25

من الخطبة ( 180 ) بعد الإشارة إلى المهدي عليه السّلام ثم قال :

أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ اَلْمَوَاعِظَ اَلَّتِي وَعَظَ بِهَا اَلْأَنْبِيَاءُ أُمَمَهُمْ وَ أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ اَلْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَ أَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا وَ حَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا لِلَّهِ أَنْتُمْ أَ تَتَوَقَّعُونَ إِمَاماً غَيْرِي يَطَأُ بِكُمُ اَلطَّرِيقَ وَ يُرْشِدُكُمُ اَلسَّبِيلَ « أيّها الناس انّي قد بثثت لكم المواعظ الّتي وعظ الأنبياء بها اممهم » و ممّن كان من الأنبياء أو مثل الأنبياء لقمان الحكيم الّذي ينقل اللّه تعالى مواعظه في القرآن في قوله جلّ و علا : و إذ قال لقمان لابنه و هو يعظه يا بني لا تشرك باللّه إنّ الشرك لظلم عظيم و وصيّنا الإنسان بوالديه حملته امّه و هنا على و هن و فصاله في عامين أن أشكر لي و لوالديك إليّ المصير و إن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما و صاحبهما في الدنيا معروفا و اتّبع سبيل من أناب إليّ ثم إليّ مرجعكم فأنبئّكم بما كنتم تعملون يا بنيّ إنّها إن تك مثقال حبّة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الارض يأت بها اللّه إنّ ذلك من عزم الامور و لا تصعّر خدّك للناس و لا تمش

-----------
( 1 ) رواه الجاحظ في البيان و التبيين 2 : 121 و ابن عبد البر في الاستيعاب 3 : 47 .

[ 554 ]

في الأرض مرحا إنّ اللّه لا يحب كلّ مختال فخور و اقصد في مشيك و اغضض من صوتك إنّ أنكر الأصوات لصوت الحمير 1 .

و ممّن كان في درجة الأنبياء مؤمن آل فرعون و قد نقل اللّه مواعظه في قوله جلّ ثناؤه : و قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربّي اللّه و قد جاءكم بالبيّنات من ربّكم و إن يك كاذبا فعليه كذبه و إن يك صادقا يصبكم بعض الّذي يعدكم إنّ اللّه لا يهدي من هو مسرف كذّاب يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس اللّه إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلاّ ما أرى و ما أهديكم إلاّ سبيل الرشاد و قال الّذي آمن يا قوم إنّي أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح و عاد و ثمود و الذين من بعدهم و ما اللّه يريد ظلما للعباد و يا قوم إنّي أخاف عليكم يوم التناد يوم تولّون مدبرين مالكم من اللّه من عاصم و من يضلل اللّه فماله من هاد و لقد جاءكم يوسف من قبل بالبيّنات فمازلتم في شكّ ممّا جاءكم به حتّى إذا هلك قلتم لن يبعث اللّه من بعده رسولا كذلك يضلّ اللّه من هو مسرف مرتاب الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند اللّه و عند الذين آمنوا كذلك يطبع اللّه على كلّ قلب متكبّر جبّار إلى أن قال و قال الّذي آمن يا قوم اتّبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنّما هذه الحياة الدنيا متاع و إنّ الآخرة هي دار القرار من عمل سيّئة فلا يجزى إلاّ مثلها و من عمل صالحا من ذكر أو أنثى و هو مؤمن فاولئك يدخلون الجنّة يرزقون فيها بغير حساب و يا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة و تدعونني إلى النار تدعونني لأكفر باللّه و أشرك به ما ليس لي به علم و أنا أدعوكم إلى العزيز الغفّار لا جرم أنّ ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا و لا في الآخرة و أنّ مرّدنا إلى

-----------
( 1 ) لقمان : 13 19 .

[ 555 ]

اللّه و أنّ المسرفين هم أصحاب النار فستذكرون ما أقول لكم و افوّض أمري إلى اللّه إنّ اللّه بصير بالعباد فوقاه اللّه سيّئات ما مكروا و حاق بآل فرعون سوء العذاب 1 .

« و ادّيت اليكم ما أدّت الأوصياء إلى من بعدهم » قال الرضا عليه السّلام : قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم : خلق اللّه عزّ و جلّ مئة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي أنا أكرمهم على اللّه و لا فخر ، و خلق اللّه عزّ و جلّ مئة ألف وصي ، و أربعة و عشرين ألف وصي فعليّ أكرمهم على اللّه و أفضلهم 2 .

