
26
الخطبة ( 176 ) وَ إِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ مَضَتْ مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ وَ مَا عَلَيَّ إِلاَّ اَلْجُهْدُ وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ عَفَا اَللَّهُ عَمَّا سَلَفَ 41 44 5 : 95 أقول : قد مرّ أنّ العنوان جزء أوّل خطبة خطبها عليه السّلام بعد بيعة الناس له بعد عثمان رواه الجاحظ في بيانه عن أبي عبيدة ، و رواه ( الإرشاد ) و ( العقد ) و رواه ( الروضة ) ، و رواه ( ابن ميثم ) 1 .
« و إنّي لأخشي عليكم أن تكونوا في فترة » قد كان بين عيسى عليه السّلام و نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم زمان الفترة . قال تعالى : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيّن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير و لا نذير فقد جاءكم بشير و نذير 2 .
و قد كان بعد نبيّنا صلى اللّه عليه و آله و سلّم فترتان : إحداهما ما بين مضي النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم و قيامه عليه السّلام في أيّام الثلاثة و هي الّتي ذكرها عليه السّلام ، و الثانية بعد مضيّه عليه السّلام إلى قيام قائم أهل بيته عليه السّلام . فقد قال الصادق عليه السّلام : لم ير الناس بعد أمير المؤمنين عليه السّلام عدلا ، و لا يرونه حتى يقوم قائمنا 3 .
و يمكن أن يقال : إنّ بعد النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم فترة واحدة إلى قيام القائم عليه حيث إنّه عليه السّلام لم يتمكّن من تغيير بدع من تقدّم ، و لا إظهار الحقّ بكون الثلاثة
-----------
( 1 ) مرّ في العنوان 22 من هذا الفصل .
-----------
( 2 ) المائدة : 19 .
-----------
( 3 ) روى هذا المعنى الكليني في الكافي 3 : 536 ، ح 1 .
[ 560 ]
غير حقّ ، و كلامه عليه السّلام غير آب عن ذلك حيث لم يقل عليه السّلام : « كنتم في فترة » بل « ان تكونوا في فترة » .
« و قد كانت أمور مضت ملتم فيها ميلة كنتم فيها عندي غير محمودين » في تقديمهم الثلاثة عليه .
و روى ( شواهد التنزيل ) عن ابن عباس في قوله تعالى : و اتّقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصّة 1 أنّه لمّا نزلت هذه الآية . قال النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم :
من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنّما جحد نبوّتي ، و نبوّة الأنبياء قبلي 2 .
و روى أبو عبد اللّه السراج منهم في كتابه عن ابن مسعود أنّ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال له : قد أنزلت هذه الآية و اتّقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة 3 و أنا مستودعكها و مسمّ لك خاصّة الظلمة فكن لما أقول لك واعيا ، و عنّي له مؤدّيا . من ظلم عليا مجلسي هذا كمن جحد نبّوتي ، و نبوّة من كان قبلي 4 .
و قال ابن أبي الحديد 5 : مراده عليه السّلام تقديم عثمان عليه ، و يبعد أن يريد خلافة الشيخين أيضا لأنّ المدّة قد طالت ، و لم يبق من يعاتبه ، و لسنا نمنع من أن يكون في كلامه عليه السّلام الكثير من التوجّد و التألّم بصرف الخلافة بعد وفاة النبيّ صلى اللّه عليه و آله عنه ، و انّما كلامنا الآن في ألفاظ هذه الخطبة على أنّ قوله عليه السّلام فيها « سبق الرجلان » أي في زيادات لم ينقلها الرضي كاف في انحرافه عنهما .
قلت : أما قوله : « انّ المدّة قد طالت ، و لم يبق من يعاتبه » ، ففيه :
-----------
( 1 ) الانفال : 25 .
-----------
( 2 ) أخرجه الحسكاني في شواهد التنزيل 1 : 206 ، ح 269 .
-----------
( 3 ) الانفال : 25 .
-----------
( 4 ) رواه عنه ابن طاووس في الطرائف 1 : 36 ، ح 25 .
-----------
( 5 ) شرح ابن أبي الحديد 2 : 504 ، و النقل بالمعنى .
[ 561 ]
أولا : إنّ كثيرا من المهاجرين و الأنصار الذين شهدوا السقيفة كانوا موجودين وقت قيامه عليه السّلام . فلم يمض إلاّ ستّ و عشرون سنة .
و ثانيا : إنّ جري الباقين على ذلك يكفي في عتابهم . فعاتب اللّه تعالى بني اسرائيل الذين كانوا في عصر النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلّم بما فعل آباؤهم في عصر موسى عليه السّلام لرضاهم بما فعلوا في آيات كثيرة ، و منها و إذ قتلتم نفسا فادّارأتم فيها 1 .
و ثالثا : إنّ تقديم عثمان الّذي سلّمه كان من فعل عمر و تدبيره .
« و لئن ردّ عليكم أمركم » بأن يتولّوه عليه السّلام ، لجعل اللّه تعالى له عليه السلام وليّهم في قوله عزّ و جلّ : إنّما وليّكم اللّه و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكوة و هم راكعون 2 .
فنزلت الآية لما اعطى عليه السّلام خاتمه في الركوع للسائل 3 .
و على لسان رسوله صلى اللّه عليه و آله و سلّم بعد تقريره للناس بأنّه أولى بهم من أنفسهم : « من كنت مولاه و أولى به من نفسه فهذا على مولاه و أولى به من نفسه » .
« انكم لسعداء » في الآخرة برفضهم الباطل ، و اعتقادهم بالحق من اصول الاسلام .
قال أبو سليمان الضبيّ : أرسل عليّ عليه السّلام إلى لبيد العطاردي بعض شرطه فمرّوا به على مسجد سماك . فقام إليه نعيم بن دجاجة الأسدي فحال بينهم و بينه فأرسل عليه السّلام إلى نعيم فجيء به ، و رفع شيئا ليضربه . فقال نعيم :
-----------
( 1 ) البقرة : 72 .
-----------
( 2 ) المائدة : 55 .
-----------
( 3 ) رواه جمع كثير من أهل الأثر ، أورد بعض طرقه السيوطي في الدر المنثور 2 : 293 و 294 و المجلسي في بحار الانوار 35 : 183 ، باب 4 .
[ 562 ]
« و اللّه إنّ صحبتك لذلّ ، و إنّ خلافك لكفر » . فقال عليه السّلام : و تعلم ذلك ؟ قال : نعم .
قال : خلّوه 1 .
« و ما عليّ إلاّ الجهد » و السعي بإتمام الحجّة عليكم لئلاّ يكون على اللّه حجّه بعد الرسل و أوصيائهم .
« و لو أشاء ان اقول لقلت . عفا اللّه عمّا سلف » في ميل من مال عنه أيّام الثلاثة و رجع إليه عليه السّلام في أيّامه أو في البين ، و هم جمع ذكرهم الكشي في عنوان :
« السابقون الّذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السّلام » 2 و ذكرهم الرضا عليه السّلام للمأمون في خبر .