشك ، و رفعت رقّته فظاظة الجهل . فطاب حساء فتنته ، و عذب مصّ جرعته .

و قال الطبيب : خير الكلام ما إذا باشر دواء بيانه سقم الشبهة . استطلقت طبيعة الغباوة . فشفي من سوء التفهّم ، و اورث صحّة التوهّم .

و قال الكحّال : كما أنّ الرمدقذى الأبصار . فكذا الشبهة قذى البصائر فاكحل عين اللكنة بميل البلاغة ، و اجل رمص الغفلة بمرود اليقظة .

و أجمعوا كلهم على أن أبلغ الكلام ما إذا أشرقت شمسه . انكشف لبسه ،

و إذا صدقت أنواؤه . أخضرت أنحاؤه .

قول المصنّف : « و من هذه الخطبة شغل » أي : عن الاهتمام بالامور الراجعة إلى الدنيا .

« من » أي : الذي .

« الجنّة و النار أمامه » فيجعل همّه في حيازة الجنّة ، و الاحتراز عن النار . و عن الباقر عليه السّلام بكى أبو ذر من خشية اللّه عزّ و جلّ حتى اشتكى بصره . فقيل له : يا اباذر لو دعوت اللّه أن يشفي بصرك . فقال : إنّي عنه لمشغول في ما هو أكبر منه همّي . قالوا : و ما يشغلك عنه . قال : العظيمتان الجنّة و النار 1 .

و قال عليه السّلام : لا تنسوا الموجبتين في دبر كلّ صلاة قيل : و ما الموجبتان ؟

قال : تسأل اللّه الجنّة و تعوذ باللّه من النار 2 و في خبر آخر ما معناه أن المصلّي لو لم يسأل اللّه الجنّة بعد صلاته و لم يستعذ به من النار . قالتا أي

-----------
( 1 ) أخرجه الصدوق في الخصال 1 : 39 ، ح 25 ، باب الاثنين عن الباقر عليه السّلام و أخرجه الكشي في معرفة الرجال ،

اختياره : 28 ، ح 54 و غيره عن الكاظم عليه السّلام .

-----------
( 2 ) أخرجه الكليني في الكافي 3 : 343 ، ح 19 و الصدوق في معانى الاخبار : 183 ، ح 1 و غيرهما .

[ 539 ]

بلسان الحال ما أجهله بنعمي ، و ما أغفله عن نقمي 1 .

و في ( الطبري ) بعد ذكر أنّ الحر سأل ابن سعد هل أنت مقاتل الحسين ؟ فقال له : نعم أنّ الحر أخذ يدنو من الحسين عليه السّلام قليلا قليلا . فقال له رجل من قومه يقال له المهاجر بن أوس : ما تريد ؟ أتريد أن تحمل ؟ فسكت و أخذه مثل العرواء . فقال له المهاجر : و اللّه إنّ أمرك لمريب . و اللّه ما رأيت منك في موقف قطّ مثل شي‏ء أراه الآن ، و لو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك . فما هذا الّذي أرى منك ؟ قال : إنّي و اللّه اخيّر نفسي بين الجنّة و النار ،

و و اللّه لا أختار على الجنّة شيئا ، و لو قطّعت و حرّقت . ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السّلام 2 .

« ساع » في أمر الآخرة .

« سريع » في العمل .

« نجا » من النار .

قال جلّ و علا : و الذين يؤتون ما آتوا و قلوبهم و جلة أنّهم إلى ربّهم راجعون اولئك يسارعون في الخيرات و هم لها سابقون 3 .

« و طالب » لأمر الآخرة .

« بطي‏ء » في العمل .

« رجا » أن تكون له نجاة و ليس بحتم .

قال تعالى : و آخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا و آخر

-----------
( 1 ) روى هذا المعنى من طرق عديدة الحر العاملي في الوسائل 4 : 1039 ، باب 22 و المحدث النوري في المستدرك 1 :

342 ، باب 20 .

-----------
( 2 ) تاريخ الطبري 4 : 325 ، سنة 61 .

-----------
( 3 ) المؤمنون : 61 .

[ 540 ]

سيّئا عسى اللّه أن يتوب عليهم إنّ اللّه غفور رحيم 1 .

و آخرون مرجون لأمر اللّه إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم و اللّه عليم حكيم 2 .

« و مقصّر » أي : مفرّط في أمر آخرته .

« في النار هوى » أي : سقط و هلك .