و روى ابن المغازلي عن ابن بريدة قال : قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم : لكلّ نبي وصي و وارث و إنّ وصيي و وارثي عليّ بن أبي طالب 3 .

و لكونه عليه السّلام فعل فعل جميع الأنبياء و الأوصياء في وعظ الناس و دعوتهم إلى اللّه تعالى ، و ترغيبهم في دارهم الآخرة ، قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم كما روى أحمد ابن حنبل « من أراد أن ينظر إلى آدم في حلمه ، و إلى إبراهيم في خلّته ، و إلى يحيى في زهده ، و إلى موسى في بطشه و في خبر في مناجاته و إلى إدريس في تمامه و كماله و جماله . فلينظر إلى هذا الرجل المقبل » فتطاول الناس . فإذا هم بعليّ عليه السّلام كأنّما ينقلب في صبب ، و ينحطّ من جبل 4 .

قال ابن أبي الحديد : الأوصياء الذين يأتمنهم الأنبياء على الأسرار الإلهية و قد يمكن أن لا يكونوا خلفاء بمعنى الإمرة و الولاية . فإنّ مرتبتهم

-----------
( 1 ) غافر : 28 45 .

-----------
( 2 ) أخرجه الصدوق في الخصال 2 : 641 ، ح 18 و في أماليه : 196 ، ح 11 ، المجلس 41 .

-----------
( 3 ) رواه ابن المغازلي في مناقبه 200 : 238 .

-----------
( 4 ) روى الحديثين عن احمد و غيره السروي في مناقبه 3 : 263 و روى الاول عن مسند أحمد ابن أبي الحديد في شرحه 2 : 429 ، شرح الخطبة 152 لكن لم يوجد في نسختنا من مسند احمد .

[ 556 ]

أعلى من مراتب الخلفاء 1 .

قلت : يمكن أن لا يكون للأنبياء أنفسهم إمرة و ولاية . فنوح و ابراهيم و موسى و عيسى ، و هم من اولي العزم من الرسل لم يكن لهم إمرة و ولاية ،

و الإمرة و إن كانت حقّهم إلاّ أنّ جبابرة عصرهم لم يدعوها ، و نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم و هو سيّد الرسل لم تكن له قبل هجرته إمرة ، و الملك أمروراء النبوّة و وراء و صاية النبوّة ، يؤتيه اللّه من يشاء و ينزعه ممّن يشاء ، و أمّا النبوّة و الوصاية ،

فأمران من اللّه لا يجعلهما إلاّ في نفس كاملة ملكوتية ، و لا يمكن انتزاعهما منهما ، و المتقدّمون على أمير المؤمنين عليه السّلام إنّما أخذوا منه سلطان النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و حكومته دون وصايته و خلافته . فتعبير ابن أبي الحديد من مراتب الخلفاء غلط .

« و أدّبتكم بسوطي فلم تستقيموا و حدوتكم بالزواجر » من حدوت الإبل إذا سقتها .

« فلم تستوسقوا » من استوسقت الإبل إذا اجتمعت .

روى ( روضة الكافي ) عن الاصبغ خطبة له عليه السّلام لما طلب منه عليه السّلام ولد أبي بكر و ابن عمر ، و سعد بن أبي وقاص تفضيلهم في العطاء على غيرهم و في الخطبة : « و قد عاتبتكم بدرّتي الّتي أعاتب بها أهلي . فلم تبالوا ، و ضربتكم بسوطي الّذي اقيم به حدود ربّي ، فلم ترعووا ، و تريدون أن أضربكم بسيفي أما انّي اعلم الّذي تريدون ، و يقيم اودكم ، و لكن لا أشتري صلاحكم بفساد نفسي بل يسلّط اللّه عليكم قوما ، فينتقم لي منكم . فلا دنيا استمتعتم بها ، و لا آخرة صرتم إليها ، فبعدا و سحقا لأصحاب السعير 2 .

-----------
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 517 .

-----------
( 2 ) الكافي 8 : 361 ، ح 551 .