قال جل اسمه : بلى من كسب سيّئة و أحاطت به خطيئته فاولئك أصحاب النار هم فيها خالدون 3 .

هذا ، و قد عرفت أنّ ابن أبي الحديد روى بعد ما مرّ زيادة « ثلاثة و اثنان ملك طار بجناحيه و نبي أخذ اللّه بيده لا سادس » و مثله ابن ميثم حيث روى بعد ما مرّ « ثلاثة و اثنان خمسة و ليس فيهم سادس ملك طائر بجناحيه و نبي أخذ بضبعيه » 4 .

و الصواب رواية الكليني من جعل الزيادة قبل ما مرّ من قوله عليه السّلام « ساع سريع إلى في النار هوى » فقد عرفت أنّه روى كلامه عليه السّلام هكذا : « ثلاثة و إثنان خمسة ليس لهم سادس . ملك يطير بجناحيه ، و نبي أخذ اللّه بضبعيه ،

و ساع مجتهد ، و طالب يرجو ، و مقصّر في النار » 5 .

فإنّ رواية ابن أبي الحديد و رواية ابن ميثم تحتاجان إلى تكلّف كثير في معنى « ثلاثة و اثنان » بأن يكون الأصل « من مرّ ثلاثة و من يأتي اثنان » و هو كما ترى بعيد عن كلام مثله عليه السّلام لخروجه عن الفصاحة بخلاف رواية الكليني

-----------
( 1 ) التوبة : 102 .

-----------
( 2 ) التوبة : 106 .

-----------
( 3 ) التوبة : 81 .

-----------
( 4 ) كذا في شرح ابن أبي الحديد 1 : 92 و شرح ابن ميثم 1 : 298 .

-----------
( 5 ) الكافي 8 : 68 .

[ 541 ]

ففي كمال المناسبة و الربط .

و كيف كان ، فقال ابن أبي الحديد : « كلامه عليه السّلام يقتضي أنّ العصمة ليست إلاّ للأنبياء و الملائكة ، و لو كان الامام يجب أن يكون معصوما لكان قسما سادسا و قد نفاه » 1 .

قلت : بل لا يقتضي ما قاله لأنّ الإمام حاله حال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فقوله « و نبي أخذ اللّه بيده » يدلّ عليه بادلالة العرفية بالاقتصار على أظهر الفردين و إرادة الأعم كما هو المتداول في المحاورات . فهما من سنخ واحد النبي الآتي بالشريعة و الإمام الحافظ للشريعة .

و لرعاية السنخية قال عليه السّلام « ثلاثة و اثنان » و لم يقل « خمسة » نعم على عقيدتهم في من نصبوه إماما حتّى ذي نوريهم يمكن أن يكون الإمام داخلا في قوله عليه السّلام : « و مقصّر في النار هوى » لقوله تعالى : و جعلناهم أئمّة يدعون إلى النار 2 .

« اليمين و الشمال مضلّة و الطريق الوسطى هي الجادّة » بتشديد الدال قال تعالى : و انّ هذا صراطي مستقيما فاتّبعوه و لا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله 3 .

« عليها باقي الكتاب » أي : الكتاب الباقي من اضافة الصفة . ثم يصدّق المتن من لفظ الجملة رواية ابن أبي الحديد و رواية الروضة و ابن ميثم 4 و لكن عرفت أنّ العقد رواه بلفظ « منهج عليه أمّ الكتاب » 5 قال جلّ و علا : الحمد للّه

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 92 ، و النقل بتصرف يسير .

-----------
( 2 ) القصص : 41 .

-----------
( 3 ) الانعام : 153 .

-----------
( 4 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 91 و شرح ابن ميثم 1 : 302 و الكافي 8 : 68 .

-----------
( 5 ) العقد الفريد 4 : 133 .

[ 542 ]

الّذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا قيما 1 .

« و آثار النبوّة » هو الّذي بعث في الامّيّين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته و يزكّيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة و إن كانوا من قبل لفي ضلال مبين 2 .

« و منها منفذ السنّة و إليها مصير العاقبة » الجملتان ليستا في رواية ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الروضة و غيرها 3 ثم إنّ الضميرين في « منها » و « إليها » راجعان إلى الطريق الوسطى الّتي هي الجادة . قال تعالى : يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحلّ لهم الطيّبات و يحرّم عليهم الخبائث و يضع عنهم إصرهم و الأغلال الّتي كانت عليهم فالذين آمنوا به و عزّروه و نصروه و اتّبعوا النور الّذي أنزل معه أولئك هم المفحلون » 4 .