[ 557 ]

و الشي‏ء بالشي‏ء يذكر ، و قد رأيت أن أنقل بمناسبة كلامه عليه السّلام هذا قصّة المغيرة بن شعبة مع حجر بن عدي . فإنّها شبيهة بالصورة مع كلامه عليه السّلام ،

هذا و إن كانت في المعنى بالعكس . ففي ( الطبري ) : أنّ معاوية لمّا ولّى المغيرة الكوفة في سنة ( 41 ) قال له : قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة . فأنّا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني ، و يسعد سلطاني ، و لست تاركا إيصاءك بخصلة و هي أن لا تتحمّ عن شتم علي و ذمّه ، و الترحّم على عثمان و الاستغفار له ، و العيب على أصحاب عليّ و الإقصاء لهم ، و ترك الاستماع منهم ، و بإطراء شيعة عثمان ، و الإدناء لهم و الاستماع منهم . فقال له المغيرة :

قد جرّبت و جرّبت ، و عملت قبلك لغيرك . فلم يذمم بي دفع ، و لا رفع و لا وضع فستبلو . فأقام عاملا سبع سنين و أشهرا ، و هو من أحسن شي‏ء سيرة ، غير أنّه لا يدع ذم عليّ عليه السّلام و الوقوع فيه و العيب لقتلة عثمان ، و اللعن لهم ، و الدعاء لعثمان بالرحمة و الاستغفار له ، و التزكية لأصحابه . فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك يقول : « بل إيّاكم ذمم اللّه و لعن » ثم يقول فيقول : « إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول : كونوا قوّامين بالقسط شهداء للّه » و أنا أشهد أنّ من تذمّون لأحقّ بالفضل ، و أنّ من تزكّون لأولى بالذمّ » فيقول له المغيرة : « لقد رمي بسهمك يا حجر إذ كنت أنا الوالي عليكم اتّق يا حجر ويحك غضب السلطان . فإنّ غضبه أحيانا ممّا يهلك أمثالك » ثم يكفّ عنه . فلم يزل كذلك حتّى كان في آخر امارته قام المغيرة فقال في عليّ و عثمان كما كان يقول ، و كانت مقالته : « اللهم ارحم عثمان ، و اجزه بأحسن عمله . فإنّه عمل بكتابك ، و سنّة نبيّك ، و قتل مظلوما ،

و ارحم أنصاره و الطالبين بدمه » و يدعو على قتلته ، فقام حجر فنعر بالمغيرة نعرة سمعها من كان خارجا من المسجد . و قال : « انّك لا تدري بمن تولع من هرمك . أصبحت مولعا بذمّ أمير المؤمنين ، و تقريظ المجرمين » فنزل المغيرة

[ 558 ]

فقالوا له : « علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة ، و أنّ ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط » فقال لهم المغيرة : « إنّي قد قتلته . إنّه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي . فيأخذه عند أوّل و هلة فيقتله شرّ قتلة انّه قد اقترب أجلي ، و لا أحبّ أنّ ابتدى‏ء أهل هذا المصر بقتل خيارهم فيسعدوا بذلك و أشقى ، و يعزّ في الدنيا معاوية ، و يذل يوم القيامة المغيرة » ثم ذكر الطبري موت المغيرة سنة ( 51 ) و ولاية زياد و عمله مع حجر بما هو مذكور في التاريخ 1 .

« للّه أنتم أ تتوقّعون إماما غيري يطأبكم الطريق ، و يرشدكم السبيل » و قد قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فيه : « الحقّ يدور مع على حيثما دار » 2 .

و في ( بلاغات نساء البغدادي ) في وفود ام الخير البارقية على معاوية فقال معاوية لأصحابه : أيّكم يحفظ كلامها في صفين ؟ فقال أحدهم : أنا أحفظه مثل سورة الحمد . كأنّي بها و هي كالفحل يهدر في شقشقته تقول : « أيّها الناس إنّ اللّه قد أوضح الحق ، و نوّر السبيل . فلم يدعكم في عمياء مبهمة ، و لا سوداء مدلهمة . إلى أين تريدون . أفرارا عن أمير المؤمنين ؟ أم رغبة عن الاسلام ؟ أم ارتدادا عن الحقّ . هلمّوا إلى الإمام العادل . و الوصيّ الوفيّ ،

و الصدّيق الأكبر ، فإلى أين تريدون عن ابن عم رسول اللّه ، و زوج ابنته ، و أبي إبنيه . الّذي خلق من طينته ، و تفرّع من نبعته . الّذي خصّه بسرّه ، و جعله باب مدينته ، و أبان ببغضه المنافقين ، صلّى و الناس مشركون ، و أطاع و الناس مرتابون . حتّى قتل مبارزي بدر ، و أفنى أهل أحد ، و فرّق جمع هوازن . فيالها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا و رّدة و شقاقا 3 .

-----------
( 1 ) تاريخ الطبري 4 : 188 و 189 ، سنة 51 .

-----------
( 2 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 3 : 124 و الترمذي في سننه 5 : 633 ، ح 3714 و غيرهما ، و النقل بالمعنى .

-----------
( 3 ) بلاغات النساء : 56 ، و النقل بتقطيع .

[ 559 ]