قال ابن أبي الحديد : مثل كلامه عليه السّلام خطبة عمر في سنة قتله « قد سننت لكم السنن و فرضت لكم الفرائض ، و تركتكم على الواضحة الاّ أن تميلوا بالناس يمينا و شمالا » 5 .

قلت : هل كان نبيّا حتّى يسنّ هو لهم السنن و يفرض لهم الفرائض ؟ نعم هو غيّر سنن النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و فرائض القرآن . فقال في خطبته : « متعتان كانتا على عهد رسول اللّه عليه السّلام و أنا أنهى عنهما ، و أعاقب عليهما » 6 .

ثم كيف تركهم على الواضحة ، و هو لم يكن يعرف الطريق من غير

-----------
( 1 ) الكهف : 1 .

-----------
( 2 ) الجمعة : 2 .

-----------
( 3 ) توجد الجملتان في شرح ابن أبي الحديد 1 : 91 و شرح ابن ميثم 1 : 302 لكن لم توجدا في الكافي 8 : 68 و في البيان و التبيين 2 : 50 و ان جاء فيهما ما قبله و ما بعده .

-----------
( 4 ) الأعراف : 157 .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 92 .

-----------
( 6 ) أخرجه الطحاوى في مشكل الآثار و أبو صالح في نسخته عنهما منتخب كنز العمال 6 : 404 و غيرهما .

[ 543 ]

الطريق ففي ( تاريخ بغداد ) في الهياج بن بسطام قال أبو سعيد الخدري خطبنا عمر . فقال : « إنّي لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم . و آمركم بأشياء لا تصلح لكم و انّ من آخر القرآن نزولا آية الربا و انّه قد مات النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و لم يبيّنها لنا » 1 .

« هلك من ادعى » ما ليس له .

« و خاب من افترى » هو لفظ القرآن ، قال تعالى : قال لهم موسى و يلكم لا تفتروا على اللّه كذبا فيسحتكم بعذاب و قد خاب من افترى » 2 .

قال ابن أبي الحديد : كأنّه يقول هلك من ادّعى الإمامة ، و روي من اقتحمها : و لجها عن غير استحقاق لأنّ كلامه عليه السّلام في هذه الخطبة كلّه كنايات عن الإمامة لا عن غيرها 3 .

قلت : و فيها تعريضات بل تصريحات بهلاكة الثلاثة كما رواه الجاحظ و أبو عبيدة و الكليني 4 ، و لا سيما مع ما في ذيلها « ألا إنّ أبرار عترتي . . . » كما مرّ .

« من أبدى صفحته للحقّ هلك » قال ابن أبي الحديد : « و في رواية من أبدى صفحته للحق هلك عند جهله الناس و التأويل المختلف فمراده على الرواية و هي الصحيحة « من كاشف الحقّ مخاصما له هلك ، و هي كلمة جارية مجرى المثل و مراده على الرواية الثانية من أبدى صفحته لنصرة الحق غلبه أهل الجهل لأنّهم العامة و فيهم الكثرة » 5 .

-----------
( 1 ) رواه الخطيب في تاريخ بغداد 14 : 81 و يعنى بآية الربا آيتي 275 276 من سورة البقرة .

-----------
( 2 ) طه : 61 .

-----------
( 3 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 92 .

-----------
( 4 ) البيان و التبيين 2 : 51 نقلا عن أبي عبيدة و كافي الكليني 8 : 68 لكن رواية الكليني بلا ذيل .

-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 1 : 91 .

[ 544 ]

قلت : الصواب الاولى : و ان اقتصر ابن ميثم على الثانية لأنّه لم يذكر أبو عبيدة و المفيد و المسعودي و الكليني و ابن ميثم في أصل العنوان غير الاولى 1 .

و لأنّه كرّر المصنّف الفقرة سهوا في الحكمة ( 188 ) كالاولى بلا خلاف 2 ، و لأنّه لا معنى للثاني ، و ما قاله ابن أبي الحديد في معناه بلا محصّل بل الزيادة مفسدة . فانّ من أبدى صفحته يهلك في الواقع لا عند الجهلة . فإنّه مساوق لقوله عليه السّلام « من صارع الحق صرعه » 3 .

و بالجملة ، لا ريب في أنّ المراد من إبداء الصفحة كشف مخاصمته .

ففي كتاب معاوية إلى مروان في أمر الحسين عليه السّلام « فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته » .

و في خطبة زياد البتراء : « انّي لو علمت أنّ أحدكم قتله السلّ من بغضي لم أكشف له قناعا و لم اهتك له سترا حتّى يبدي لي صفحته ، فإن فعل ذلك لم انظره » .

و في كتاب الوليد بن عقبة إلى معاوية في الطلب بدم عثمان : « إنّا على مداحاة و لمّا نبدأ صفحتنا بعد » .

و في خطبة النعمان بن بشير لمّا سمع باختلاف الشيعة إلى مسلّم في الكوفة : « إنّي لا اقاتل من لا يقاتلني ، و لكن إن أبديتم صفحتكم و نكثتم بيعتكم اقاتلكم » .

« و كفى بالمرء جهلا أن لا يعرف قدره » هذه الفقرة و الاثنتان بعدها ،

-----------
( 1 ) البيان و التبيين 2 : 50 نقلا عن أبي عبيدة و إرشاد المفيد : 128 و اثبات المسعودي : 126 و كافي الكليني 8 : 68 و شرح ابن ميثم 1 : 302 و 307 .

-----------
( 2 ) نهج البلاغة 4 : 43 ، الحكمة 188 .

-----------
( 3 ) نهج البلاغة 4 : 95 ، الحكمة 408 .

[ 545 ]

و الأخيرتان ليست في شي‏ء من أسانيد العنوان كما عرفت ، و إنّما الاثنتان بعدها جزء كلامه عليه السّلام في عنوان « من يتصدّى للحكم » 1 .

و كيف كان فهو كالمثل ، و من أمثالهم : « كفى بالشك جهلا » 2 و « كفى بالمشرفية واعظا » 3 و « كفى برغائها مناديا » 4 .

و إنما يكفيه جهلا عدم عرفان قدره لأنّه يؤدّي به إلى الهلكة بقول ما ليس له قوله و فعل ما ليس له فعله .

« لا يهلك على التقوى سنخ أصل » في ( الأساس ) : « سنخت : إئتكلت اصولها ،

و طعام سنخ و أصله من سنخ الاسنان » 5 هو أيضا كالمثل .

قال جلّ و علا : و من يتّق اللّه يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب 6 و إن منكم إلاّ واردها كان على ربّك حتما مقضيا ثمّ ننجّي الذين اتقوا و نذر الظالمين فيها جثيّا 7 .

« و لا يظمأ عليها زرع قوم » هو أيضا كالمثل و قال جلّ و علا : تلك الجنّة الّتي نورث من عبادنا من كان تقيا 8 .

« فاستتروا ببيوتكم و أصلحوا ذات بينكم » يعني عوضا من أن تعلنوا عداوتكم فتهلكوا كما فعل طلحة و الزبير ، استتروا ببيوتكم لإصلاح ذات بينكم لكونه سبب نجاتكم .

-----------
( 1 ) نهج البلاغة 1 : 196 ، الخطبة 101 .

-----------
( 2 ) أورده الزمخشري في المستقصى 2 : 221 و الميداني في مجمع الامثال 2 : 161 .

-----------
( 3 ) أورده الميداني في مجمع الامثال 2 : 162 .

-----------
( 4 ) أورده الزمخشري في المستقصى 2 : 221 و الميداني في مجمع الامثال 2 : 142 .

-----------
( 5 ) أساس البلاغة : 221 ، مادة ( سنخ ) .

-----------
( 6 ) الطلاق : 2 و 3 .

-----------
( 7 ) مريم : 71 72 .

-----------
( 8 ) مريم : 63 .

[ 546 ]

« و التوبة من ورائكم » أي : التوبة من تقديمكم الثلاثة . فقد عرفت أنّ في الأصل « قد كانت امور لم تكونوا عندي فيها محمودين » .

« و لا يحمد حامد » في ما يعمل من الخير .

« إلاّ ربّه » حيث وفقّه ، لا نفسه .

« و لا يلم لائم » في ما يعمل من الشرّ .

« إلاّ نفسه » حيث اختار بسوء طويّته الشرّ .

و إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند اللّه و إن تصبهم سيّئة يقولوا هذه من عندك قل كلّ من عند اللّه فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ما أصابك من حسنة فمن اللّه و ما أصابك من سيّئة فمن نفسك 1 .

هذا و يأتي 2 شرح باقي الفقرات الّتي كانت في الأسانيد دون النهج فذكرها المصنّف ثمّة .